الاثنين، 13 مارس 2006

Home – Accueil الرئيسية

TUNISNEWS
6 ème année, N° 2121 du 13.03.2006

 archives : www.tunisnews.net


الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين: بــــــيان إسلام أون لاين: دماء تسيل بشوارع تونس في وضح النهار الصباح الأسبوعي: استعراض ضخم بمناسبة خمسينية الاستقلال أخبار تونس: وسائل الإعلام الأجنبية تهتم بمكاسب المرأة التونسية الحياة: «بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي» ينال ترخيصاً للعمل في بريطانيا الحياة: الجزائر: إطلاق المؤسس و »الأمير الأول » لـ »الجماعة الإسلامية المسلحة » سويس إنفو: الإفراج عن زعيم متشدد بموجب قرار عفو جزائري يو بي آي: الجزائر ترفض توقيع اتفاقية قضائية مع بريطانيا لأنها تمس بسيادتها

حافظ خير الدين: كلّ التفاصيل حول المسيرة النضاليّة لجمعيّة القضاة التونسيين – الاستقلاليّة والصمود بين المؤامرة والتشريد د.خالد الطراولي: وخرجت القيروان… ولم يخرج علماؤنا! قيس العابدي: الحلقة الثالثة من الكشف عن السرقات العلميّة للسيدة منية الحمامي سليم بوخذير: أهالي « صفاقس » يهجرون الدراجات النارية ويتجهون لإنجاب التوائم الهادي بريك:  بعد عقد من رحيل فارس الاسلام المغوار المرحوم الغزالي : هذا الزرع فأين الشط ء ؟  الحياة : 3 مقالات ورؤى حول « الحركات الإسلامية: سياساتها وتناقضاتها الراهنة » توفيق المديني: الهند النووية وسياسة الكيل بمكيالين د. محمد أحمد الخضراوي: القمع متأصل في العقل الغربي لا في النسيج الديني المسيحي د. خالد شوكات: الطبيعة الانتقالية لانتصارات الإسلاميين الانتخابية


Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe ( Windows ) To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic (Windows).


 
أنقذوا حياة محمد عبو أنقذوا حياة كل المساجين السياسيين الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين 33 نهج المختار عطية 1001 تونس الهاتف: 71.340.860 الفاكس: 71.351831   تونس في: 13 مارس 2006 بــــــيان

 
تفيد الأنباء المتواترة و المتسربة من السجون التونسية أن بعض المساجين السياسيين يعانون من أمراض مزمنة وتنقصهم العناية اللازمة و هو ما يؤدي إلى الحيرة حول الأسباب الداعية لعدم إسعافهم و من بين هؤلاء المساجين:

–   السجين السياسي السيد الهاشمي المكي الذي يعاني من مرض السرطان و قد أعلمتنا زوجته السيدة صبيحة الطياشي أنه أعيد إلى مستشفى أريانة بعد أن أخرجوه منه. –   السجين السياسي السيد فتحي الورغي المعتقل حاليا بسجن الكاف و الذي يعاني من عديد الأمراض المزمنة كالقلب و الروماتيزم والنقص الفادح في النظر والآلام الحادة في الرأس التي تمنعه من النوم حسب شهادة سجين سياسي مسرح في الفترة الأخيرة. –       السجين السياسي السيد عيسى العامري الذي يعاني من آلام حادة في الظهر و عديد الأمراض المزمنة الأخرى. –   السجين السياسي السيد محمد المسدي الذي يعاني من كسر في مستوى الرقبة و آخر في الظهر نتيجة التعذيب الذي تعرض له سنة 1993.

و الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين التي طالما نبهت لخطورة الحالة التي يعيشها هؤلاء المساجين و غيرهم ترى أن بقاءهم في السجن يزيد في تعكير حالاتهم و أن عدم إسعافهم بالعلاج المناسب في الوقت المناسب يعتبر عقوبة غير مبررة و هي بذلك تطالب بالإفراج الفوري عنهم و إجراء فحوص طبية دقيقة على جميع المساجين السياسيين. رئيس الجمعية الأستاذ محمد النوري


عندما تحاول السلطة تصدير الدولة البوليسية

ذكرت صحيفة الفايننشيال تايمز البريطانية في عددها الصادر يوم 11 مارس أن السلطات التونسية تمارس ضغوطا شديدة على نظيرتها البريطانية من أجل دفعها إلى وضع قيود على نشاط المعارضة السياسية المقيمة في لندن. وتأتي هذه الضغوط بمناسبة المحادثات الجارية بين الطرف التونسي والبريطاني من أجل الوصول إلى اتفاق تتسلم بموجبه الحكومة التونسية مواطنيها المتهمين بالارهاب والمعتقلين بدون محاكمة في السجون البريطانية مقابل التزام من الحكومة التونسية بعدم تعرضهم للتعذيب. وتطالب الحكومة التونسية بإدراج بند حول تسليم المطلوبين في بلادهم من الناشطين السياسيين.

 
( المصدر موقع نهضة نت بتاريخ 13 مارس 2006 )


تواصل النهاني بإطلاق سراح مساجين الرأي

 

تلقى الشيخ راشد الغنوشي اتصالا هاتفيا من السيد أبو جرة سلطاني وزير الدولة الجزائري ورئيس حركة مجتمع السلم للتهنئة بالإفراج عن مجموعة من الأخوة مساجين الرأي.

وفي نفس الإطار قامت قيادة الرابطة الإسلامية ببريطانيا بزيارة لمقر الحركة بلندن للتعبير عن ابتهاجها بهذا الإفراج كما تلقى الشيخ جملة من الاتصالات من أصدقاء الحركة في العالم الإسلامي لنفس الغرض.

كما اتصل الشيخ راشد بالأستاذ نجيب الشابي معبرا له عن شكره لما بذله هو وبقية أطراف المعارضة من مجهودات في سبيل إطلاق سراح المساجين السياسيين من خلال حركة 18 أكتوبر.

ومن ناحية أخرى هاتف الشيخ راشد الأستاذة راضية النصراوي للتعبير لها عن تضامن حركة النهضة معها واستنكاره للاعتداء الذي تعرضت له خلال انعقاد الاجتماع الانقلابي الذي نظمته السلطة لإفراز قيادة لجمعية المحامين الشبان.

( المصدر موقع نهضة نت بتاريخ 13 مارس 2006 )

 

دماء تسيل بشوارع تونس في وضح النهار

تونس- محمد الحمروني- إسلام أون لاين.نت/ 13-3-2006 مواطن يذبح جاره في أحد الشوارع الرئيسية على مرأى ومسمع من الناس، وفتاة ينهال عليها أحدهم بسكين فيجرحها جرحا عميقا، ورجل يُقتل من أجل سيجارة، وآخر يسمل عين ابن أخيه ويمثل بجثته.. هذه ليست قصصا لأفلام الرعب في هوليوود، وليست حوادث ليلية من حواري شيكاغو الأمريكية في ثلاثينيات القرن العشرين.. إنها جرائم حقيقية تشهدها شوارع تونس في وضح النهار. وتصاعدت في الفترة الأخيرة بشكل لافت معدلات هذه الجرائم التي تعرف في تونس باسم « البراكاج »، ويقول مراسل إسلام أون لاين.نت: إنها تتميز بالشكل الاستعراضي أو المسرحي للجريمة، وبجرأة غريبة لمنفذيها، وبدرجة غير معهودة من العنف. والقاسم المشترك بين كل هذه العمليات أنها تتم في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من المارة.
لا إحصاءات ورغم عدم توفر إحصاءات رسمية حول المدى الحقيقي لانتشار هذه الظاهرة، فإن مؤشرات عدة تؤكد ارتفاع نسبتها بشكل مقلق. وفي تصريحات خاصة لـ »إسلام أون لاين.نت » الإثنين 13-3-2006 قال الدكتور مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية: « رغم غياب الإحصاءات الرسمية، بسبب تكتم السلطة عنها وحجبها عن الباحثين، فإن هناك عدة مؤشرات أخرى تشير إلى أن الجريمة في تصاعد من ناحية الكم والوحشية أيضا ». ومن بين هذه المؤشرات -بحسب مبروك- « الملاحظات العفوية لسلوكيات الناس في الشارع، وما تكتبه الصحافة يوميا، وما يتداوله الناس في مجالسهم من وقائع بشعة حدثت في محيطهم القريب ».
مسرحة الجريمة ويقول مراسل إسلام أون لاين.نت: إن ما يميز الجرائم الأخيرة شكلها الاستعراضي، وكأن هناك نزوعا إلى مسرحة الجريمة، أي إخراجها في قالب مشهد قابل للعرض. ونقلت الصحف التونسية مؤخرا خبر إقدام أحد المواطنين على ذبح جاره بأحد الشوارع الرئيسية بالعاصمة، كما تعرضت فتاة لاعتداء فظيع في شارع آخر، عندما انهال عليها أحدهم بسكين نتج عنه جرح عميق امتد من أعلى وجهها إلى رقبتها، وواصل اعتداءه عليها حتى بعد أن سقطت مغشيا عليها فأشبعها طعنا بالسكين وغادر المكان دون أن يحرك أحد من المارة ساكنا!. أما أكثر الاعتداءات استعراضا ومسرحة فتمثلت في قيام بعض الشبان المدججين بالسيوف والسلاسل والهراوات باعتراض سبيل الحافلات للاستيلاء على أموال وأمتعة الركاب. واهتز الرأي العام في تونس خلال الأسابيع الأخيرة لجرائم بشعة، منها قيام رجلين بسمل عين ابن أخيهما وهو ميت، وتشويه جثته لإخفاء معالم الجريمة. وقال شهود عيان: إن أحد المتهمين أغمي عليه حينما كان بصدد إعادة تمثيل الواقعة أمام المحققين من شدة بشاعتها. كما قتلت امرأة عندما اعترض مجموعة من الشباب طريق إحدى الحافلات، وسطوا على أمتعة الركاب وأموالهم وهواتفهم الجوالة، وعندما حاولت المرأة مقاومتهم طعنها أحدهم في القلب، ولم يشفع لهذه المرأة ابنها الرضيع الذي كان في حضنها. وفي حادثة أخرى ذبح شاب جدته قبل أن يسلم نفسه إلى السلطات دون أن يبدو عليه أي تأثر. كما قتل شاب آخر جده بهراوة هشمت رأسه ثم سلم نفسه لمركز أمني، وفيما كان الضباط يجرون اتصالاتهم بالجهات المختصة استغرق المتهم في نوم عميق أذهل المحققين.
وحشية وعرضية ويقول د.مبروك: إن هذه الجرائم تختلف عن السابق؛ « فهي أكثر عنفا ووحشية، ومعظمها جرائم عرضية وعابرة، وبلا أسباب ». وأردف: إن أخطر ما في الأمر هو « تحول الجريمة -وهي الاستثناء والنادر والشاذ- إلى ممارسة يطبع معها المجتمع وهي فاقدة لأي مغزى سوى شهوة القتل والإيذاء، وكأننا بصدد انتشار نزوة سادية جماعية ترافقها مشاعر التلصص والتمتع بالمشاهدة ». وقال: « انظر كيف تتحول أسماء بعض المجرمين إلى نقوشات على طاولات الفصول المدرسية والجدران ». وأضاف: « من بين جرائم الصدفة والعرض العابر التي أصبحنا نراها تتكرر: قتل بسبب سيجارة ودون سابق معرفة، أو طعنة قاتلة لسرقة هاتف جوال، أو محفظة نقود، أو لمبلغ تافه ».
تمييع قيمي وتهميش وأرجع د.مبروك أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى اتساع فضاءات التهميش الاقتصادي والاجتماعي خصوصا مع تنامي ظاهرة البطالة والانقطاع المدرسي. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة البطالة بتونس تبلغ 13.5%، إلا أن التقديرات غير الرسمية تتجاوز تلك النسبة كثيرا. وعدد أيضا من بين هذه الأسباب « الفراغ الثقافي الناجم عن كبت ثقافي متعمد وتمييع قيمي إستراتيجي مبرمج له، خلف خواء قيميا كبيرا ». وأوضح أن هناك أسبابا سياسية بقوله: « أعتقد أنه قد يكون لخيارات الدولة الأمنية علاقة بما يحدث، فهذه الدولة ومنذ ما يقارب العقدين منحت أولوية مطلقة للأمن السياسي، وقد نجحت -من منظورها- نجاحا منقطع النظير أتى على الديمقراطية والحريات وكان هذا النجاح على حساب الأمن الاقتصادي والاجتماعي ».
الإجراءات الحكومية وتعتمد السلطات التونسية آليات جزائية لمعالجة الظاهرة تقوم على أساس أنه لا جريمة تمر دون عقاب، إضافة إلى الآليات الأمنية المتمثلة في تكثيف التواجد الأمني ومظاهر حضور الأعوان (قوات الشرطة) وانتشارهم. ويقول الدكتور فتحي التوزري الباحث والعالم النفساني في تصريحات خاصة لـ إسلام أون لاين.نت: « لقد مرت السلطة في تعاملها مع ظواهر العنف بمرحلتين: الأولى تميزت بإنكار السلطة لوجود أي مظاهر عنيفة. والمرحلة الثانية الحالية بدأت خلالها السلطة تدريجيا تعترف بوجود هذه الظواهر ». ورأى أن هناك سببين لهذا التغيير: « الأول: الارتفاع الكبير في حجم الظاهرة، والثاني ضغوط المنظمات الدولية مثل اليونيسيف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) ومنظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة من أجل التصدي للظاهرة ». ورغم أن الحلول الأمنية أثبتت عدم جدواها في الحد من الجريمة والعنف فإنها تظل هي الحلول المفضلة لدى السلطات التونسية. وفي هذا السياق يقول د.مهدي مبروك: « إن غياب الأمن الاجتماعي يدفع الشعب للمطالبة بتوفير الأمن، وهو ما يقتضي -حسب الدولة- دعم الجهاز الأمني ماديا ومعنويا ». ويتساءل متعجبا: « كيف تحدث هذه الجرائم وبلادنا تمتلك أكثر الأجهزة الأمنية عددا وعتادا؟ ».  (المصدر: موقع إسلام أون لاين.نت بتاريخ 13  مارس 2006 )

 


خاص

استعراض ضخم بمناسبة خمسينية الاستقلال

ما بين 4 و6 آلاف مشارك ولوحات فنية متعددة ونقل تلفزي مباشر

تتواصل الاستعدادات الحثيثة من أجل الاحتفال بخمسينية الاستقلال وقد أولت وزارة الثقافة والمحافظة على التراث عناية هامة بهذا الحدث الوطني حيث أعدت برنامجا احتفاليا امتد على كامل المندوبيات الجهوية. وفي نفس الوقت تجندت جميع الاطراف من أجل صنع الحدث بتونس من خلال إعداد استعراض فني ضخم يجمع ما بين أربعة آلاف وستة آلاف مشارك يروون تاريخ تونس من الاحتلال إلى الاستقلال وصولا إلى عهد التغيير.. وسيشارك في هذا العمل الضخم إلى جانب الشباب عدد من الاسلاك النشيطة..

وباعتبار تعود مبدعينا على العروض الفنية الكبرى فقد أوكلت مهمة الاخراج إلى البشير الدريسي ومنير العرقي وسليم الصنهاجي ونبيل ميهوب وحاتم دربال وصلاح الدين الحفيان من أجل خلق فرجة ورؤية جمالية في إطار أكثر من عشر لوحات فنية تتداخل فيها الدمى العملاقة بالنماذج المصغرة لسيادة تونس وللمجتمع المدني بجميع نظمه وأطره ومقومات السيادة الوطنية ورموز البلاد ورجالاتها في المجالات السياسية والفكرية والدينية والفنية من خلال نص أعده رجا فرحات ورؤوف بن عمر.

والجدير بالذكر أن هذا الاستعراض الفني التاريخي الضخم سيسبقه استعراض شعبي لعديد الفرق الفولكورية من مناطق البلاد وتنفرد الاسبوعي بذكر أهم الاسماء الفنية المشاركة في الاستعراض الضخم إذ نجد كل من أحمد معاوية وجمال ساسي وجعفر القاسمي ومحمد علي دمق ونبيلة قويدر وآمال علوان وسامية العياري وكوثر الباردي وعبد اللطيف خير الدين ومحمد السياري وجمال العروي وجلال الدين السعدي وغيرهم الذين سيجسمون شخصيات وزعماء وطنيين.. ومن المنتظر أن تكون هذه الوجوه فوق عربات مجرورة ستحمل بدورها مجسمات لتلك الشخصيات.. وحسب المعلومات المتوفرة لدينا فإن نقلا تلفزيا مباشرا لهذا الاستعراض الذي سيتم بإحدى ضواحي العاصمة قد ينجز في اخراج لكل من عبد الجبار البحوري وحمادي عرافة.

حافظ الشتيوي

 

(المصدر: جريدة « الصباح الأسبوعي » الصادرة يوم 13 مارس 2006)


 

عادات سيئة.. متى تزول؟

 

من العادات السيئة التي لم تؤثر فيها التحولات السياسية ولا الاقتصادية ولا تغيّر العقليات وأنماط التسيير وأطرها على امتداد خمسين سنة من الاستقلال تلك التي تتعلق بالاستعداد الخاص لاستقبال المسؤول الكبير من خلال إحكام تنظيف الشوارع وتقليم الأشجار أو حتى غرسها بأزهارها ودهن وتبييض المحلات الموجودة على الطريق التي سيمر منها وسد الحفر التي نبت العشب بها لطول غياب تعهدها وإصلاح الأضواء المعطبة منذ اشهر وإعادة كل شيء إلى ما يفترض أن يكون عليه دوما… وهو عادة ما يدخل في إطار ما كلفت به الجهة مرجع النظر من مهام يومية تسدد الدولة مقابلها أجورا لمن كلف بالسهر على القيام بها.

 

وانه لمن المؤسف حقا أن لا يتمتع المواطن بحقه في بيئة نظيفة او في طريق معبد إلا عند حلول مسؤول كبير وقد يحرم من ذلك الحق ما ان يغادر المسؤول المكان ولا تزال كلمات تلك المراة التي تحدثت منذ أسبوعين على القناة الوطنية ترن في أذنيّ عندما قالت أن المرة الوحيدة التي تمت  فيها صيانة محيط العمارات التي تسكن بها كانت عندما حلّ ركب مسؤول في إطار مشروع ما انطلقت أشغاله بحضوره ثم توقفت بمجرد مغادرته , ومن المؤسف أن يتواصل هذا الحال دون رادع في الوقت الذي يعتبر هذا التصرف ضربا من ضروب الغش وإخلالا بالمسؤولية وليس اخطر من أن نخفي الحقيقة على من يتحملون وزر المسؤوليات الكبرى بإيهامهم أن كل شيء على أحسن ما يرام والحقيقة عكس ذلك تماما..

 

ان مثل هذا السلوك الذي أصبح ـ للاسف قاعدة في التعامل ـ يودي بصاحبه للمثول امام القضاء في دول اخرى بتهم عدة اهمها الخداع واهدار المال العمومي دون موجب.. فهل تتغير عقليات البعض  في بلدنا ويتحملون مسؤولياتهم كاملة ام علينا ان ننتظر الذكرى المائة للاستقلال.

 

حافظ الغريبي

 

(المصدر: جريدة « الصباح الأسبوعي » الصادرة يوم 13 مارس 2006)

 


 

«بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي» ينال ترخيصاً للعمل في بريطانيا

لندن      الحياة     

 

أعلن بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي أنه تسلم ترخيصاً من هيئة الخدمات المالية البريطانية في شأن الطلب المقدم من المصرف للحصول على تصريح بموجب الباب الرابع من قانون الخدمات والأسواق المالية لعام 2000. وبهذا يصبح المصرف أول مصرف مستقل يعمل وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية يرخص له للعمل كمصرف إسلامي استثماري تحت إشراف هيئة الخدمات المالية في بريطانيا.

ويشمل المساهمون المؤسسون للمصرف العديد من الأفراد الخليجيين والمؤسسات الخليجية بما فيها عدد من المصارف الإسلامية وكذلك عدد من الأفراد والشركات التي يقع مقارها في أوروبا.

وقال العضو المنتدب للمصرف جون ويجولين: «نحن سعداء جداً بالأنباء التي تلقيناها من هيئة الخدمات المالية. ويعني هذا بأن المصرف يستطيع البدء بأعماله في مطلع نيسان (أبريل) 2006 بحسب المخطط ويتيح لنا البدء بعملية زيادة قاعدتنا الرأسمالية». وأضاف: «نود أن نعرب عن جزيل الشكر لهيئة الخدمات المالية لمشورتها المفيدة والأسلوب الإيجابي في التعامل مع طلبنا ولتوجهاتها طوال عملية النظر في طلبنا».

وقال: «إن خضوعنا لتنظيم هيئة الخدمات المالية كمصرف يقع مقره في مدينة لندن بالمملكة المتحدة سيكون من العوامل المهمة التي تميزنا عن غيرنا، ونؤكد لجميع المتعاملين معنا مدى التزامنا بالشفافية وببلوغ أعلى المستويات في العمل والنشاط».

وسيسعى المصرف إلى خدمة السوق في أوروبا في ظل عدم الاستغلال الأمثل من المصارف التقليدية والإسلامية ومن المؤسسات غير المصرفية بحيث يصبح مشاركاً رئيسياً في سوق الأوراق المالية الإسلامية ومنتجات الخزانة والمنتجات الاستثمارية التي تشهد حالياً نمواً سريعاً في مناطق الشرق الأوسط وآسيا.

 

(المصدر: صحيفة الحياة الصادرة يوم 13 مارس 2006)


 

وسائل الإعلام الأجنبية تهتم بمكاسب المرأة التونسية

 

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة اهتمت عديد وسائل الاعلام الاجنبية بما أحرزته المرأة التونسية من مكاسب هامة جعلتها تتبوأ مكانة الشريك الفاعل في المجتمع وتعرضت في هذا الصدد عديد وكالات الانباء العالمية إلى الرسالة التي توجه بها الرئيس زين العابدين بن علي إلى رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية والتي دعا فيها بالخصوص إلى ضرورة حماية مكاسب المرأة والاسرة وتنميتها واثرائها حتي تبقي المرأة خاصة والاسرة عامة حصنا منيعا ضد نزعات الغلو والتطرف وتيارات الردة والرجعية.

 

وبثت قناة « ا ن ب « الفضائية اللبنانية تقريرا ابرز بالخصوص النقلة النوعية التي حققتها المرأة التونسية مستعرضة جملة من الارقام والمؤشرات التي تؤكد حضور المرأة البارز في مواقع القرار والمسؤولية .

 

وفي نفس السياق بثت قناة « العربية « تقريرا حول القاضيات التونسيات واستجوبت السيدة رفيعة بن عزالدين اول قاضية تونسية التي تشغل حاليا خطة الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف بنابل.

 

وبثت قناة البرلمانية الفرنسية  » ل س ب  » برنامجا حواريا حول  » النساء في العالم الاسلامي  » استضافت فيه السيدة سلوى التارزى العضو في مجلس النواب والتي تناولت في مداخلتها بالخصوص مجلة الاحوال الشخصية وما جاء فيها من تشريعات رائدة اتاحت تطوير اوضاع المرأة والاسرة في تونس.

 

اما القناة الفرنسية الثانية  » فرنسا 2  » فبثت بالمناسبة مقتطفات من الشريط الوثائقي « نساء حرات « للمخرج جلول بلغورة والذى يقدم للمكاسب التي حققتها المرأة التونسية علي عديد الاصعدة.

 

كما استضافت قناتا « تي ف 5 العالمية  » و  » ل س ا  » الفرنسيتان الباحثة التونسية حبيبة الشعبوني الحائزة على جائزة  » لوريال اليونسكو للنساء  » والتي تحدثت عن ابحاثها الطبية والبيولوجية في مجال الامراض الوراثية.

 

ونشرت وكالة الانباء الايطالية «ادنكرونوس» سلسلة من المقالات تبرز المكانة المرموقة التي اضحت تحتلها المرأة بفضل التشريعات الرائدة المعتمدة في تونس كما اجرت هذه الوكالة حديثا مع رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية ومع احدى نساء الاعمال التونسيات اضافة إلى تغطيتها للندوة التي التامت يوم 8 مارس بروما حول « مكاسب المرأة التونسية بعد خمسين سنة من الاستقلال».

 

ونشر موقع « ميدل ايست اون ليان « علي شبكة الانترنات مقالا ابرز بالخصوص تصدر تونس البلدان العربية في مجال الحضور النسائي في البرلمانات و ذلك اعتبارا لحضورها بنسبة تبلغ 23 بالمائة في مجلس النواب . واشار الموقع إلى ان تونس تاتي في المرتبة 36 دوليا في هذا المجال من مجموع 138 دولة في العالم

 

كما ابرز المقال حضور المرأة التونسية بنسبة 20 بالمائة في السلك الدبلوماسي وبنسبة 32 بالمائة في المجالس الجهوية وبنسبة 25 بالمائة من مجموع السكان النشيطين.

 

ونشر موقع « ايلاف « من جانبه مقالا سلط فيه الضؤء علي بعض الفصول الهامة من مجلة الأحوال الشخصية اضافة إلى استعراضه المكانة الهامة التي أصبحت تحتلها المرأة في المجتمع بالاستناد إلى ارقام صندوق الامم المتحدة للسكان.

 

(المصدر: موقع « أخبار تونس » الرسمي بتاريخ 13 مارس 2006)


 

الجزائر: إطلاق المؤسس و »الأمير الأول » لـ »الجماعة الإسلامية المسلحة »

الجزائر – محمد مقدم

 

أفرجت النيابة العامة لمجلس قضاء الجزائر، مساء أمس، عن عبدالحق العيادة (ابو عدلان) مؤسس «الجماعة الإسلامية المسلحة» و «أميرها» الأول الذي كان معتقلاً في سجن سركاجي منذ خريف 1993، بعدما سلمه المغرب الى السلطات الجزائرية.

 

وقال مصدر قضائي بارز إن الافراج عن العيادة جاء في اطار عفو رئاسي وقعه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قبل أيام تنفيذاً لأحكام ميثاق السلم والمصالحة الذي يعطي الرئيس حق اصدار عفو رئاسي عن كل الأشخاص الذين تصدر ضدهم أحكام نهائية ولم يتورطوا بشكل مباشر في المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو تفجير القنابل في الأماكن العامة.

 

وخرج العيادة من السجن في حدود الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر، وكان في استقباله علي بن حاج الرجل الثاني في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المنحلة. لكن العيادة رفض الإدلاء بأي تصريح للصحافيين الذين تجمعوا أمام سجن سركاجي العتيق في أعالي العاصمة. وانتقل برفقة علي بن حاج، الى منزله في بلدة براقي حيث تجمع العشرات من الأنصار، بينهم عمر شيخي الذي سلم نفسه الى السلطات العام 1999. ويعتقد بأن شيخي والعيادة هما الوحيدان الباقيان على قيد الحياة من مؤسسي «الجماعة الاسلامية المسلحة» التي تتهم بالمجازر الجماعية منذ العام 1995.

 

وكان صدر على العيادة حكم بالإعدام لكنه لم ينفذ، بعدما علقت السلطات كل أحكام الإعدام منذ 1994 بسبب الضغوط الأوروبية.

 

وتولى العيادة قيادة «الجماعة الاسلامية المسلحة» منذ نشأتها منتصف تشرين الأول (اكتوبر) 1992 حتى توقيفه في المغرب في 21 تموز (يوليو) 1993، وتسلمته الجزائر رسمياً في 24 ايلول (سبتمبر) 1993، بعد مفاوضات شاقة تولاها وزير الدفاع آنذاك الجنرال خالد نزار مباشرة مع الملك الراحل الحسن الثاني. وزعم نزار في مذكراته ان الملك ساومه بملف الصحراء الغربية وهي معلومات أكدها العيادة لاحقاً في إحدى رسائله الى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة سنة 2005.

 

(المصدر: صحيفة الحياة الصادرة يوم 13 مارس 2006)

 


الإفراج عن زعيم متشدد بموجب قرار عفو جزائري

 

الجزائر (رويترز) – قال شهود ان الجزائر أفرجت يوم الاحد عن أحد مؤسسي الجماعة الاسلامية المسلحة. وهو واحد من أبرز من افرج عنهم بموجب عفو حكومي يهدف الى انهاء اكثر من عقد من الحرب الاهلية.

 

وكان عبد الحق العيادة المعروف ايضا باسم ابو عدلان زعيم الجماعة. واعتقل عام 1993 في المغرب ثم حكم عليه بالاعدام.

 

واتهمت الجماعة بارتكاب مذابح ضد المدنيين خلال فترة النزاع التي بدأت عام 1992 عندما الغى الجيش انتخابات كان الاسلاميون المتشددون على وشك الفوز فيها.

 

واسفر العنف عن حصد ارواح 150 الف شخص وخسائر اقتصادية بلغت 20 مليار دولار.

 

وقال افراد من عائلته لرويترز ان العيادة غادر سجن سركاجي في الجزائر العاصمة يوم الاحد.

 

وجاء الافراج عنه بموجب مرسوم حكومي يمنح ايضا المتمردين الذين ما زالوا يحملون السلاح فترة ستة اشهر لتسليم انفسهم ونيل العفو شريطة الا يكونوا ضالعين في ارتكاب مذابح وعمليات اغتصاب وتفجيرات للاماكن العامة.

 

واطلقت الحكومة في السادس من مارس اذار سراح علي بلحاج نائب رئيس جبهة الانقاذ الاسلامية المحظورة الذي اعتقل بسبب اشادته بالهجمات التي ينفذها مسلحون مناهضون للولايات المتحدة في العراق. وتنوي الحكومة الجزائرية اطلاق سراح 2629 اسلاميا.

 

(المصدر: موقع سويس إنفو بتاريخ 12 مارس 2006 نقلا عن وكالة رويترز للأنباء)

 


 

الجزائر ترفض توقيع اتفاقية قضائية مع بريطانيا لأنها تمس بسيادتها

 

الجزائر ـ يو بي آي: رفضت الجزائر التوقيع علي اتفاقية قضائية مع بريطانيا تتعلق بتسليم مجرمين أو متهمين في قضايا إرهابية، بسبب اشتراط لندن متابعة المحاكمات التي تتعلق بهؤلاء علي الأراضي الجزائرية.

 

وقال مصدر جزائري مطلع رفض التصريح باسمه لـ يونايتد برس انترناشونال السبت ان الجزائر رفضت التوقيع علي هذه الاتفاقية علي أساس مبدأ السيادة، بسبب الشرط البريطاني الذي تحاول لندن من خلاله تقنين حق بريطانيا في المتابعة المباشرة لأي محاكمة تخص مطلوبين جزائريين قد تسلمهم بريطانيا لاحقاً للجزائر.

وكان رابح طوبال المتحدث باسم سفارة الجزائر في بريطانيا كشف قبل يومين عن أن الجزائر لم تطلب في أي وقت من الأوقات ترحيل إرهابيين أو أي من المطلوبين الجزائريين الذين يقيمون علي الأراضي البريطانية، مشيراً في حديث مع القناة التلفزيونية البريطانية الرابعة الي أن الوصول إلي طريق مسدود في المفاوضات بين الخبراء الجزائريين والبريطانيين حول إبرام اتفاقية بين البلدين لترحيل المشبوهين كان بسبب اشتراط البريطانيين أن تتيح السلطات الجزائرية لقضاة بريطانيين لقاء المطلوبين ومتابعة محاكمتهم وسجنهم في الجزائر، وهو ما تري فيه الجزائر خرقاً لسيادتها.

وقال طوبال ان التوقيع علي اتفاقية ترحيل وتسليم المطلوبين كانت ممكنة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، مشدداً علي أن الجزائر لن تبرم هذه الاتفاقية ما لم تسحب بريطانيا شرطها.

وأضاف ان الشرط البريطاني بالنسبة للجزائر يضع القضاء الجزائري محل شبهة وهو شيء مرفوض بتاتاً بالنسبة لها.

وقال أن البريطانيين إذا كانوا لا يثقون بنا فليحتفظوا بهم (المطلوبين) لديهم، فالجزائر لم تطلب يوما تسليمها هؤلاء، ولندن هي التي اقترحت ترحيلهم بحجة أنهم يشكلون خطراً علي أمن بريطانيا وبخاصة بعد تفجيرات قطارات لندن في الصيف الماضي .

وكانت بريطانيا أبرمت اتفاقيات مماثلة مع ليبيا ولبنان والأردن، وهي تأمل في أن تبرم الاتفاق بالصيغة نفسها مع الجزائر.

وكانت بريطانيا أوفدت إلي الجزائر وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والأمن الدولي كيم هوالز، مباشرة بعد وقوع تفجيرات لندن، في زيارة استمرت ثلاثة أيام التقي خلالها مع كبار المسؤولين الجزائريين لبحث التعاون المشترك في مجال مكافحة الإرهاب.

وكان عبد القادر مساهل الوزير الجزائري المكلف بالشؤون المغاربية والإفريقية، كشف خلال زيارة هوالز في تموز (يوليو) الماضي أن بلاده قدمت ملفات إلي الحكومة البريطانية بخصوص جزائريين يوجدون في بريطانيا تورطوا في أعمال إرهابية في تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلي أن البلدين اتفقا علي أن يطرحا موضوع تسليم هؤلاء بعد وضع اتفاقية مشتركة وذلك بعد دراستها علي مستوي خبراء الطرفين عبر ثلاث لجان مشتركة سيتم إنشاؤها لاحقاً لتناول كل القضايا المتعلقة بالقضاء والإجرام.

 

(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 13 مارس 2006)

 


 

حافظ خير الدين: كلّ التفاصيل حول المسيرة النضاليّة لجمعيّة القضاة التونسيين:

الاستقلاليّة والصمود بين المؤامرة والتشريد  (1 من 4)

بقلم: حافظ خير الدين

 

˜˜

الحلقة الأولى ˜˜

ننشر تباعا وعلى مدى حلقات أربع (بصفة استثنائية) هذا النص نظرا لطوله

 

الاهداء:

« نهدي هذا المقال الى السيدات كلثوم كنو ووسيلة الكعبي وروضة القرافي وليلى بحرية

وآسيا لعبيدي ونورة حمدي نساء وأمهات وقاضيات ومناضلات، بمناسبة العيد العالمي للمرأة »

 

 

فاتحة:

يمكن للسلطة أن تمحو الجمعيّة من الوجود لكنّها لن تمحو من ذاكرتنا تاريخا مشرقا لقضاة حملوا شرف القضاء.

 

 

كلمة لابدّ منها:

« نستحضر في هذه الأوقات العصيبة وقوف القضاة ممن حملوا شرف القضاء على أبواب قصر العدالة وهم يشهدون على مرأى الجميع إلغاء وجودهم والنيل من هيبتهم والمساس من كرامتهم » (1)

 

طالعتنا جريدة الشروق الصادرة يوم 18 جانفي 2006 بخبر اجتماع المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين المنبثق عن المؤتمر الانقلابي وذلك يوم 16/01/2006 وأفاد المخبر المطلع على ما يدور في اجتماعات قضاة الوزير ان  الجماعة وهي توغل في الكذب الصريح أكدت على « ضرورة الالتفاف حول الجمعية التي تبقى ملكا لجميع القضاة بدون استثناء وفضاءهم الرحب الذي يعبرون داخله على كل ما يخالجهم من مشاغل بعيدا عن أي وصاية من أي جهة كانت».فهل بقيت جمعية القضاة حقا فضاء رحبا يضم كل القضاة بدون وصاية من أي جهة كانت؟

 

سنحاول من خلال هذه السطور الاجابة على هذا السؤال وذلك بايراد بعض التفاصيل الخفية ( والشيطان يكمن في التفاصيل كما يقول المثل الانقليزي ) عما حصل داخل جميعة القضاة في السنوات الخمس الأخيرة التي ليس للرأي العام المام بها نظرا لأن الجمعية ظلت دائما بارادة وتدبير من لدن وزارة العدل تنشط في العتمة. فالتعاطي مع وسائل الاعلام هو من الخطوط الحمر المحظور عليها تجاوزها حتى أنها على أهمية موقعها في النسيج الجمعياتي وباعتبارها هيكلا يدافع على استقلال القضاء ويعمل من أجل صيانة مصالح القضاة المادية والمعنوية لم تعقد في تارخها وان مرة واحدة ندوة صحفية حول مشاغل القضاة ومطالبهم .

 

لقد حدث في السنوات الخمس الأخيرة داخل الجمعية تطور مشهود مكن الخط المستقل من تأليف أغلبية داخل المكتب والهياكل القيادية

 

-أولا بعد ان توصلت العناصر المناضلة من القضاة المستقلين الى اخضاع الانتخابات في المؤتمرات الى الرقابة الصارمة والشفافة. فكان من نتائج ذلك  جعل عملية فرز الأصوات علنية تتم بحضور ملاحظين محايدين وتحت أعين المترشحين أنفسهم بعد أن كانت تتم في السر وراء أبواب أحكمت وزارة العدل دائما إغلاقها وجعلتها حكرا عليها وعلى زبانيتها (جرابة صافيين) وغني عن القول ان حماية الصناديق من التلاعب والتزييف  أدى كما هو منتظر في أية انتخابات نزيهة الى حمل العناصر الممثلة فعلا والمستقلة عن السلطة التنفيذية الى مواقع القرار ينطقون عبرها بمشاغل منظوريهم ويصدعون بالحقيقة بلا لبس ولا مداورة بل لا يكتفون بالشعارات يصرخ بها وراء جدران نادي السكرة البعيد عن كل عين جاسوس وانما يتصورون لكل مشكل حلا ولكل عيب بديلا.

 

ثانيا من خلال الغاء الانتخاب بالتواكيل وهو اجراء كان يخوله قانون الجمعية الأساسي فكانت وزارة العدل تجمع التواكيل قبيل المؤتمرات بواسطة القضاة أصحاب الوظائف القضائية من رؤساء محاكم ووكلاء جمهورية ووكلاء عامين في حملات مسعورة تتراوح بلا هوادة بين العصا والجزرة تلوح بترقيات يسيل لها لعاب البعض أو بنقل عقابية متخفية ترتعد لها فرائص البعض الآخر. وهكذا كان كثير من القضاة يضعون تواكيلهم بين ايد غير أمينة مما يمكن مرشحي الوزارة الذين تذهب اليهم أصوات التواكيل من الحصول على أغلبية مسروقة داخل المكتب التنفيذي ثم تبعا لذلك من مد نفوذهم على الهيئة  الإدارية ( ممثلو المحاكم )

 

– ثالثا: من خلال التوسيع في تركيبة المكتب التنفيذي ليحتضن قضاة المحاكم الداخلية الى جانب محاكم الحاضرة وهو ما مكن الجمعية من الاشعاع على الداخل وكسر الصورة النمطية التي كانت عالقة بأذهان  القضاة مفادها ان المكتب التنفيذي ناد مغلق لا ينال شرف الدخول اليه الا من استقر بهم المقام في تونس العاصمة وهو ناد اشبه بشركة تأمين ضد النقلة خارج العاصمة أو أشبه بغرفة انتظار تفضي حتما الى الترقية باحدى محاكم تونس الكبرى وقد مكن توسيع المكتب التنفيذي من اعادة دمج العناصر المناضلة التي كانت ملاحقة ومشردة الى أقاصي البلاد توقيا من وجودها داخل المكتب التنفيذي.

 

هكذا اذن نما المد الاستقلالي داخل جمعية القضاة وبلغ ذروته بانتخاب المكتب المنبثق عن المؤتمر العاشر للجمعية  في 12/12/2004 والذي ضم اغلبية مستقلة جادة برئاسة القاضي السيد أحمد الرحموني دعمتها أغلبية داخل الهيئة الادارية ومجموعة كبرى من المنخرطين الفاعلين من ذوي المصداقية والاشعاع المهني والأخلاقي وبذلك دخل العمل صلب الجمعية منعرجا  حاسما في تاريخها فتحول المكتب من مجرد قناة باهتة لرفع بعض المطالب والشعارات التي تسقط في التكرار الممجوج إلى خلية للتفكير والتصور وطرح البدائل بعمق حول مشاغل القضاة ومطالبهم والى قاطرة للدفع نحو التعريف بتلك المطالب والسعي الى تحقيقها .

 

وفي هذا الاطار صدرت اولى لوائح المكتب في 29/12/2005 في قراءة تحليلية معمقة لمشروع القانون الأساسي للقضاة شرح فيها النقائص التي شابت المشروع وقدم مقترحات دقيقة  حول تطوير ذلك القانون بما يكرس استقلال القضاء و يتلاءم مع وضعه كسلطة مستقلة طبقا مقتضيات الدستور وتركزت  النقاشات صلب المجالس الوطنية بمبادرة   من أعضاء المكتب التنفيذي حول هذا الملف أولا  ولكن أيضا  حول هموم القضاة اليومية وظروف عملهم المرتبطة بارتفاع حجم العمل بدوائر محاكم المدن الكبرى وانتهت النقاشات المكثفة حول هذه النقطة الثانية الى المطالبة العاجلة بالزيادة في عدد القضاة وعدد الدوائر ومكاتب التحقيق  داخل  المحاكم حتى يخرج القضاة من وضعية ملاحقة  دائمة للتقارير الشهرية ( محاسبة شهرية لعدد القضايا المفصولة) حولتهم الى روبوهات للفصل في القضايا تحقيقا لعدالة الأرقام وهو شعار وزارة العدل على حساب عدالة الأحكام وجودتها في دوامة محمومة يلهب وتيرتها رؤساء  المحاكم والوكلاء العامون ووكلاء الجمهورية لا غيرة منهم على مصالح المتقاضين بل ارضاء لوزارة العدل عساهم يتسلقون بذلك سلم المناصب في تجاهل تام لقدرات الاطارين القضائي والاداري على التصدي لسيل جارف من العمل فطرحت لأول مرة من داخل المجالس الوطنية الحلول العملية لمواجهة هذا المشكل وتمثلت في المطالبة  بوضع مقاييس كمية لضبط وتيره الفصل في القضايا لتلافي الوقوع في الافراط على حساب الجهد البشرى للقضاة وجودة العدالة التي يقدمونها خدمة لمصلحة المتقاضين.

 

وفي بادرة شجاعة ايضا ساند المكتب التنفيذي اعتراض القضاة على انتخابات ممثيلهم في المجلس الأعلى للقضاء في أول ممارسة للقضاة في تاريخ القطاع اطلاقا لحقهم في الطعن في تلك الانتخابات تكريسا لمطلبهم في اصلاح هذا الهيكل وخاصة من خلال مراجعة طرق انتخاب ممثلي القضاة بالمجلس تحقيقا لضمانات الترشح الحر والفردي والانتخاب السري والفرز العلني المراقب وهي ضمانات  لا ترى وزارة العدل من ضرورة لها مما يحولها الى انتخابات صورية لا ينجح فيها ( وأي نجاح !) الا المقربون من دوائر الوزارة أولئك الذين يجيدون فنون الطاعة و الامتثال و الصمت وبحذقون أساليب طلب الحوائج لأنفسهم و ذويهم و هم عادة مرشحو وزارة العدل الفاشلون في انتخابات جمعية القضاة ولقد كانت الحركة القضائية لصائفة 2005 التي شهدت تنكيلا بمسؤولي الجمعية المستقلين و بمن دافعوا على هياكلها الشرعية الدليل القاطع على فقدان الأعضاء « المنتخبين  » داخل المجلس الأعلى للقضاء (يتولى هذا المجلس أمر نقلة القاضي و ترقيته وتأديبه ) لأي تمثيلية حقيقية وعلى دورهم الديكوري المتواطئ داخل المجلس فقد صمتوا صمتا مخزيا على النقل التي اتخذت شكل مجزرة جماعية سلطت على زملائهم من المكتب التنفيذي ومن حزامه القريب .

 

ولقد تجاوزت مساندة المكتب لاعتراض القضاة على انتخابات المجلس الأعلى للقضاء مستوى الموقف المساند أو المبدئي فسارعت السيدة كلثوم كنو الكاتب العام للجمعية الى الاعتراض هي نفسها على تلك الانتخابات لدى وزير العدل ثم لدى المحكمة الادارية بعد سكوت الوزير على جملة الاعتراضات المقدمة اليه.

 

ولم يتوان المكتب عن اتخاذ المواقف المبدئية في الدفاع على حرمة المحاكم وحق الدفاع على اثر وقائع 2 مارس الشهيرة بمناسبة محاكمة الأستاذ محمد عبو كما رفض بهذه المناسبة اتخاذ المواقف المملاة من وزارة الاشراف لمناصرة قضاة السلطة الذين تعهدوا بالقضايا السياسية الملفقة كما رفض السقوط  في المنطق  الغوغائي (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) مما اضطر الوزارة في سابقة خطيرة الى استعمال المجلس الأعلى للقضاء في غياب مكتب طيع يؤازرها في مآزقها السياسية والى استخدام هذه المؤسسة للايذان رسميا بالملاحقة القضائية للمحامين في قاعات  المحاكم  وابان توليهم واجب الدفاع وذلك بذريعة صيانة هيبة القضاء الضحية الكبرى للمحاكمات السياسية  التي تحولت الى شاهد اثبات فاضح لعدم استقلال القضاء التونسي فأصدر بلاغه التاريخي في 3/05/2005 وكان ضحيته في اليوم نفسه الأستاذ فوزي بن مراد المعروف بمرافعاته الشهيرة في القضايا السياسية ومحامي جمعية القضاة فحكم عليه بأربعة أشهر سجنا مع النفاذ العاجل.

 

ولقد  أدى رفض المكتب التنفيذي مناصرة قضاة السلطة وجلاديها الى غضب الوزارة التي حركت  منذ ذلك الوقت ماكينتها المقيتة ضد هياكل الجمعية باطلاق حملات العمل الموازي لنشاطها وجر القضاة جرا الى التصديق على عرائض جاهزة تحت النظر البوليسي لرؤساء المحاكم ووكلاء الجمهورية والوكلاء العامين وأقلية من اعوانها ومأموريها الذين استبسلوا في افشال اجتماعات المجالس الوطنية  وخططوا بليل لافشال المجلس الوطني في 12/06/2005 .

 

(يتبع)

 

نواصل غدا الحلقة الثانية


 

(1)  من بيان لجمعيّة القضاة التونسيين بتاريخ  09 سبتمبر 2005

 


 
 

وخرجت القيروان… ولم يخرج علماؤنا!

د.خالد الطراولي

ktraouli@yahoo.fr

 

وخرجت القيروان

 

خرجت القيروان تدفن عالما، تدفن مرشدا، تدفن وقوفا ومقاومة، لعلكم تتبعتم مثلي لقطات الفيديو (*) التي حملت لنا وقائع جنازة المغفور له سيدي الشيخ عبد الرحمان خليف، ولعلكم غلبتكم الدموع لرهبة المنظر وخشوع الحاضرين، ولست أدري أهو تذكير بالموت الذي نسيناه، أو هو عظمة الموقف لعالم ودّعناه، أم هي رهبة الجنازة التي افتقدنا نحن في الغرب تقاليدها وأجوائها؟… … لقد زحفت كل هذه الخواطر على مخيلتي وألهبت المشاعر والوجدان وعبرت عنها دمعات حزينة غادرت بسماحة العيون والأجفان!

 

غير أن ما حملته الجنازة في مسيرتها العابرة والحزينة، ومضة تصطبغ بالتفاؤل والنظرة المستبشرة للمستقبل… لقد خرجت القيروان وراء عالمها وحِبِّها، وهي تعبّر بلوعة وإخلاص عن فقدانها لمصابها الجلل… وعبّرت هذه الصور، على قتامتها، أنّ هناك روحا أصيلة وشعلة لم تنطفئ داخل تونس تجاه علمائها ونحو كل وطني غيور… لقد أبرز هذا الوداع الكثيف أن هناك حبا واحتراما وموالاة لكل عالم لم ينعزل في صومعته و اكتفى بتلقين فقه الطهارة والنفاس لمن أراد ارتياد محرابه

 

لقد مثّل علماء الأمة عبر تاريخها الطويل، ذلك المرجع والملجأ والنموذج الذي تعود إليه حين يشتد السقام ويهيمن السواد على أرجائها، فكانت تبحث عن السند والوتد وتلوذ بمنبهاتها وأجراسها حتى لا يغشاها النعاس ويغلبها النوم فتسقط أو تموت! ولقد شهد تاريخنا في صيرورته محطات مشرقة لبعض علمائه حين ارتج البيت وكاد يضيع أهله ويسقط بنيانه، فكانت لوقفات هؤلاء العلماء الأشراف دورا في تجنب السقوط أو تأخير موعده حينا، ومواجهة الاستفراد والاستخفاف والاستبداد حينا آخر، فكانت مقاومة مالك لبيعة الإكراه ونال من الحبس والسياط حتى انفكت ذراعه… ورفض أبو حنيفة خدمة الاستبداد وعدم تولي القضاء وضرب وحبس ومات في السجن… ووقف ابن حنبل في وجه الهيمنة والرأي الواحد والصوت الواحد ورفض الخنوع للظلم والجور وقاس ظلمات السجن لأكثر من عامين، فكانت محنته من أشهر ما حمله تاريخ المحن!

 

علماء تونس بين الماضي والحاضر

 

\ولقد شهدت تونس ولا شك عبر تاريخها هذه الوقفات الصلبة للبعض من علمائها، كان آخرها المقاومة السلمية الجريئة لسيدي الشيخ عبد الرحمان خليف رحمه الله في وجه رأي جائر همّش مرجعية شعب وهويته، وتعدى باجتهاده الخاطئ على قيم ودين. يروى أن البهلول بن راشد كان من علماء القيروان الأجلاء، فأراد أمير البلاد أن يحبسه فخرجت القيروان في عشرة آلاف مقاتل مدافعة عن ابن راشد قائلين للأمير << إياك والبهلول بن راشد، إياك والبهلول بن راشد فإنه منا بمثابة الرأس من الجسد! >>

 

هذه تونس الماضي، البعيد منه والقريب، غير أن حاضرها بدأت تشم منه رائحة استقالة العالم وتهيّب الفقيه، وعجزت أرض الزيتونة أن تلد لنا مجددا مصابيح هدى وإنارة ونماذج وقوف ومقاومة. و لكم حدثتني نفسي دائما طوال هذين العقدين الأخيرين حول ما وقع في تونس من محاولات لتجفيف منابع التدين ومن استئصال لحركة سياسية ذات مرجعية إسلامية ومن وئد لمواطنين أبرياء، أنه لو وجد العالم الفذ والمرشد الحق ممثلا في فرد أو جماعة أو مؤسسة ووقف في وجه التعسف والجور هل يكون المشهد السياسي التونسي والمشهد العام على الوجه الذي نراه الآن؟

 

ولن أنسى ما حييت موقفي البسيط وأنا في بداية سنين شبابي لما حوصرت مظاهر التدين وخاصة الحجاب كيف توقفت لمدة أسبوعين عن ارتياد صلاة الجمعة لفقداني الثقة في خطبائها في عدم تعرضهم لما يجري لبناتهم وزوجاتهم وأمهاتهم… كانت صدمة لم تعالجها سوى خوفي من فقداني للثواب وعدم جرأتي على البحث عن مبرر فقهي سليم لتركها!

 

خيبة أمل ولا شك سوف نبقى نحملها تجاه هذا الغياب النسبي، غير أن ما يلطفها ولا يبررها هو وجود بعض الومضات التي حاولت بالقدر المسموح أن تغرد خارج السرب ولو باستحياء أحيانا، وما نزل على تونس من قبضة حديدية لم يسلم منها لا العالم ولا المتعلم، وجعلت البعض يفضل الصمت والانسحاب، والبعض يركب بهيمة الموالاة والتبعية

 

ليس العالِم أو الفقيه صورة مختزلة للجماهير، إن أحسنت سبقها إحسانا، وإن أساءت تبعها انحرافا، ولكنه نموذج حياة وليس نموذج موت وفناء، إن أحسنت كان ممن ساهم في إحسانها وحافظ على مسارها، وإن أساءت سعى جاهدا على تبصيرها وعمل على أن يكون نبراسا لتجديد وعيها.

 

يروى أن الإمام أبو حنيفة النعمان كان يمشي في الطريق، فرأى غلاما أمامه حفرة، فقال: << إياك يا غلام أن تسقط>>، فقال الغلام: << بل إياك يا إمام أن تسقط، إن أنا سقطتُ، سقطتُ وحدي، وإنك إن سقطتَ سقط معك العالم!>>.

 

(المصدر: موقع اللقاء الإصلاحي الديمقراطي بتاريخ 13 مارس 2006 www.liqaa.net )

 

(*) يمكن مشاهدة الفيديو على الوصلة التالية:

http://video.google.com/videoplay?docid=-5944139316643649585

 


 

الحلقة الثالثة من الكشف عن السرقات العلميّة للسيدة منية الحمامي

 

 

إلى الرأي العام الجامعي في تونس و في الوطن العربي:

 

نواصل في هذه الحلقة نشر عيّنة جديدة من سرقات « الجامعية » التونسية منية الحمامي،و ذلك بعد تقديمنا في حلقتين سابقتين أمثلة كثيرة و شواهد قاطعة على تورّط السيدة المذكورة في فضيحة علمية غير مسبوقة في تاريخ الجامعة التونسية.و كان يمكن أن تعالج مسائل السرقة العلمية معالجة علمية صرف،لكنّ بعض الأطراف أبت إلاّ أن تحوّل الموضوع إلى معركة موهومة بين كتل و جماعات ليس لها وجود إلاّ في « أمخاخ » من احترفوا التزوير و امتهنوا الغشّ و تخصّصوا في تشويه سمعة التعليم العالي في بلادنا.و لا فائدة من العودة إلى التّفاصيل الكثيرة التي نشرت حول هذه الفضيحة العلمية ،فقد تناولتها مقالات صحفية و إلكترونية عديدة.لكن من المفيد التّذكير بأنّ بعض أعضاء لجنة انتداب الأساتذة المحاضرين في اختصاص اللغة و الآداب العربية لدورة 2005 تواطؤوا مع السيدة منية الحمامي التي قدّمت ملفّا علميّا فيه من السرقات العلمية ما لا يحصى و لا يعدّ،و صوّتوا لصالحها و أثنوا على أعمال السيدة و اعتبروها إضافة في مجال العلم و المعرفة.و أمام ذهول بقيّة الأعضاء الّذين قدّموا مئات الشّواهد على ضحالة ملف السيدة الحمامي و سرقاتها رفع تقرير مفصّل إلى السيد وزير التعليم العالي  ليبتّ في الأمر فما كان منه إلاّ أن أخذ برأي شهّاد الزّور و المتواطئين، بل رفض رفضا قطعيّا مناقشة الموضوع سواء تعلّق الأمر بهذه القضيّة بالتحديد أو بقضيّة السرقة العلمية على وجه العموم.

و لمواجهة هذا الموقف، لجأت جماعة الوزير إلى مختلف أساليب التهديد و الوعيد ،و أصبحت تروّج لضرورة معالجة مثل هذه المسائل في نطاق اللّجان المختصّة و الهياكل العلمية ّ الموكول إليها وحدها البتّ و الحسم في قضايا السّرقة . و هو موقف و إن بدا  في الظاّهر سليما فنحن نستغرب لم لا يتبنّاه السّيد الوزير صراحة فيأذن بفتح تحقيق جدّي في الموضوع.ثمّ هل سيسمح السيد الوزير لهذه اللجان بالعمل بكلّ استقلالية و نزاهة؟ و ألم تقم هذه اللجان في السّابق بعملها بما يمليه عليها الواجب و الضّمير؟ فماذا كانت النتيجة؟:عزل أحد أعضائها لا لشيء إلاّ لأنّه قدّم تقريرا سلبيّا أشار فيه لوجود سرقات كثيرة في ملفّ السيدة منية الحمامي. و نحن نتمنّى فعلا أن تعمل اللّجان مستقبلا بكلّ استقلالية و نزاهة و دون تدخّل من أيّ جهة كانت، و نتمنّى أن تكون مثل هذه الدّعوات صحوة ضمير تهدف إلى استرجاع المبادرة من قبل الهياكل العلميّة، لا مجرّد شعارات يحرّكها الطّمع و الجشع و خدمة المصالح ، ويحكمها منطق البيع و الشّراء ، بيع المبادئ و القيم واشتراء الوعود ممّن احترف بيع الوعود بأثمان باهظة.

و على كلّ سنواصل نشر عيّنات من سرقات السيدة منية الحمامي  حماية لباحثينا الشبّان بالخصوص من الوقوع في مصيدة الاعتماد على مقالات منشورة في مجلاّت قيّمة، لكنّها مسروقة بالكامل من مصادر عربيّة و أجنبيّة مختلفة.و سنسأل دوما المتورّطين المباشرين في هذه الفضيحة :السادة عبد المجيد البدوي، و فرحات الدّريسي و توفيق الزّيدي ،هل ما نعرضه على القرّاء في هذه الحلقات يدخل عندكم في باب السّرقة و يستوجب الرّدع و العقوبة، أو يدخل في باب الاجتهاد و الإبداع و التّميز  و يقتضي المكافأة و التّهنئة و التّرقية؟و هل ستعتمدون نفس المقاييس مستقبلا في تقييم الملفّات العلمية و المناظرات الوطنيّة؟و هل ستسمحون لبعض الممتحنين بالسرقة و الغشّ في قاعات الامتحان بعد تعيينكم من قبل السيد الوزير على رأس بعض المعاهد العليا و بعض اللّجان؟أسئلة نراها وجيهة و ضرورية:فإذا سمحتم للسيدة منية الحمامي بسرقة مئات الصفحات و الإغارة على عشرات الباحثين و السطو على الأملاك الفكريّة  للغير،فهل ستمنعون من اكتفى بصفحة أو صفحتين في امتحانات طلبتنا و أبنائنا؟

الشّواهد القاطعة و الأدلّة السّاطعة على جريمة السّرقة:

 

نذكّر أنّ المقال الأوّل الذّي توقّفنا عنده للسيدة منية الحمامي،و هوالمقال المسروق برمّته فيما عدا أدوات الرّبط و العطف، بعنوان: »البنية الدّلالية من التعريف المنطقي إلى الدلالة التصورية » نشرته في مجلّة المعجميّة التي تصدر في تونس  العددان 18 و 19  السنة  2003  .و المقال منشور بين الصفحات 277 و 292 .    

و المصدر الأوّل الذي سرقت منه  السيدة منية الحمامي بعنوان: « المنطق و مناهج البحث »  للدكتور  :  ماهر عبد القادر محمد علي، نشر ببيروت، عن دار النهضة العربية، سنة 1985   .و قد بيّنا في الحلقتين السّابقتين التطابق الكامل  بين ما ود في الصفحات 30 و 31 و 32 و 33 من هذا الكتاب ، و ما ورد في الصفحات 285 و 286 و 287 من مقال الباحثة المشار إليه.

 

أما المصدر الثاني الذّي نهبته السيدة منية الحمامي نهبا فهو كتاب الباحث المغربي: محمد غاليم بعنوان »المعنى و التوافق، مبادئ  لتأصيل البحث الدلالي العربي » من منشورات معهد الدراسات و الأبحاث للتعريب بالرباط،مارس.1999

و قد قدّمنا عيّنات كثيرة تثبت التّطابق التّام أو شبه التّام  بين ما ورد في مقال منية الحمامي الفقرة قبل الأخيرة من ص291 و ما ورد في كتاب محمد غاليم في  الفقرة الأخيرة من ص 60.و بين ما ورد في الفقرة الثانية ص 292 من المقال المسروق بما ورد في الفقرة الثانية من ص 62 من كتاب محمد غاليم.و بين ما ورد في الفقرة الثالثة ص 292   من المقال المسروق، بما ورد في الفقرة الثانية  ص 185 من كتاب محمد غاليم. وبين ما ورد في الفقرة قبل الأخيرة ص 292 من المقال المسروق ، بما ورد في الفقرة الأخيرة ص 185 من كتاب محمد غاليم.

و نقدّم في هذه الحلقة الجديدة عيّنة جديدة تؤكّد ما سبق أن أشرنا إليه من وجود أشكال مختلفة من السرقة في أعمال منية الحمامي « كالسرقة المراوغة » و « السرقة الظّاهرة » و « السّرقة الخفيّة » و « السرقة الكليّة » و « السّرقة الجزئيّة » و « السّرقة المحليّة » و « السرقة الدّوليّة »و غيرها. و سنترك للقارئ الكريم حريّة تصنيف هذه العيّنة الجديدة في أيّ صنف شاء.

العينة الأولى:

المادّة المسروقة:صفحتان من كتاب محمد غاليم المشار إليه ( 185 _186) ، و سبق أن قدّمنا فقرات من ص 185،و نضيف عليها قول المؤلف:

إنّ الوحدات الجوهرية في البنية التّصورية عبارة عن مكونات تصورية تنتمي إلى لائحة محدودة من المقولات الأنطولوجية الرئيسة ( أو « أقسام الكلم » التصورية)، كالشيء و الحدث و الحالة و المكان و المسار و الخاصية و المقدار.و رغم اختلاف هذه العناصر في لإحالتها فإن ما يوحد بينها أنها تشترك في عدد من الخصائص منها:

أ_أن كل مكون تركيبي رئيسي في الجملة يسقط في مكون تصوري في معنى الجملة.ففي جملة مثل : » جرى زيد إلى المنزل » يوافق « زيد » و « المنزل » مكوني شيء، و يوافق المركب الحرفي  » إلى المنزل » مكون مسار، و توافق الجملة كلها مكون حدث.

 

ب_أن كل مقولة تصورية تفكك إلى بنية دلالية يكون كل موضوع فيها مكونا تصوريا ينتمي إلى مقولة أنطولوجية كبرى.فتفكك بنية مثل : »زيد طويل » إلى دالة حالة تأخذ موضوعين  هما الشيء « زيد » و الخاصية »طويل ».

 

ج_أن البنية التصورية لوحدة معجمية كيان يملك صفرا أو أكثر من محلات الموضوعات. و هي محلات تحل في قيمها معاني الفضلات التركيبية للوحدة المعجمية المعنية.  فالفعل »أحب »في مثل : »أحب زيد هندا » يعبر عن دالة حالة يحل موضوعاها في موقعي الفاعل و المفعول.

 

و جاء في خاتمة مقال السيدة منية الحمامي الفقرات التالية:

 

إنّ الوحدات الجوهرية في البنية التّصورية هي عبارة عن مكونات تصورية: تنتمي إلى قائمة محدودة من المقولات الأنطولوجية الرئيسية  أو أقسام الكلم التصورية، مثل الشيء و الحدث و الحالة و المكان و المسار و الخاصية .ورغم اختلاف هذه العناصر في إحالتها إلى الكون فإن ما يوحد بينها أنها تشترك في عدد من الخصائص منها:

 

أ__أن كل مقولة تصورية تفكك إلى بنية دلالية يكون كل موضوع فيها مكونا تصوريا ينتمي إلى مقولة أنطولوجية كبرى.فتفكك بنية مثل : »سقراط فان » إلى دالة  قضوية  تقرر حكما و يربط هذا الحكم  بين موضوعين  هما الشيء « الشيء » و الخاصية »فان ».

 

ب_أن البنية التصورية لوحدة معجمية ما، هي كيان يملك صفرا أو أكثر من محلات الموضوعات. و هي محلات تحل في قيمها معاني الفضلات التركيبية للوحدة المعجمية المعنية.  .

التعليق:

1 نلاحظ أن السيدة منية الحمامي  في سطوها على الصفحتين 185 و 186 من كتاب محمد غاليم، اختارت الفقرة التي يفتتحها الباحث بالقول : » إن الوحدات الجوهرية في البنية التصورية…… »،ثم إنّ الباحث المغربي تحدّث عن خصائص تشترك فيها العناصر التي توقف عندها كالشيء و الحدث و الحالة….و هي خصائص ذكرها في فقرات ثلاث : أ و  ب و  ج.

فماذا فعلت السيدة الحمامي؟ بكلّ بساطة استغنت عن الفقرة:أ. و عوضّت التّسلسل فأصبحت الفقرة :ب في كتاب محمد غاليم الفقرة :أ في مقال السيدة،و أصبحت الفقرة : ج في المصدر المنهوب الفقرة :ب في المقال المسروق.

و كنّا نفضّل أن تحافظ السيدة الحمامي على المادة المسروقة كما وردت في المصدر، لا لمساعدتنا على كشف المسروقات فحسب، بل لأن هذه الاستنتاجات الواردة في كلام محمد غاليم مترابطة و لا يمكن المرور من :أ إلى :ب  ثمّ إلى :ج إلاّ باحترام هذا التسلسل.أما لماذا استغنت السيدة الحمامي عن الفقرة :أ فقد يكون للتضليل و المراوغة،و لو أنّ الكثير من سرقاتها تدلّ على سذاجة استثنائيّة.و نعني بها تلك السرقات التي تمتدّ على صفحات كثيرة ( و قد استشهدنا بعيّنات منها) و بعضها في حدود الفصل الكامل كما سنبينه في حينه عندما نصل إلى الأطروحة الشهيرة.

و نعتذر لدى السيدة الحمامي لوصفنا سلوكها في بعض سرقاتها بالسذاجة الاستثنائية، فبعض شيوخها و مناصريها وهم قلّة قليلة اعتبروا سطوها و نشلها و اغتصابها لأملاك الغير مهارة استثنائية .

 

2_لجوء السيدة منية الحمامي إلى تغيير بعض الكلمات ككلمة « قائمة » عوض « لائحة » كما ورد في المصدر، أو تغيير الأمثلة التي يعتمدها محمد غاليم ، فعوض « زيد طويل » تكتب السيدة منية الحمامي « سقراط فان »،أو  الاستغناء عن جزء من التركيب الأصلي كما فعلت في آخر جملة من مقالها وهو ما يختلّ معه المعنى و الفكرة التي أراد محمد غاليم التعبير عنها.

 

 العينة الثانية:

ننتقل في هذه العينة الثانية إلى مقال جديد مسروق هو الآخر، و قد شاركت به السيدة منية الحمامي في ندوة علمية سنة 1999 بمناسبة تكريم الأستاذ عبد القادر المهيري.و قد نشرت كلية الآداب بمنوبة أشغال هذه الندوة سنة 2003 تحت عنوان: »المعنى و تشكله » في جزءين.

وكانت مداخلة السيدة منية الحمامي بعنوان : »المعنى: بنية كليّة » و نشرت بالجزء الأول من ص 317إلىص333 .

و الضحية الأولى في هذا المقال باحث مغربي ،هو الباحث المعروف:محمد خطابي، في كتابه : »لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب »، منشور في المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى سنة 1991 .و لنا عودة إلى هذا الكتاب و إلى أساليب الإغارة غير المسبوقة التي مارستها السيدة منية الحمامي في « نهشه » و السطو عليه .

فقد جاء في كتاب محمد خطابي ص 44  قوله، و في سياق تحليله لمفهوم البنية الكلية عند :فان ديك » أحد اللّسانيين:

 

« و في هذا الصّدد يقول: « إن وصف مفهوم موضوع الخطاب(أو جزء من الخطاب) المعطى أعلاه متطابق مع وصف البنيات الكلية.أي أن بنية كلية ما ، لمتتالية من الجمل هي تمثيل دلالي من نوع ما« . بمعنى أن كلا من موضوع الخطاب و البنية الكلية تمثيل دلالي إما لقضية ما، أو لمجموعة من القضايا، أو لخطاب بأكمله. »

 

 و جاء في مقال السيدة منية الحمامي ص325 قولها:

 

« و إذا أردنا أن نصوغ تعريفا لمفهوم البنية الكلية فيمكن أن نعرّفها كما يلي: إنّ بنية كليّة ما لمتتالية من الجمل هي تمثيل دلالي من نوع ما، لقضيّة ما أو لمجموعة من القضايا أو للخطاب بأكمله. »

 

و يضيف محمد خطابي ص 44:

.…..العمليات التي يسلكها القارئ لبناء البنية الكلية(موضوع الخطاب):

 

أ_عمليّة الحذف: و تندرج تحتها قاعدة عدم إمكان حذف قضية تفترضها قضية لاحقة. و هي قاعدة تضمن  الإنشاء الدلالي الجيد للبنية الكلية.

 

 

ب_ عملية حذف المعلومات المكونة لإطار أو مفهوم ما :بمعنى أنّها (المعلومات) تعيّن أسبابا و نتائج و أحداثا عادية أو متوقعة الخ…

 

ج_ عملية التعميم البسيط: و هي تتعلق أيضا بالوصول إلى العام انطلاقا من الخاص،………….

 

 و جاء في مقال السيدة منية الحمامي ص 326 قولها:

 

…. و هذه العمليات هي ثلاث:

 

1_عمليّة الحذف: و تندرج تحتها قاعدة عدم إمكان حذف قضية تفترضها قضية لاحقة. و هي قاعدة تضمن  الإنشاء الدلالي  للبنية الكلية.

2_ عملية حذف المعلومات التي هي جزء من إطار معرفتنا أي تلك المعلومات المتوقعة.

3_ عملية تعميم: الوصول إلى العام انطلاقا من الخاص.

 

 

و جاء في كتاب محمد خطابي ص 45 في سياق تقديمه لتعريف  » فان ديك » :

 

…فالبنية الأولى هي أن » مجموعة المتتاليات التي ليست لديها بنية كلية تعتبر غير مقبولة في السياقات التواصلية ».

 

و تقول السيدة منية الحمامي في مقالها ص 326:

 

« و معنى هذا أن مجموعة من المتتاليات التي ليست لديها بنية كلية تعتبر غير مقبولة في السياقات التواصلية »

 

 

وقد جاء في كتاب محمد خطابي ، و في الصفحة 46(من الفصل الثاني بعنوان:منظور لسانيات الخطاب):

 

نخلص مما تقدم إلى أن لكل خطاب بنية كلية تربط بها أجزاء الخطاب و أن القارئ يصل إلى هذه البنية الكلية عبر عمليات متنوعة تشترك كلها في سمة الاختزال. على أن البنية الكلية ليست شيئا معطى، حتى و إن كانت هناك بينات متنوعة أو مؤشرات على وجود هذه البنية، و إنما هي مفهوم مجرد (حدسي) به تتجلى كلية الخطاب و وحدته، و كما لاحظنا في تعامل « ديك » مع الخطاب المحلل سابقا، تعد البنية الكلية افتراضا يحتاج إلى وسيلة ملموسة توضحه و تجعله مقبولا كمفهوم، و قد وجد « ديك » أن مفهوم « موضوع الخطاب » هو هذه الوسيلة و إن كنا لا نلمس الفروق بين هذين المفهومين، و نعتي  » موضوع الخطاب » و « البنية الكلية ».

 

و وورد في مقال السيدة منية الحمامي صص 326_327 ما يلي:

 

نخلص مما أسلفنا إلى أن لكل كلام( من حيث هو مندرج في مستوى الإنجاز) بنية كلية ترتبط بها مكوناته اللغوية و أن المستمع  المتلقي يصل إلى هذه البنية الكلية عبر عمليات متنوعة تشترك كلها في سمة الاختزال. على أن ما نريد التأكيد عليه هو أن المعنى من حيث هو بنية كلية: ليس شيئا معطى سلفا حتى و إن وجدت مؤشرات على وجود هذه البنية، و إنما هي مفهوم مجرد ( حدسي) به تتجلى كلية الخطاب ووحدته و انسجامه. فالبنية الكليّة هي افتراض يحتاج إلى وسيلة إجرائية ملموسة توضّحه و تجعله مقبولا كمفهوم.

 

التعليق:

1_إن ما ارتكبته السيدة منية الحمامي في هذا المقال بالتحديد إجرام في حقّ العلم و المعرفة. ففضلا عن سطوها المباشر على كتاب الباحث محمد خطابي،فقد نسبت لنفسها آراء أبرز المختصّين العالميين في لسانيات الخطاب، وهو المنظّر و اللساني المعروف : فان ديك.و قد نسبت السيدة منية الحمامي كلّ الأفكار الواردة في مقالها لنفسها و لم تحل و لو إحالة واحدة طيلة المقال.و لنا عودة لهذا السلوك الغريب الذي لا يليق إلاّ بمن ترعرع في أجواء السّرقة و اللّصوصيّة  .

 

2_ عمدت السيدة منية الحمامي إلى تغيير بعض العبارات كقولها في بداية الفقرة الأخيرة: « نخلص مما أسلفنا » عوض قول محمد خطابي:  » نخلص مما تقدم » ،أو تعويض لفظ  » خطاب  » بلفظ  » كلام« ، أو إضافة بعض العبارات على سبيل التضليل و المراوغة كما سبق أن لاحظنا في مقالها السابق. و سنعود مجدّدا إلى مثل هذه العينات بالتحليل و التعليق .

 

3_  شاركت السيدة منية الحمامي بهذا المقال بمناسبة تكريم أستاذ الأجيال في اللغة و اللسانيات،الأستاذ عبد القادر المهيري.فماذا عسانا نعلّق ، و ماذا عسانا نقول ،  و ماذا عسانا نضيف ؟أفبهذه الطريقة نكرّم أساتذتنا؟ و هل  بهذه الكيفيّة نشرّف جامعتنا؟  و هل بهذا العقوق الأخلاقي و العلمي نحقّق التّواصل بين الأجيال؟

_و هل تستحقّ هذه السيدة التي احترفت اللّصوصية و فنّ السطو و الخداع و عدم احترام أبسط قواعد البحث ، كلّ هذا التّعاطف و الحميّة من قبل بعض المتورّطين المباشرين في هذه الفضيحة؟

و هل تستحقّ هذه السيدة أن يتحوّل المتيّمون بالمناصب و المصالح إلى شهاّد زور و تجّار و مضاربين  في سوق القيم؟

4_ يعود تاريخ هذا المقال إلى سنة 1999 و هو ما يؤكّد من جديد أنّ هواية السرقة هواية قديمة في حياة السيدة منية الحمامي. هي هواية تحوّلت بمرور الأيّام و بتشجيع و مباركة من بعض المضاربين و التّجار إلى حرفة و صنعة و اختصاص لا ينافسها فيه أحد، و لا يقدر على منافستها فيه أحد.

 

5_لو كانت الجامعة جامعة  و كان  الوزراء وزراء ، لصدرت القرارات تلو القرارات تدعو اللّجان لا لسحب شهائدها و تجريدها من كلّ ما تحصّلت عليه من درجات مهنيّة فحسب،بل لإيقافها عن العمل و التّدريس بالجامعة، فمن سيثق مستقبلا في كلّ حرف تتفوّه به أمام طلبتنا ؟ و من سيثق مستقبلا في كلّ كلمة تكتبها و تذيعها بين الناس؟ لكن ما تشاءون إلاّ ما يشاء الوزير و جماعة الوزير .

 

6  رغم كلّ ما استشهدنا به و رغم كلّ النداءات التي وجّهها الجامعيون و الإعلاميون للسيد الوزير قصد حماية الجامعة من هذا العبث الّذي بدأ يستفحل في جسد الجامعة، فلم يحرّك السيد الوزير ساكنا و لم يعط الموضوع أية أهمية، فعلى العكس من ذلك كلّف بعض المقرّبين منه  أن يصوّروا  القضية على أنّها قضيّة شخصيّة و أنّ يشيعوا أنّ بعض الأجنحة داخل السّلطة و خارجها تناصبه العداء إلى غيرها من التّرهات و التّأويلات العارية عن الصحّة جملة و تفصيلا.

القضيّة في جوهرها كما أكّدنا مرّات عديدة علميّة ، و كان يمكن للسيد الوزير أن يقطع الطريق منذ البداية على  » المتصيّدين في الماء العكر ».

7_ جلالة الوزير:الجميع لاحظ نشاطك الحثيث في المدّة الأخيرة، و دعوتك المتكرّرة للنّظر و التّباحث في منظومة إمد ،و الجميع يقرّ بضرورة تطوير منظومتنا التّعليميّة،لكنّ تطوير واقع التّعليم العالي في بلادنا  يتوقّف( قبل تغيير المنظومات ) على ترسيخ بعض المبادئ التّي لا يختلف فيها اثنان: و منها الرّفع من مستوى التّأطير و التّكوين، و منها التقيّد بأبسط قواعد البحث ،و منها التّصدي لجميع أنواع العبث و المحسوبيّة و الانتهازيّة . و حقيقة لا نفهم كيف يمكن أن توفّق بين سعيك لتطوير تعليمنا العالي و مساهمتك المباشرة و غير المباشرة في  الحطّ من مستوى البحث العلمي  في جامعاتنا. و ماذا تريدنا أن نسمّي حمايتك للسيدة منية الحمامي  و من تورّط معها في هذه الفضيحة العلميّة؟ و ماذا نسمّي تغليبك للمصالح الشّخصية على حساب المصلحة الوطنيّة؟ و إذا لم تتّخذ الإجراءات الرّدعيّة اللاّزمة ضدّ محترفي السرّقة العلميّة و ضدّ المزوّرين و العابثين فأيّ خير يرجى منك؟

جلالة الوزير: ستصبح هذه الفضيحة بعد سنوات قليلة جزءا من الماضي، و قد ينسى الناّس أمر الساّرقة و شهّاد الزّور ( فليسوا أهلا  لأن يذكروا في قائمة الجامعيين أصلا) لكن من الأكيد  أنّ اسم  الأزهر بوعوني سيظلّ عالقا في ذاكرة كلّ الجامعيين، وزير يتستّر على  أكبر عمليّة سرقة في تاريخ البحث العلمي  ، و يعزل أحد الأعضاء لقيامه بواجبه ، و يتدخّل في تحوير تركيبة اللّجان بما يضمن التّصويت لصالح السّرقة منية الحمامي، و يهدّد عبر جماعته كلّ من تناول أمر السرقة بأقصى العقوبات ، و يسعى بكلّ ما أوتي من جهد إلى تسييس الفضيحة التي تورّط فيها و إلى الإيحاء بأنّ وراء القضيّة  خلافات شخصيّة و تصفية حسابات بين كتل و جماعات لا وجود لها كما أسلفنا إلاّ في أذهان الّذين يقيسون كلّ شيء بحساب الرّبح و الخسارة.

 جلالة الوزير:

نسألك سؤالا أخيرا: هل ما استشهدنا به إلى حدّ الآن أقنعك بأنّ السيدة منية الحمامي  أجرمت في حقّ البحث العلمي أم لا؟  فإذا اقتنعت فافعل ما يجب فعله، و إن لم تقتنع فانتظر الحلقة القادمة، والله على كلّ شئ قدير.

أخيرا:  أن يتحمّس السّيد الوزير لارتقاء السيدة منية الحمامي لرتبة أستاذ محاضر ، و أن يستأسد البعض في الدّفاع عن موقف الوزير ; و أن يتخصّصوا في استصغار الكبائر و تكبير الصّغائر و أن يحوّلوا الجامعة إلى فضاء لكلّ أنواع الاستثمار و أن يسوّوا بيت الأضداد  و أن يتخصّصوا في عقد الصّفقات على حساب القيم الأكاديمية و أن يجعلوا تقرير السّيد فرحات الدريسي نموذجا للتّقارير العلمية( وهو التقرير الذّي لم يتجاوز الصفحة و النصف بخطّ اليد) و أن يجعلوا الجوانب العلمية آخر اهتماماتهم ، فهذا ما لا يثير فينا أدنى درجات الاستغراب، فكلّ إناء بما فيه يرشح.و يوم أن ترتقي السيدة منية الحمامي و تعتلي و ترتفع و تسمو و تتسلق أعلى درجات السّلم العلمي و المهني سنكون أوّل من يقدّم التّهاني و سنهنّئ الجميع: من أشرف و دبّر و خطّط و برّر و زوّر   و تواطأ و هدّد و عزل و نصّب و وعد وأوفى و ناور و استغلّ   و  سرّب و صبّ و سمّى و مسّى  و سمّم و دلّ  و أخفى و كشف و قال و أنكر و خالف و ضغط و تطهّر و من كان فأصبح ومن  أُلحق فاستلحق و من استُتيب فتاب ومن استكتب فكتب و استعجل و استملح و استأسد و استبرأ و استبيض و استنصر و استبسل و استنجد و استحكم و استجمع  و استخبر و استنفر ، و استبله فاستُبله و هكذا الجامعة أو لا تكون

 

قيس العابدي

 

ثاني أشهر مدينة في العالم في عدد الدراجات بعد بكين

أهالي « صفاقس » يهجرون الدراجات النارية ويتجهون لإنجاب التوائم

تونس –سليم بوخذير قد تخسر صفاقس، التي تعد ثاني أشهر مدينة في العالم في عدد الدرّاجات بعد مدينة  بيكين ،  قريبا مرتبتها العالمية هذه التي حافظت عليها  لقرابة ربع قرن من الزمن بسبب « الغلاء » في وقت تشهد فيه المدينة ظاهرة غريبة عن تزايد ولادات التوائم لدى « الصفاقسيات » من دون تفسير علمي واضح للأمر.  و   صفاقس (270 كلم جنوب العاصمة التونسية) مدينة العمل و الكدّ و الجد  و »الإسمنت المسلّح  » كما أطلق عليها يوما شاعرها الراحل محمد البقلوطي ، هي المدينة العربية الوحيدة التي حازت على موقع في كتاب « غينيس » للأرقام القياسية بعد العاصمة الصينية من حيث نسبة امتلاك سكانها للدراجات النارية. ويرى أهالي المدينة أن  درّاجاتها قد تهجرها في وقت قريب إذا ما  تواصل هذا التناقص الملحوظ المسجّل لها في السنوات القليلة الماضية في عدد الدراجات . وظل أهالي صفاقس أوفياء لسنوات طويلة لعادة إمتلاك الدراجة النارية كسمة بارزة ميزتهم لسنوات طويلة عن سائر التونسيين، تماما كما تميز المواطن »الصفاقسي » بحب الزواج المبكر وتقديسه وأيضا بحبّه لأكلة « المرقة الصفاقسية  » الشهيرة التي تتكون من سمك صغير الحجم و حساء و بهارات، إلى درجة أن مثلا شعبيا شهيرا في تونس يردده الجميع في تونس عن شخصية المواطن « الصفاقسي  » يبين التلازم الكبير بين هذا الثلاثي قي شخصيته، و يقول المثل إن حياة  « الصفاقسي » تساوي  » مرا ( زوجة )  و مرقة وموبيلات زرقا (دراجة نارية زرقاء ) ». دراجة لكل 3 مواطنين ! وقد بلغ ارتفاع نسبة امتلاك  أهالي صفاقس للدراجة النارية و بدرجة أقل الدراجة التقليدية، أعلى الدرجات في سنوات الثمانينات، و إستمر الحال إلى التسعينات، و تقول إحصائيات حصلت عليها « العربية نت » إن واحدا من كل 3 مواطنين إمتلك دراجة نارية في المدينة عام 1985 و أن امراة من كل 9 نساء إمتلكت دراجة نارية في نفس العام، و أن أكثر من 90% من العائلات « الصفاقسية  » إمتلكت الدراجة في حياتها عام 1987، و أن ثلث هذه العائلات امتلكت دراجتين ناريتين في الآن نفسه عام 1989، و أن أكثر من 70% من الذين لهم أعمال يدوية إستعملوا الدراجة النارية كوسيلة نقل أساسية إلى مقرات أعمالهم  بصفاقس عام 1990، و أن أكثر من 34 موظفا على كل مائة موظف بالمؤسسات العمومية للمدينة إستعمل الدراجة إلى مقرعمله في  العام ذاته. وإشتهرت صفاقس العاصمة الإقتصادية لتونس، في سنوات الثمانينات والتسعينات كذلك برقمها القياسي المسجل في تونس والوطن العربي في عدد حوادث الطريق التي تكون فيها الدراجة النارية هي  الطرف الأساسي. وشكلت أيضا في تلك السنوات الدراجة علامة إختناق مروري في المدينة، و إشتهر بالمدينة مشهد  ساد طويلا و نعني  تصدر « جيوش  » من الدراجات للصفوف الأمامية لوسائل النقل أمام مفترقات إشارات المرور. ومرة زار صينيون صفاقس فعلقوا في تصريحات لإحدى الصحف المحلية، بأنّهم « لم يشعروا حين تجولوا بالمدينة أنّهم غادروا بيكين »،  و ذلك  من فرط التشابه بين المدينتين في كثافة عدد الدراجات بشوارعها. وتناقص هذا الإنتشار كثيرا  في الآونة الأخيرة، وتراجع حضور الدراجة النارية في حياة المواطن « الصفاقسي » بوضوح. و بإمكان المرء أن تلاحظ هذا  من أول وهلة فور التجول في المدينة. ولئن لم تعلن مصادر الحكومة أية إحصائيات ترصد هذا التناقص، فإن مصادر إعلامية تونسية أمدتنا بآخر إحصائيات لها حول الموضوع تقول إن أقل من 35% فقط  من العائلات في صفاقس صارت بعد عام 2002 تملك الدراجة النارية، وأن 1  فقط من كل 9  مواطنين صار يعتمد الدراجة كوسيلة نقل، والعدد سائر إلى  التدني مع السنوات الأربع الأخيرة. أسعار من نار و « خميس » و « عاشور « ! أحد المواطنين « الصافقسيين »  الذين صادفتهم « العربية نت » لدى تجولها في صفاقس للتحقق من الظاهرة الجديدة، فسر لنا تناقص أعداد الدراجات بالمدينة، بأن سببه متغيرات عديدة طرأت بالمدينة في السنوات القليلة الأخيرة. وقال شرف الدين المنيفي، إن سعر الدراجة النارية « إرتفع كثيرا في السنوات الأخيرة ممّا دفع بعديد المواطنين إلى هجرتها »، وأشار إلى أن « سعرها صاريفوق 1500 دينارا » بالعملة المحلية (أي زهاء 1200 دولار ) و ذلك بنوعيها « بيجو » و » موتوبيكان « ،  و أضاف أن أزمة النقل العام التي كانت في رأيه « سبب إقبال الناس على الدراجة في التسعينات و الثمانينات تضاءلت في السنوات الأخيرة » على حدّ وصفه. ,اضاف « هذا السبب غاب الآن و ذلك ليس بعد رفع  عدد سفرات الحافلات بين وسط المدينة و الضواحي و إنماأساسا بسبب  بروز ظاهرة جديدة في الألفية الجديدة بالمدينة هي  ظاهرة تخلي أصحاب سيارات الأجرة (التاكسي) عن إستعمال العداد  في تحديد تسعيرة النقل و إنما إعتماد تعريفة بسيطة لنقل الناس بالنفر لمسافة لا تقل عن 13 كلم ، و هو ما حفز الناس على الإقبال على سيارات الأجرة بشكل كبير يوميا   » (التعريفة أقل حتى من نصف دولار ). وعدد لنا مواطن آخر رفض الكشف عن إسمه، أسباب أخرى لتناقص أعداد الدراجات بالمدينة  فضلا عن التي ذكرتها  المواطن الأول، ذاكرا أن  ما وصفه بـ « كثافة الحملات الأمنية على  مستعملي الدراجات  في السنوات الأخيرة لا يقارن البتة بالوضع الذي كان سائدا في الثمانينات و التسعينات حيث كانت أعين أعوان المرور شبه مغمضة أمام مستعملي الدراجات و مخالفاتهم وقتها »على حد قوله. وأضاف أن هذا السبب برأيه صار كان مدعاة لما وصفه بـ  « معاناة أصحاب الدراجات » قائلا إن « المخالفة الواحدة (في حالة عدم وضع الخوذة على الرأس مثلا) تصل غرامتها إلى 20 دينارا مع حجز الدراجة  و لذلك هجر الناس الدراجة لكثرة  خطايا مخالفاتها  » على حد قوله. وفي حديثه إلينا لم يجد محدثنا أي »حرج » في كشف ما وصفه  بـ « ظاهرة إجبار  بعض أعوان المرور لمستعملي الدراجات على دذفع الرشوة  » على حد قوله ، و هو ما أدى حسب تعبيره إلى هجرة  الناس للدراجة النارية و لما وصفه بـ « حنفية مصاريفها بعد الإستعمال ». ويذكر أن الرئيس التونسي كان قد أعلن في تصريح له منذ سنوات قليلة علمه بـ « ظاهرة الرشوة في صفوف أعوان الأمن  في الطريق » متحدثا حرفيا عما يعرف في تونس  بظاهرة « خميس » و »عاشور » (خميس تعني 5 دنانير وعاشور تعني رشوة بـ 10 دنانير) في إشار ة إلى اللغة « السرية  » التي صارت سائدة في الشارع بالنسبة لهذه الظاهرة. هل تصير صفاقس مدينة التوائم ؟ ظاهرة التراجع الملحوظ جدا في عدد الدراجات في  مدينة صفاقس ، لم تمنع الناس من الحديث عن « بداية ظهور خاصية جديدة للمدينة  » فقد بدأت عددا من المراقبين في المدينة تتحدث بإطناب عما وصفوه بـ « ظاهرة تلاحق ولادات التوائم بشكل متتابع في الأسابيع الأخيرة بالمدينة  »  دون أن يوجد للأمر « أي تفسير واضح ». وكان مستشفى  المدينة قد سجل فعلا منذ أسبوعين انجاب أمّ  ل4 توائم دفعة واحدة كتبت عن حكايتها الصحف و قبلها بأيام كانت أم أخرى أنجبت ثلاثة توائم  و بعدها أنجبت  ثالثة  3 توائم وكثيرات أخريات أنجبن توأمين لكل واحدة منهن و ذلك في فترة زمنية قصيرة .
 
(المصدر: المصدر موقع العربية نت بتاريخ 11 مارس  مارس 2006)

  بعد عقد من رحيل فارس الاسلام المغوار المرحوم الغزالي :

  هذا الزرع فأين الشط ء ؟

 

في مثل هذه الايام قبل عشر سنوات كاملة ـ 9 مارس 96 ـ رحل عنا الشيخ الكريم محمد الغزالي عليه من الرحمان سبحانه أزكى الرحمات وأبهى الرضوات .

يصدق عليه رحمه الله سبحانه ما يصدق على كل مجدد في مجاله  » يجوز لك الاختلاف معه أو فيه وحوله ولكن لا يجوز لك بحال الاختلاف عليه « .

إختلاف الرجال مع الرجال بعد كونها سنة إجتماعية وضرورة خلقية هو نيشان فخر يرصع هامات الرجال ولو لم يكن ذلك كذلك لما إختلف الرجال الذين رضع بعضهم من حلمة الصدر اليمنى وبعضهم الاخر من حلمته اليسرى يؤويهم جميعا حجر حان وكنف حادب على صاحبه صلاة وسلاما : الحجر واحد والدفء واحد والصدر واحد والزمان واحد والمكان واحد والدين واحد واللغة واحدة والبيئة واحدة فبأي عذر يختلف الصديق مع الفاروق أو ولد هذا مع ولد العباس أو الام الكريمة عائشة مع أمير الفداء ووالد السبطين والريحانتين علي ؟

إختلاف الرجال مع الرجال في كل فن ومذهب في الحياة بأسرها محمدة محمودة ومنقبة معدودة أما ما يذرو حلم الحليم بددا فليس هو سوى إختلاف أشباه الرجال مع الرجال أو شغب الادعياء على الاصلاء الاقحاح .

المرحوم يجمع بين حرارة الداعية ورقة الاديب وفقه العالم وبصيرة المصلح وجرأة المؤمن :

ذلك هو في نظري ما بوأ الامام الغزالي عليه الرحمة منه سبحانه لمقام العلا بين جيش جرار من الدعاة والمصلحين والعلماء والفقهاء والادباء فلم يبارحه العلا حتى بوأه مقام الشهادة .

ليس عسيرا على عالم أو مصلح اليوم فينا أن ينال حظا وافرا من بعض ذلك إنما العسير عليه أن يجمع إليه كل ذلك وما أصعب على الانسان أن يجنح إلى سياسة الجمع ويدع التفريق في نفسه أولا وهي صدى لما ستكون عليه إصلاحاته في الارض . ذلك هو معيار التوازن ومطلب الوسطية الذي قام عليه الاسلام عقيدة وعبادة وخلقا وعملا .

حرارة الداعية شرط لتسلل أشعة الكلمة إلى شغاف القلوب :

لا يعدم سمعك اليوم في عصر العولمة الاعلامية الوقوع في قناطير مقنطرة من المواعظ مكتوبة ومرتجلة لا تكاد تجاوز حناجر صاحبها حتى تذروها أعاصير الغفلة بعيدا فلا تستقر في مسمع فضلا على أن تتخذ لها من شغاف القلب مكانا لائقا . تلك بضاعة فارقتها روح الاخلاص سر حياة كل كائن ولكم يجني حب الدنيا على جيش جرار من العلماء والوعاظ لا يرجون من عملهم سوى أجرها الفاني أشحة على الخير كأنما يكيلون الحديث بقدر كيل الحاكم لهم من مال وضرب آخر ينشد رضى الناس فلا تلفى فيه ما يشدك لفرط برودة حديثه وتقعره فيه أو لفرط ما حجبته ذنوبه الغليظة عنك . الدعوة إلى الاسلام العظيم عمل لا توصل حلقاته سوى بالحرارة والحرارة لا يوريها سوى موقد القلب والقلب لا يتغذى بسوى الاخلاص لله وحده سبحانه .

رقة الاديب أقشب ثوب يدخل على القلوب بدون إستئذان :

يندر جدا أن تعثر على رجل جمع بين رقة الادب وبين فقه العالم بمثل ما فعل الامام الغزالي عليه الرحمة منه سبحانه . وكثيرا ما تطغى دقة الفقيه على العالم فيتحول كلامه إلى فقرات من القانون في جفافها وبلادة متنها بمثل ما تطغى رقة الادب عليه أحيانا فيتحول كلامه إلى قصيدة عصماء تسحر الالباب وتسبي العقول ووطابها من الفقه أفرغ من فؤاد أم موسى كما يقال .

تشبع الامام المرحوم بحب العربية لغة الوحي الكريم حتى ذاق حلاوة الكلمة وبث لنا من ذوقه شذرات بهية خلعت على فقهه الواسع جمالا أخاذا فكان شديدا جدا قاسيا مع رهط من الدعاة والعلماء يزرون بلغة القرآن الكريم إزراء وتساءل في مرارة عن مدى تذوق أولئك لحلاوة القرآن الكريم وطلاوة بنائه اللغوي الساحر .

من منا ينكر اليوم جناية أهل الاعلام العربي والاسلامي على لغة القرآن الكريم وإني لاذكر مذيعة في قناة إقرأ الفضائية سجلت منذ سنوات حلقة مع العالم الكبير الدكتور زغلول النجار مفتتحة عملها بمقدمة جلبت إليها قوله سبحانه  » ومن يهن الله فما له من مكرم  » . قرأت الاية ثم عرجت على شرحها للسادة النظارة فقالت بالحرف الواحد  » كيف يجرؤ مؤمن على إهانة الله سبحانه  » وظلت تطنب في ذات المعنى والدكتور في حرج شديد إذ الاضواء مسلطة عليهما في بث فضائي مباشر وسرعان ما همس إليها بصوت خافت جدا تحايلا على المشاهدين بقوله  » ومن يهن الله  » برفع الفاعل . السيدة المذيعة عربية محجبة مختصة في تقديم البرامج الاسلامية في القناة .

يرى الامام المرحوم بأن إهمال الخلافة العثمانية للغة العربية كان سببا كبيرا في سقوطها .

فقه العالم يجعله بمنجإ من داء التقليد يحيا زمانه ومكانه على بصيرة :

عدد العلماء في الشريعة بمختلف فروعها اليوم فينا لا يحصى ولكن هل يتناسب ذلك مع نهضة صحوة معاصرة تغذ السير نحو عزة بعد ذل وقوة بعد ضعف ؟ كم هي نسبة الفقه في ذلك الجيش الجرار من العلماء ؟ عندما يكون العالم لا يساوي سوى شريطا سمعيا أو بصريا يشحن جانباه بحشد من المعلومات من كل فن ومذهب في الحياة يغمز له زر فيهدر هديرا ثم يغمز أخرى فيخرس … عندها لا يكون العالم جديرا بلقب العالم ولا بإسمه . أما عندما يجمع الرجل إلى علمه عقلا نقديا مقارنا ينظر فيما ينقل ويدع ويتأمل فيما يكتب ويقول لا يأسره غيره بالغ ما بلغ من الحكمة وفصل الخطاب فيقلده تقليد القرود  والببغاوات ولا يدفعه غروره إلى إحتقاره دانئ ما دنأت إجتهاداته فيزدريه إزدراء العجماوات … عندها يكون حقيقا بإسم الفقيه وجديرا بلقبه حتى لو أخطأ ألف ألف مرة فمن سمات الفقيه الخطأ .

أخطأ الامام المرحوم في مواضع معروفة عند الفقهاء الراسخين فلم يزده ذلك عندهم سوى قدرا ومحبة . لم ؟ لانه خطأ المجتهد العامل تسوقه حرارة الداعية المتألم كأنما أضلعه تخترمها الحمى لهول ما يبصر من مآل أمة لم ترض بها مؤخرة الرحل بعدما تدحرجت عن قيادة مقدمته .

من حسن فقهه عليه الرحمة منه سبحانه أنه دعي يوما إلى إنكار تربية الكلاب على أهل كتاب في بعض دول أروبا فأبى ذلك مقدما دعوتهم إلى أصول الاسلام وكلياته ومبادئه ومقاصده العظمى أولا .

بصيرة المصلح جعلت الامام المرحوم يركزعلى أمراض العصر معالجة :

لا يختلف إثنان من تلاميذه اليوم وغدا على كون الامام المرحوم كان واسع العطاء في التأليف محبب الاسلوب في الكتابة قوي الحجة سليط اللسان يحكي بوجه ما سيرة الفقيه الاندلسي الثائر إبن حزم عليه رحمة الله سبحانه .

حفل منهج إصلاحاته بالانفتاح على أكثر من قضية معاصرة فكان يوجه سهام الطعن الفكري نحو المدرسة الغربية بشقيها الشيوعي والرأسمالي معتبرا إياها ضالعة في الغزو الفكري الشنيع الذي عول عليه الاحتلال العسكري المباشر في أثناء رحيله في إستنئاف تأبيد موانع التقدم والنهضة في الامة كما وجه ذات السهام نحو قرين ذلك داخليا أي قيام بعض مشاريع النهضة فينا على تقليد الاسلاف بما لا يؤول سوى إلى ذات النتيجة : الغزو الفكري يغتالنا من خلف ومن قدام والمغلوب مولع أبدا بتقليد غالبه ولا يهون من فداحة الامر شيئا أن كان المقلد على دين المقلد .

كما عكف عليه الرحمة على ترشيد قضايا كثيرة كفيلة بصنع النهضة المعاصرة منها إعادة الاعتبار لملكة العقل البشرية في مقابل التعويل على المنامات الليلية والالهامات الخادعة والشطحات الصوفية الكاذبة والطواف حول كعبة الاماني ومنها إعادة الاعتبار للمرأة كائنا إنسانيا مستخلفا مستأمنا مكلفا مسؤولا عاقلا وليا على أمره وأمر أمته مساويا للرجل في أصل الخلقة وأصل الرسالة وأصل الايلولة والحساب وإن إختلفت في بعض الاحيان ألوان التكاليف دون حقائقها وجواهرها إختلاف تكامل وتكافل وليس إختلاف أفضلية لجنس عن الاخر .

ومنها قضية التراث الاسلامي تنقية له من رواسب المرويات المنخولة الواهية الضعيفة محاكمة لها بأصول القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة ومنها قضية التعليم الديني والمدني في آن في محاولة لتعليق فصام نكد بين الدنيا والاخرة والعقل والروح مبرزا دور العلماء حيال السلاطين ودور الامة بأسرها حيال هؤلاء ضمن قضية التغيير الاسلامي المنشود .

جرأة المؤمن بقضاء الله وقدره تعيد الاعتبار للامة ولدينها تطاولا على النكبات :

أدت تلك الجرأة الاسلامية بسلطان العلماء العز عليه الرحمة منه سبحانه إلى الاقدام على إقتياد حكام مصر أيام المماليك إلى أسواق النخاسة لبيعهم بالمزاد العلني الحر المباشر وجعل رقابهم ذخرا في خزينة الدولة . تلك هي ذات الجرأة التي أدت بالتابعي النحرير سعيد إبن جبير إلى عدم الركوع بين يدي حضرة الحجاج كما يفعل أكثر الناس يومها ـ بل ربما كلهم ـ . فمن عاش منهما ومن مات ؟ بأي ذكر خلد كلاهما ؟ لا يكاد يذكر الحجاج اليوم إلا مقرونا بصفة السفاح .

للمرحوم مواقف بطولية جريئة عظيمة في عصر السادات وغيره ولعل أشهرها عندما دعي إلى بيان رأي الاسلام في قضية محاكمة بعض الشباب من الجماعة الاسلامية متهمة بقتل من سخر قلمه للنيل من مقدسات الامة حيث إلتزم العدل في بيانه فأوضح أن عملية القتل تلك إفتئات من الشباب على حق الحاكم ممثلا للامة ولو غلبة سدا لباب فتنة أكبر وأن النيل من تلك المقدسات الثابتة جريمة في حق الامة بأسرها .

 

تلك هي إذن الشروط التي إلتزمها المرحوم الغزالي في منهجه الاصلاحي وهي كفيلة بقيادة عمل الصحوة الاسلامية المعاصرة إلى شطآن الفلاح ومنابت النجاح :

1 ــ إخلاص في الدعوة إلى الاسلام يورث حرارة إيمانية تفتح مجاهيل القلوب فتؤمن وتثمر.

2 ــ إهتمام باللغة العربية تخليدا للثوب القرآني القشيب يورث حلاوة وذوقا وعاطفة مشبوبة .

3 ــ فقه ينبني على الوحي وعلى المقصد وعلى رعاية الواقع يورث وسطية وتوازنا وإعتدالا.

4 ــ بصيرة بأمراض العصر وعكوف على حسن تقديرها وحسن علاجها يورث قوة عقلية .

5 ــ جرأة يزكيها الاخلاص وينميها الايمان ويسوقها الشوق إلى الجنة تورث عزا وحقا وعدلا.

ذلك هو الزرع ينبت على جنبات المنهج الاسلامي ممثلا في  » محمد رسول الله والذين معه  » متخلقين بكونهم  » أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا « .

فأين من يخرج من ذلك الزرع  » شطئه  » يؤازره ثم يستغلظ ويستوي على سوقه ؟

ألف المرحوم كتابه  » الجانب العاطفي من الاسلام  » فمحته دموعه مرات فكان حقيقا بأن يجمع قوة العارضة النقدية بعقل وقاد جرئ إلى عاطفة مشبوبة جياشة فباء به كل ذلك فضلا من الرحمان سبحانه إلى نيل الشهادة التي طلبها بصدق ومات يذب عن حياض الاسلام على كل الجبهات الداخلية والخارجية .

مات وهو يحاضر في الجزيرة العربية ودفن في البقيع بعدما أفنى حياته يسأل الكبير المتعال سبحانه موتة ودفنه غير بعيد من قبر الحبيب عليه السلام .

عاش مجاهدا بقلمه ولسانه في سبيل الله سبحانه ومات شهيدا إلى جانب أهل البقيع .

أين الشطء الغض فقد أذن الزرع بالهرم ومناجل الموت تؤذن بالحصاد ؟

أنت الشطء المصطفى فكنه متوكلا على الوكيل منتضيا كلمة طيبة صادقة ومتوشحا علما ومتوسلا بجماعة تطرد عنك ذئب الانسان : الشيطان .

الهادي بريك / ألمانيا


 

3 مقالات ورؤى حول « الحركات الإسلامية: سياساتها وتناقضاتها الراهنة »

 

المقال الأول لصالح بشير (*)

 

امتنعت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عن مساجلة أيمن الظواهري. ردت بالقليل الذي يتوقف عند الإشارة إلى خصوصية القضية الفلسطينية، متهربة من المفاضلة بين أسلوبها في الجهاد وذلك الذي يتوخاه تنظيم القاعدة، عندما ابتدرها الظواهري منتقدا مقرّعا، آخذا عليها لجوءها إلى الانتخابات، تلك المرذولة أصلا في نظر التكفيريين من أمثاله، وضلوعها في سلطة وطنية قامت بمقتضى اتفاقات أوسلو، وقبولها، الذي قد يراه ضمنيا أو مزمعا، الاعتراف بما أسماه «اتفاقات الاستسلام».

 

ليس في ما قاله قيادي القاعدة من جديد غير معهود، فالرجل منسجم مع نفسه تمام الانسجام، لا يتزحزح عن أقانيم نظرته الإيديولوجية ومسلكه «الجهادي»، وهذان مفادهما نبذ السياسة نبذا قاطعا، واعتبارها رجسا من عمل الشيطان. وليس في ذلك غير ما هو معتاد مألوف من شريك في زعامة تنظيم كـ»القاعدة»، لا يرى له من فعل غير الخروج عن العالم والخروج عليه، ولا يسعه، تبعا لذلك، إلا أن ينبذ السياسة ويكفرها بوصفها النقيض الناجز والأصلي لما هو ولما يريد. فهي، طبيعةً، اعتراف بالآخر، الداخلي والخارجي، تربط الأواصر أو تجترحها أو تسعى إليها، مجالُها الحيز ذاك، وهو القطيعة و»البراء» يزاولهما بالعنف الأقصى، أداة وحيدة وحصرية.

 

غير أن في الأمر جديدا مع ذلك. إذ هي المرة الأولى التي يتبدى فيها بجلاء، عبر هذا السجال (المُجهض)، استقطاب علني واضح وعلى قدر من تحديد داخل مجرّة ما يُعرف بـ»الإسلام السياسي» (وهو في حقيقة أمره «إسلام إيديولوجي»، إذ قد لا تنطبق صفة «السياسي» إلا على ما كان من التنظيمات من قبيل «العدالة والتنمية» التركي)، حول وسائل الفعل في الشأن العام وطريقته. صحيح أنه قد يكون من قبيل التعسف إدراج الحركات الإسلامية كافة في خانة واحدة، واعتبار الإرهاب فيها جبلّة، وإن كان البعض لا يستنكف عن ذلك، فلا يرى بينها غير فوارق تكتيكية، إلا إن ما هو صحيح كذلك أن حركة حماس، حتى في أوج عملياتها القتالية، تفجر الأماكن العامة وتنال من المدنيين الإسرائيليين دون تمييز، لم تنجرّ إلى إرهاب كذلك الذي يدين به بن لادن والظواهري والزرقاوي، فلم تقترف عنفا أعمى شاملا، بل حددته في حيز ترابي بعينه، هو فلسطين التي تراها كيانا واحدا، لا تمايز فيه بين أراض محتلة سنة 1967 وأخرى يراها العالم دولة إسرائيل، وفي أعداء محددين، حتى أنها امتنعت مثلا عن استهداف المصالح الأميركية.

 

غير أن لبسا ظل مقيما على صعيد جمهور الأنصار وعلى صعيد النظرة إلى السياسة. فالأوساط التي استبشرت لـ»غزوة» منهاتن، وخرجت، في أيلول (سبتمبر) 2001 إلى الشوارع توزع الحلوى محتفية جذلةً، هي نفسها الأوساط التي تناصر الحركات الإسلامية المعتدلة، لا سيما حماس الفلسطينية، وتصوّت لفائدتها لدى كل اقتراع، ومتى ما قيّض لها ذلك، كما أن حركات الاعتدال تلك قصّرت في الغالب عن إدانة القاعدة وإرهابها، أو فعلت ذلك على استحياء وكأنما نزولا عند ضغط قاهر. أما السياسة، فكانت أطراف المجرة الإسلاموية تلتقي تقريبا على نبذها أو على الإرتياب بها وإن اختلفت الدرجات، أو تقبل عليها على مضض، إقبال من ينكرها، على ما كان شأن حركة الإخوان المسلمين، وحماس جزء منها لا يتجزأ، تكتفي من الانتخابات بما يدعم موقعها المعارض (على أسس غير سياسية في الغالب) وما يبرز حظوتها لدى الجمهور، في حين تبدو كالمستنكفة عن السلطة، لأن الأخيرة تجعلها وجها لوجه مع السياسة وأعبائها ودنسها… أما من خاض من تلك الحركات غمار الانتخابات ينشد الفوز، على ما كان حال «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في جزائر مطالع عقد التسعينات من القرن الماضي، فقد كان يعلن توسلها للإجهاز على السياسة، إذ كان بعض القادة الإسلاميين الجزائريين يصفون الانتخابات تلك بأنها ستكون الأولى والأخيرة، طريق بلوغ السلطة والبقاء فيها إلى الأبد… علما بأن ذلك لا يعذر انقلاب العسكر على نتائج الاقتراع ولا يبرر الحرب الأهلية التي أعقبته.

 

كل ذلك للقول بوجود جذع مشترك عريض يجمع بين أطراف المجرّة الإسلاموية، قد يسهل على من لا يرغب في رؤية الفارق بين أهل الاعتدال وأهل التطرف داخلها، حتى إذا تم الإقرار بذلك الفارق، اعتبر أمرا لا يتعدى السلوك، الناجم عن تنوع الأمكنة والظروف، و يطال الخلفية والمرتكزات الإيديولوجية، التي تبقى ماثلة، مشتركة إلى حد بعيد، لا تعتريها سوى تمايزات طفيفة، يصفها البعض بالانتهازية ولا يعتد بها. ومن هنا أهمية الخلاف الذي عبرت عنه تصريحات الظواهري الناقدة لحركة حماس، ورد هذه الأخيرة، الذي وإن استنكف عن السجال، إلا أنه بدا صادّا لتلك الانتقادات، مصرا على النهج الذي آلت إليه الحركة، بخوضها غمار الاقتراع، وخصوصا بالنهوض بأعباء فوز ربما لم تتوقعه ولا كانت تريده على ما يقدّر البعض.

 

مفاد ذلك، أنه كلما ازدادت حركة حماس، وقد وصلت إلى الحكم، ضلوعا في السياسة، اختيارا أم تحت ضغط الظروف، زادت ابتعادا عن الحركات الجهادية التقليدية، وساهمت في إحداث ذلك الفرز، داخل المجرة الإسلاموية، تلك التي ظل يشوبها لبس مقيم، يلقي بظلاله على محاولات التمييز بين معتدلها ومتطرفها، فيصمه بالنسبية البالغة، أو يجعله محط ريبة، وأمرا لا يعدو أن يكون من باب التقية أو ما إلى ذلك من ضروب الحيلة والمراوغة.

 

وإذا ما صحت هذه الوجهة نحو الفرز، فإن أهم ما فيها أنها قد تتم في فلسطين، وعلى يدي حركة إسلامية فلسطينية. ذلك أن فوز حماس، إن كان قد انتزع القضية الفلسطينية من احتكار حركة وطنية تقليدية مثل حركة فتح وما ماثلها، أو من احتكار التيارات القومية على ما كانت الحال طوال نصف القرن الماضي، وجعلها، لأول مرة، غنما للإسلام السياسي، قد يؤدي، إن تأكد نزوع الحركة نحو السياسة، إلى حرمان حركات التطرف من الذريعة الفلسطينية… وقد عبر الظواهري عن قلق من هذا القبيل، عندما أنكر على القضية الفلسطينية أن تكون قضية الفلسطينيين حصرا!

 

(*) كاتب تونسي

 

(المصدر: ملحق « تيارات » بصحيفة الحياة الصادرة يوم 12 مارس 2006)

 ——————————————————

الحركات الإسلامية: سياساتها وتناقضاتها الراهنة

المقال الثاني للدكتور وحيد عبد المجيد (*)      

 

مراقب عام جديد انتخبته جماعة «الإخوان المسلمين» في الأردن في 2 آذار (مارس) الجاري بعد اعتذار المراقب السابق عن إعادة ترشيح نفسه. انتقلت المسؤولية من عبد المجيد الذنيبات إلى سالم الفلاحات بطريقة ديموقراطية في ثاني أهم تنظيم لـ «الإخوان» بعد مركزهم الرئيسي في مصر.

 

وفي هذا المركز كلام يتردد الآن عن أن المرشد العام مهدي عاكف لن يترشح لفترة ثانية. وإذا صح ذلك، سيكون خطوة يخطوها «الإخوان» في طريقهم إلى الديموقراطية التي يزداد التساؤل عن موقفهم تجاهها في حال وصولهم إلى السلطة.

 

وفضلاً عن ذلك ثمة موقف في الاتجاه نفسه لا يقل أهمية أعلنه عضو بارز في مكتب الإرشاد العام لـ «الإخوان» عندما دعا زملاءه الذين تجاوزوا عامهم السبعين الى اعتزال مواقعهم لفسح الطريق أمام جيل جديد. وصاحب هذه الدعوة السيد محمد هلال ذو مكانة مرموقة في الجماعة، وتولى منصب المرشد بشكل موقت لعدة أيام فور رحيل المرشد السابق المستشار المأمون الهضيبي وحتى تقلد المرشد الحالي مهدي عاكف موقعه.

 

هناك، إذاً، شواهد على جديد ما في جماعة «الإخوان»، وخصوصاً في شأن الممارسة الديموقراطية في داخلها. جديد نجد ارهاصات له في مركزها الرئيسي في مصر، وفي أهم تنظيماتها خارج هذا المركز وهو التنظيم الأردني. ولهذه الشواهد أهميتها، بالرغم من وجود شواهد مضادة، في مرحلة تشهد صعوداً لـ «الإخوان» بلغ ذروته في فلسطين عبر حركة «حماس». فمن الطبيعي أن يكون الطريق إلى الديموقراطية صعباً بالنسبة إلى تنظيم عمل مركزه الرئيس تحت الأرض لفترة طويلة. وأدى تعرضه إلى ضربات موجعة، وملاحقات متواصلة حيناً ومتقطعة حيناً آخر، إلى إفراط في تطبيق مبدأ «السمع والطاعة» وتكريس نمط شمولي مغلق في التنشئة السياسية داخله. وبدأ ذلك في مصر، وانتقل إلى تنظيمات «الإخوان» الأخرى. لذلك فإذا كان غياب، أو تغييب، الديموقراطية في التنظيم «الإخواني» ارتبط بظروف سياسية وأمنية محددة، فمن الجائز أن يختلف الوضع حال تغير هذه الظروف. وعندئذ يمكن أن يستعيد التنظيم ذلك المقدار من الديموقراطية الذي توفر في مرحلته الأولى في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. فقد عرفت جماعة «الإخوان» في تلك المرحلة ممارسة ديموقراطية محدودة. لكنها فاقت ما شهدته معظم الأحزاب حينئذ. فعلى سبيل المثال كانت جماعة «الإخوان» أكثر اعتماداً على أسلوب الانتخاب في بنائها التنظيمي مقارنة بأي حزب آخر. فكان اختيار مجالس إدارات الشُعب والمناطق والمكاتب الإدارية يتم بالانتخاب. كما كان مكتب الإرشاد منتخباً من الهيئة التأسيسية التي كانت تقوم مقام الجمعية العمومية. ولكن هذه الهيئة نفسها لم تكن منتخبة، الأمر الذي أتاح للمرشد العام الهيمنة على عملية انتخاب مكتب الإرشاد. لكن، في المقابل، لم يعرف حزب الوفد أسلوب الانتخاب إلا في قاعدة هرمه التنظيمي حيث كانت اللجان الفرعية في المحافظات هي وحدها التي ينتخب كل منها رئيساً وسكرتيراً. وعرف حزب الأحرار الدستوريين الانتخاب على نطاق أوسع قليلا من الوفد، لكنه كان أضيق مما جرى العمل به في جماعة «الإخوان».

 

فكان مكتب الإرشاد (أعلى هيئة قيادية) منتخباً بخلاف هيئة الوفد المصري التي ظل رئيس الحزب يعينها منذ أن اختارها سعد زغلول للمرة الأولى في العام 1918. فكان الرئيس يعين هيئة الوفد المصري، وهي أعلى مستوى حزبي. كما كانت هذه الهيئة تختار الهيئة الوفدية أي المستوى الذي يليها. وكذلك كان الحال في اختيار مجلس إدارة حزب الأحرار الدستوريين.

 

وهكذا عرفت جماعة «الإخوان» مقدارا من الممارسة الديموقراطية في داخلها لم يتوفر في أي من أحزاب المرحلة شبه الليبرالية قبل ثورة 1952. هذه الممارسة الديموقراطية بكل نواقصها كانت قابلة للتقدم. لكن الصراع الذي خاضته الجماعة ضد ثورة 1952، بعد فشل محاولات الاتجاه الرئيس فيها لاحتواء هذه الثورة، أدخل التنظيم «الإخواني» في مرحلة جديدة لم يعد ثمة محل فيها لممارسة ديموقراطية.

 

وبالرغم من أن التهديد الوجودي للتنظيم انتهى منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، فقد خلق النزول تحت الأرض ثقافة غير ديموقراطية نشأ عليها جيلان على الأقل بشكل كامل. وبقيت هذه الثقافة سائدة في عمق التنظيم ومستوياته الوسطى والقاعدية، ومتوازية مع تطور محدود وبطيء صوب قبول الديموقراطية في أوساط عدد متزايد من القياديين.

 

مع ذلك أصبح ممكنا أن يستعيد مركز «الإخوان» في مصر الممارسة الديموقراطية التي عرفها في مرحلته الأولى حتى إذا بقي محظوراً لفترة أخرى، لأنه يتمتع بأهم مظاهر الوجود العلني ومزاياه. فتنظيم «الإخوان» موجود فوق الأرض، وتحتها في آن معاً. والجميع يتعاطى معه باعتباره حزباً من الناحية الفعلية، بما في ذلك مؤسسات الدولة التي تعتبره محظوراً.

 

وهكذا يجــــوز الـــقــــول إن الحـــصول علـــى المشروعـــية القانونيــــة مــــن عدمــــه لم يعد هو العامل المحدد لتطور باتجاه ممارســـة ديموقراطيــــة في داخل جماعة «الإخوان» في مصر. فثمة عاملان أكثر أهمية وتأثيراً في هذا المجال، وهما مدى استعداد قواعد التنظيم لتغيير ما نشأوا عليه، وتقدير قيادة الجماعة لمنافع الممارسة الديموقراطية ومضارها.

 

فهناك فجوة ملموسة بين معظم قادة التنظيم الذين انفتحوا على الآخر واحتكوا به وتفاعلوا معه، ومعظم القواعد الذين نشأوا في تنظيم مغلق حديدي شديد الانضباط. لقد نشأ هؤلاء على طريقة معينة تعودوا عليها وصارت جزءا من نمط حياتهم. وقد لا يكون صعبا تغيير ذلك إذا اتخذت قيادة التنظيم قراراً حاسماً باتجاه مراجعة طريقة إدارته. ولكن ثمة مشكلة أخرى قد يكون حلها أكثر صعوبة، وهي تأثير الامتزاج المتزايد لقواعد الجماعة مع اتجاهات أصولية أخرى تربط قضايا الفكر السياسي والممارسة السياسية بمنهج ديني يقوم على الثواب والعقاب، أكثر مما يعتمد على المصالح والمفاسد. ورأينا مظهراً واضحاً لهذا الامتزاج في الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة التي اعتمد فيها عدد كبير من مرشحي «الإخوان» على علاقاتهم مع جمعيات دينية تعبر عن تلك الاتجاهات.

 

أما العامل الثاني المؤثر على إمكان تطور «الإخوان المسلمين» في اتجاه الممارسة الديموقراطية في داخل تنظيماتهم فهو موقف قيادتهم. فمعظم قادة «الإخوان» متحررون إلى حد كبير من تأثير الاتجاهات الأصولية التي تنظر إلى الديموقراطية بعين الرفض، أو الريبة على الأقل، ومن المنهج الذي يقيس أمور السياسة بمعايير الثواب والعقاب الديني من دون غيرها. ولكنهم مقيدون بالحالة السائدة على المستوى القاعدي، والتي قد تحتاج إلى وقت لتطويرها لكي تنسجم مع مقدار معقول من الممارسة الديموقراطية.

 

غير ان حسابات قيادة «الإخوان» قد لا تقتصر على ذلك، بل تشمل كذلك حساب المكاسب والخسائر. والممارسة الديموقراطية في داخل تنظيمات «الإخوان» تخلق صورة إيجابية لهم وتساعدهم في مواجهة الصور السلبية التي يحاول خصومهم الصاقها بهم.

 

لكن هذه الممارسة قد تخلق، في الوقت نفسه، صراعات أو تكشف نزاعات تحت السطح ظلت مكبوتة نتيجة الحصار الذي كان مفروضا على الجماعة، وخصوصاً في مصر. فوضع أي مجموعة من البشر تحت الحصار يؤدي إلى تماسكهم وتلاحمهم. ولكن هذا الحصار أخذ في الانحسار على نحو يخلق إحساساً في داخل التنظيم بأن التهديد يزول. هذا الإحساس سينتشر تدريجياً. ومع انتشاره قد تظهر صراعات لم يكن ممكنا تصور بروزها في مرحلة الحصار. وقد يعتقد قادة التنظيم، أو بعضهم، أن ممارسة ديموقراطية في داخله يمكن أن تغذي هذه الصراعات. وإذا حدث ذلك، فقد تتراجع فرص هذه الممارسة، وتصبح الشواهد الدالة عليها الآن حالات استثنائية. أما إذا أدرك قادة «الإخوان» أن الممارسة الديموقراطية هي التي تضمن معالجة أي صراعات تظهر بشكل يحول دون استفحالها، سنكون في هذه الحال إزاء تطور كبير لا يقتصر أثره على «الإخوان».

 

فالسماح بممارسة ديموقراطية في داخل تنظيمات «الإخوان» لا بد أن يرتبط بتطور إيجابي في موقفهم تجاه الآخر يؤكد أنهم يسيرون فعلا على طريق الديموقراطية. وهذه هي البشرى التي تفتح باب الأمل في سماء بلاد عربية عدة سيكون لـ «الإخوان» دور رئيس في نظمها السياسية خلال سنوات قليلة.

 

(*) كاتب مصري

 

(المصدر: ملحق « تيارات » بصحيفة الحياة الصادرة يوم 12 مارس 2006)

 ——————————————————-

الحركات الإسلامية: سياساتها وتناقضاتها الراهنة

المقال الثالث للدكتورة دلال البزري (*)      

 

الأوساط «المدنية» غير الاسلامية مكسورة الجناح في مصر اليوم. على رغم «الفسْحة» التي اتيحت لها، تمشي حذرة، «من جنب الحيطة» (بمحاذاة الحائط). بالكاد تفصح عما في دواخلها. شيء من الغمغمة يحكم اقوالها حول الدين. قليل من الوضوح وكثير من الخشية. الخوف من ان يبدو قولها غير مطابق او غير منسجم مع العصر الاسلامي الراهن. الانتصار الاخواني المزدوج، الوطني والفلسطيني، ناهيك عن المزايدة الرسمية الدينية الموازية، اثقلا الجو اكثر فأكثر؛ ويلحّان على فعل ايمان اوتوماتيكي اسلامي، أي فعل… وهما يشجّعان على الصمت عن الآراء الدفينة التي قد تعرّض لخطر غامض، ما أوجدَ نوعاًً من التقية، تختلف تعبيراتها، لكنها في النهاية تصبّ في النهر نفسه: نهر التبرؤ من اية صفة لادينية او لامبالاة دينية او معاداة للدين بالمعنى الذي يُروّج له حالياً.

 

والامثلة لا حصر لها. هنا اثنان فقط، حصلت احداثهما منذ ايام:

 

رابطة نسوية عريقة في علمانيتها، عقدت مؤتمرا حول المرأة. وكان «حدث» هذا المؤتمر ما أفتتْ به رئيسته وما فسرته للآية الكريمة «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن». فاعلنت أن هذه الآية لا تعني امراً بضرب النساء الناشزات. وذلك على قاعدة اجتهاد مارسته، واكتشفت على اثره ان فعل «الضرب» في الآية الكريمة لا يعني الضرب الذي نعرفه. وقياسها ان فعل «ضرب» ورد في القرآن الكريم ست مرات بمعان مختلفة منها: «وليضربن بخمارهن» و»اضربوا في الارض»…

 

المثل الثاني: مؤتمر لأصحاب افكار غير قابلة هي ايضا للإنتشار الآن. مجموعة من العلمانيين المصريين في مؤتمرهم التأسيسي. شعار المؤتمر «التفكير النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق». طبعا كان يمكن ان يكون مؤتمرا للتنويريين او الداعين الى تجديد الخطاب الديني، او حتى الليبراليين… وما كان ليُنتَبَه الى الفرق. ولكن المهم ان هذا المؤتمر بالكاد مارس التفكير النسبي بما هو نسبي. لم يتجاوز عتَبة الابواب المواربة المفتوحة اصلا؛ ولا توغّل بعيدا في المعاني التي نشدها من نهضة وعقلانية ومحاجّة فلسفية. توقف عند العتَبات ولم يكمّل. والاسباب معروفة: ان المؤتمر قرر التوجه الى الجماهير واكتسابها. وهو لذلك، لا يستطيع ان يسمح لنفسه بأن يصدمها بمقولاته المرفوضة. فالجماهير تقودها الآن عاطفة سياسية اخرى، واكتسابها يتطلب احترام مقدساتها. ومع ذلك، لم يجد الضيف الاخواني الى المؤتمر ما يقوله في نهايته، غير استنكاره جو المؤتمر المشحون، في رأيه، ضد الدين: «لا تحبون الدين! لا تحترمونه!»، قال. فردّت عليه رئاسة المؤتمر بخفَر شديد، كأن المندوب الاخواني هو فعلا وكيل الدين على الارض وحامي حماه… قالت بانهم بالعكس تماما، يجلّون الدين، ويحبونه، والدليل كذا وكيت من اقوال اصحاب الكلمات.

 

هناك مرجعية سلطانية اسلاموية تحوم فوق رؤوس المسلمين، إسلاميين كانوا، او غير إسلاميين. الثقل نفسه والوطأة نفسها. المروحة الواسعة من الاسلاميين، وهم الغالبية العظمى، مثلهم مثل الأقلية العظمى، غيرالاسلاميين، باتوا مسلّمين باللغة الاسلامية ونماذجها وامثلتها العليا… العلماني والاسلامي يرجعان الى المراجع نفسها لتبيان احقية وجهة نظر احدهما امام الملأ. والغالب طبعا هو الاسلامي. ليس بسبب روح العصر فحسب، بل لأنه اكثر انسجاما مع ما يقول امام الملأ: أي امام الذين يتشاطرون، مرغمين، او راضين، المرجعية الاسلاموية نفسها. وإن كان قوله، من جهة اخرى، اقل انسجاما مع فعله خلف الستارة.

 

لذلك قليلون هم الذين يفصحون عن تعارض مرجعيتهم مع المرجعية الاسلاموية. بل العكس: الميل العام، الأسهل والأضمن للإنتشار، هو «المسايرة»، أو محاولات «المؤامة» الترقيعية كلها، مع «الاجواء العامة»، مع «المناخ الاسلامي المهيمن»… لعل الزوبعة الاسلامية تمر بسرعة وبسلام.

 

ليس المقصود طبعا شن حملة مجابهة للفكر الاسلاموي بما يعطيه ذريعة الانقضاض على من تبقى ممن هم خارجه. بل المقصود الاشارة الى غياب اي تفكير جدي وحقيقي في مسألة المرجعية الآخذة في الانتشار من دون اي تأصيل هو الآخر. «الاخوان المسلمون» ليسوا أوضح، وهم مرشحون للمزيد من انعدام الوضوح، مع توزع ادوارهم، ومع صعودهم الى السلطة، وخوضهم كل الانتخابات الممكنة. يدعون للمرجعية الاسلامية كأنها غير حاصلة. فعندما يُسألون عنها، يجيبون، بعد إلحاح، بأنهم يقصدون بها تطبيق الشريعة الاسلامية، اي «الحدود». ثم يستدركون بأن التطبيق «لن يحصل طبعا قبل ان يوافق عليه المجتمع»، أو «غالبيته». طالما انهم الآن واثقون من نتائج التصويت الديموقراطي.

 

ثمة كلمة غائبة عن كل هذا المشهد، وحاضرة بقوة في خلفيته. انها الحداثة. كلمة منبوذة من الطرفين: الاسلامي وغير الاسلامي. ولكلٍ اسبابه.

 

الأول، لأن الحداثة مسؤولة عن سقوط الخلافة الاسلامية، وتعريض الهوية الاسلامية للخطر وانحطاط المسلمين وفسادهم. يبحث الاسلامي بلا هوادة عن نقاط ضعف الحداثة السطحية، وينبذها، قاصدا تاريخه الاسلامي الغامض والمتشعّب والبعيد… وهو خلافي بالتأكيد في حال التمعّن بأحداثه.

 

اما الثاني، غيرالاسلامي، فيكره الحداثة، مثلما يكره المرء حبيباً خانه، او خيّب امله. في حبه للحداثة عتاب على ضعفها واخفاقها، وهو يعتقد بأنها لا تحتاج الا الى جرعة سلطة كي تسود.

 

والحداثة من نكسة الى اخرى. عمرها الآن في مصر 200 عام. منذ محمد علي باشا (1849-1905). وواضح، منذ بداية القرن الماضي على الاقل وحتى نهايته انها في سبيلها الى التراجع. وبتسارع الخطى منذ بداية الالفية.

 

والسؤال المطروح على الاسلامي وغير الاسلامي هو: كيف حصل ذلك؟ كيف آل قرنان من الزمن، هما عمر الحداثة، الى تلاشيها الراهن؟ ما هي الديناميّة التي اتبعتها في مسارها لكي تبلغ ما بلغته من تشويه وعزل وتسطيح؟

 

اظن ان اي نقاش جدي ومفتوح حول المرجعية او الشريعة الاسلاميتَين لا يمكنه تجنب المئتي عام من التاريخ القريب ثم الإكتفاء بتكرار، واعادة تكرار، قديم الأحكام والفتاوى. ليس فقط لأن هذا التكرار التعويذي يلغي تجربة ووقائع ومؤسسات وذاكرة، ما زالت كلها حيّة… بل لأنه، أيضاً، يحيلنا الى تغريبة من نوع جديد: تغريبة المرجعية السلطانية من دون دولتها.

 

(*) كاتبة لبنانية

 

(المصدر: ملحق « تيارات » بصحيفة الحياة الصادرة يوم 12 مارس 2006)

 

 

الهند النووية وسياسة الكيل بمكيالين

توفيق المديني(*)

في الوقت الذي تبحث فيه المجموعة الدولية السبل الكفيلة لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم كخطوة استباقية للحيلولة دون امتلاكها السلاح النووي،وقع الرئيس جورج بوش في محور زيارته الأولى إلى نيودلهي، مع بداية شهر آذار، اتفاقا « تاريخيا » للتعاون النووي  المدني مع الهند، وذلك على الرغم من أن البلد  لن يفتح منشآته النووية العسكرية للتفتيش الدولي.ولاشك أن هذا الاتفاق  سيدخل هذا البلد الآسيوي في مصاف نادي القوى العظمى النووية المعترف بها، وبمباركة  أحادية الجانب من جانب بوش الذي لم يكلف   نفسه حتى عناء التشاور مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ناهيك عن إشراك المنظمات والهيئات ذات العلاقة، وعلى رأسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي اقتصر دورها ودور مديرها العام محمد البرادعي على مجرد التعليق على ما حدث، تعليقا إيجابيا مُشيدا.

 و إذا صادق الكونغرس الأمريكي على هذا الإتفاق، فإنه سيضع حدا لعزلة الهند النووية . وكان الرئيس بوش أبدى تفاؤله في قدرته على اقناع الكونغرس بإنهاء الحظر التكنولوجي الاميركي على الهند، منذ إجرائها تجارب نووية، وصولاً الى تطويرها سلاحاً ذرياً، الأمر الذي استغرق 30 عاماً، ورأى أن الاتفاق الجديد يسمح بتذليل عقدة استمرت عقوداً، « علماً ان الشراكة الممتازة مع الهند في موضوع حظر الانتشار النووي تكرست طيلة العقود الماضية ». وأوضح بوش أن « ما يقوله هذا الاتفاق هو أن الأشياء تتغير والأزمنة تتغير. أحاول أن أفكر بطريقة مختلفة، وأن لا أبقى عالقاً في الماضي ». وقال « إن في مصلحتنا أن تحصل الهند على الطاقة النووية لتخفيف الضغط على احتياجاتها من الطاقة »، مضيفاً « كلما قل الطلب على الوقود العضوي، كلما كان ذلك أفضل للشعب الاميركي، هذا ما سأقوله للكونغرس ».

في مقابل الفصل بين برامجها النووية  المدنية و العسكرية ، ستحصل الهند من الولايات المتحدة الأمريكية  على نقل التكنولوجيا النووية،و إمدادات مستمرة من الوقود النووي لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء، ولتطوير صناعتها ومنشآتها العسكرية بمعزل عن أية رقابة،شرط أن يوافق الكونغرس الامريكي على هذا الاتفاق.  وكانت الهند محظورة عنهما بسبب عدم توقيعها على معاهدة حظر الانتشار النووي حتى الآن.و بموجب هذا الاتفاق  وافقت الهند على وضع 14 من مفاعلاتها النووية  من أصل 22 مفاعلا نوويا هندياً على أنها مفاعلات « مدنية »، تحت الإشراف الدولي. ويعتبر هذا التنازل من جانب الهند طفيفا و شكليا ،إذ يتمثل في إخضاع منشآتها النووية المدنية للرقابة .

 و كان الرئيس جاك شيراك الذي زار الهند قبل أيام من زيارة بوش قد اقترح على نيودلهي تسليمها محطات نووية  من دون انتظار أن تخضع منشاءاتها النووية –ولوجزئيا- لمراقبة وكالة الطاقة الذرية الدولية.  

ويعتبر هذا الاتفاق تغييرا كبيرا في السياسة الأمريكية بشأن حظر الإنتشار النووي.فهناك قانون أمريكي يحظر تصدير التكنولوجيا التي يمكن أن تساعد البرنامج النووي لبلد غير موقع على  معاهدة حظر الانتشار النووي.و كانت واشنطن فرضت  عقوبات على الهند بعد أن قامت هذه الأخيرة بالتفجيرات النووية في عام 1998. علماً أن واشنطن قادت طوال 30 عاماً جهود عزل التكنولوجيا النووية الهندية وعدم الاعتراف بها « كونها انتهكت الأعراف الدولية عبر إجراء تجارب نووية وتطوير أسلحة ». و في السابق، تراجعت واشنطن عن اتفاق تمنح بموجبه الوقود للمفاعل النووي الهندي تارابور(الذي سلمته الولايات المتحدة) بعد أول تفجير نووي هندي عام 1974.

ويعتبر هذا الاتفاق نصرا كبيرا للدبلوماسية الهندية لأنها أبقت برنامجها النووي العسكري خارج نطاق المراقبة الدولية.كما أن نيودلهي سعيدة لأنها نجحت في إقناع واشنطن بعدم إخضاع مولدها العملاق للأبحاث و كذلك مولدها للطاقة قيد البناء  للتفتيش من قبل وكالة الطاقة الذرية الدولية.

الهند القوة الاقتصادية الصاعدة

الهند قوة نووية غير موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي. بيد أن حاجياتها للطاقة أصبحت ضخمة . ويعود البرنامج النووي الهندي إلى عام 1944، أي قبل الاستقلال، عندما كتب الأستاذ في معهد العلوم ببنغلور، السيد هومي بهبها ، إلى تاتا تروست لإطلاق برنامج الأبحاث النووية، وجد في جواهرلال نهرو، رئيس الحكومة الهند، التي استقلت حديثا عام 1947 ، آذانا صاغية. وقد اتخذ المرسوم بشأن الطاقة النووية في عام 1948، أما المؤسسة التي تحمل الإسم عينه فقد تأسست في بومباي عام 1954.

وانطلق البرنامج النووي في عقول الآباء المؤسسين له، بهدف إنساني محض: كيف يمكن تحقيق التقدم لبلد كبير حصل على استقلاله في ظل الفقر و التخلف.اليوم الهند قوة عسكرية نووية بحكم  الأمرالواقع، غير أنها لا تنتج من الطاقة النووية سوى 3% من احتياجاتها للكهرباء. و الحال هذه،مع حلول سنة 2010 ستصبح الهند المستهلك الرابع للطاقة في العالم ، خلف  الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و اليابان.

ومن أجل المحافظة على مستوى من النمو الاقتصادي بنحو8% حتى عام 2020، وهو طموح كبير، سيترتب على الهند استيراد 50% من غازها و 80% من نفطها. حتى ذلك التاريخ ، تقدر مؤسسة الطاقة النووية  الهندية(وهي مؤسسة تابعة للدولة)،التي  تبني و تدير المحطات النووية ، إنتاج طاقة كهربائية بنحو 20000ميغاوات مقابل 3000ميغاوات  في الوقت الحاضر.

ويجمع الخبراء في الاقتصاد على أن هناك قادما ً جديداً على مسرح الاقتصاد العالمي ألاوهو الهند  ،البلد الذي يكتشف بابتهاج المطامع التي كانت عرضةً لها .ولقد أصبحت الهند مركز جاذبية بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى دقيق،فتعداد سكانها الذي يبلغ الآن 1،1 مليار نسمة، سيصل إلى 1،5 مليار نسمة في  حدود  عام 2035، لتصبح أول بلد في العالم من حيث عدد السكان.ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للهند 788 مليار دولار(662 مليار يورو في عام 2004)، منه 23% تم تحقيقه في الزراعة، و 26% في الصناعة، و 51% في قطاع الخدمات. ويبلغ الناتج الداخلي الخام للفرد في الهند 608 دولار في عام 2004، أي أقل مرتين مما هو موجود في الصين . وتوجد في الهند طبقة وسطى  يقارب تعدادها ما بين 250 إلى 300 مليون نسمة، متلهّفة لتدارك السنوات السودمن الاقتصاد المركزي المغلق- وهي ما انفكت تتوسع لتحتل  بذلك المرتبة الثانية في العالم بعد الطبقة الوسطى في الصين-،و بنية تحتية تحتاج تنميتها المرتقبة إلى عشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات.

وفي الوقت الذي يركزفيه الإعلام العالمي على النهضة الاقتصادية الصينية ، يستمرالاقتصاد الهند ي في تحقيق ثورته وصعوده نحو العالمية ، في كنف من السرية مقارنة مع  المنافس الصيني .فقد سجل الإنتاج الصناعي الهندي ارتفاعا ً بنحو 6،9% سنويا حسب الإحصائيات الرسمية المنشورة في 12 يناير الجاري، واستمر معدل النمو في ملامسته 8% عام 2005. و في عام 2004بلغت صادرات الهند من النسيج (23،6%)، و المجوهرات (16،8%)، و المواد التجهيزية (15،7%). واستوردت الهند مواداً نفطية بنحو (27،4%)، ومواداً تجهيزية (11،7%)و أحجاراً كريمة(9،05%). وكان  العجز التجاري للهند بنحو 26،5 مليار دولار لعام 2004.

خلال بضع سنوات ، تغيرت المدن الهندية بصورةٍ كبيرةٍ جداً. و في مجال الطيران المدني، ستشتري  نيودلهي  600 طائرة خلال العشر سنوات المقبلة. و في سبيل مواجهة الزيادة في حركة الطيران المدني، أصبحت الهند مجبرةً على القيام بعملية تحديث  لكل مطاراتها، إضافة إلى بناء مطارات جديدة.ولما أصبحت حاجاتها للطاقة ضخمةً من أجل المحافظة على معدل نمو مرتفع، اتفقت الهند مع جارتها الكبيرة الصين ، لتفادي أي منافسة يمكن أن تلحق ضرراً بالبلدين.

وبعد أن كانت الشركات الهندية الكبرى مكتفية لمدة طويلة بالسوق الاستهلاكية المحلية التي تعد مليار نسمة،أصبحت الآن تبحث عن منافذ خارجية على الصعيد الدولي. وقد انفقت مبلغ 12 مليار دولار لشراء شركات أجنبية في عام 2005.وعلى الرغم من أن الهند تعتبر الرقم الأول في الخدمات المعلوماتية، إلا أنها ما انفكت أيضا ً تطور الصناعة المانيفاكتورية، لاسيما في صناعة السيارات، إذ إن كل شركات صناعة السيارات  العالمية الكبرى نقلت خطوط إنتاجها الصناعية إلى الهند حاليا ً.

لا شك أن مثل هذا الازدهار الاقتصادي يغري أكثر فأكثر شركات العالم كله.فخلال أقل من ثلاثة اشهر،أعلن عمالقةالكومبيوتر العالميين   عن إستثمارات في الهند بقيمة 5 مليارات دولار(4،2مليار يورو):1،7 مليار دولارلشركة مايكروسوفت التي تريد توظيف 3000 شخصاً إضافياً خلال الأربع سنوات المقبلة، 1,05 مليار دولار لشركة أنتيل الأمريكية المتخصصة في الكومبيوترخلال الخمس سنوات المقبلة،مليار دولار لشركة سيسكو، الشركة العالمية الأولى في مجال التجهيزات لشبكة الأنترنت.وقال بيل غيتس رئيس شركة مايكروسوفت  أمام الكونفدرالية الهندية للصناعة: »نحن تابعون للهند فيما يتعلق باليد العاملة،لهذا السبب نحن نعمل على توسيع عملياتنا.نحن نوظف أيضا بسرعة أكثر ما نستطيع، لأن هذا البلد يحتوي على موارد هائلة في مجال صناعة الكومبيوتر ».

وتحتوي الهند على أكبر خزان عالمي من اليد العاملة الأنغلوفونية المتعلمة و الماهرة. فالمهندس الهندي المحلي يتقاضى راتبا ً بنحو 30%إلى 40% أقل من نظيره في الغرب. وحسب دراسة (الجمعية الوطنية للمعلوماتية و الشركات الخدماتية)، إن ساعة تطويرجهاز كومبيوتر في الهند تساوي ما بين 18 إلى 26 دولار ، مقابل 55 إلى 65 دولار في الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا.وهذا ما يفسرلنا أن ما بين 400 إلى 500 شركة مذكورة من قبل المجلة الأمريكية  فورتون لها مراكز أبحاث في الهند، إذ يتم نقل خطوط الإنتاج إلى شركات هندية محلية.وقد ازدادت الإيرادات من هذا القطاع  بنحو 34،5% في العام المالي 2005، و تقدر الصناعة إيرادات  من الصادرات بنحو 22،5 مليار دولار في العام 2006.

وقد قدر التقرير الذي نشرته ناسكوم و ماكينسي في 12 ديسمبر 2005، أن هذه الإيرادات سترتفع إلى 60 مليار دولار في عام 2010بالسبة لصناعة المعلوماتية ، لكي تصبح القوة الرئيسة المحركة للاقتصاد الهندي، ممثلة بذلك 7% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3% في الوقت الحاضر.وسيقود هذا النمو إلى خلق 2،3 مليون فرصة عمل مباشرة  و6،5 مليون فرصة عمل غير مباشرة.ومع ذلك يقدّرالتقريربالضرورة ، برنامجا مكثفا من التعليم و التحديث في البنيات التحتية ، كي تستطيع الهند  أن تجيب على الطلب. ويحدث اليوم النقص في المهندسين المتخصصين  منافسة قوية بين شركات المعلوماتية و ارتفاعا ً في الأجوربنحو 25% على 30% سنويا، الأمر الذي يقود في المدى المنظور ، إلى إلحاق ضررٍ بالهند.

و على الرغم من أهمية صناعة المعلوماتية، فإنها تظل عاجزة عن استيعاب 10 ملايين شابا ً يصلون إلى سوق العمل سنويا ً. وباستثنار الخدمات، لا يوجد خلق فرص عمل في القطاعات الأخرى.

إن النهضة الاقتصادية هذه التي تشهدها الهند لا يجوز أن تنسينا ، أن هذا البلد الآسيوى ياوي دائما أكبر نسبة من الفقراء في العالم، أي ما يعادل 300 مليون نسمة  يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم.  وحده النمو الاقتصادي الذي يتجاوز سقف 8% سنويا و المدعوم ببرنامج طويل الأمد، هو الذي سيتمكن تدريجا من تقليص مساحة الفقر في الهند.

حسب الخبراء، الهند دخلت بقوة إلى المسرح الاقتصادي العالمي، و يبدو أنها من الآن فصاعدا ً و قطعيا ً ، تدور في مدارتصاعدي كقوة اقتصادية عالمية.

محاصرة الصين

في مواجهة الصين  القوة العظمة الآسيوية الأخرى، تبدو الهند في نظر الدول الغربية القوة الموازية لها التي لا يجوز تجاهلها.من هنا نفهم « الهدية  » التي قدمها الرئيس بوش للهند.فبعد عقود من تجاهل الهند بسبب الدور الريادي الذي لعبته في حركة بلدان عدم الانحياز التي كانت قريبة جدا من الاتحاد السوفياتي  سابقا، هاهي الولايات المتحدة الأمريكية تعيد اكتشافها من جديد في ضوء المتغيرات الجيوبوليتيكية التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة وبروز الصين كقوة عظمى على المسرح العالمي. و هاهي الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة بوش التي تتصرف وفق ما تقتضيه مصالحها الامبراطورية ذات البعد الأناني الضيق  ، تنصّب الهند قوة نووية « شرعية »، بما يشبه المرسوم الإمبراطوري،في تناقض كلي مع ما تنادي به من منع  على انتشار أسلحة الدمارفي العالم، في سبيل مراعاة مصالحها بأكثر المعاني ضيقا: محاصرة القوة العظمى الناشئة الصينية، أو ما شابه ذلك من مثل هذه الهواجس والحسابات الاستراتيجية.

وحدها الصين  الآن ، التي أصبحت القوة الاقتصادية الرابعة في العالم، تمتلك الوسائل الكافية لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تخلت عن هديها إلى الديمقراطية. فمسألة تايوان ، و الميزانية العسكرية الضخمة للصين ، وقدرة الصواريخ الصينية العابرة للقارات على تهديد نيويورك، أو المشاريع النووية لكوريا الشماليية،هذه المسائل مجتمعة تمنع من أن يكون قرار السلام في هذه المنطقة من العالم  حكرا ً على الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها.

وتظل الولايات المتحدة الأمريكية عرضة للإنتقاد بسبب سياسة الكيل بمكيالين : فالهند ستواصل برنامجها النووي العسكري  من دون أن تتعرض لأية مساءلة أو تفتيش من قبل وكالة الطاقة الذرية  الدولية ، بينما إيران هي الآن خاضعة لتهديد العقوبات الدولية بسبب إصرارها على مواصلتها برنامجها النووي المدني.

إن الاختلاف في التعاطي مع الهند و إيران يظهرلنا على أية حال القناعات الراسخة  منذ زمن بعيد لدى الاستراتيجيين الأمريكيين ، من أن خطورة السلاح النووي ليست تقنية ، و إنما سياسية، إذ إنها متعلقة بطبيعة الأنظمة السياسية التي تمتلكها. فالتبرير الأمريكي يقول أن الهند دولة ديمقراطية كبيرة و عريقة، لاسيما أنها دولة « مسؤولة » يمكن أن نثق بها لدعم الاستقرار، بينما إيران هي دولة تيوقراطية تشجع الإرهاب و تهدد جيرانها.

ويشكل الملف النووي الإيراني تحديا ً جديدا ً للنظام العالمي الجديد أحادي القطبية ، إذ إنه حتى لو نجحت الولايات المتحدة في تحويله  إلى مجلس الأمن فإن العقوبات  التي ستفرض على إيران لا تضر بالفعل بالأعمال النووية الايرانية، بل تضر بالشعوب الإيرانية ، و هذ ا ما سيزيد من تقوية حدة العداء لأمريكا.

 

(*) كاتب تونسي مقيم بدمشق

(المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية الصادرة يوم 12مارس 2006)

 


الحرية المدنسة:

القمع متأصل في العقل الغربي لا في النسيج الديني المسيحي

د. محمد أحمد الخضراوي (*)

 

2ـ سدَنَة الفوضي والديمقراطية

قد يُظَن في إطار الجو الكارثي الذي أفرزته العولمة الأمريكية (أو ما بعد الاستعمار بحسب الجابري)، أن شيئا ما، اختلف في السلوك الشعوبي والعنصري لدي بعض أدْعياء التدين في العالم، فأنتج واقعاً صِدامياً محموماً. وكأن مناخ الحِقد والكراهية الذي صار يُهيمن علي العلاقات الإنسانية المحكومة بجدل التكنولوجيا والحرب، مجرد نِتاج لما أسماه نيتشه إرادة القوة والهيمنة، والاستعمار، والمقايضة علي موارد الأرض وعلي كرامة الشُعوب. والواقع أن مركزية الإنسان الأعلي في العالم، وتدميره القِيَم الميتافيزيقية هو ما أضل البشر عن مسؤولياتهم الوُجودية، وولد الشرور الكونية، وألقي المجتمعات في العدم. إن تاريخ الشر، والقول لبول ريكور، يجد جذوره في الخطايا والمعاصي، كما في ممارسات القمع وما يتولد عنها من مُعاناة إنسانية.

 

ينص الإنجيل علي أن معاني الكراهية والتوحش وتسويغ الاعتداء علي الآخر، اندلعت مع الآثام الأولي، حين قتل المتطرفون أنبياء الله ورُسُله إليهم. ويذكر الشوكاني في تفسير الآية 38 من سورة (الفُرقان) أن أصحاب الرّسّ قوم أرسل الله إليهم نبياً فأكلوه. وتحدثت سورة (البروج) عن المحارق التي أعدها سدنة الفوضي وحُراس اللادينية من أجل القضاء علي المعتقدات الإيمانية المتجذرة في النسيج الاجتماعي، ولم تكن تروق للسلطة السياسية التي كانت قائمة وقتئذٍ. ينتج عن هذا أن الذين قتلوا الأنبياء، بدافع الشر المحض، ومارسوا الإرهاب ومراقبة الشعائر الدينية علي مدي التاريخ، واججوا المحارق من أجل الإلغاء الاعتقادي والثقافي للمختلف، ومزقوا العقد الاجتماعي الذي يقضي بالتواصل والعيش المُشترك بين جميع الكائنات الوُجودية، لم يعبروا إلا عن الخيبة وعن الهزيمة والإفلاس العقلاني. لأن صناعة الدمار الفكري، وممارسة الاستئصال الديني، هي من كشفت عن إيجابية القناعات العقائدية، وأسبغت علي الوعي الإيماني بُعداً إحيائياً قضي علي الحماسة الإيديولوجية التي خططت للقضاء علي حركات التدين في التاريخ. وبمقايسة منهاج التفكير المعاصر المجبول بالعداوة للإسلام، كما يقول هشام جعيط في أوروبا والإسلام ، بالوقائع التاريخية المتطرفة، يتبدي العقل الغربي المحبط من اخفاق التجارب الاستعمارية والماركسية والعِلمانية، مصاباً بالهوَس وبالهستيريا إزاء مانِعِيَة الإسلام وارتفاع نِسب التدين وحصانة القرآن بوصفه منافساً حضارياً.

 

لقد تحولت الأنوار الغربية التي كانت تتباهي بنيوتن وهوبس وبفولتير وديدرو وروسو، وبالنظريات الليبيرالية التي ملأت ساحة الحداثـة باعتبارها ـ من وجهة نظرها ـ بديلاً عن الظلامية المسيحية المُعادية للفلسفة وللفلاسفة، إلي نظام إقطاعي مُغلق، بعد خُسوف العقل ، وهيمنة الواقع التكنولوجي علي مقدرات الفكر الإنساني، فصار الكائن الغربي يتوهم أنه يقبض علي الحقيقة. وتوسع خياله، فأخذ يفرض علي الناس نظام فهم للحياة الدنيا وللآخرة. غير أن هذه الميثولوجيا سقطت، واكتشف المواطن العالمي مخاتلات الحداثة ويوتوبيا التحرر ووهم المدينة الفاضلة. ولم يجد خفراء العالم الجديد من إمكان للهيمنة سوي التهريج الثقافي والتمويه بالصورة داخل البازار الإعلامي الذي تقمص ثياب الموضوعية والعقلانية، وحول العالم إلي سوق كوني تُعرض فيه كل المزادات والمزايدات العلنية. وهذه نتيجة طبيعية لمقدمة غير طبيعية.

 

فالصهيونية تُعربد منذ عقود في هذا القِطاع الحساس: تُمارس الابتزاز والهيمنة، وتعبث بالرأي العالم العالمي، وتكرس المْيز الديني، والعنصرية التاريخية. لقد فضح الجنرال دي غول الذي حكم فرنسا من عام 1959 إلي عام 1969، الازدواجية والانتقائية التي تكبل حرية الإعلام الخاضع للتوظيف الصهيوني، وذلك حين تحدث عن اللوبي الموالي لإسرائيل، والذي يمارس تأثيره في مختلف المجالات، وبصفة أخص في الأوساط الإعلامية، كما كتب ذلك غارودي في الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية (الطبعة الفرنسية، ص 213). وأفاد غارودي بأن الإيديولوجيا الناظمة للإعلام العالمي، هي الصهيونية المتغلغلة في عالم الأموال والأعمال والسياسة من فرنسا إلي أمريكا. إذ لا مجال لأي نجاح اجتماعي دون بركات منها وسلام واستسلام بمصالحها ولأطماعها اللامتناهية. وتبدو الحمي الصهيونية أكثر ما تبدو عارية ومهتوكة الأستار في الانتخابات السياسية، فلا إمكان للترشح إلي الرئاسة الفرنسية، يقول غارودي: مهما كان الانتماء الحزبي، وسواء كان المترشح جاك شيراك أو ميتران، إلا بعد الذهاب إلي زيارة إسرائيل طلباً للحظوة الإعلامية (ص 213). لقد نجحت هذه الإيديولوجيا في أن تكون فزاعة تنشر الرُعب، وتزرع ثقافة الخوف بطريقة دستورية لدي مختلف النُخَب والقوي المدنية والعلمية. في شهر ايار (مايو) من عام 1990، صوت البرلمان الفرنسي من أجل تنقيح قانون حرية الصحافة الذي يرجع تاريخه إلي عام 1881 بما ينسجم والرغبات الصهيونية القمعية. صار لِزاماً علي المفكر ألاَ يفكر، وعلي المؤرخ أن يكتفي بالرواية والنقل دون تحقيق أو تمحيص، لأن القانون التشريعي الجديد يحرم ويجرم كل من يقوم بالنقد أو بمجرد المراجعة للتاريخ اليهودي.

 

إذن يصير محل تتبع قانوني، ويُضاهَي بالعنصرية، ويوسَم بالانحياز إلي النازية (غارودي، ص 219 ـ 220)، كما حصل مع المفكر البريطاني David Irving وعمره 67 عاماً، فقد حُوكم في النمسا في 21 شباط (فبراير) 2006 من أجل مناقشته للمزاعم الصهيونية المتعلقة بغرف الغاز النازية وبعدد المقتولين فيها، وسلطت عليه عقوبة السِجن لمدة ثلاث سنوات، ولو لم يفعل لسُجن من 10 إلي 20 عاماً.

 

المؤسف، أن هذا الوجه العنصري المتوحش نجح في اقتناص الكراهية وعوامل الصِدام الحضاري لتجييش الكائنات وعسكرة العالم، وتأليب العقل الغربي ضد العقل الإسلامي بما يمارس من هرسلة إعلامية علي المتلقين، وبما تطبعه في الأذهان من صور نمطية تتردد وتتكرر بشكل ثابت، تقدم نمطاً جاهزاً ومقولباً يكرس الشائعات المنقوشة في المِخيال الاجتماعي، وقد تكلبس فيه الاعتقاد بأن رجل الصحراء العربي قادم ليَدْهَس إنسان الحداثة ويفجر الحضارة بأعماله الإرهابية. كثيرة هي التراكمات التشويهية التي اختزنها العقل الغربي، واختزلها في تصنيفات ساذجة تتحرك داخل فراغ منهجي لا ينبت إلا العمي الإيديولوجي.

 

فمن توماس الأكويني (أبو الكنيسة اللاتينية) الذي ينعت المسلمين بالكفار والملحدين والزنادقة، إلي دانتي الإيطالي (نموذج الإنسية المسيحية القروسطية) الذي يتهجم في الكوميديا الإلهية علي مقام النبوة، إلي الطابور المعادي من المستشرقين، وإلي صُناع الثورات العالمية مثل كارل ماركس الذي كان يحرض الغرب في الخمسينات من القرن التاسع عشر ضد الدولة العثمانية الإسلامية.

 

إذا جمعنا هذا العدوان الفكري مع العدوان العملي وهو الاستعمار الذي جثم علي صدر الأمة الإسلامية قرنين من الزمان وما يزال، وجدنا من الطبيعي أن تمتد الأيادي بالرسوم والصور التي تستهدف النبي محمداً صلي الله عليه وسلم بالإهانة. كان البازار الإعلام الغربي يقدم إلي الناس صورة العربي المسلم في شكل خليجي داعر وعربيد، وكنا نبارك هذه الإهانات الكاريكاتورية لأن الأمة العربية كانت منقسمة إلي شعوب غنية استكبارية، وأخري وضيعة ليس لها من الأمر شيء سوي معاينة الفساد والفوضي والدمار الأخلاقي الذي تستبيحه الغطرسة البترولية، ولم يكن أحد ليدرك أن هذا الكاريكاتور المُزري سيلصق يوماً بشخص النبي الطاهر الكريم في محاولة لازدراء الأمة الإسلامية التي هانت علي نفسها وعلي العالم.

الرسام والرسول

ما كان محمد عليه الصلاة والسلام حائداً عن أصول التعامل الإنساني الموزون. لقد كان صانعاً لمكارم الأخلاق، وداعياً إلي الخير بإذن الله وسراجاً منيراً. لم ينفك هذا النبي الكريم يقدم نفسه إلي أهل الكتاب من النصاري واليهود بوصفه أخاً لجميع الأنبياء السابقين، يرفض التفرقة والميز الديني والتمايز علي أيٍ منهم وعلي أيٍ من أتباعهم، لأنه معني بإحالة الخطاب القرآني إليهم. فالإسلام كما يقول ماكسيم رودنسون، رسالة عالمية تقدم النص الشرعي إلي الناس جميعاً، وكلهم مدعوون إلي الانخراط في مبادئه مهما كان انتماؤهم الوطني والاجتماعي. وضروري التأكيد علي أن الدِيانة الإسلامية تقدم لأتباعها مشروعاً اجتماعياً، وبرنامجاً حياتياً متكاملاً. وهذه خصوصية إسلامية تمايزه عن المسيحية وعن البوذية، يخطئ الغربيون حين يتجاوزونها لينظروا إلي الإسلام من منظور مسيحي.

ليس من قبيل الصُدفة أن يستحدث الرسول الكريم لأرض يثرب صفة حضارية فيسميها المدينة بمعني المدنية والمدينية في إطار عُمراني ودستوري اندمجت فيه مختلف الكِيانات والطوائف ضمن عالم روحاني متوحد، وقد كانت من قبل لا تُقيم علاقاتها إلا بالتنافر والتجاذب والاقتتال الداخلي. إن لحظة الهجرة النبوية هي لحظة المصالحة مع الذات الإيمانية الكلية (أهل الكتاب).

 

فالطروحات النبوية كانت تواصلية ومؤسسة لحوار الأديان.. كان أول فعل للرسول الأكرم حين دخل المدينة أنه أمر أبرز القرآنيين وأول كَتَبة الوحي، زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرية ثم اللغة السريانية، وهذا لا يتسني إلا بمخالطة الناطقين بكِلتا اللغتين. فالقرآني ليس كائناً منقفلاً علي بعض فصوص المعارف التكرارية. فهذه نقيصة ثقافية لا تولد إلا التطرف بالضرورة، لِما يمثله الانغلاق علي المعارف المدرسية من هروب إلي الامام بإزاء العجز عن مسايرة الثقافات والشعور بالضعف وبالخواء. وفي حياة الرسول جُملة من الممارسات المعيشية تقصد من خلالها نسج علاقات وحوارات دينية تعكس المرادات الإسلامية.. فعلي المستوي السياسي ـ الاجتماعي، لم يطمئن علي أصحابه حين الهجرة الأولي إلي الحبشة، إلا عند الملك المسيحي لهذه البلاد (النجاشي)، فهو من يُؤمن لهم اللجوء السياسي لتقارب ديانته مع الدعوة المحمدية، ثم إنه عليه الصلاة والسلام تزوج بمسيحية (ولدت له ابنه المعروف إبراهيم وظل اسمها ماريا القبطية). ويُروي أنه قال: استوصوا بالأقباط خيراً فإن لهم ذمة ورحِماً ، فحمل هذا الارتباط الإسلامي ـ المسيحي مضمونا ثقافياً واجتماعياً يُجسد البناء الجماعي للمجتمع ضمن الوطنية الإسلامية. كما أن الرسول شرع من خلال الفعل، حين الزواج (زواجه هو وزواج بناته) أن يتداول المسلمون العُملة الفارسية، وهي تحمل رسم النار المقدسة، والعُملة الرُومية وقد نقش عليها الصليب المسيحي. واستمر هذا التداول الاقتصادي لهذه النقود الأجنبية حتي الزمان الأموي. ولهذا قال روجي كاراتيني عن الرسول الأعظم إنه تجميعي، توحيدي وصانع للسلام. بل إن أحد المؤرخين يذكر، بحسب نقل جان بول غيتني، عن النبي محمد، إنه الأب المؤسس لأوروبا .

 

لم يكن للدانماركي صاحب الصُور المشينة والرسوم الاستعدائية التي نشرت في 20 ايلول (سبتمبر) 2005 أن يخوض في سيرة النبي الأعظم بتلك الفجاجة، وهو لا يمتلك العتاد الثقافي، والخبرة المعرفية لفهم شخصية الرسول الكريم. إن مجرد مصور تعود علي رسم الخيول والأحصنة الشاردة في ثلوج الدانمارك، لا يمكن أن يقوده خياله إلا إلي التهريج الفني والوقاحة المتسعرة بالمال الصهيوني. والفرق واضح بين المثقف الناقد وبين الفنان الارتزاقي الذي يتسكع علي أعتاب البيوت الإعلامية التي تُسوق أوراقها من أجل حفنة من الدولارات. كان الدانماركيون يطالعوننا بكل اللغات قائلين: إن المسلمين لا يفهمونهم . وهذا صحيح. لقد غاب عن المسلمين أن شبه الجزيرة الدانماركية التي لا تكبر لبنان إلا أربع مرات فقط، تتمايز حياتهم بتربية البقر والخنازير.. منها يبيعون الجبن والزبدة إلي العرب ليتوفر لهم الغذاء.

ولم يكن أهل الدانمارك في التاريخ سوي مجموعات من الفيكينغ الذين كانوا يقطعون الطُرق البحرية ويدمرون سواحل أوروبا الغربية. ولم يدخل هذا البلد في الديانة المسيحية إلا في القرن 12 للميلاد، ولكن علي طريقة الفيكينغ. فهم لا يحملون قناعة دينية إلي حد الآن. فقد ذكرت عالم الأديان أن قس الكنيسة اللوثرية الدانماركية أعلن في كتاب نشره في نيسان (ابريل) 2003، كما في إحدي الجرائد الكبري، أنه لا يؤمن بوجود الله ولا يؤمن ببعث المسيح، ولا بالآخرة.

 

وفي تحقيق لسبر آراء الأساقفة، أعلن 15% من مجموع 185 من المطارنة قبلوا التعبير عن أفكارهم أنه يمكن ممارسة المسؤوليات الدينية دون إيمان بالبعث ولا بالآخرة. وصرح ثلاثة أرباع منهم بأنه يمكن إقامة الصلاة بجموع المصلين دون الإيمان بالله. هكذا نفهم أن الشعوب إذا فقدت قِيَمها وانسلخ زعماؤها عن مبادئ الحق تتحول إلي التوحش والعِداء المجاني للمختلف، وتنسلخ من العقلانية ومن كل مفاهيم التحرر. إن الدانمارك في حاجة فعلية إلي قراءة الإسلام من موقع إسلامي لا من منظور استشراقي متعصب حتي ترقي إلي الانسجام الحضاري مع الآخر وتبني ذاتها الأخلاقية اللائقة بعالم الحداثة بعيداً عن عقلية الانحطاط التي تتلذذ بالعدوان علي الغير. ظنت الدانمارك من خلال نشر رسوم الابتزاز بمباركة من بوش الصغير أنها تقدم شيئاً جديداً إلي أوروبا حين تستهتر بأعظم عُظماء العالم، في حين أنها تستعيد الهمجية التاريخية التي مثلت تراجيديا الحياة الدينية. لقد أخبرنا القرآن عن التاريخ الغائب الذي جري علي أنبياء الله المقدسين وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (سورة الأنبياء : 21/41). مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُسُلِ مِنْ قَبْلِكَ (فُصلت :41/43) ما يعني أن مسيرة المرسلين جميعاً حضارية وبنائية. أما أعداء رُسل الله حين جعلوا كلٌ من ذاته مركزاًَ للحياة الاجتماعية، تحولوا إلي قوي تدميرية أضرت بالدِيانات وبالعالم الغربي، وهم عقله وصناعته. والحديث يطول عن هذه المنتجات الأوروبية المدمرة.

 

فإذا تحدثنا عن النازية، تحدثنا عن هِتلر الأوروبي، وإذا ذكرنا الشيوعية تذكرنا ستالين ولينين (…)، وإذا أثرْنا الجرائم الإنسانية سمينا ميلوزيفيتش وشارون وبوش الصغير، وإذا قُلنا اضطهاد الشُعوب قلنا فرانكو وموسوليني وبينوشي. ولا ننسي حين نقرأ التاريخ أن فرنسا العِلمانية قتلت مليوناً ونصف مليون من الجزائريين ومارست تجاربها النووية في صحراء الجزائر. فإذا أضفنا إلي هذا، التقاتل بين الأوروبيين أنفسهم، أدركنا معني الذِئبية والتوحش الذي ذكره هوبس، وذلك ابتداء من حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا (1337 ـ 1453)، مروراً بالحرب العالمية الأولي (1914 ـ 1918) بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا من جهة، وبين فرنسا وبريطانيا وروسيا من جهة أخري، والتي حصدت أرواح 8 ملايين من الناس، وكذلك الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) التي تحالفت فيها اليابان وألمانيا وإيطاليا ضد بقية أوروبا، ومات خلالها 52 مليوناً من الأوروبيين. نتوقف كذلك عند القنبلة النووية العنصرية التي أنتجتها أمريكا بتاريخ 16 تموز (يوليو) 1945، ولم يمر علي هذا الحدث سوي ثلاثة أسابيع حتي ألقتها علي هيروشيما في 6 آب (اغسطس) 1945. وكان منطق الحرب يقتضي إلقاءها علي ألمانيا، لكن منطق العنصرية اختار هدفه بعناية فكان الملقي عليهم من الجنس الأصفر.

 

إننا إزاء هذه الجرائم نقف باحترام وخشوع لنصلي علي النبي الكريم محمد بن عبدالله الذي أرسله الله رحمة للعالمين فآخي بين العرب واليهود والمسيحيين، وكان شِعاره الدائم كلما ظُلم اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون . والذين يحاولون تدنيس الصورة النبوية الطاهرة لا يدركون أنهم يدنسون صورة عيسي وجميع الأنبياء، لأن دينهم واحد كما في الحديث النبوي. إن الذين يؤذون الأنبياء هم الذين يتاجرون بصناعة الحروب والدمار، ويعبرون عن أخلاق التوحش والهمجية من خلال اضطهاد المعتقلين من سجن أبو غريب إلي مخابر غوانتانامو ، إلي تدمير مساجد المسلمين في العراق. فهم أعداء المسيح عليه السلام لأنه متي ترسخ الاعتقاد بأن الله غير موجود جاز كل شيء كما يقول جانكليفتش. في هذا الإطار تتنزل أفعال الاستعمار الأمريكي واستخفاف بن غريون بالقانون العالمي حين وصفه بكونه مجرد قُصاصة من ورق (غارودي، ص 8) لا يمنع القتل والتدمير والميز العنصري الذي يُمارس علي الفلسطينيين في حين جاء في إنجيل متي علي لسان عيسي رجل السلام: إذا سمعتم أنه قيل، تحب قريبك وتبغض عدوك، فإنني أقول لكم: أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم، فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنه يشرق بشمسه علي الأشرار والصالحين، ويمطر علي الأبرار وغير الأبرار .

 

ينتج عن هذا، أن القمع متأصل في بنية العقل الصناعي الغربي لا في النسيج الديني المسيحي. والشحنة اللاانسانية التي حملها جنود الاستعمار الأمريكي ورسامو المجون والعبثية الدانماركيون الذين استحجرت قلوبهم وتكلست قلوبهم، لا يمثلون إلا قُوي الشر التي تُؤسس لصِدام الحضارات من منطلق الاستعلاء المادي بمكتسبات الحداثة التكنولوجية. ولئن كانت هذه الممارسات الحربية تتخفي وراء شعارات محنطة نفذ مفعولها الديماغوجي، إلا أنها عجزت عن تجييش العقول الدينية وسحبها وراء مخططاتها العداونية، لأن المتدين الحق يمايز بين مشاريع الدنيا ومتطلبات الآخرة، وبين أحباب الله وأعداء الله. ففي رسالة يوحنا الأولي: لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. فمن أحب العالم الزائل لا يحب الله الذي لا يزول . وهكذا يكون تحقير الآخر والاعتداء عليه معاداة لجميع الشرائع ونتاجاً للفوضي العلمانية التي قادت الإنسانية إلي العصاب الجماعي. ذلك أن مجتمع ما بعد الدين هو مجتمع الجنون كما يقول مارسال غوشي في خيبة العالم ، هذا العالم الذي صارت الحرية فيه ظاهرة صوتية، وسوطاً يسلطه حُراس الديمقراطية وشُرطيو العالم علي الأحرار الممانعين للهيْمنة الأمبريالية.

 

وكما يقول هابرماس في الحرية والقانون : إن المجتمع المدني تحول إلي نسق مغلق تُمارس فيه الهيمنة عبر الوسائل الحضارية. أي أن الحرية تعاقدية وسطحية، لأن الناس في مجتمع الحداثة يخضعون للايديولوجيا المهيمنة وللضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية وللمصالح الذاتية. أو كما يقول ميشال فوكو، للحراسة والعقاب. إن الحرية الإسلامية تستمد وجودها من المصدرية الإلهية ذاتها. فهي من أجل هذا تتجاوز العالم بما فيه ومن فيه. وقد كان الرسول محمد صلي الله عليه وسلم إنساناً حراً في الإسلام وبالإسلام. وهو حر لكونه يحب الآخر ويحتفي به ويكرم مقدساته، وهو حر لأنه متعال عن عالم المادة وعن المنفعية، يصبر حين يضطهد، ويعفو حين يتمكن، ويشكر حين ينتصر. وهو كائن اجتماعي يتعاطي مع مختلف الفئات والانتماءات بعفوٍ وتسامحٍ ومحبة.

 

لقد كان الصورة الحية للقرآن العظيم والخليفة الأكبر لله، والإنسان الكامل، والنموذج التاريخي والعالمي الذي اجتمعت فيه مواصفات الأنبياء جميعاً. هذا هو الرسم الواقعي للنبي الكريم عليه سلام الله وصلاة المؤمنين. لكن أوروبا المتناحرة بطبائعها الشوفينية والمصلحية في حاجة إلي رتق شروخها ولملمة شتاتها من خلال إيجاد عدو موحد تجتمع حوله كلمتها، أو كما قال أندري مالرو المفكر السياسي الفرنسي (الذي عمل وزيراً للشؤون الثقافية زمن الجنرال دي غول في حملة انتخابية عام 1974)، إن الوحدة الأوروربية أمر خيالي وموهوم، ولا يمكن لأوروبا أن تتآلف سياسياً إلا متي وجدت عدواً موحداً. وليس ثمة من عدو مشترك بين الجميع سوي الإسلام (www.lescpre.fr ).

 

(*) جامعة الزيتونة ـ تونس

 

(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 13 مارس 2006)


الطبيعة الانتقالية لانتصارات الإسلاميين الانتخابية

د. خالد شوكات (*)

 

لن يشق علي كل متابع متزن للمشهد السياسي العربي، إدراك دوافع بعض الأنظمة الحاكمة من تهويل فوز بعض الحركات الإسلامية جزئيا أو كليا بالانتخابات البرلمانية، التي نظمت مؤخرا في بعض الدول العربية، وتصوير الحال علي أنه كارثة محدقة تهدد مصالح القوي الغربية ومكتسبات الحداثة القليلة، وتنذر برجوع العالم العربي إلي المرحلة القروسطية وانقطاعه عن العصر وسقوطه بالكامل في براثن الطالبانية المقيتة.

 

لقد عملت جل الأنظمة العربية ما في وسعها طيلة العقود الماضية، علي إقناع القوي الغربية خاصة، بأنه لا بديل لها في حال سلمت لشعوبها بحقوقها السياسية والانتخابية، إلا قيام أنظمة إسلامية معادية، غاية في الخطورة علي مصالحها، ولعل بعض هذه الأنظمة قد حاول مؤخرا إثبات ذلك بالدليل القاطع، عندما قرر فتح الحنفية الديمقراطية جزئيا، من خلال السماح بمشاركة جزئية للإسلاميين، قادت إلي انتصار محدود لهم، يثبت خطورتهم للخارج من جهة، دون أن يفضي إلي زعزعة أسس النظام الدكتاتوري الفاسد في الداخل من جهة ثانية.

 

ولعل ما انتهت إليه العملية الانتخابية في كل من العراق وفلسطين، وبدرجة أقل في مصر، سيدعم إلي حد ما ـ وبشكل مؤقت ـ موقف طرفين أساسيين في المعادلة الديمقراطية الغربية، أولهما الأنظمة العربية الفاسدة المتمسكة بتسويف ومماطلة المطالب الإصلاحية، وثانيهما بعض المراكز النافذة في الدول الغربية، التي تنظر في أعماقها إلي العرب نظرة احتقارية، وتري فيهم شعوبا لا يمكن أن تحكم إلا بطريقة طغيانية، وأقصي ما يمكن أن تتمتع به الغذاء والدواء علي نحو ما جاء في تصريحات شيراك الشهيرة خلال زيارته التونسية.

 

وعلي الرغم من أن انتصارات الإسلاميين العراقيين والفلسطينيين والمصريين، لم تكن محل ترحيب أو غبطة لدي التيارات العربية العلمانية، المنادية بدورها بالإصلاح والديمقراطية، فإن كثيرا من قادة هذه التيارات قد بدا واعيا بخطورة الوقوع في خديعة الأنظمة الدكتاتورية العربية ثانية، والانخراط في حملات التهويل والتفزيع والتخويف التي تشرف عليها الأجهزة الإعلامية والأمنية والدبلوماسية الرسمية، واختيار منهج النضال الديمقراطي السلمي من أجل التغيير بديلا عن ذلك.

 

وفي سياق هذا الفهم المتوازن لمسألة انتصارات الإسلاميين العرب الانتخابية، فإنه من الحري بالمهتم المهموم بالقضية الديمقراطية في العالم العربي، أن يلفت الانتباه إلي النقاط التالية ذات الصلة:

 

ـ إن الفوز الذي حققته الحركات الإسلامية في بعض الأقطار العربية، دليل علي حقيقة فساد الأنظمة السياسية العربية القائمة، وإثبات لنقمة مواطنيها عليها وكفرهم البواح بسيرتها وكراهيتهم لاستمرارها، فالتجاء الناس إلي المرجعيات الدينية أو القومية بشكل جارف وحاد إنما يحدث غالبا في ساعات الأزمة وأوقات الشدة، عندما يتغلب الشعار علي البرنامج، وتنتصر المشاعر علي الأفكار والتحليلات العقلية، ولا شك أن نظرة المجتمعات للقضايا عادة ما تتغير عندما تستقر الأوضاع وتسود نسبيا حالة من الأمن والرخاء.

 

ـ لقد عملت الأنظمة العربية الفاسدة خلال نصف القرن الماضي، علي ضرب وتحطيم قوي ومنظمات المجتمع المدني، من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات ومؤسسات حقوقية، وقد بقيت التيارات الإسلامية خاصة ـ والتيارات العقائدية عموما ـ وحدها الناشطة علي الساحة بأشكال سرية، مما قضي علي أي إمكانية لتطور أحزاب سياسية مدنية قادرة علي المنافسة الانتخابية بطريقة جدية، ولا شك أنه لو كانت الأجواء السياسية القائمة في البلدان العربية أكثر أريحية وأقل إرهابا وديكتاتورية، لجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة مغايرة، أقل استقطابا وأكثر تعددية، فلقد شارك الإخوان المسلمون في انتخابات مصرية وسورية خلال الأربعينيات والخمسينيات، ولم تكن حصيلتهم خارقة للعادة علي نحو ما جري في الأشهر الأخيرة.

 

ـ لقد أبدي الإسلاميون الفائزون في انتخابات العراق وفلسطين ومصر، وقبل ذلك في اليمن والمغرب والكويت والأردن والجزائر، تشبثا قاطعا بقواعد العملية الديمقراطية، ولم يطرحوا ـ في غالب الأحيان والأماكن ـ ما يمكن أن يستشف منه رغبتهم في الانقلاب علي هذه القواعد، أو الاستفراد بالعملية السياسية، بل إن غالبية قادتهم قد حرصوا علي التأكيد علي أن حركاتهم جزء لا يتجزأ من الحركة الديمقراطية والإصلاحية، وأن طموحهم منصب علي المساهمة مع الآخرين في مقاومة الأنظمة الديكتاتورية والعمل علي إقامة أنظمة ديمقراطية ودول ذات مؤسسات دستورية فعلية. ومن هذا المنطلق فإنه سيكون من الضرر بالمشروع الديمقراطي العربي بمكان، إعمال منطق التفتيش في النوايا وأخذ الإسلاميين بجريرة تصريحات بعضهم أو سقطات قلة منهم أو ميل أفراد منهم إلي العنف والتطرف في بعض النقاط من تاريخهم، حيث يظل الأفضل من كل هذا تشجيع كافة التيارات والقوي السياسية العربية علي مراجعة نقاط ضعفها والتزام النسبية والاعتدال في مواقفها والعمل علي الالتقاء مع غيرها في المرجعية التعددية والديمقراطية والحقوقية.

 

ـ إن انتصارات الإسلاميين الانتخابية لا يمكن إلا أن تكون واحدة من خيارين، فإما مؤقتة وانتقالية إذا ما كانت النية إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية، ففي ظل الديمقراطية لا يمكن أن يفوز تيار سياسي إلي الأبد بالانتخابات، ولا بد مثلما ربح مرة أن يخسر أخري، ومثلما وصل إلي السلطة لا بد من أن يمارس المعارضة، وإما نهائية ومطلقة إذا ما اتضح أن نيتهم إقامة أنظمة شمولية وديكتاتورية، وساعتها سيكونون امتدادا للواقع الراهن بشعارات دينية هذه المرة، وسيتواصل النضال الديمقراطي ضدهم، ليكون مصيرهم اللعنة وخاتمــتهم نهاية الطغاة الحتمية.

 

ـ وعلي افتراض استقرار الأنظمة الديمقراطية في العراق وفلسطين ومصر، حيث فاز الإسلاميون من خلالها بالانتخابات، واستمرار هذا الفوز لدورات متعاقبة بطريقة نزيهة وشفافة، فإن المجتمعات التي شهدت هذا الفوز، ستكون قد ربحت قوي سياسية ايجابية وفاعلة، تماما كما ستكون الديمقراطية قد ربحت أيضا أحزابا وشخصيات أثرت مشهدها وقوت عودها وخدمت مواطنيها بكل إخلاص وجدية.

 

ـ وإن أهم ما يجب طرحه في الوقت الراهن بخصوص هذه المسألة، أن يقيد الإسلاميون وغيرهم بمواثيق وقوانين والتزامات سياسية ودستورية، تعدم عملية اغترارهم بأنفسهم وتحول في حال أغرتهم نتائجهم الانتخابية، دون سقوطهم مجددا في براثن الاستفراد بالسلطة والاستبداد بالعملية السياسية، فالمشروطية هي أهم قواعد حماية الديمقراطية، والتفريق بين السلطات وتقسيم الصلاحيات القيادية ووضع ثوابت دستورية آليات يمكن أن تقف في وجه أية مشاريع ارتدادية.

 

ـ والثابت في كل الأحوال، ومن خلال تجارب الأمم الأكثر عراقة في ممارسة العملية الديمقراطية، أن الإسلاميين قد يفوزون لمرة واحدة بالانتخابات بالاعتماد علي الشعارات الكبري والتواكل علي سطوة وبريق الحلول الإسلامية، غير أنهم لن يفوزوا باستعمال الوسيلة نفسها لدورات عديدة، وسيكونون مجبرين علي محاسبة ناخبيهم في المناسبات التالية بما حققوا من انجازات وما قدموا من كفاءة وخدمات.

 

ـ وأخيرا، فإنه لا مناص من القول بأن الناخب العربي، سينتخب بمشاعره وعواطفه الدينية والقومية خلال مرحلة انتقالية، لكنه حتما سينتخب بعقله وبالاعتماد علي البرامج والمنجزات العملية خلال المراحل اللاحقة..فوز الإسلاميين إذا، مرحلي بالضرورة، والخوف منه خدعة يجب ألا تنطلي علي العاملين من أجل الديمقراطية والحالمين بالحرية.

 

(*) كاتب تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي ـ لاهاي

 

(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 13 مارس 2006)


Home – Accueil الرئيسية

Lire aussi ces articles

22 octobre 2005

Accueil TUNISNEWS 6 ème année, N° 1980 du 22.10.2005  archives : www.tunisnews.net الرابطـة التونسيــة للدفــاع عن حقــوق الإنســان: أخبار سريعة

En savoir plus +

5 juillet 2010

Home – Accueil TUNISNEWS 10 ème année,N° 3695 du 05.07.2010  archives : www.tunisnews.net    C.R.L.D.H.T: Bruxelles – Nantes – Amman

En savoir plus +

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.