29 juillet 2001

Accueil

 

 

 

 
TUNISNEWS

Nr 439 du 29/07/2001

 

 .
  • LES TITRES DE CE JOUR:
  1. Gilbert Naccache:

    LE CHAT ET DIEU


إبراهيم محمد: المشهد السياسي التونسي بين قمع السلطة وغـفـلة المعارضة
د. خالد الطراولي : بعد دخول الإسلاميين إلى أحزاب المعارضة، نـداء للتـعقل وحـذار من الانهيـار
تـونس المكبلــة :نقله إلى العربية الأستاذ صالح وسلاتي
أحمد قعلول : إهانة
سامي براهم: الحلم التونسي ، مقومات النجاح ومعوقاته
أميرة الرويقي: الشاعرات العربيات يرفضن ان تقاس قصائدهن بجمالهن
محمد الحسناوي : اسلام لا يعارض النظام لكنه ضد الاخوان؟

 

المشهد السياسي التونسي بين قمع السلطة وغـفـلة المعارضة

بقلم: إبراهيم محمد

 
يجمع المراقبون السياسيون للوضع التونسي بأنه يشهد « حركية غير معهودة », إذ اتسمت عشرية التسعينات بجمود وركود كبيرين حتى أن البعض أعلن « موت السياسة ». وتعددت الأوصاف السلبية فيما يحدث في تونس, على رغم محاولات السلطة التترس وراء »شهادات المنظمات الدولية » في المجال الإقتصادي, ليكون ردها المفحم على كل » تقول » عن تونس . ولم تفلح المعارضة التونسية في إيجاد ثغرة في « الوضع التونسي » يمكن أن يكون في الآن نفسه مقبولا دوليا على إعتبار أن المعارضة ركزت نشاطاتها خارج البلاد بفعل الإبعاد و التهجير, و وصفا موضوعيا لما يحدث على الجبهات المختلفة, الأمر الذي أسقط خطابها في حبال ما خططت له السلطات ليتسم بالعمومية و الهامشية مما أفقدها قوة الإقـناع الداخلي و الخارجي معا والذي تزامن لسوء الحظ مع قوة القبضة الأمنية التي احاطت بكل مناشط الحياة في تونس . و خسرت بذلك المعارضة جبهات عديدة , إضافة لما شهدتها صفوفها  من عدم قدرة على الحراك المناسب في الساحة لإعتبارات ذاتية و موضوعية لست في وارد ذكرها أو تحليلها الآن و إن كان من المهم الإشارة إليها عند تحليل الوضع السياسي التونسي.
 
 
هذا على رغم العـديد من المبادرات التي سعـت المعارضة لإنجازها في الداخل و الخارج و لكنها اصطدمت بعراقيل عدة, وكأنها انجزت في غير وقتها و مكانها, الأمر الذي تطلب مزيدا من الوقت لتصبح الظروف أكثر مناسبة.
 
ولكن نحسب أنه بعـد الإنتخابات التشريعـية الأخيرة(1999) و ما أحدثته من صدمة في الرأي العام الداخلي و الخارجي  بدأالوضع يتجه نحو وجهة جديدة , أكثر فاعلية و تحررا من القبضة الأمنية التي لا تزال تحاول إدامة قبضتها .و نرى أن التحولات التي تشهدها الساحة السياسية التونسية هي تطور طبيعي لمسار الأحداث , إذ لا يمكن للمجتمع ككل و خاصة مؤسساته المدنية أن تواصل الصمت  و سياسة النعامة مع ما تشهده السلطة في ذاتها من تحوُل بنيوي إذ بدأت السلطة في التـفـويت في كثير من مهامها و خدماتها إلى القطاع الخاص في مقابل تمركز دورها على الجبهة الأمنية  حتى أصبحت الدولة اليوم تختزل في الأجهزة الأمنية المتنوعة . الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى تحولات
 
سياسية و قيمية لازمة لما استجد. فكما أن  » التعديلات القانونية  » في مجالات الإقـتصاد و الثقافة  و التربية أصبحت تصوغ المجتمع صياغة تهز العديد من  ثوابته  و إ نجازاته في المجالات الإجتماعية و السياسية و التعـليمية  وفـقا للدور الجديد للدولة و الذي يتمحور حول  تشكيل عـقـل المواطن على قاعـدة  » الإنضباط الأعمى  » للأجهزة الأمنية.
 
فمن المؤكد أولا بأن هذه الصياغة لا تحضى بالقبول المطلق من كل الأطراف حتى و إن أبدى بعضها القبول في مرحلة معينة  , فإن ذلك لإعتبارات  مصلحية توهم أصحابها بإمكانية الحصول على دور في ساحة النفـوذ التي تتحكم فـيها الأطراف النافذة أمنيا و ما يؤدي ذلك إلى حصص في جميع المجالات . و سرعان ما تبين لها أن اللعبة التي دخلتها غير أخلاقـية وفي ظل موازين القوى الحالية و العـقـلية المتحكمة في المتنفـذ ين لا تترك هامشا لغيرها يمكن أن يكون متنفـسا للطامحين , على رغـم بعض المحاولات المشلولة . و ثانيا لابد أن تفـرز تلك الصياغة ولادة مشوهة لعديد من الظواهر لنفس الإعتبارات  المذكورة , الأمر الذي  دعا العديد من الأطراف إلى دق جرس الخطر لما تشهده
 العديد من القطاعات من تدهـور سيدفع  بالأوضاع إلى تحولات قـسرية لن يكون الخاسر فـيها سوى المجتمع ككل . ومن حسن حظ المجتمع  التونسي أن تحدث هذه التغيرات مع بداية تحرر المواطن من سلطة المعـلومة أحادية المصدر.
 
ولم يكن ذلك إلا بفعل الثورة المنجزة في قـطاع المعلومات دوليا و التحولات التي تشهدها الساحة العربية عموما من توق جماعي إلى الحرية في مختلف أبعادها . فكل ذلك دفع بالأوضاع إلى تغيرات نفـسية  تجاه الدولة و أجهزتها المختلفة و ما رافق ذلك من عودة إلى الإهتمام بالشأن العام و إلى الشأن السياسي بالخصوص و إن كان في أشكال غير كافية الآن .. و لكن من المؤكد أن المستقـبل يتجه إلى مزيد من المواجهة المتبادلة , فالدولة وفي شكلها الحالي من غـير الممكن القـبول بإتجاه  التحولات المنظور اليوم وفي المقابل إن مكونات المجتمع المدني  لن تعود إلى الوراء.
 
و إن كان الأمر يتطلب فاعـلية أكبر لتحقـيق الطموحات الشعبية . فالأحداث تتجه نحو تصاعـد وتيرة المواجهة في محاولة متبادلة و على طريق المواجهة الحتمية بين الإستبداد و الحرية . و لعل ما يحدث في هذه الأيام من إعتقالات و مصادرة للحقـوق الأساسية للفعاليات المدنية  هو نتيجة متوقعة كما ذكرنا لطبيعة السلطة القائمة اليوم . و بقدر ما نحرص على الوضوح في فهم مسار الأحداث و نتسلح بالمناهج التحليلية الحديثة و المركبة لتفكيك » طلاسم  » الوضع التونسي, بقدر ما يجب على المثقفين و السياسيين التونسيين بالداخل و الخارج تقـييم الأحداث و التـأسيس لنمط تفكير و عـمل حديثين يكونان في مستوى التحديات القائمة . لأن سرعة الأحداث و الإستحقاقات القادمة تفـرضان على الجميع  الإنتقال من هوامش العمل و النظر إلى الجواهر, خاصة و أنه توفـر للمعارضة محطات أساسية تعتبر في العرف السياسي فرصة كبيرة لتطوير و تفعيل العمل السياسي للمعارضة و نقصد بذلك اساسا المؤتمرات الثلاثة التي انعـقـدت في منتصف هذا العام لثلاث حركات سياسية (حركة التجديد, حركة النهضة, والتجمع الإشتراكي التقدمي ) إضافة إلى المبادرات التي أعـلنت في ذكرى  » الإستقلال « و غيرها من الأحداث.
 
 ولكن للأسف الشديد بقدر ما ساهمت تلك المبادرات و المحطات في تقديم وضوح نظري لمجموعة الإشكالات المطروحة من طرف أصحابها, بقدر ما أشارت إلى تخبط المعارضة و إنشداد تفكيرها إلى أسلوب عمل نحسب أنه حان الوقـت لتجاوزه .فالعمل السياسي المعارض الذي يختزل نفـسه فـيما تتجاوب معه الأطراف الدولية – و إن كنت متيقـنا على أن معظم المعارضة لا تريد من خلال ذلك تقـديم خدمة للخارج – لا بد من التحرر منه و  نحسب أن » أجـندة  » العمل السياسي لابد أن تعد عـلى أساس حاجات الداخل و آماله و إمكاناته و ما يؤسس لإستقلال حقـيقي هو المنشود الجمعي في هذه المرحلة.وفي تقـديرنا إن المرحلة التي تمر بها تونس اليوم هي جد حساسة وجب التنبه الشديد لها و من جميع الأطراف . و هي مرحلة فاصلة في اعـتقادنا بين مرحلتين :
 
 
1- مرحلة الخوف  و تداعياتها الأخلاقـية و السياسية و الإقـتصادية و التي تجمع جميع الأطراف – عدا السلطة ومن حالفها- على خطورة ما أفرزته من مظاهر سلبية في الوعي و النسيج الإجتماعي التونسي و الذي يتطلب حكمة و وقـتا كافيا لمعالجة آثارها .
 
 
2- مرحلة التجاوز , بمعنى التحرر الكلي و على كل المستويات من  » عـقـلية الخوف  » و ما يتطلب ذلك من تظافر الجهود و وعي عـميق لمفردات الواقع و آثـار المرحلة السابقة نفـسيا و إجتماعيا وفـق تصور متدرج و شامل لا يقـتصر على ظواهـر الأمور, و مبنيا على عـقـلية التسامح و الإحترام المتبادل بين جميع مكونات المجتمع .
 
و في هذه الظروف تسعى جميع الأطراف إلى إبداع مقاربة سياسية تكون أكثر إستجابة للواقع المعيش  ولكن في تقديرنا الأولي إن أغلب ما يطرح في الساحة يحاول أن يلامس ظواهر الأشياء و الأحداث في حركتها الآنية كما تبديها السلطة لا كما تبدو في حقيقتها . و ربما يعود ذلك إلى قصور في الوعي السياسي عندنا أو إلى حجم التسلط و الظلمالذي نزل بتونس في العشرية الماضية, خاصة و أن تاريخ المعارضة التونسية يشير إلى قابليتها للإستفزاز السريع و انشداد حركتها إلى صراعات ثانوية , مهملة معارك أساسية نحسب أنه حان الوقت لخوضها . و لا ندعي بأننا سوف نلامس جميع تلك القضايا في هذا المقال و لكن نحسب انه يطمح لتقديم مجموعة مقدمات ربما تكون خطوة مع جملة ما يطرح في الساحة على طريق الوضوح و العمل الجاد الذي نطمح إليه جميعا .
 
محطة 2004: 
 
لا شك أن الساحة السياسية اليوم  » مستفزة  » بما يسمى محطة 2004, و يرى البعـض بأنها محطة أساسية يجب العـمل على إحراج السلطة فيها خاصة و أنها محكومة بمجموعة نصوص هي التي صاغـتها و تعهدت باحترامها . و أن هذه المحطة فرصة لتونس لتقطع حقيقة مع « رئاسة مدى الحياة  » و التي لا تزال ظلالها في  » المخيال « السياسي التونسي , و هي امتحان للسلطة عن مدى وفائها بالتعهدات و الوعود التي أطلقـتها و مدى إحترامها للدستور  و للقاعدة النظرية التي  بنت عليها مشروعية وجودها, و غير ذلك من الحجج و الإعتبارات المنطقية و الواقعية  التي لا يجادل أحدا في قوتها .
 
ولكن في المقابل  ما  الذي احترمته السلطة من تعهداتها السابقة ؟ وهل ما يجري  اليوم يشير إلى إمكانية حدوث إحترام ما من السلطة لأي تعهد تطلقه سوى المزيد من التعهدات ؟ و هل السلطة بحاجة إلى إمتحان جديد كهذا ؟ هذا من الناحية العـملية , و لكن من الناحية النظرية المحضة و وفق النصوص التي اندفع الجميع لاتخاذها أساسا قانونيا في مواجهة ما يعـد من سيناريوهات لإنتخابات 2004 , ونعـني  بذلك : بيان 7 نوفمبر و الفصل 39 من الباب الثالث من الدستور, يمكن للسلطة نصيا التحلل من أي إلتزام لأي تفـسير للنص الد ستوري أو القانوني المتعلق بهذه المسألة و ذلك وفق أي  » تأويل » أو  » تلاعب  » لغـوي ينبني على سند من علماء اللغة أو التشريع في اعتبار مفهوم المخالفة من عـد مه , إضافة لإختلاف المدارس التي تنظر في القانون الدستوري و إن كان هذا الإعتبار ضعـيفا , خاصة و أن الظروف التي حفت بتنقيح المادة الدستورية المتعلق بها الموضوع و روح « المشرع »كان معنى « التحديد » بدورتين إنتخابيتين هو المعنى المقصود و ليس غيره . و لكن في غياب مؤسسة فاعـلة
 
 و مستقلة تصون الدستور من أي تلاعـب محتمل من أية جهة يجعـل الأبواب مشرعة أمام تلاعـب السلطات الإستبدادية و الواقع العربي  يزخر  بعـديد الأمثلة في ذلك . هذا إضافة لإعتبار آخر نغـفله دائما عند الحديث في هذهالمسألة و هو يضعف موقف المعارضة كثيرا أمام شعـبها , فللأسف الشديد لا يوجد في التنظيمات و الأحزاب التونسية ما يجعل  من فكرة   » التداول على القيادة  » تقليدا قائما ينشده الجميع . فكيف ما تعيبه على السلطة تمارسه أنت في حزبك أو تنظيمك ؟ و ما هي إضافة الأحزاب في ذلك ؟ و ما هو المأمول منها إذا كررت تجربة السلطة ؟
 
ربما يقال بأن هناك فرقا نوعيا بين الوضعين , و لكن نحسب و بعد التجـارب الماثـلـة أمامنا من أحزابنا القائمة اليوم يمكن القول بأن الديمقراطية ممارسة تنطلق من الذات أولا لتسود تاليا في جميع مكونات المجتمع وصولا إلى أعلى المواقع . و نعتقد بأن النجاحات التي شهدتها بعض مؤسسات
 
المجتمع المدني مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و عمادة المحامين و المجلس  الوطني للدفاع عن الحريات في تونس كان بفعل الممارسة الديمقراطية السائدة فيها , لذلك تحضى بإجماع وطني كبير و بإحترام الجميع , ولهذا الإعتبار أساسا باءت محاولات السلطة في النيل من إستقلاليتها  بالفشل  و هو أبلغ درس يجب الإستفادة منه و الرد العـملي على الفكر الإستبدادي الذي تحمله السلطة و تمارسه يوميا . لذلك في اعتقادنا يجب :
 
أولا : العمل على محاصرة توجهات السلطة من خلال بناء مؤسسات ديمقراطية و مستقلة حقيقة و يجب البدء بالتنظيمات و المؤسسات القائمة بجعل الديمقراطية القيمة المنظمة  لمناشطها  و المتحكمة في علاقاتها الداخلية و الخارجية . و حان الوقت  » لإشفاء  » مؤسساتنا السياسية و المدنية من « عقدة الزعيم الأوحد » دون أن يعني ذلك التفريط في منارات العمل السياسي و المدني التي تساهم في إعادة روح النضال الوطني  الذي خبا بريقه في عقد التسعينات , و لكن أيضا دون أن يكون على حساب الخيار الديمقراطي و تجسيده في الواقع إبتداء من النصوص المنظمة للحياة الداخلية للأحزاب و التنظيمات و إنتهاء بأبسط مظاهر العـمل الإجتماعي اليومي و بشكل متصاعد و متدرج .
 
ثانيا : لا شك ان الظروف التي مرت بها البلاد في المراحل السابقة فرضت على العدديد من المهتمين بالشأن السياسي الإنسحاب من الحياة السياسية دون أن يكون ذلك خياراذاتيا محضا وإنما حدث كل ذلك بفعل الإحساس بأن هناك إرادة عليا تدفعهم للانتحارالسياسي و الخروج الإضطراري من الركح السياسي و بأن الواقع الجديد لا يسعهم و الإنسحاب أو هذه الظاهرة لم تحض بالتحليل الموضوعي عند حدوثها  بل تم تناسيها و التشفي أحيانا من أصحابها . ولكن للأسف الشديد لم يلاحظ الفراغ الهائلالذي أحدثته , خاصة وأن الإنسحابات طالت مختلف الفرق السياسية التونسية دون إستثناء بما في ذلك الحزب الحاكم  الأمر الذي أفقد الساحة السياسية طاقات وشخصيات تملك من التجربة و الحنكة السياسية قدرا كبيرا مما ضاعف في إنخرام التوازن بين المجتمع و الدولة. ونعتقد أن العديد من هذه الشخصيات لا زالت تراودهم الطموحات للعودة إلى العـمل السياسي و الوطني عموما و نحسب أن الحاجة اليوم كبيرة للدفع بهؤلاء و غيرهم إلى العودة القريبة و البناءة للعمل السياسي و لكن على قواعد جديدة تدفع بالخيار الديمقراطي قدما و نحسب أن التفكير في تأسيس إطار وطني يجمع هؤلاء دون أن يستأثر به فريق دون غيره و بعيدا عن هيمنة السلطة و أجهزتها حاجة وطنية , خاصة إذا انصب الإهتمام على أن يكون إطارا وطنيا يدفع لحماية الخيار الديمقراطي الحقيقي و دون الإنزلاق إلى طموحات البعض التي لا تزال تشدهم تجاربهم الحزبية السابقة و مواقعهم القيادية فيها .
 
ثالثا: تركيز الجهود  على تحرير المؤسسات المدنية من قبضة السلطة و منح الأولوية مرحليا للقطاع الحقوقي من محامين و قضاة وصولا إلى المجلس الدستوري . فإن كان المحامون و في مؤتمر عمادتهم الأخير بدأوا يؤسسون لمرحلة جديدة يتوقون فيها للقطع مع المرحلة السابقة .  فيجب مؤازرتهم ليكون المطلب الأساسي هو إستقلالية حقيقية للقضاة , لذلك في إعتقادنا يجب إعادة النظر في الباب الرابع من الدستور المتعلق بالسلطة القضائية ليكون ملائما لطموحات القضاة و الشعب و نخبه  في قضاء مستقل حقيقة و ليس صوريا . و لابد أن يكون مجلس القضاء الأعلى منتخبا إنتخابا ديمقراطيا و هو صاحب الحق الوحيد في ترشيح و تسمية القضاة بل ندفع ليكون للسلطة القضائية المستقلة دور بارز في مراقبة قطاع الأمن ككل وتقليص هيمنة السلطة التنفيذية عليه و التي أساءت استخدامها طيلة المراحل السابقة , و الدفع أيضا لإعادة النظر في تركيبة المجلس الدستوري و القوانين المنظمة لعمله ليكون المؤسسة التي تحمي مبادىء الهوية و الجمهورية و الدستور بعيدا عن أي تلاعب من أية جهة مهما كان نفوذها .
 

2- تنقيح الدستور بين الحاجة و التوظيف

:

 
إن الإصلاحات  الدستورية تفرض نفسها عند الحديث عن أي تغـيير حقيقي يلبي طموحات الشعب . و إن كان البعـض يرى أن في المرحلة الراهنة لابد من تركيز الجهود و توحيدها على مطلب أساسي يكون الشعار المرحلي الذي يلتف حوله الجميع لتضييق الخناق على السلطة , والمطلب المرفوع هوالتمسك بإحترام النص الدستوري و عدم ترك المجال لأي تجاوز محتمل من السلطة في المحطة الإنتخابية القادمة . فالتمرين الديمقراطي الأول وفق هذه النظرة هو الإنضباط لنص الدستور في هذه المرحلة . و بعد النجاح في ذلك يمكن التأسيس لمرحلة جديدة تستوجب بالضرورة إصلاحات دستورية , و لكن بعد أن نكون قد أسسنا لحالة  سياسية جديدة تتقوم على فكرة التداول السلمي على السلطة . و بقدر ما يحمل هذا الرأي من صوابية بقدر ما يغفل العديد من المسائل و القضايا . فالنص الدستوري و جملة القوانين الملحقة به توظف يوميا بالكيفية التي تريدها السلطة دون أدنى إحترام لها . و كل تنقيح يصاغ على أساس مصلحة آنية للسلطة و يفتح الباب لتنقيحات لاحقة تحسبا لأي تطور يمكن أن تشعر السلطة من خلاله بأن نفوذها  تتهدده المخاطر ! و كل ذلك يحدث بإسم إحترام القوانين المنظمة للحياة و تمشيا مع روح الدستور؟
 
ثم السؤال الأهم : هل نص الدستور الحالي و المحكوم قسرا بالملاحق هو صيغة تسمح بحياة ديمقراطية حقيقية هي المنشود الوطني اليوم ؟
ما أحسب أن أحدا اليوم يقول بذلك . إذا لماذا تأجيل طرح هذه المسألة , و لا أعتقد  بأن رفع مستوى المطالب ليبلغ الدعوة إلى تنقيحات دستورية عديدة تؤسس لحياة ديمقراطية حقيقية لا صورية يتعارض مع المطالب القائمة اليوم و المنادية بعدم تمكين « ابن علي » من دورة إنتخابية جديدة مهما كانت التبريرات و ذلك وفق الفصل 39 من الباب الثالث من الدستور . فمن المؤكد أنه و في أي تنقيح لابد من المحافظة على معـنى التحديد في الفصل المذكور مع إحكام صيغـته لغـلق الأبواب أمام أي تلاعـب محتمل . ثم فرضا لو كان هناك إستجابة  لمطلب إحترام الدستور في المحطة الإنتخابية القادمة , هل بإمكان هذه الإستجابة التأسيس لمرحلة مغايرة  عـما نحن فيه ؟ خاصة و أن
  » القانون الإنتخابي  » و تركيبة لجنة قبول الترشحات لا يمنحان أملا كبيرا في تحقيق المنشود . ربما البعـض يقول لا بأس في ذلك فأول الغيث قطرة ثم ينهمر.. و لكن في تاريخنا العربي المعاصر لم تعـد هذه المقولة معتبرة و لا تصح   فلا يوجد إلا القحط المتواصل .لكل ذلك لابد من التفكير العـميق
و التواضع على برنامج عمل وطني تحضر فيه كل تلك القضايا دون وجل أو خوف و دون حسابات حزبية أو شخصية ضيقة . و لا ينبغي للمعارضة أن  » تحاصر  » نفـسها بمحطة  سياسية ما مهما كانت أهميتها في الحياة السياسية . فالتغـيير و الإصلاح يجب أن يكون شاملا و هو ما يجب أن يكون واضحا للجميع و محل إتفاق مسبق , و لكن عند التنزيل العملي
 من الأكيد انه سيخضع لمرحلية ما وفق ما تتطلبه المصلحة العليا للبلاد و لكن أيضا ما ينبغي
  معاودة السقوط في الأشكال الخادعة للمرحلية التي يدعو إليها البعض بما في ذلك بعض وجوه المعارضة فتفرغ الديمقراطية من مضمونها باسم المرحلية و الخصوصية الوطنية . و لابد من إعداد الشعب  و تحفيزه لخوض معارك سياسية بروح جديدة و أمل كبير في تحقيق النتائج المرجوة , خاصة و أن شعبنا و للأسف الشديد  في أغـلب المعارك التي دخلها مع نخبه السياسية ضد السلطة في تاريخنا المعاصر لم يضفر منها إلاَ بالفشل والنكبات المتتالية و تشابهت مبررات المعارضة لتلك النكسات في المراحل المختلفة و التي يمكن إجمالها في :
 

1- 1-عدم توازن القوى.
2- السقوط في إستفزازات السلطة.
3- العـامل الخارجي.
4- عدم أخلاقية الخصم

فالشعب في لاوعـيه  لازال مسكونا  بهذه العـقـلية , عقلية  » الهزيمة الملحقة  بالمعارضة كلما أرادت  خوض معركة مع السلطة  » . فقد آن الأوان  لإعادة النظر فيما يحدث و التفكير في مقاربات  جديدة تخلص الشعب أولا من هذه العـقلية  و تعـيده إلى الإهـتمام و التفكير في الشأن العام من جديد . و لن يتأتى لنا ذلك إلاَ بمصارحة حقيقية بين الجميع و إعادة روح الإنخراط  الفاعـل في الشأن السياسي  مع بقية مكونات المجتمع المدني . وهذا ليس  بمقدور فصيل واحد مهما كان تاريخه النضالي و حضوره الشعـبي , فهذا الدور منوط بالجميع . خاصة و أن تاريخ صراع المعارضة مع السلطة يشير إلى أن أغلب المعارك التي حدثت كان كل فصيل يخوضها منفردا , و يتورط الآخرون في تقديم
 
التنازلات للسلطة , الأمر الذي جعـل من إستفراد السلطة بكل فصيل  » يتوهـم في لحظة بأنه أصبح قادرا لوحده على إلحاق الهزيمة بالسلطة  » القاعـدة العامة في الحياة السياسية التونسية المعاصرة . فقد آن الأوان للإستفادة من هـذه الدروس .   
 
 
إشكالية توظيف الخارج في المعارك السياسية الداخلية- 3-:

 
لا شك أن التغـيرات المنجزة على الصعيد الدولي  عديدة و خطيرة , و فرضت تداخلا  في الكثير من المسائل و القضايا . فلم تعـد الدولة اليوم – أية دولة – بمنأى عن الضغـوط الخارجية و عن الحاجة إلى الخارج – خاصة دول العالم الثالث – حتى أن البعـض بدأ يدعـو إلى ما يطلق عليه  » الإستقلال الثاني  » , فهذا دليل على عـمق المأزق الذي وصلت إليه الدولة الحديثة في بلداننا . و لكن في المقابل أصبح حضور الخارج في الدولة الحديثة في واقعـنا العربي والإسلامي عموما حقيقة موضوعـية و ليس بالضرورة  » التوطىء المختار  » من رجالات السلط القائمة اليوم, وإنما هي الحالة الممكنة آنيا في ظل النظام الدولي الجديد . فتجارب عـدم إلإنحناء أمام الضغوطات الخارجية تكاد تكون منعـدمة  و لكن الفارق هو في هوية الضاغـط و نوعـية الضغـوط و سرعة و حجم الإستجابة له.
 
و لا شك أن الدول الغـربية في مناسبات عـديدة توظف مقولة حقوق الإنسان من أجل الضغـط السياسي على هذا النظام أو ذاك , لأنه لم يعد بالإمكان التدخل في شؤون الآخرين و المحافظة على مصالحهم بالأشكال القديمة , هذا مع إقتناعنا بأن حقوق الإنسان في الدول الغربية قيمة سياسية محترمة و نافذة . و لكن لا بد من الإشارة أيضا على أن الدول الغـربية لاتدفع  لشيوع الخيار الديمقراطي في دولنا بل كانت دوما الكابح له , حتى و إن دعـمت مؤسسات المجتمع المدني الناشئة حديثا في بلداننا في بعـض معاركها ضد هذه السلطة أو تلك , فالهدف لم يكن التمكين للخيار
 
 الديمقراطي و ترك المسار ليبلغ مداه الطبيعي . فهذا ما لا تريده و لا تسمح به القوى الغربية لذلك فمصالحها تتقاطع مع مصالح الأنظمة القائمة اليوم و لو أدى الأمر إلى غض الطرف عن الجرائم المرتكبة في حق الشعوب و التي ترفضها كل الشرائع الدولية بل لا تتوانى تلك القوى في تقديم الدعم اللوجستي و المادي أيضا لها كلما دعت الحاجة إلى ذلك و للإستبداد الشرقي ككل .
 
وأصبحت هناك قـناعة اليوم عـند كثير من المثقفين و السياسيين العرب بأن الغـرب ممثلا في أنظمته ل ايريد لنا الديمقراطية و إنما حدود ما يسمح به هو » تلهينا » بمقـولة  » حقوق الإنسان  » و في صورة مبتذلة …. ولكن هذا لا يدعـونا إلى التغافل عـن بعض القوى المدنية الغربية الناشطة  في مجال حقوق الإنسان و هي في تقديرنا ليست بقليلة و أن الذي يحكمها هو الإعتبار الإنساني المحض و هي بلا شك تمثل قوة ضغـط معنوي كبيرة على أي إنتهاك لحقوق الإنسان أينما حدث .
 
و أمام هـذه الإعـتبارات تطرح العـديد من الإشكاليات النظرية و العـملية في وجه المعارضة العربية عموما و التونسية منها بالخصوص عـند طلب مساندة المنظمات الحقوقية الدولية للضغـط عـلى سلطهم المستبدة وهي تهمة  تحاول مثلا السلطة التونسية التلويح بها عند الإحساس بقوة الضغـط القادم من الخارج .
 
 فما تخشاه السلطة أن يؤثر هذا الموضوع على القطاعات الحيوية التي تمثل شريان الحياة لها. و عند النظر إلى ميزان الصادرات و الواردات تلاحظ حجم « الإرتباط » بالخارج و الذي يمكن وصفه  » بالإرتهان  » . فبما أن الدولة صاغت نفسها على هذه الصورة فهي صاحبة المسؤولية الأولى في أي توظيف للعنصر الخارجي , ولا تتحمل المعارضة أية جريرة في ذلك – إلا إذا تحول الأمر عـندها إلى رهن مستقبل التغـيير السياسي المأمول إلى الخارج و عندها تستوي المعارضة مع السلطة-
 
ثم ألم توظف الدولة الخارج في معاركها مع المعارضة و ذلك من خلال الإتفاقيات الأمنية المتبادلة بينها و بين هذه الدولة أو تلك. فكيف تدعو السلطة بقية الدول إلى إحترام  الإتفاقيات الأمنية و تتناسى  الإتفاقيات الأخرى و التي تلزمها بإحترام حقوق الإنسان ؟ فما تطمح إليه المعارضة من تحركها في الخارج هو دفع تونس إلى إحترام ما تعهدت به دوليا . وهو هامش مهم يحق للمعارضة التحرك فيه دون أن يكون في ذلك مساس بالسيادة الوطنية أو مخالفة لأي نص قانوني كما تحاول أن تشيع السلطة . بل مجمل دعـوة المعارضة هنا هو إنضباط السلطة لما سنته من قوانين وما تعهدت ولتزمت بتطبيقه داخليا و خارجيا . مع أن السلطة سعـت إلى  « إستجلاب  » العـطف و المساعدات الخارجية بحجة حماية الضفة الشمالية للمتوسط  من  » وحوش الداخل  » , تارة بإسم محاربة الهجرة غير المشروعة و تارة أخرى  لقطع دابر المتطرفين  و غيرها من الأوصاف و التي تبين لاحقا بأنها لم تكن إلا إبتزازا رخيصا للخارج لإشعاره بإستمرار الحاجة إلى وجوده و استعـداده المستمر للقيام بدور « الحراسة  » .
 
و ما يهمنا مما سبق ذكره هو حاجة المعارضة التونسية إلى تقديم نموذج فريد يعالج الإشكالات المذكورة آنفا . فلا يجوز لها أن تسقط في المحظور الوطني باستخدام الخارج و الإستعاضة به في معاركنا السياسية الداخلية.
 
و في المقابل ليس من الحكمة التفويت في إمكانات تتاح في الخارج لتقوية الضغـوط على السلطة , فالخيط رفيع و دقيق و المطلوب مقاربة عـقلانية تتأسس على تحشيد الداخل و إعادة الحيوية و العافية له و عـدم التساهل مع أي طرف كان, يسعى لرهن مستقبل تونس للخارج وفي أية مرحلة .
 
 

4- في العلاقة مع الشعـب

 
 
لم يعـد بإمكان الجماهـير القبول بالإنخراط العـفوي في أي تحرك سياسي دون أن يكون عنده الوضوح الكافي و الشفافية في العلاقة, ومعـرفة مآلات أي فعل ُيمارس على الساحة .
 
فتحميل الجماهـير تداعـيات المراحل السابقة  لأنها لم تقم بدورها المنوط بها , لم يعـد مقبولا و لا مقنعا إلا لمن يروم إبعادها عن ساحة الفعـل و التغيير لحاجة في نفسه قد كشفت عنها الأيام .
 
فالدولة بفعـل سياسة القمع و المعارضة بفعـل سياسة الإستعلاء أديا إلى « إستقالة الجماهير » من الشأن العام . و ربما يُفرح ذلك كثيرا السلطة و يُحزن المعارضة , و لكن نحسب أن هذه  » الإستقالة » لها مردود سلبي كبير على الدولة قبل أن يطال المعارضة . خاصة وأن المعارضة أدركت خطورة هـذه المسألة و سعت لتدارك الوضع قدر فهمها لمجريات الأمور, ولكن لم تدرك الدولة بعـد خطورة الوضع أو قل تغافلت عن ذلك و ساهمت في تذكيته.
 
و في إعتقادنا إن هذه الإستقالة لا تتجلى فقط في اللامبالاة الماثلة أمامنا اليوم عـند أي حدث و الذي يُطرب السلطة . و لكن تتجلى في تقلّص حضور الدولة في وعي و حياة المواطن , وهو بداية التحرر الحقيقي من سلطانها , إذ لم تعـد الدولة عند المواطن إلا تلك الأجهزة الأمنية التي تفتقد مبررات وجودها عـنده . و عندما يشعـر المواطن بأن الدولة القائمة لا تمثل حاجة له , بل تحولت إلى عـبء مادي و نفسي عــليه سيدفع إلى الساحة  بأشكال و أنماط إحتجاجية على الوضع القائم لا يمكن تقديرها إذا لم نسهم في بلورتها و الإعـداد لها , فالشعب هو الذي ينشأ المعارضة و ليست المعارضة هي التي تنشأ الشعـب .
 
ثم إن موقف  » الإستقالة  » بدأ يفرز أوضاعا سلبية بدأت تطفو على الساحة الإجتماعية و التعليمية بالخصوص , فالكل بدأ يتحدث عن بروز أنماط أخلاقية جديدة لم تكن سائدة في تونس سابقا و يمكن الإشارة إلى بعـضها في هذه العجالة :  تدمير الذات – تقلص دور الأسرة- العدوانية (الإستئصال السياسي أحد أشكالها) – تراجع أهمية التعليم في الذهنية العامة – الرشوة –وبقية مظاهر الفساد و الإفساد …
 
إضافة إلى التغيير الحاصل في العلاقة  بالممتلكات العامة و تراجع إنتاجية المواطن التونسي كميا و كيفيا , سواء كان هذا المواطن عاملا أو فلاحا أو طالبا أو فنانا أو مثقفا ..  و إذا كانت السلطة متغافلة عن هذا ما دام يُوفر لها صمت الشارع و سكونه , فلا مبرر لغفلة المعارضة . فما ترمي إليه السلطة هو أبعد مما نختزله اليوم في معاركنا السياسية فهي تستهدف روح الفعل و المبادرة و التفوق و البناء عند التونسي و بالتالي وأد مستقبل تونس ككل . فلا بد من التحرر من سجن  » الحقوقي  » و إنتقال المعارضة إلى تقديم مبادرات واضحة المعالم و مطالب تمس المعاناة اليومية للشعب . وقد آن الوقت لإنشاء ورشات عـمل تكشف حجم المأساة و التراجع التي تشهده تونس عـلى المستويات كلها . فكل قطاع منها يشتكي من أمراض عدة و إذا لم يتم الإسراع في تشخيصها و كشف المستور منها و من ثمت تقديم المعالجات الممكنة لها , سوف تكون التكلفة باهـظة و المركب يحمل الجميع و إذا غرقت فسوف يغـرق الجميع .
 
فقضية تونس لا ينبغي أن تختزل في ملف أو مشكل دون غـيره . هذا مع وعـينا بأن بعض النخب تتواطىء مع السلطة و مع بعض القوى الخارجية لتحويل الأنظار عن القضايا الجوهرية , و قد أفلحت بعـض تحركاتها و أسقطت البعـض في حبالها . فحتى العمل الذي استأثر بإهتمام الجميع و حققت فيه المعارضة بعض المكاسب و نعني به  » العمل الحقوقي  » تراه يُوظف يوميا لا لدفع الخيار الديمقراطي و إنجازه في الواقع و إنما لوأد طموحات الشعب في وجود معارضة موحدة و قوية و ذات برنامج مستقبلي واضح يمكن أن يلتف حوله الجميع و يكون البداية لفعل جاد .
 
 و من المفارقات العجيبة أن تلك القوى التي انخرطت في مشروع إستئصال الحرية و كانت العقل المدبر له هي نفسها تقود اليوم ذات المشروع و لكن بإختراق شعارات المعارضة . و في أحيان كثيرة تُبرز هذه القوى إعلاميا بكونها متصدرة لحركة الدفاع عن حقوق الإنسان .. وهكذا يتكرر السيناريو و المواقف ثابتة.
 
فالإنتهازية هي سمتهم و وللأسف الشديد فقد نجحت بفعل العديد من الإعتبارات الداخلية و الخارجية في جعـل بقية صفـوف المعارضة تقتفي آثارها . فالآنـي الحزبي هو الذي يوجه حركتها و ليس الآتي الوطني . و نحسب أنه لم يعـد هناك من مجال اليوم للتساهـل و غـض النظر أو منع القول عـن هـذه الممارسات و إلا سنبقى سجناء عـقد التسعـينات و تداعـياته . فالسياسة التي لا تتأسس عـلى القيمة الوطنية الشاملة و الصرفة لا يمكن أن تؤدي بنا إلا إلى إنتهازية مقيتة يكون فيها  » الجلاد  » و  » المتوطىء  » و  » الإستئصالي  » بالأمس هو زعـيم المعارضة اليوم دون أن يتغير جوهره !!
 
و هذا ما تُـبشربه  » الغـفلة » أو  » البهتة السياسية  » البادية أمامنا و التي أغـمضت عـين الجميع عن جرائم هؤلاء .

 

UN INTELLECTUEL PROCHE DU COURANT ISLAMISTE SE POSE DES QUESTIONS INTERESSANTES. IL ESTIME QUE L’ENTREE DE PLUSIEURS ISLAMISTES DANS LES RANGS DES PARTIS POLITIQUES NAISSANTS EST UN SIGNAL D’ALARME ASSOURDISSANT.

http://zeitounatv.com/arreviews.htm#traouli

بعد دخول الإسلاميين إلى أحزاب المعارضة،

نـداء للتـعقل وحـذار من الانهيـار!

بقلم د. خالد الطراولي

لقد استقبلنا مبادرة انبعاث حزب معارض جديد في تونس بكل ترحاب وأمل في مستقبل تعددي مشرق. ونحن إذ نبارك هذا المولود من منطلقات المواطنة وحقوقها التي لا تقبل التجزئة ولا المزايدة في التجمع والتعبير والتحزب والتعدد، فإنني أود أن أعرج على مسألة أحسست بخطورتها وأهميتها على المسار التعدّدي في تونس، وعلى وحدة وإشعاع المشروع الإسلامي وبقائه كبديل سياسي وحضاري للبلاد التونسية، ورقما فعالا ونشطا لتكريس التعدد السياسي والتنوع الفكري والأيديولوجي، داخل ديمقراطية البناء والتداول.

فقد تبين لي وأنا أتصفح القائمة الأولى المنشورة للمنتمين للحزب الجديد « المؤتمر من أجل الجمهورية »، وجود تنوع أيديولوجي ومرجعيات مختلفة وحتى متنافرة بين أصحابها، وخاصة وجود أكثر من خمسة أعضاء ذوي الميولات والأطروحات الإسلامية والمحسوبون على التيار الإسلامي. وهذا جعلني أتساءل عن السبب والغاية من وراء هذا المسعى، فهل هذا نذير للتفسخ والاستقالة وبداية النهاية للمشروع الإسلامي السياسي؟ أم هو فلتة عابرة لمجموعة آثرت العمل السياسي خارج الإطار الإسلامي لعدم توفر هذا الفضاء لديها؟ أم هو تكتيك يمثل نافذة لتقريب الطرح الإسلامي ولو باقتضاب لدى الرأي العام وأطراف المجتمع المدني؟

إن ما وقع من انخراط للإسلاميين داخل أطر أحزاب المعارضة يملي الملاحظات التالية :

  1 تشتت الطاقات الإسلامية وخلوصها اليائس إلى نتيجة مرعبة! وهو أن المشروع الإسلامي بعزوفه عن البعد السياسي في طرحه (تكتيكا أو إستراتيجيا)، أصبح عنصرا غير فاعل وفي غيبة مبهمة، جعلت أفراده يبحثون عن ممارسة هذا البعد الإنساني والوطني في التعبير عنه من خلال تجمعات سياسية منافسة. وهي خيبة لمستها من خلال حديث مباشر مع بعضهم، وعجز المشروع الإسلامي أن يستوعب قدراتهم المتفجرة. وهذا يزيد إلى قوائم الطاقات المعطلة، والغائبة، والمغيبة، والمهمّشة، والواقفة على الأعراف، التي يحفل بها المشروع الإسلامي، طاقات جديدة يائسة. وهذه إن صحت، فإن خطورتها تبدو كبيرة على تماسك المشروع ووحدته، وقوة طرحه وجدية تمكنّه وتمكينه، خاصة إذا علمنا أن هذه الطاقات رفيعة المستوى وذات تخصصات هامة وضرورية لحياة المشروع.

2 إن ما وقع في حزب « المؤتمر من أجل الجمهورية » من دخول هذه المجموعة الإسلامية إليه، لا يبدو أمرا محدودا وشاذا، بل يُعتقد أنه حالة عامة أصابت الجسم الإسلامي التونسي وأصبحت تنخر أطرافه وتحدث نزيفا داخليا خطيرا. فبعد التحاق مجموعة بالحزب التقدمي الديمقراطي، لا نخال إلاّ أن أطرافا أخرى سوف تلمس تواجدا عند جماعة الدكتور مصطفى بن جعفر وجماعة الدكتور محمد مواعدة وغيرهم! وهذا الاستنزاف إن تواصل، فهو يمثل تهديدا مباشرا لوجود مشروع إسلامي متعدد الأبعاد وضرب لمبدئية تواجد الديني والدنيوي في الطرح الإسلامي… فهل يصبح المشروع الإسلامي دعويا ثقافيا؟ ويصبح الإسلام مجرد دعوة فردية ليس لها أي همّ سياسي وحضاري لبلادها؟

3 وحتى إن سلّمنا بتكتيك هذه المواقف، لأنه كما يدعي بعضهم أن الإسلام السياسي لن يُترك مرتاح البال، وأن أطرافا داخلية وخارجية لن تسمح له أبدا بالتمكين، فإن من الشهامة والرصانة وجدية المواقف ومبدئيتها التعامل بصدق ووضوح مع شعبنا في تونس ومع مؤسسات المجتمع المدني من معارضة وغيرها، وأن الغاية لم ولن تبرر الوسيلة في ثوابتنا، وأن تاريخ الأمة وحاضرها لم يشهدا مثل هذه الاجتهادات، حتى التجربة الإسلامية في تركيا لم تتبنى هذا الطرح رغم الضغط العلماني والتعسف العسكري.

4 إن ما حدث من انخراط للإسلاميين في صفوف المعارضة، يؤكد في الحقيقة على غلبة تصور داخل المشروع الإسلامي تبنته منذ مدة بعض الأطراف، أشهرها ما طرحه الأستاذ صالح كركر في كتابه « الحركة الإسلامية وإشكالية النهضة »، أو على صفحات جريدة الحياة اللندنية، والذي يتبنى فيه حسب فهمنا، استقالة السياسي من منظور حزبي، والدعوة إلى دخول الإسلاميين إلى الأحزاب « العلمانية » والمشاركة في أنشطتها. وهذا المسعى يؤكد على أن المشروع الإسلامي قد دخل في نفق مظلم ليس له نهاية، سوى رمي المنديل بعد حين، ومغادرة الحلبة غير مأسوف عليه. وأن ما عجزت عنه عمليات الاستئصال والتشتيت والتركيع، قابل للحدوث، لتغييب المشروع الإسلامي على الساحة التونسية كمشروع حضاري بديل ومتكامل.

5 إن علمانية الحزب الجديد لا تخفى، وهي حقه المشروع في التعبير و في تبني ما يشاء. لكن كيف يُعقل للإسلاميين التواجد في هذا التنظيم دون المساس بمرجعيتهم؟ كيف لهم أن يجيبوا عن التعارض الحاصل لا محالة بين ثوابتهم ومبادئهم التي لا أشك في إيمانهم بها، ومرجعيتهم الدينية، وبين ما سيطرحه الحزب الجديد من برامج وأطروحات تنبع من مرجعيته الفكرية والأيديولوجية؟ من مثل المساواة المطلقة، المطلقة، المطلقة بين الرجل والمرأة (التكرار للدكتور المرزوقي في إحدى تدخلاته على شاشة المستقلة) فهل المواريث مغيّبة عن هذا الحديث؟ ومن مثل التعارض القائم بين اقتصاد ربوي محسوم عند أغلبية الأطراف، وآخر منشود عند طرف وحيد، وقائم على مسلك استهلاكي وإنتاجي واستثماري غير ربوي، ومن خلاف بين تحريم الخمور في البلاد وقبوله كحق ثابت تتمثل فيه حرية الفرد في الاستهلاك والشرب والملبس…الخ

6 هل طُرحت شرعية الولاء إلى طرف يحمل مرجعية مخالفة؟ هل ما وقع يدخل في فضاء اجتهادي يحمل الخطأ والصواب؟ أم فضاء عقائدي لا يتحمل إلا الحلال والحرام؟ أنا عاجز عن الإجابة لأني لا أملك أدواتها، لكنها تملي التوقف عليها ومناشدة أصحابها تبيان ممارستهم، ولأهل الاختصاص الإدلاء بمعارفهم بعيدا عن الوصاية والتكفير والتجهيل ومحاكم التفتيش!

7 كيف يمكن للإسلاميين التواجد في حزبين اثنين؟ أم أنهم سيعلنون استقالتهم من الحركة الأم؟ ويصبحون بالتالي في الضفة المقابلة، منافسين لمشروع إسلامي له تصوراته ومرجعيته، ولعلهم مناهضين له في أطروحاته، ويدافعون عن مسلك آخر يطرحه حزبهم، ولا بد من تبنيه لأنه رأي المؤسسة ورأي الأغلبية. هل سيعيشون ازدواجية الولاء والمرجعية والذات، أم أنهم سينصهرون قلبا وقالبا داخل إطارهم الجديد؟

8 إن دخول الإسلاميين إلى أحزاب المعارضة يبدو مربحا لهذه الأخيرة، فهي ورقة مثمرة تمثل اعترافا منها بأهمية الطرح الإسلامي، وتجاوب شعبنا في تونس معه، وإحساسها ببوادر عودة مبكرة للشارع، وخاصة الشباب منه إلى الإسلام الفطري، متمثلا خاصة في ظاهرتي ارتداء الحجاب وارتياد المساجد رغم التعتيم والاستئصال الذي صال وجال طيلة أكثر من عقد.

ولقد فهمت أحزاب المعارضة المعادلة وفقهت قواعدها، وعلمت أن نجاحها المستقبلي مبني على اكتساب ودّ هذا الزخم الجماهيري للظاهرة الإسلامية، بالتلويح من هنا وهناك ببعض المفاهيم والشعارات الإسلامية، مثل الحديث عن الهوية العربية الإسلامية للبلاد، أو الرجوع إلى بعض سير الصالحين ورواد الأمة، مثلما فعله الدكتور المرزوقي منذ أيام في حديثه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه! فهل تفضل الجماهير النسخ المطروحة وتتجنب الأصل؟ هذا إذا كان هذا الأصل موجودا وواعيا بدوره وبصلاحية طرحه وفلاح سعيه.

إن هذا المعطى الجماهيري الذي تنبهت إليه المعارضة في تونس وسعت إلى توظيفه، يبدو أن الحركة الإسلامية بكل مشاربها وباختلاف رؤاها قد غفلت عنه أو استضعفته وهمّشته، وهو يمثل في الحقيقة اهتزاز الثقة في النفس، ومحدودية البدائل والأطروحات، والمؤدية عاجلا أو آجلا إلى تخلي أعضائها والانسياب نحو المجهول، بحثا عن الفعل والتأثير والممارسة ولو كان على حساب تاريخها!

 
تـونس المكبلــة
عن مجلة « The Economist » البريطانية

نقله إلى العربية الأستاذ صالح وسلاتي*

 

(نقلا عن العدد الأول من « أقلام أون لاين » المجلة الاليكترونية المغاربية الجديدة الصادرة من لندن. عنوان الموقع:(www.aqlamonline.com) 

إن وضعا أفضل للاقتصاد سوف يساعد الرئيس التونسي ابن علي على التصدي  للانتقادات الموجهة إلى نظامه التسلطي وتفنيدها. الواقع أن التشكيات متنامية داخليا وخارجيا, وخاصة من البرلمان الأوروبي, مما يسود أجواء الأقلية الحاكمة من تسلط وفساد. وهناك إحساس عام بالإحباط نتيجة تضاؤل أو انعدام الفرص المتاحة للخصوم السياسيين, رغم ما يظهره النظام من تبجح بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن عودة الصحفي توفيق بن بريك, الذي عرف بنقده للنظام, دون أن يمسه سوء, قد يبدو للوهلة الأولى علامة على التسامح، ولكن هذا في الحقيقة توجه قد سبق للحكم في تونس أن اتبعه. هذا التوجه يقوم على إبداء نوع من اللين في التعامل مع خصوم شدوا انتباه الرأي العام العالمي, نتيجة ما تعرضوا له في السابق, في الوقت الذي تستمر فيه سياسة التنكيل ضد سائر المعارضين.

إنه من غير المتوقع من ابن علي ذي الخلفية العسكرية والأمنية أن يتنازل عن أي من صلاحياته لفائدة المعارضة, بل على العكس فإن كل المؤشرات تفيد أن الحزب الحاكم يستعد الآن لتحوير الدستور حتى يتيح للرئيس ابن علي ولاية أخرى تدوم خمس سنوات. فالطبيعة الاستبدادية للنظام القائم في تونس تتناقض تماما مع الاتجاه المتزايد نحو تحرير الاقتصاد، وتونس اليوم, وبتوجيه من صندوق النقد الدولي, قد سارت خطوات في برنامج إصلاحي يقوم على الخوصصة والتحديث وتخفيض الحواجز التجارية, والهدف من هذا هو تمكين الاقتصاد من الصمود أمام المنافسة القوية المتأتية من الدول الأوروبية.

وقد حققت حكومة محمد الغنوشي إنجازات مشهودة على مستوى رفع الرقابة أو التضييقات المفروضة على التجارة, وكذلك على مستوى التحديث، ولكن البطالة تظل مرتفعة بنسبة كبيرة, إذ أن النسبة المصرح بها والتي تصل إلى 16%, قد تتضاعف إذا أخذنا بعين الاعتبار الذين يعملون في وظائف هي أقل من مؤهلاتهم.

ويتطلب الهرم السكاني في تونس وباستمرار نسب نمو مرتفعة حتى يتسنى توفير مواطن شغل للأعداد الهائلة والمتنامية من التلاميذ, الذين يغادرون المعاهد إلى جانب خريجي الجامعات. ولصرف الانتباه عن هذه القضايا الوطنية الخطيرة والحساسة, سعى ابن علي إلى طرح مشروع يرمي إلى تقريب الشقة بين دول شمال إفريقيا.

وفي هذا الإطار فإنه يعمل الآن على جمع الجهود من أجل تنشيط اتحاد المغرب العربي, الذي دخل في سبات عميق منذ مدة طويلة, وهو اتحاد يشمل الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا وليبيا. وهذا الاتحاد الذي أنشئ سنة 1989 أصيب بشلل مند أواسط سنة 1990 كنتيجة للصراع السياسي الدائر بين الدولتين الأقوى فيه أي المغرب والجزائر.

إن نسبا أعلى للاستثمار الأجنبي المباشر كفيلة برفع نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي إلى 7% سنة 2001 بعد أن كانت 5% سنة 2000. ويتوقع للاستثمارات المحلية أن ترتفع بنسبة 10% لتبلغ 5.4 بليون دولار. هذا وسوف يساهم برنامج الحكومة المسمى MISE A NIVEAU  للتحديث الصناعي, والذي سوف يتوسع قريبا ليشمل الخدمات والفلاحة, في توفير أغلب  الاستثمارات المحلية, في حين يتوقع للاستثمارات الأجنبية في قطاعي الطاقة والنسيج أن ترتفع.

مزيد من الخوصصة

مند أن شرعت في تنفيذ برنامج الخوصصة سنة 1987، فوتت تونس في ما يزيد عن 200 مؤسسة اقتصادية بمبلغ يعادل 1.1 بليون دولار. وتتوزع هده المؤسسات بين قطاع المنشآت أو المقاولات (حوالي النصف), وقطاعات السياحة والصناعة والتجارة, التي تشترك في النصف الآخر.

وبالنسبة للسنة الجارية فإن هناك ما لا يقل من عمليتين من أكبر عمليات الخوصصة, هما على وشك الإتمام, وتتعلق الأولى ببيع ترخيص لشبكة الهواتف النقالة لمستثمر خاص. وأما الثانية فمتعلقة ببيع حصة في الشركة التونسية للاتصالات لمستثمر استراتيجي, وطرح حصة أخرى في بورصة تونس.

عوامل مهددة

– أنشطة الاتحادات

إن صورة تونس كبلد مستقر سياسيا, والتي رسمت بعناية خلال الفترة الماضية, قد تتعرض للاهتزاز, إذا ما أخذت الاتحادات العمالية في الاحتجاج على مواطن الشغل المفقودة ومقاييس الإنتاجية. إن مخطط الحكومة في خوصصة ما يزيد عن 40 مؤسسة صناعية وخدمية ما بين متوسطة الحجم وصغيرة, وإعادة هيكلة مؤسسات أخرى, بما يجعلها مستعدة للمنافسة الأوروبية، كل هذا مرشح لأن يكون سببا في فقدان المئات من مواطن الشغل.

– تأثير اليورو

لقد أثرت العملة الأوروبية الضعيفة سلبا على عائدات تونس من الدولار الأمريكي في السنة الماضية, باعتبار أن 75% من صادراتها تتم باليورو. ورغم أن العملة الأوروبية سوف تسترجع قيمتها شيئا فشيئا خلال سنة 2001, فإن المخاوف باقية بشأن تبعية المصدرين التونسيين لأوروبا.

– الاحتجاجات السياسية

إن حركة النهضة الإسلامية المحظورة, التي لا يزال أغلب قادتها في المنفى أو في السجون, تظل هي التهديد الأكبر لنظام ابن علي، وإذا ما تعثر النمو وارتفعت نسبة البطالة, فإن شعبية المعارضة سوف تزداد. وهذا ما قد يؤدي إلى احتجاجات ضد الحكومة, شبيهة بتلك التي تفجرت خلال شهر فبراير من السنة الماضية في المناطق المحرومة بالجنوب الشرقي من البلاد. ورغم كل هذا فإن إبقاء حزب التجمع الدستوري الديموقراطي الحاكم على سيطرته على الحكم هذه السنة وما بعدها تظل راجحة.

مؤشرات مهمة

2001

2000

1999

1998

 

7.0

4.2

6.2

5.0

نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي

8.9

8.2

8.0

7.9

الصادرات /بليون دولار

0.7-

0.6-

0.4-

0.7

ميزان الحساب الجاري /بليون دولار

2.7

3.2

2.7

3.2

أسعار الاستهلاك /% نسبة التغير

المصدرThe Econimist Intelligent

دلائل تطور الأوضاع في تونس

يشهد الفضاء السياسي في تونس مزيدا من التضييق, مع سعي الرئيس ابن علي إلى البقاء في الحكم مدة خمس سنوات أخرى بعد سنة 2004. وتعم الطبقات الاجتماعية الوسطى نقمة وسخط جراء الفساد, الذي تمارسه حاشية ابن علي، كما تظل نسبة البطالة مرتفعة, وخاصة في الأوساط الريفية. ويبدو ملحا تحسين مستوى التشغيل والقدرة الشرائية بشكل ملحوظ خلال السنتين القادمتين, حتى يقع التغلب على هذا الشعور بالإحباط لدى الناس.

النمو الاقتصادي

يتوقع أن يصل معدل النمو إلى 7% سنة 2001, وإلى 5.5% سنة 2002. ومن المنتظر أن يتحقق هذا من خلال ارتفاع نسب إجمالي الاستثمار عموما, ونسب الاستثمار الأجنبي المباشر على وجه الخصوص, والذي تضاعف سنة 2000 ليبلغ بليون دينار تونسي. في حين ينتظر أن يساهم التحديث الاقتصادي في دعم الاستثمار المحلي, كما يتوقع أن يزداد الطلب المحلي, بالتوازي مع زيادة الدخول الفردية. وبالنظر إلى تحسن قطاع الفلاحة, وازدياد الاستثمار الخارجي, فإن الطلب سوف يكون مرتفعا, وسوف يستفيد المصدرون من استقرار اليورو.

السياسة الاقتصادية

سوف يستمر الإصلاح الاقتصادي خلال سنتي 2001- 2002 رغم أن توجه الرئيس لاجتناب كل ما من شأنه أن يهدد الاستقرار الاجتماعي سوف يحول دون تبني الوزير الأول محمد الغنوشي للنسق الأسرع للإصلاح, الذي يوصي به صندوق النقد الدولي.

في نفس الوقت سوف تركز السياسة الاقتصادية على توفير المزيد من مواطن الشغل, ودعم الاستثمار, وإصلاح القطاع المالي, وتحسين القدرة التنافسية للصناعة والخدمات والفلاحة, وذلك حتى تقدر على الصمود في وجه المنافسة الخارجية المتزايدة.

التضخم

لقد أمكن التحكم في نسبة التضخم في أسعار الاستهلاك في حدود 2.9 % سنة 2000, الأمر الذي أثبت أن مضاعفات الجفاف كانت أقل مما خشيه البعض. وإذا تحسنت المحاصيل الزراعية سنة 2001 فسيكون في الإمكان المحافظة على أسعار منخفضة نسبيا بالنسبة للمواد الغذائية, حتى في حالة قيام الحكومة برفع الدعم. وفي ضوء هذا يتوقع أن يتراجع معدل التضخم من 2.9% سنة 2000 إلى 2.7% سنة 2001 وإلى 2.3% سنة 2002

القطاع الخارجي

تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن قيمة الصادرات قد بلغت 8 بليون دينار تونسي سنة 2000, أي ما يعادل 6 بليون دولار أمريكي, أي بنسبة ارتفاع تصل إلى 15% بقيمة العملة المحلية, ولكنه ارتفاع بسيط بقياس الدولار الأمريكي. ويتوقع لهذا الأداء المشهود في مجال التصدير أن يستمر خلال سنة 2001-2002, ولكن بنسبة أقل. وقياسا بالدولار فإن التحسن سوف يكون ملحوظا, وذلك لاعتبار ارتفاع قيمة اليورو في مواجهة الدولار.

إن جملة هذه العوامل بالإضافة إلى تحسن في حجم الصادرات سوف يجعل عائدات التصدير في حدود 6,9 بليون دولار سنة 2001. أما سنة 2002 فإن تأثير ارتفاع قيمة اليورو سوف يكون ملحوظا لتصل العائدات إلى 8,1 بليون دولار, وسوف ترتفع القيمة الجملية للواردات, وذلك بناء على الارتفاع, الذي سيحصل في الأسعار العالمية للصادرات من المواد المصنعة, مقارنة بسنة 2001.

وسوف ترتفع كذلك تكاليف الواردات من المواد الغذائية تحت تأثير ارتفاع الأسعار العالمية للمنتجات الغذائية بنسبة 9% سنة 2001, بعد أن شهدت تراجعا مستمرا طيلة أربع سنوات. ويتوقع أن يزداد حجم الواردات بنسبة 15,9% ليصل إلى 9,7 بليون دولار سنة 2001 وبنسبة 17% ليصل إلى 11,3 بليون دولار سنة 2002. كل هذا يجعل العجز التجاري يصل إلى 2,8 بليون دولار سنة 2001 و3,2 بليون دولار سنة 2002.

مؤشرات مهمة

2002

2001

2000

1999

 

5,5

7,0

5,0

6,2

نسبة نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي(%)

2,3

2,7

2,9

2,7

نسبة التضخم في الأسعار الاستهلاكية(%)

1,122

1,240

1,344

1,186

سعر التبادل دينار تونسي/دولار أمريكي

8,15

6,91

5,95

5,87

الصادرات بليون دولار أمريكي

11,32

9,66

8,34

8,02

الواردات بليون دولار أمريكي

الحالة السياسية

– القمع الداخلي

من المتوقع أن تزداد حدة تسلط النظام السياسي المستبد في تونس، فتونس هي بالأساس دولة الحزب الواحد, والنظام هناك ينفرد بعديد الخصائص عن غيره من الأنظمة الشبيهة. ويتوقع أن يتزايد الضغط الخارجي من أجل الإصلاح السياسي, وخاصة من الاتحاد الأوروبي, مما يضطر النظام إلى القيام ببعض المبادرات باتجاه الانفتاح. ورغم هذا فإنه لا يتوقع من الرئيس ابن علي أن يتنازل عن صلاحيات سياسية ذات معنى, سواء بالنسبة له هو, أو بالنسبة لحزبه الحاكم. والواقع أن دلائل عديدة تفيد أنه بصدد الاستعداد لولاية جديدة تدوم خمس سنوات.

العلاقات الخارجية

سوف تستمر تونس في تحسين علاقاتها مع دائرة عريضة من الدول, محكومة في ذلك باعتبارات أمنية, وبرغبة في تطوير وتوسيع الأسواق أمام صادراتها. أما العلاقة مع الاتحاد الأوروبي فستصبح أكثر حساسية, نظرا لأن هذا الأخير يحاول أن يجعل من مشمولات الحوار الدائر التأكيد على حكم القانون وعلى حقوق الإنسان والديمقراطية.

ويتوقع للعلاقات مع الولايات المتحدة أن تظل قوية ومحكومة أساسا بالاعتبارات العسكرية والاقتصادية, مع ما يمكن أن تتعرض له من اهتزازات بين الفينة والأخرى, نتيجة الانتقادات التي قد يتعرض لها النظام حول حقوق الإنسان من طرف الكونغرس والمنظمات غير الحكومية الموجودة في واشنطن.

البنية التحتية: الاتصالات في تونس

بعد عقد من الاستثمار المكثف في البنية التحتية والتجهيز تقبل تونس الآن على إدخال المنافسة إلى سوق الاتصالات النقالة. فقد التحقت تونس في هذا المجال بأسواق المنافسة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد أعلنت الحكومة أواخر الشهر الماضي عن برنامج عاجل للترخيص لشركة جديدة للهواتف النقالة لمنافسة الشركة الحكومية « تونس تلكوم » وعلى المستثمرين تقديم عروضهم في حدود الخامس من أيار (ماي) مع توقع بأن يتم منح الترخيص مع نهاية شهر حزيران (جوان), وسيكون أمام الحاصل على الترخيص ستة أشهر لتركيز أعماله في تونس لينطلق العمل فعليا مع شهر يناير (جانفي) 2002.

ويتوقع الإقبال على هذا العرض من شركات عديدة قد يأتي أغلبها من أوروبا, أي « فرانس تلكوم »، و »فرانس فيفندي »، و »تلفنيكا » الإسبانية، و »برتغال تلكوم » و »تلكوم إيطاليا ». وهي شركات بإمكانها جميعا الإيفاء بالحدود الدنيا لمتطلبات سوق تقدر بـ500,000 مستعمل للهاتف النقال. وتتوقع بعض الدراسات التي أجريت في منتصف سنة 2000 أن يصل سعر الترخيص المذكور إلى 350 مليون دولار, برغم التراجع الحاصل في السوق العالمية لهذه الخدمة منذ ذلك التاريخ.

ويبدو أن الحكومة تطمح إلى مقابل أكثر من هذا, وهي تقارن السوق التونسية بسوق المغرب, التي حصلت في صفقة ماضية لترخيص ثان لشركة الهواتف النقالة على 1.1 بليون دولار. ومن الواضح أن الشركات مستعدة لأن تدفع لتونس مئات الملايين من الدولارات مقابل هذا الترخيص, لأنها تتوقع للهواتف النقالة أن تسيطر على السوق كوسيلة اتصال, باعتبارها ذات تقنية أكثر تطورا من خطوط الهاتف.

ويبدو أيضا أن مستقبل هذا القطاع مضمون بالنظر إلى نسبة الشباب في المجتمع التونسي (ما يقارب 50% هم دون سن العشرين), وتوسع الطبقة الوسطى, التي تمثل ما يقارب 60% من السكان. ويتوقع للسوق المحلية للهواتف النقالة أن تصل إلى مليوني مستعمل مع نهاية سنة 2005


(*) الأستاذ صالح وسلاتي (باحث في الفكر القانوني

 

(نقلا عن العدد الأول من « أقلام أون لاين » المجلة الاليكترونية المغاربية الجديدة الصادرة من لندن. عنوان الموقع: (www.aqlamonline.com)

 
 إهانة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا مشهد من روايتي التي أنا عازم على نشرها قريبا إن شاء الله

 تحذير إلى القارئ المحترم: أعلم أن في المشهد الذي سيكون لي الشرف أن تطالعه صور وألفاض ربما تجاوزت حدود الأدب واللياقة, وربما كانت صورا بشعة. ولكن عذري الوحيد الذي اعتذر به هو أن الواقع أبشع, أبشع بكثير.

أحمد قعلول

 

أحس بشيء بارد ذو رائحة نتنة يغمره ويتسرب تحت أدباشه ورجل تهز جسده ثم تضغط على صدره، ود لو تطول إغماء ته، لكن ولأنه خلق كما قالت أمه كي يربى في الحرير وترفعه الورود، فقد عاد إلى وعيه، وعادت الحرارة إلى جسده الذي تعودت أيادي الأنوثة تلمسه والسباحة فيه لاكتشاف أغواره والتمتع بملذاته، بدأ الألم يتسرب إلى رأسه وبدأ معه يشتد إحساسه بالحياة. ولكن في أية حياة يرى نفسه الآن أية حياة يفتح عليها عينيه من جديد. إن الرضيع عندما يولد يصرخ بالبكاء لكن أمه هي التي تتألم, أما هو فقد عاد إلى الحياة وهو عاجز عن الصراخ وبه ألم لا يعلم حدوده لم يكن يعلم أن الإحساس بالحياة يمكن أن يكون مؤلما إلى ذلك الحد.

هه سي محمد أنت تطقن التمثيل أليس كذلك لكن على غيرنا.

فتح عينيه لم يتبين الوجه الذي يكلمه إن كان له وجه فقد بدا له ذلك الكائن وحشا ليس فيه إلا لسانا يسب وهراوة تضرب. خرج من محمد صوت لم يعلم هل هو من تكلم به ليسأل أم أن كائنا آخر كان يسكن جسده قال:

– ماذا هناك سيدي؟

امتدت له يد تصفعه من ذلك الكائن الذي لم تتضح بعد ملامح وجهه إن كان له وجه وقال له يسبه:

– سود الله وجهك يابن الزانية هيا قل كل شيء.

« عجيب لم أكن أعلم أن أمي زانية فهي لم تر الرجال إلا ليلة زواجها وحتى أبي فهو لم يعرف النساء إلا ليلة دخلته بأمي هكذا أخبراني وهما لا يكذبان بل قالا لي أن الكذب حرام! لماذا إذا يتهم أمي بالزنى عجيب أمره؟! أم لعله يعلم لي أبوان غير اللذين ربيان من يدري فهو يعلم أكثر مني؟! ماذا سأفعل معه لماذا لا أرد عليه أين ذهب لساني الذي أتكلم به ». تأمل نفسه بحث عن لسانه فلم يجده حاول أن يشير بالمعنى الذي يريد أن يقول لكنه سبقه بالحديث ولم يترك له فرصة لاسترجاع الميزة التي تسمى به الكائنات البشرية إنسان، الإنسان هو الكائن الذي يتكلم ويبدو أنه فقد هذه الميزة هنا.

لا تريد أن تتكلم هه؟ سترى.

انهال عليه بعصى غليظة نال بها كل أعضاد جسمه كان يضربه وهو يردد:

– لا تريد أن تتكلم إذا, لماذا تتعبني يا كلب؟

ولما تعب من الضرب قال له:

– قلت لك تكلم إني أعرف كل شيء أترى هذا الملف إنه كله أدلة تدينك وشهادات ضدك كله معلومات دقيقة حولك وحول كل تحركاتك وكل الاجتماعات التي عقدت وكل الأشخاص الذين حضروا معك وكل الحديث الذي تكلمت، إني أحصي لك كل أنفاسك وكل خفقات قلبك وأعلم ما تريد. إني أعلم ما لا يعلم الرب الذي خلقك وصورك هيا تكلم.

 استغفر ربه بقلبه فذلك أضعف الإيمان, واستنكر الكلام الذي قاله جلاده. عجب لحاله بين يدي هذا  الكائن المتوحش ولم يكن يعرف عماذا كان يتحدث إذ يبدو أن « سي محمد » هذا خطير جدا وإلا لما لقي كل هذا الإهتمام. المصيبة أنه ليس هو ولم يعلم كيف سيفسر له أن البطل الذي يبحث عنه هو شخص آخر ليس وهو ليس هو فهو كائن ضعيف ليس له من القوة شيئا ولا من الشجاعة ولا البطولة؛ صحيح أنه كان يكون أسعد, رغم أنه لا أحد يسعد وهو يعذب, إن كان هو عينه ذلك البطل ولكنه لا يملك منه غلا اسمه.

لست أنا محمد الذي تبحث عنه إني محمد آخر صدقني لست أنا.

انهال عليه ضربا ولكما ثم تناول عصا غليظة وانهال بها عليه.

– أو تهزأ مني، سأريك إن هذا آخر اختراع ماذا تضننا أغبياء أيها الأحمق, إن من يمكن أن يفعل ذلك لم تنجبه أمه بعد, ولكني سأريك ماذا يفعل الرجال « يا قحبة »؟

« صحيح إني أحمق فكيف أناقشه, هل أعرف نفسي أكثر منه إنه يقول أنه يعرف عني كل شيء حتى عدد الأنفاس التي أتنفس » لا يعلم كيف دبت الحياة بلسانه الذي تحرك لينطق ببعض الكلمات:

– العفو يا سيدي لقد أخطأت إني محمد إني أقسم أني محمد وأني كل ما قلت عني.

ازداد غضبا وحنقا عليه، وكأن الضرب لم يكفه فقال له:

– قم عن الكرسي من سمح لك بالجلوس هيا قم تحرك.

نظر لجسده لقد كان ملقى على كرسي حديدي, لم يدرك من قبل أنه على كرسي، لقد فقد كل إحساس بجسده ولم يبق إلا الإحساس بالألم إنه يجب أن يقوم عن الكرسي جرب أن يحرك أعضاءه إنها لا تزال قادرة على التحرك, إنه لا يزال حيا, قام عن الكرسي نظر لنفسه كانت رجلاه تحمل بقية جسمه الآن. الحمد الله فقد نجح هذه المرة في الاستجابة لأمر جلاده. خاف أن يعجز عن طاعته, قالت له أمه ومؤدب القرية أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها لكنه لن يستطيع أن يعتمد على هذه الرخصة الربانية فجلاده يتقدم مزاحما لله « لماذا لا يغمى علي؟! »

– هيا اخلع ثيابك.

نظر إليه مبهوتا، لم يفهم ماذا يريد منه بالضبط، صفعه وركله وانهال عليه بعصاه مرة أخرى، ازدادت الآلام، « لماذا لا يغمى علي؟! ».

– قلت لك اخلع ثيابك، هيا كل شيء كل ثيابك حتى جلدك الذي يغطيك أريدك أن تنزعه أريدك كما ولدتك أمك، لا أكثر! أريدك كما كنت في بطنها كما خلقك الرب الذي تريده أن يحكم هذه البلاد، ناده الآن لينقذك، يا « حصان »!

بدأ في خلع ثيابه وقد كانت الهراوة ترافق كل حركة يقوم بها وكل سكنة تقوم بها أعضاؤها رغما عنها لم يعلم هل يتوقف أم يواصل لم يعلم ماذا كانت تريد الهراوة منه. نزع كل ثيابه لكنه توقف عند قميصه الداخلي. ازداد ضرب الهراوة وازداد معها الألم لكنه أصبح دون معنى لقد فقد الألم معناه « لعلني أغمي علي مرة أخرى الحمد لله! ».

قلت لك أريد أن أراك كما ولدتك أمك الزانية قل لي أين تسكن هيا وإلا جئنا بها أمامك وركبتها وإياك وأبوك هيا أرني هذا الذي تتسمى به رجلا، سأعلقك منه ثم أدخله في مؤخرتك.

كانت أمه تخوفه عندما كان صغيرا إن هو تعرى أن يأتيه الغول ويأخذ منه رجله الصغير إذا لم يطعها، لذلك فإنه خوفا من أن يفقد رجله الصغير كان مواظبا على طاعة أمه. وقد كان رعبه شديدا عندما جاء حلاق القرية ليأخذ من رجله الصغير قطعة صغيرة. قالت له أمه أن تلك القطعة غير صالحة وأنه تخفي رجله الصغير لذلك فيجب أن تقطع. قالت له أن الختان سيجعل منه رجلا كاملا. كانت أمه وخالاته يلاعبنه ويطلبن منه أن يريهن رجله الصغير الذي دونه لن يكون رجلا كبيرا، كان يشعر باعتزاز لأنه يمتلك هذا الرجل الصغير، وكان يحس أنه يمتاز على ابنة عمه بهذا الرجل ولأنه كان يحبها فإنه لم يفهم وقتها لماذا لم يكن لديها هي كذلك رجلها الصغير فسأل أمه عن سر ذلك قال لها هل هي عصت أمها فجاء الغول وأخذ منها رجلها الصغير. قال لأمه أنه سيذهب ليطلب من عمه الغول أن يسامح ابنة عمه ويعيد لها رجلها الصغير فهي فتاة طيبة وتستحق كل خير. لم تجبه أمه وقتها بل صمتت ولما كرر عليها مرة أخرى كان نصيبه علقة ساخنة ثم نهته أمه عن النظر إلى ذلك المكان الذي ليس فيه رجلا صغيرا فذلك حرام. لم يفهم وقتها كلام أمه ولا ماذا تقصد بالحرام لكنه كان يجب أن يطيعها فقد تعلم أن الحرام هو الذي تطلب منه أمه أن لا يقوم به. لكنه بقي في ذهنه سؤال لم يدرك سره إذ لماذا يجازى إذا ما أرى رجله الصغير لخالاته أوعماته ويعاقب في الحالات الأخرى؟ ثم هو لم يفهم كذلك ذلك المنع المفاجئ والطلب الذي اتفق عليه الجميع بداية من اليوم الأول الذي حمله فيه أبوه معه إلى الحمام وبداية من ذلك اليوم أصبح ممنوعا عليه الذهاب مع أمه إلى الحمام. كذلك قالت له أمه أن ذلك حرام ولم يحدثه أبوه في الأمر فاكتفى بما قالته له أمه رغم أنه لم يفهم. قال له أبوه مرة وهو يضحك لأسئلته التي لا تنته  » ستعرف كل شيء عندما تكبر لا تستعجل » لكنه لم يفهم كلام أبيه كذلك إذ أن أمه قالت له أنه كبر وأصبح حراما بينما يقول له أبوه أنه لم يكبر هل هناك كبر أكثر من كبره ألم يصبح رجلا بعد؟ لم يقدم له أحد جوابا فصمت وانتظر أن يكبر كما قال له أبوه وبقي كبيرا بالحد الذي قالته له أمه، وهو الآن لا يعلم لماذا يطلب منه هذا المحقق إخراج رجله الصغير الذي تعب من كل هذه الحكايات واقتنع أنه حرام يجب ستره بعد كل التجارب التي خاضها. هو لا يعلم لماذا لا يغمى عليه كما كان حاله دائما، أو إلى هذا الحد أصبح شجاعا أم أنه فقد كل معنى للشجاعة أو الخوف. لم يقدر في النهاية إلا يضع يديه على قميصه الداخلي وأن ينزله فمد المحقق عصاه وأنزل بها القميص إلى تحت بينما أغمض هو عينيه ولم يرد أن ينظر لنفسه. لكنه لم يكن قادرا أن يقتل الصورة التي انطبعت في ذهنه. حاول أن لا ينظر لشيء, ود أن يصبح أعمى في تلك اللحظة، « لماذا لا يغمى علي؟ » قهقه جلاده فذكّره أنه لا يزال حيا ومستيقظا لم يغم عليه.

نعم هكذا أريدك كما ولدتك أمك العاهرة.

مسكه من ذكره وضغط عليه أحس بالآلام فضيعة أحس بأشواك تنغرس في كل مكان في جسده الحي، وأحس بدوران في رأسه أصبح كل شيء أسود أمام ناضريه فتح عينيه وصرخ لم يكن هناك ضوء يدخل مقلتيه ولم ير شيئا ها قد استجاب له الله فقد أصبح أعمى لا إنه لم يصبح أعمى بل أصبح يرى السواد وألوان قاتمة ويحس بآلام في كل جسده هذا الذي لا يزال حيا. قهقه جلاده وترك له ذكره وهو يقهقه. الآن أصبح يرى لكن السواد والألوان القاتمة تكشفت عن جلاده وهو يأخذ ثقلا مشدودا إلى خيط. أخذ الجلاد الخيط واتجه صوب محمد وقبل ذلك أمره بأن يجلس مرة أخرى على الكرسي أحس محمد بكل إرادته وقد سلبت منه اتجه إلى الكرسي كآلة  لا روح فيها بل هي مسكونة بالخوف والألم . جلس محمد على الكرسي أو لعله أجلس عليه قهرا. تقدمت يدان  فأمسكتا بكتفيه إلى الخلف ثم شدت يديه بعنف إلى ظهر الكرسي وقيدتهما. تقدم الجلاد وهو يصفر ويغني كان صفيره كفحيح الأفعى. مد جلاده يده إلى محمد ومسك ذكره بينما تقدمت يده الأخرى بالأثقال المشدودة إلى الخيط, ومن خلف غيبوبته الواعية نظر محمد إلى ذلك الخيط الرقيق وقد بدت عليه بعض آثار الدماء وقد اسودت. ربط الجلاد الحبل بذكر محمد وشده. صدر عن جسده صراخ لمشاعر يضنها آلام صفع الجلاد خد وجه الجسد فكف الجسد عن الصراخ وبقي الأنين قهقه الجلاد, لم يكن ذلك الخيط الرقيق قصيرا نظر محمد للأثقال وهي تسطق طال سقوطها تمطط الزمن وزاد خوف الجسد ثم ثار بركان وزالت كل الألوان أحس بانفجار في دماغه. لقد عجز دماغه عن تفسير الرسالة التي أرسلتها الأعصاب إليه. صاح الجسد لم يكترث هذه المرة بصفعات المحقق لم يعد يسمع شيئا كفت كل حواسه عن العمل ركز كل شعوره في دائرة الحبل التي شنقت ذكره أحس بالحبل يخترق جلده لكن الدماء لم تنفجر منه بل احتقنت تحت الجلد. زادت الآلام بالجسد وتجمعت كحجرة سوداء ثقيلة تنتقل من أسفله بسرعة لتضرب رأسه ثم تعود من جديد لتنهال عليه.

غابت كل الأفكار والمعاني، وغابت عنه كل الصور والأحلام كانت كل لحظة زيادة في الآلام زيادة في الأشواك التي تنخر جسمه من كل مكان. وفجأة انفجرت في رأس محمد فكرة، إنه في جهنم، نعم إنه لم يغم عليه, بل هو  قد مات وها هو الآن في يوم البعث والحساب وقد حكم عليه بجهنم وهذه هي جهنم التي حدثته عنها أمه ومؤدب القرية الذي كان يرتشيه بالحلوى ليقضي له حاجياته المنزلية, هذه هي جهنم التي هددته بها أمه إن هو عصاها وأبوه. لكنه كان مطيعا؟! لا إنه فيها يتلقى عقاب كل الشرور التي قام بها والمحرمات التي ارتكبها في المغرب. ارتاح لهذه الفكرة لأن كل هذا العذاب سيذهب بعد قليل فالله رؤوف رحيم كذلك قال بسام وقالت أمه وأبوه ومؤدب القرية وهو مؤمن بالله وبرحمته وعذابه, ولم يكفر ولم يظلم وهذا العذاب الشديد زائل لا محالة. لكن كيف يعاقبه الله ولم يحاسبه أليس هناك حسابا يوم القيامة؟ الكل يقول أن هناك حسابا قبل الجزاء فالله عادل ولا يعاقب دون حساب. إذا هذه ليست جهنم. زادت به آلامه وأحس بالحياة من جديد حاول أن يفتح عينيه ليتأكد أين هو وفي أي عالم يعيش ولشدة مأساته وجد جلاده وقد احمرت عيناه وهو يجلده نظر إلى نفسه كانت يداه مقيدتين إلى عصا حديدية أدخلت بين رجليه وقد أجلس جسمه القرفصاء لم يعد يميز مكان الألم بالضبط ولا جهته فقد أصبح شعورا متوصلا. انتبه إلى جسده الذي كان يصرخ نعم إنه يصرخ سعد بهذا فهو يفعل شيئا على الأقل. إذا فهو لم يمت ولا أغمي عليه كذلك، لم يعد يعلم لماذا يواصل جلاده ضربه. لقد أصبح التعذيب لجلاده غرضا في ذاته, عقابا دون حساب. وأي ذنب ارتكب إنه لم يكذب ولم يظلم ولم يخن صحيح أنه زنى وشرب الخمر لكن قبل العقاب في الآخرة هناك حساب، وجلاده لا يحاسبه بل هو يعذبه. تعب جلاده من الضرب فنادى زميلا له وتركه بين يديه لحظة حمله الآخر ونزع عنه الحبل المشدود إلى ذكره، لم تكن عملية فك الحبل أقل إيلاما من ربطه بل زادت الآلام وتجددت فعاد جسده إلى الصراخ. تركه جلاده لفترة من الزمن لم يعلم طولها من قصرها, بينما بقي هو في وضعه ذاك. ثم وبدون مقدمات ولا أسئلة تطلب إجابة مسجلة قبلة السؤال, قام الجلاد ومسكه من رجليه وربط كل واحدة منها في جبل كان مشدودا إلى سقف الغرفة ثم جذب الحبلين فارتفع جسمه وأصبح رأسه إلى أسفل ورجلاه إلى فوق، تعب هو من الصراخ وعاد يتأوه من الآلام لم يعد قادرا على شيء ولم يغم عليه ولا مات فارتاح من كل ذلك.

– سأريك أيها الكلب ماذا يفعل الرجال بأمثالك.

 فتح جلاده الفتحة التي في سرواله وأخرج عصاه الغليظة أغمض محمد عينيه ولم يرد النظر لمثل ذلك المنظر البشع فهو لا يريد أن يرى ذلك، ماذا يريد أن يفعل به جلاده «لا مستحيل أبلغ الأمر هذا الحد؟ لماذا لا أموت الآن؟!» لم يصدق أن يفعل به مثل هذا هان عليه كل شيء فعل به كل العصي التي حطمها جلاده على ظهره والحبل الذي مزق أوصاله لكن ليس هذا! جاءه جلاده من خلف وضع يديه بين فخذي محمد فتحهما. حاول محمد أن يصرخ أن يصيح ولكن لم تخرج ولا آهة واحدة لقد أصبح عاجزا عن كل شيء. مات جسده، مات فيه كل إحساس بالحياة وبقيت فكرة واحدة بذهنه إنه حي وإنه يهان, وذلك كان أبشع من أي إحساس بالألم. أدخل جلاده عصاه الغليظة في حرمه المروع ينتكه. أحس بدموع باردة تنفر من مقلتيه لقد افتظ له جلاده بكارته دون رضاه وكيف يرضى! لقد اغتصبه جلاده، وهو عاجز عن القيام بأية ردة فعل إنه عاجز حتى عن التأوه, فقط بكى, فقط نزلت دموع باردة تعلمه أنه حي وأنه يحس بالقهر والظلم والعجز أمام جبروت هذا الطاغي. لقد اغتصبه جلاده، وهو الفارس الذي طالما ركب للحرب والذي حطم كل القلاع والذي لم تكن تصمد أمام مدافعه جدران. ها هو اليوم يلقى هزيمة نكراء في ساحة قتال غير عادلة. إن الحروب التي كان يخوضها كانت حروبا متفق على قوانينها لم يكن فيها ظالما’ بل مرتكبا لخطيئة. أما هذه فقد أوتي فيها من خلف، زادت به آلامه وجفت دموعه وغاب عنه كل إحساسه بالعالم بقي عقله يشتغل ويعلمه أنه حي وأنه يهان ويقهر ويظلم وأنه عاجز عن الرد أو أخذ الثأر لنفسه. هو عاجز حتى عن الصراخ والتأوه، ود لو كان خوانجيا بالفعل لأعطى كل ما لديه من معلومات أي اسم لعين يحمله هذا؟! لا إنه لو كان خوانحيا لما قدم أي شيء لكنه كان سيحس أنه يعذب لسبب لشيء قام به وسيكون لعذابه معنى سيكون عذابه بطولة يخطها بدمه ودموعه على صفحات هذا الوطن المغتصب ربيعه من أخس عبيد القصر ومن مخصييه وغلمانه الأجلاف. لكن المصيبة أنه لا يعرف شيئا ولم يفعل شيئا، لا يعلم كم بقي معلقا لكن في الأخير أحس بجسمه ينزل إلى الأرض ويحمل ألبسوه ثيابه لا يعلم أم لعله لبسها هو حملوه رموه في زنزانة تلقفته أيادي لا يعلم عددها عندها فقط أغمي عليه.

 

Gilbert Naccache intervient pour la premiere fois dans le debat qui agite une partie de la gauche: quelle relation faut-il etablir avec Al-Mustaqillah et … »les integriste »?
 

Gilbert Naccache

 

LE CHAT ET DIEU

A propos de « Moustakella »

Après son épique grève de la faim de l’an dernier, Taoufik Ben Brik avait publié dans Libération un article dans lequel il se défendait d’être le porte-drapeau de la lutte pour une cause quelconque, où il disait avoir lutté d’abord pour sa propre liberté d’expression et être un peu déçu de voir que le combat qu’il avait mené n’avait pas été repris et poussé plus loin par d’autres… Il semble bien aujourd’hui qu’il s’était trompé sur ce dernier point, que le combat, initié par la campagne pour les passeports lancée par l’ATFD, qui avait ensuite pris des formes diverses, de la grève de la faim à toutes sortes de protestation et de dénonciations, des objectifs plus variés, du droit d’expression au refus de la torture…, d’autres acteurs, associations, comme le CNLT, la Ligue Tunisienne des Droits de l’Homme, dont l’attaque a été à la base d’une autre mobilisation etc., ce combat n’avait pas cessé, prenant des formes discrètes pendant un certain temps, pour apparaître avec plus d’éclat, utilisant la caisse de résonance qu’a constitué la tribune libre mise à la disposition des opposants tunisiens par la chaîne de télévision « El Moustakella ».

Et cette lutte, ces prises de paroles répétées paraissent avoir amené une nouvelle phase dans la situation en Tunisie, celle où le pouvoir est placé le dos au mur, n’ayant d’autre alternative que de céder sur les libertés fondamentales ou courir le risque, à un terme relativement proche, d’un embrasement de la société, en continuant à exercer la répression, comme il l’a fait avec Mohamed Moada, avec Sihem Ben Sedrine…

Il est clair que l’évolution n’a pu être aussi rapide que grâce à l’existence de ce lieu de parole, et à la possibilité ainsi donnée de dénoncer les abus devant des dizaines, voire des centaines de milliers de spectateurs, pas forcément sympathisants des idées ou tendances qui peuvent sous-tendre les actions des animateurs de « El Moustakella ».

On doit donc beaucoup à cette chaîne* dont on nous dit que ses financements sont obscurs, ou plutôt obscurantistes, après avoir été quasi-gouvernementaux, dont les officiels disent pis que pendre, faisant écrire à leurs chiens courants des énormités sur un prétendu complot colonialiste franco-anglais, sur des liaisons avec les trotskystes du monde, sur les hommes de l’ombre qui se cachent derrière les animateurs visibles…

Cet acharnement fait craindre qu’on ne prenne plus la peine de réfléchir, et que se contentant de l’adage « les ennemis de mes ennemis sont mes amis », l’on accepte des alliances contre nature, voire même des manipulations douteuses.

La question s’est posée d’accepter ou non de participer aux émissions d’El Moustakella. La problématique de l’accord pour la participation à ces débats paraît simple : du moment que l’on trouve un lieu de parole, sans contrainte ni censure, il faut l’utiliser et en même temps entraîner tout le monde dans la dialectique de la liberté d’expression et du pluralisme. Et ne pas hésiter à se démarquer des uns ou des autres de ses adversaires idéologiques au cours de ces prises de paroles.

En face de cette position, il y a l’autre, celle du refus de cautionner des tendances plus ou moins ouvertement intégristes et d’essayer de s’exprimer ailleurs, dans les réseaux d’Internet ou dans la presse étrangère moins nettement intéressée à autre chose qu’au progrès de la liberté de presse. Et, à l’appui de cette position, on ajoute que la plupart des victimes actuelles du régime étant des intégristes, leur défense, légitime, contre la répression quelles subissent, risque de passer , explicitement ou implici-tement pour une alliance, voire à un soutien politique…

« Il n’y a pas de chat qui chasse pour Dieu » dit littéralement le proverbe tunisien, ce qui, dans la cas d’espèce, peut amener à se demander si, derrière la liberté de parole accordée à des opposants crédibles et qui ont des choses à dire, il n’y a pas une volonté de les faire tirer les marrons du feu pour une deuxième ligne qui, sans trop se montrer, sans trop prendre de risques, pourrait déborder à la dernière minute les premières lignes et détourner à son profit exclusif les victoires qu’auront préparées ces premières lignes.

Ce scénario n’est pas celui d’un film de science-fiction, il a déjà été réalisé une première fois, en 1979 en Iran où, pendant des semaines, les forces démocratiques et les progressistes proches du parti communiste « Toudeh » avaient mené des assauts répétés et coûteux contre le régime du Shah, et où le retour tardif de l’Ayatollah Khomeyni et la mobilisation des mollahs qu’il avait conduite avait permis d’établir le premier régime intégriste musulman au monde.

Les choses ne sont certes pas comme elles étaient en Iran en 1979 : sans parler de la structure démographique, là-bas alors dominée par les ruraux, eux-mêmes dominés idéologiquement par les mollahs, ici aujourd’hui beaucoup plus urbanisée, les données idéologiques ne sont plus les mêmes : la population tunisienne, baignant dans le modernisme, influencée très nettement par les idéologies et les comportements des sociétés de consommation, ne paraît pas devoir facilement suivre un projet clairement intégriste ; la place des femmes dans la société, les acquis qu’elles ne sont pas prêtes à perdre, leurs luttes pour les approfondir, encore un obstacle difficile à franchir pour les projets de l’islamisme politique ; il faut dire aussi que l’intégrisme contemporain, tirant peut-être les leçons de son échec à s’installer dans la plupart des pays qu’il cherche à dominer, a lui-même changé de ton, de discours. Même s’il reste, par la force des choses, un parti unique, totalitaire de surcroît, en projet, il n’a plus la force, voire la conviction, de l’affirmer : il réclame surtout les libertés fondamentales, et non le pouvoir, espérant bien sûr que celles-là lui permettront d’obtenir celui-ci.

Et, grâce à la parole qu’ils donnent généreusement à des opposants tunisiens qu’on ne peut soupçonner d’intégrisme, ils s’efforcent de conforter l’idée que les seuls défenseurs systématiques du peuple contre la répression seraient les intégristes, même si leur absence personnelle ou organisationnelle des débats pourrait faire penser soit qu’ils n’ont rien à dire et préfèrent attendre un moment plus favorable pour agir, soit qu’ils se réservent la possibilité de négocier un nouveau compromis avec le pouvoir, sur le dos des opposants « démocrates » qu’ils auront poussés en avant.

On a tout de même pu voir le bout de l’oreille de ces nouveaux « démocrates » d’El Moustakella : tout d’abord la confiance qu’ils ont dans les opposants plus authentiques, et plus courageux, à qui ils offrent l’asile l’espace d’un temps de parole, cette confiance ne paraît pas sans limite : ils semblent avoir battu le ban et l’arrière ban de tous les déchets du régime Bourguiba pour pouvoir présenter une barrière non intégriste (quoique l’on n’ait pas besoin de revenir sur le rôle de Mzali dans la montée de l’intégrisme en Tunisie) aux opposants modernes, dont la caractéristique générale est qu’ils n’étaient pas des soutiens actifs au pouvoir d’avant le 7 Novembre 1987. Cette sorte de ramassage (on est tenté de dire de « rafle ») de tous ces hommes, rejetés même par Bourguiba, et qui avaient joué un rôle considérable dans les répressions contre le peuple, ne fait pas préjuger favorablement de leur présence aux côtés ou autour des animateurs de la chaîne : Belkhoja a reconnu l’existence systématique de la torture dans les institutions policières, qui ont dépendu de lui à plusieurs reprises ou d’autres ministres qui ne le cachaient pas, il a avoué les manipulations des élections de 1981 qui, au lendemain de la reconnaissance du pluralisme, ont ramené le pays à un régime de fait de parti unique, Mzali, provoquant les émeutes du pain de janvier 1984, n’a trouvé que l’armée et les balles pour y faire face, puis la torture et les condamnations à mort, avec son porte-parole Kedidi, haineux  pourfendeur des opposants de l’époque, et Bannour, chef des agents spéciaux et lui-même agent très spécial, et d’autres encore qu’on ne nous pas montrés, mais qui attendent leur heure pour rivaliser avec Mzali, Belkhoja, Talbi, Jourchi etc., et donner des leçons de démocratie aux Tunisiens.

L’autre aspect, le moins sympathique, du discours de ces animateurs de la chaîne, qu’ils font aussi porter par un homme comme Mohamed Talbi, censé être moins impliqué qu’eux, est le discours sur la soi-disant répression de l’Islam en tant que religion par le pouvoir actuel : outre la fausseté de l’accusation (le pouvoir veut monopoliser l’interprétation et la gestion de la religion, et non pas la supprimer ou même la restreindre : on est loin de Kémal Attaturk, voire même des choix fondamentaux de Bourguiba), c’est son caractère démagogique qui fait craindre le retour à des agissements moins doucereux : qui peut tolérer des atteintes à la liberté religieuse, sinon de condamnables athées ou partisans d’une laïcité qui ferait perdre sa place à l’Islam. Derrière la tolérance de façade se prépare le retour de la vérité absolue, de l’intolérance de fait, de l’excommunication… Le danger est réel, même s’il n’est pas encore évident.

Mais il n’est pas une fatalité, pour autant que l’on en soit conscient. Car c’est plus dans les résistances qu’on sera capable de lui opposer que dans ses propres changements qu’il faut compter pour empêcher l’intégrisme d’être plus qu’une des tendances politiques de la société. Ces capacités de résistances, il faut le reconnaître, ont été sérieusement affaiblies, du fait de la façon uniquement répressive dont le pouvoir actuel a affronté la situation, et du fait de l’interdiction de s’exprimer qui a été faite à tous ceux qui auraient pu, dans un climat de libre discussion politique et idéologique, proposer des alternatives au discours intégriste. Et aujourd’hui, le discours « démocratique », s’il est utilement et convenablement documenté au chapitre de la défense des droits humains et de la dénonciation de toutes les atteintes à ces droits, est particulièrement peu riche en propositions en matière de projet de société ou de construction économique et sociale… C’est cette pauvreté qui pose problème et qui, au fond, explique que l’on passe par « El Moustakella » de façon presque exclusive pour s’exprimer : ce qui est ressenti comme l’urgence du moment, la lutte pour les libertés, paraît plus important que tout le reste, y compris sur ce qui suivrait une éventuelle victoire dans la lutte pour les libertés publiques.

Peut-être faudrait-il que ce discours se réajuste, qu’il essaie dépasser la réalité immédiate et apparente, dominée par l’utilisation des institutions du pays au profit d’une petite minorité, par l’usage systématique de la répression policière, du refus des libertés, pour se demander si ce qui justifie, explique et pérennise cette situation ne viendrait pas d’un autre problème, tout aussi réel et moins spectaculaire sur le plan de la vie politique générale, l’existence d’un parti unique de fait ? Même s’il est silencieux, si son expression publique se confond généralement avec celle des personnalités du gouvernement, ce parti est la clé de voûte qui fait tenir en équilibre l’ensemble de l’édifice, il est la cause et le résultat des dysfonctionnements des institutions, couvrant même les excès dont il ne bénéficie pas – demandant tout au plus que de temps en temps, on soit plus discrets…– pour pouvoir continuer à jouir, collectivement et individuellement des privilèges que lui rapporte sa position de parti unique. Et même si, périodiquement, on le dit traversé de contestations, de fronde, il s’agit de regroupements conjoncturels de courants ou de tendances dominés par le régionalisme, le clientélisme et l’intérêt des uns ou des autres, y compris quand l’expression des ces tendances semble une contestation « démocratique », on connaît l’usage qui a été fait de cette sorte de discours depuis 1987…

La lutte réelle, déterminée, sans répit et sans concession contre le parti unique, avec tout ce qu’il a généralisé comme usages au niveau de chaque citoyen, village ou pâté de maisons, région, entreprise, etc., avec ses manifestations quotidiennes, avec l’utilisation des ressources de l’État pour consolider les clientèles, pour se venger de ceux qui ne sont pas assez respectueux, etc., cette lutte-là peut porter ses fruits dans l’ensemble des directions : d’abord contre les sources et les soutiens du pouvoir, en isolant les destouriens et les amenant à se solidariser du peuple et non plus à l’exploiter et l’humilier, ensuite en créant des traditions de refus du parti unique et de ses méthodes, en aidant les citoyens à s’assumer en tant que tels, à se prendre en charge, à ne déléguer leur pouvoir qu’à bon escient et pour de courtes périodes, dans des cadres légalement définis et contrôlés, et en interdisant petit à petit que le passage à une autre situation ne soit celui du passage d’un parti unique à un autre parti unique.

Dénoncer tout ce qui fait  et tout ce que fait le parti unique, obliger tous les agents et partenaires de la lutte démocratique d’aujourd’hui à s’engager clairement et sans équivoque pour un véritable pluralisme politique, pour l’assainissement des institutions pour en extirper, dans leurs textes comme dans leur fonctionnement, tout ce qui peut rendre possible l’hégémonie d’un parti sur la société, voici un des volets fondamentaux de la lutte démocratique d’aujourd’hui.

Cette lutte peut être utilement liée à celle qui est menée pour l’indépendance de la justice. Là aussi, il faudrait veiller à ne pas se tromper d’adversaire : s’il existe quelques juges inaccessibles aux notions d’indépendance et d’intégrité de la justice, la plupart ne vivent pas dans l’allégresse la situation qui leur est faite. Il faudrait développer le discours sur le rôle de la justice pour poursuivre les auteurs de racketts, y compris ceux qui le font au nom du parti au pouvoir, et qui taxent les sociétés et entreprises, publiques généralement, mais aussi privées, pour les besoins de ce parti, pour financer telle ou telle de ses activités… Les juges sont aujourd’hui impuissants à lutter contre de telles pratiques : aidons-les à demander un élargissement de leurs pouvoirs pour les rendre capables de poursuivre tous ceux qui violent les lois, rêvons d’une justice véritable, mais aussi, et surtout, faisons rêver les juges. Faisons-les rêver de leur réhabilitation en tant que corps dans la société, de la coïncidence de leur rôle théorique, le troisième pouvoir dont le bon fonctionnement garantit la démocratie et l’État de droit, avec la réalité de leur action. Appelons les juges à rêver avec nous d’une société autre, plus conforme à l’esprit de la constitution et des lois, et à lutter avec nous pour la concrétisation de ces rêves.

L’autre aspect sur lequel il est plus qu’impérieux que l’opposition démocratique se prononce sans équivoque est celui de la nature de la société que l’on veut construire et de la place des femmes dans cette société. Les plus conscientes de ces dernières, soutenues par un certain nombre de militants masculins, a déjà, en avançant le mot d’ordre d’égalité devant l’héritage, posé de façon nette deux questions : celle de la reconnaissance d’une citoyenneté totale des femmes, de l’égalité absolue de leurs droits, et celle concomitante, sinon de la laïcité explicite de la société, à tout le moins de la séparation radicale de la religion et de l’État, de la détermination des droits et des devoirs des citoyens avec les seules références des déclarations et textes internationaux, la déclaration universelle des droits de l’homme d’abord, mais aussi tous les autres textes étayant les principes d’égalité, de non discrimination et de droits de toutes les catégories humaines (auxquels notre pays a d’ailleurs théoriquement souscrit). La religion devant rester un problèmes de conscience individuelle, et l’État s’engageant à garantir le libre et total exercice de tous les cultes… Il va de soi que, dans ce domaines, le discours intégriste ne peut suivre, au contraire, on en voit déjà la preuve dans les attaques contre l’ATFD qui ont commencé sur certains médias tunisiens, à propos de cette campagne pour l’égalité devant l’héritage.

Un dernier volet, last but not least, consiste à expliquer que l’oppression subie par les Tunisiens n’est pas seulement une répression politique, qu’elle ne touche pas seulement les intellectuels dans leurs intérêts de penseurs. Tous les Tunisiens en sont victimes, qu’il s’agisse du salarié qui ne peut conserver son emploi, et qui n’en trouve un autre qu’à condition de passer sous les fourches caudines des membres du parti au pouvoir, ou même de l’entrepreneur qui subit de multiples extorsions, mais surtout qui est de moins en moins capable de défendre ses capacités de production, ses projets de développement, s’il n’accepte pas de se transformer en un concessionnaire ou un représentant d’entreprises étrangères : pour que se crée et se renforce l’économie tunisienne, il faut encourager les entrepreneurs à se battre pour leur avenir en tant que classe autonome. Ils n’en ont pas encore pris le chemin. Mais qui est donc venu le leur montrer ?

Voilà ce qui semble le plus important : la question ne nous paraît pas d’accepter ou de refuser de prendre la parole à El Moustakella, chacun peut en juger à sa guise, il n’y a pas de vérité absolue dans ce domaine, la question est de donner à ses interventions, où qu’elles aient lieu, une plus grande ampleur, une profondeur telle qu’elles ne soient pas seulement un autre coup de boutoir dans l’édifice du pouvoir absolu, mais qu’elles aident les auditeurs, les spectateurs, les lecteurs, à envisager une autre société, plus humaine, plus juste et où seraient bannis arbitraire et dictature d’un groupe ou d’un autre, d’un parti ou d’un autre…

 

G. N.

Le 4 Juillet 2001

 



* Le manque de diversité dans les sujets et dans la manière dont ils sont traités font penser que cette chaîne, sauf renouvellement du contenu qui ne se dessine guère, finira par lasser ses spectateurs…

Source : www.perspectivestunisiennes.com

 
 

 http://www.rsp-tunisia.com/fahres213.htm

(نقلا عن العدد 213 من صحيفة الموقف الناطقة باسم الحزب الديموقراطي التقدمي) 

بعد النساء والأطفال جاء الدور على الشيوخ!

الشيخ العربي العكرمي، شيخ زيتوني ومعارض يوسفي لبورقيبة، قضى حوالي عشرين عاما من عمره في السجن، حرم من نشر كتاب دوّن فيه صفحات مكتومة من تاريخ تونس الحديث وها هي أرضه تفتكّ منه!!

صحيفة الموقف نشرت نص رسالة بعث بها إليها!

مضايقات جديدة ضدّ العربي العكرمي

الشيخ العربي العكرمي… قضّى قرابة العقدين من عمره في سجون نظام بورقيبة وظلّ شبح الملاحقة يتابعه حتى بعد إطلاق سراحه بعد 7 نوفمبر 87 فمن إخضاعه إلى المراقبة الإدارية عام 1989 إلى منع كتابه الذي دوّن فيه مذكّرات المرحلة النضالية الطويلة التي عاشها وأخيرا اغتصبت منه الأرض التي ظلّ ولسنوات يستغلّها ويستثمر فيها ما يملك… وها هي رسالة منه تشرح ملابسات القضيّة:

فقطعة الأرض المذكورة تقع بمعتمديــة المظيلة ولاية قفصة تمسح قرابة 123 هكتارا وهي ضمن الأراضي الاشتراكية التابعة لعرش العكارمة وقد استغلّها أجدادي لمدة تقارب الثلاث قرون تداولوها على مرّ هذه الحقبة ثم تحوّلت لي منذ أكتوبر 1946 وقد استطعت خلال هذه الفترة أن أحوّلها من أرض صالحة لزراعة الحبوب بشكل موسمي إلى أرض فلاحية تنتج الكروم وأشجار اللوز والعنب بعد أن أدخلت عليها إصلاحات كبيرة فاقت نفقاتها آلاف الدنانير.

لكنه ما راعني لما حاولت الحصول على شهادة في ملكيّة هذه الأرض وبعد تدخّل سيادة رئيس الجمهورية عام 1995 من إنهاء الأمر وإسنادي قطعة الأرض المذكورة أن أرضي أصبحتْ جزءا من أملاك الدولة، حصل ذلك بعد أن قامت إدارة الشؤون العقارية بمسح المساحة الجمليّة وبعد أن أعلمتني بالمساحة الحقيقيّة التي تمّ مسحها من طرف إدارة الشؤون العقارية (133 هكتارا) وأنها أعلمت السيد الوالي بالنتيجة وأنهم سيقومون بعملية الإسناد خلال فترة وجيزة ولم أسمع بالمرّة من أن الأرض هي جزء من أملاك الدولة. لكن بعد أربع وعشرين ساعــة تنقلــب الحــقائق ليتمّ التخفيض من المساحة الحقيقيّة وتصبح أرضي عقارا تابعا لأملاك الدولة ويبطلون عملية الإسناد.

لم أكن أتصوّر أن الأرض التي رفعت السلاح في وجه المستعمر من أجل الحفاظ عليها وحمايتها تغتصب مني في عهد الاستقلال تحت ضغط بعض العناصر اللامسؤولة في مجلس تصرّف عرش العكارمة وتسقط إدارة الشؤون العقارية في شركهم

 

(انتهى نص الرسالة) 

ــــــــــــــــــــــــــ

الحلم التونسي ، مقومات النجاح ومعوقاته

بقلم: سامي براهم

لقد كان من الصعب عليّ وأنا أواكب أشغال مؤتمر الحزب الديمقراطي التقدّمي الوليد أن ألزم نفسي بضوابط المتابعة الصحفية وأنا قليل تجربة في هذه الصناعة النبيلة التى تتطلب فضلا عن الحرفية قدرا كبيرا من الحيادية والموضوعية والتجرد من العاطفة والتسلح بالعقلية النقدية. وكل ذلك يفترض أن ننظر في الحدث نظرة التأمل والتفكر التى ترصد الظاهرة من الخارج وتقف على مسافة منها. تلك مسافة الأمان من الذاتية والأمانة العلمية.

لكن هيهات وأنا العاشق الولهان المتيم بحب تونس التى تحتضن أبناءها وتجمعهم تحت خيمة واحدة رغم تشتت القلوب وإختلاف العقول.

وكم من أم ألّفت بين قلوب إخوة أعداء وقربت بينهم المسافات.

مشاعر كثيرة من هذا القليل كانت تنتإبني وأنا بين المؤتمرين في زخم نقاشاتهم الحادّة التى كلما نحتْ نحو التشنج كدتُ أنفلت من عقال (الصفة الصحفية) لأردد وسط الجموع شعارا عزيزا عليّ وعلى كل الطلبة الذين واكبوا الحياة الطلابية في الثمانينات شعار كان جميع الطلبة يهتف به كلما استشعروا ضرورة التجمع: صفّ طلابي واحد. موقف طلابي واحد… لكن العقلاء في هذا المؤتمر كفوني مغبة التدخل في أشغال مؤتمرهم.

لقد كان جميلا أن نرى الجميع يجتهد بكل الوسائل في التعبير عن التمايز والاختلاف والرفض لكن تحت خيمة واحدة هي خيمة البديل الديمقراطي. لقد جاء كل طرف مشحونا برغبة جامحة لتحقيق مصلحة مّا قد تتعارض مع مصالح الآخرين ونواياهم. فقد أراد البعض تأسيس حزب قوي فاعل يكون الواجهة لمعارضة إصلاحية لكن ذات برنامج ثوري متجذر في مشاغل المجتمع المدني. وجاء البعض الآخر ليبحث عن مساحة قانونية تقيه غائلة السرية وتوفر فضاءً للإستقطاب والتوسع كما جاء البعض الآخر مسكونا بهمّ المراجعات النظرية لكل القوالب الجاهزة مهما كانت مرجعيتها سماوية أو أرضية. جاؤوا لتكسير المحظورات الفكرية ومساءلة الممنوعات.

كما جاء آخرون لإثبات الحضور الجهوي.

وفي خضم الجدال الذي حاول كل طرف من خلاله إثبات الذات وتحقيق أكبر نسبة من المصالح التى جاء من أجلها، لم يشعر الكثيرون (إلا أصحاب المبادرة) أنهم يصنعون الحدث السياسي ويقيمون الحجة على أن المجتمع المدني مهما اختلفت واجهاته وتنوعت مشاربه وتضادّت مرجعياته يمكن له أن يجمع الفرقاء تحت راية واحدة هي راية الديمقراطية ونسبة الحقائق وسقوط الإيديولوجيات المغلقة. وبعد أن خف وطيس المعركة (معركة فرض الذوات) إثر نهاية أشغال المؤتمر تنبه الجميع إلى قوة الحدث وتفطنوا إلى أهمية ما أقدموا عليه. نعم سيُحسب للجميع في رصيدهم أفرادا كانوا أم مجموعات هذا الفضل الكبير في نحت نموذج مصغر لتونس التى نريد. الحلم التونسي الذي تربينا عليه في المدارس ونوادي الكشافة وقرأناه في التاريخ المبكر للحركة الوطنية أيام كان التونسيون صفا واحدا في مقاومة الاستعمار الغاشم وعشنا على أمل تحقيقه ونحن طلبة. وفي المقابل سيحسب في رصيد كل فرد أو مجموعة سيئات (إفشال التجربة) ولو أن الفشل نسبي لأن الحاجز النفسي أمام التجميع قد تبدد. فما هي مقومات إنجاح هذه التجربة الفردية وما هي المعوقات؟

لعلي أتحفظ منذ البداية على إضافة صفة التقدمي لحزب ديمقراطي، فالديمقراطية لا تكون إلا تقدمية وكأننا نَصف الشيء بذاته من قبيل قول الشاعر: كأننا والماء من حولنا-قوم جلوس حولهم ماء.

فلا يمكن أن نصنف الديمقراطيين إلى تقدميين ولاتقدميين!

حزب الجهاد الديمقراطي

ولعل التفسير الذي قدمه أمين عام الحزب في الندوة الصحفية مقنع. وقد استطرفت التسمية (المجازية) التى اقترحها أحد المؤتمرين (سي البلباز) وهو مقاوم من الرعيل الأول. إذ اقترح بكل تلقائية أن يطلق على الحزب إسم (حزب الجهاد الديمقراطي) وكأنه بفطرته السليمة يريد أن يقول أن الديمقراطية جهاد أو لا يكون رغم أن بعض الإسلاميين قد ضيّقوا مفهوم الجهاد واختزلوه في مجال المواجهة العسكرية! سي البلباز لما استفسرناه عن مغزى التسمية قال (النضال من أجل الديمقراطية لا يأتي باللين بل بالثبات على المبادئ والذود عنها كلّفنا ذلك ما كلفنا…) وإن كنا نستبعد التسمية التى اقترحها لحساسية كلمة الجهاد وعدم استساغة الأذن التونسية توظيف المرجعية التراثية في دائرة الحداثة. لكننا نقرّ النهج الذي قصده سي البلباز ونعتبره أول شرط من شروط نجاح هذه التجربة وتميزها وسط معارضة لا تزال تتبنّى نهج المساندة النقدية! والمعارضة الواقعية! حتى أن البعض أصبح يردّد: حضرت المساندة وغابت (النقدية) وغابت المعارضة وحضرت (الواقعية)!

وإنني أزعم أن التنوع داخل هذا الحزب سيكون عامل قوة وتوحيد لأن الديناميكية وصراع التوازنات هو الذي سيصنع الثقافة الديمقراطية وسيحفظ الحزب من كل انزلاق نحو التفرد بالرأي.

سيكون التجمعيون المؤسسون قدماء التجربة الضامن لوحدة الحزب التنظيمية والحارس من أي سقوط في مهاوي الفئوية الضيقة والحزبية أو تكرار تجارب عقائدية سابقة مهما كانت مرجعيتها هم صمام الأمان أمام أي تفتيت أو تقسيم للحزب أو أي منزع ثورجي يتخذ العنف وسيلة للتغيير.

كما سيكون التقدميون إلإسلاميون الطرف الحامي لمبادئ  الحزب الفكرية والقواسم المشتركة التى أقرها المؤتمر. الطرف الحارس لهوية الشعب دون فرض أطروحة عقائدية للهوية. سيكونون صمام الأمان أمام أي انحراف نحو فرنكوفونية لائكية متطرفة تستعدي ثقافة الشعب وتحتقر هويته وتنفي تاريخه كما سيساعدون الحزب في مهمة التحديث وذلك لحيويتهم الفكرية وروحهم النقدية وسيكون الماركسيون المنحدرون من تجارب سياسية ثورية راديكالية الضامن لعدم انزلاق الحزب نحو أي خيار براغماتي مهادن سياسيا، سيكونون صمّام الأمان أمام أي سقوط في مهاوي العولمة المدمرة ونهج التحرر الاقتصادي المتوحش.

هذه هي الديناميكية التى يمكن أن تؤسس نموذجا وطنيا يستجيب لتطلعات جميع فئات الشعب.

محاذير ومخاطر

غير أن هذه التجربة محفوفة ببعض المخاطر أهمها أن التوسع الجغرافي الذي يسعى الحزب لتحقيقه قد يساهم بقصد أو بتلقائية في غلبة لون من الألوان أو فئة من الفئات على جهة مّا. وما يوفره ذلك من نوازع الاستقلاليـة والانعــزاليــة والإقصــاء والتملّــص مــن مبــادئ الحزب وذلك لصعوبة المتابعة والمراقبة وفرض التركيبة التمثيلية في المناطق الداخلية وهو ما يمكن أن يفقد الحزب خصوصيته وطرافته ويحرفه عن أهدافه في تلك المناطق.

ولذلك نرى الحل الأمثل الذي يجنب هذه التجربة السقوط في هذا المنزلق هو فتح »منتدى الموقف» من جديد على مصراعيه للجميع من داخل الحزب أو خارجه للمطارحات الفكرية والتأمل والحوار والنقد والمثاقفة وبذلك ينشغل المتسيسون بالفكر عن الإيديولوجيا وبالنقد عن التخاصم.

كذلك لا بد أن يجمع الحزب مناضليه على مشروع سياسي نضالي واضح فينشغل أعضاؤه بالنضال السياسي عن السلوك السياسوي الفئوي الضيق فتذوب بذلك خلافاتهم وتتوحد حول برنامج وهدف يخلق عندهم الاعتزاز بالانتماء إلى هذا الحزب والانتساب إليه ويقوي ولاءهم له وبذلك تفتر الولاءات القديمة ويبقى التنوع عامل إثراء وتوحيد لا عامل تفريق وتقسيم.

هذا نموذج مصغر للحلم التونسي. إن نجح سيكون له بالغ التأثير في نحت المجتمع المدني الديمقراطي الحر القائم على مبدإ التدافع ورفض اعتماد العنف كوسيلة لحسم الخلافات الفكرية والسياسية

 

 

الشاعرة التونسية أميرة الرويقي:
الشاعرات العربيات يرفضن ان تقاس قصائدهن بجمالهن!


تونس ـ القدس العربي :

أميرة الرويقي شاعرة تونسية شابة تنشط في الساحة الثقافية منذ الثمانينات ولها عمود في جريدة أضواء تحت عنوان أحاسيس . نشرت مجموعتها الشعرية الأولي بعنوان دمية الشمس عام 1999 وهي تتهيأ الآن لإصدار كتابها الشعري الثاني بعنوان الإنسان الإله وقد قدم له الناقد الدكتور كمال عمران، كما ان لها كتابا شعريا آخر ينتظر النشر وهو مشروع كتابي جامع للفنون سيجيء تحت عنوان ملحمة الطين والبلور حيث تغرف الشاعرة فيه من معين الشعر والنثر والرسم وفنون الزخرفة والتزويق.

دمية الشمس كتابك الأول الذي نشرته علي نفقتك الخاصة، كيف تم تقبله في تونس؟
إثر ظهور ديواني الأول أحسست وكأن الوسط الثقافي التونسي قد تعامل معه بصورة إيجابية فلقد احتفت به الصحافة المحلية احتفاء كبيراً وكذلك الصحافة العربية الصادرة خارج تونس، وأقولها صراحة فإن دمية الشمس أثار زوبعة كبيرة في هذه الأوساط.
لماذا؟
لأنه شد انتباه القراء والنقاد والزملاء الشعرا ء علي السواء. كما أنه حظي بدراسات كتبت عنه وتكتب إلي حد الآن فالدكتور منذر العافي بصدد كتابة دراسة معمقة عنه. لذلك أقول بأن دمية الشمس قد نجح نجاحاً كبيراً.
وأيضاً أسألك، لماذا؟ أرجو أن أحصل علي إجابة واضحة ودقيقة؟
إنه من خلال المحتوي الذي حاولت فيه أن أكون متميزة، يجيء في تصوري ذلك النجاح الذي أشرت إليه. الرغبة في التفرد وأيضاً في الإضافة إلي الخارطة الشعرية التونسية، ولم لا إلي الخارطة الشعرية العربية، لا سيما وأنني ظللت أفكر في هذا الموضوع منذ بداياتي وهو كيف يمكنني ألا أكون شاعرة عادية ومجرد تابعة لخطي الآخرين. وفي هذا الصدد فإنني أعد العدة لإصدار ملحمة الطين والبللور وكما أعتقد فإنه بعد صدوره سيكتشف المتابعون للشعر خطابه الجديد إذ سيحتوي علي قصائد بصرية يستطيع القارئ أن يتلقاها عبر الكلمة واللون والخط…إلخ.
ما الذي تعنينه بـ قصائد بصرية ضمن مشروعك في ملحمة الطين والبللور ؟
هي نصوص جامعة للفنون، من خلال الرسومات التي حوتها والتي وظفتها لتدخل نسيج الكتابة الشعرية، من خلال فنون الكولاج وصور المنحوتات، وباختصار، لقد استعملت كل مادة مصدرها الطبيعة ويمكن اعتبار هذه النصوص تجمع بل وتصالح بين الشعر والفنون التشكيلية، وعندما استغل كل تلك العناصر في الكتابة فلا شك أن ما يتفجر منها من أشياء سيكون متعة اكتشاف الشعر من جديد.
ولكن هناك اعتراضات عليك من بعض الجهات رغم ما ذكرته لنا من صورة مشرقة وتفاؤلية؟
هل هي اعتراضات متعلقة بي أم بكتابي؟
أتحدث هنا مثلاً عن رفضهم لأدراجك ضمن مشروع موسوعة شعراء التسعينات؟
أنا التي رفضت أن أنتمي إلي موسوعة شعراء التسعينات، وهي موسوعة توثيقية… وقد تم توجيه الدعوة إليّ من قبل الدكتور محمد صالح بن عمر ومحمد ألمي، للاشتراك في الموسوعة، ولكنني رفضت مشروعاً من هذا النوع مع تقديري الشديد له وللعاملين عليه. ورفضي ينبع من كوني أرفض أن أنتمي إلي حقبة ما، أو تاريخ ما.
سأجمل لك اعتراضاتي علي وجودي في مشروع موسوعة شعراء التسعينات: هناك أولاً عدم رغبتي بالتقيد بجيل معين، فأنا أري نفسي شاعرة في المطلق. وثانيا: ان جيل التسعينات جيل لم ينضج بعد شعرياً لذلك لم أرد أن أضع نفسي في موسوعة تخصهم. وثالثاً وأخيراً لأن هذا المشروع هو سلسلة توثيقية تعريفية فقط وليس سلسلة نقدية حقيقية. ولا شك أن رفضي الذي قدمته بهذا الشكل هو الذي أثار كل تلك الردود والأفعال.
ما المقصود بقولك إنها ليست سلسلة نقدية؟
هذا واضح إذا ما تساءلنا: هل هم يقيمون الكتابة الشعرية فعلاً؟ لقد أطلعت كما اطلعت أنت أيضاً، وأعتقد أنك كتبت عن ذلك في القدس العربي ، حول الحلقة الأولي من الموسوعة، وبصراحة، كان من الممكن أن يكون الكتاب الذي صدر أشمل وأوسع مما صار. ليس تقييماً نقدياً أن تضع بعض القصائد إلي جانب بعض المقالات التي كتبت عن شاعر ما إضافة إلي بعض الصور الشخصية في كتاب احتفائي قبل الأوان ليس أكثر.. هذا ليس نقداً.
وهل النقد هو ما كُتب عنك؟
لقد كتب عني أحد أهم النقاد في تونس، ألا وهو د. كمال عمران، وهو كما قلت لك سابقاً يكتب لي مقدمة ديواني الثاني. هناك أيضاً ما كتبه الدكتور عبد القادر بلحاج نصر، كما كتب عني الأستاذ الباحث توفيق السبيعي، كما أذكر بكل اعتزاز وفخر ما كتبه الأستاذ الجليل محمد العروسي المطوي من مقدمة لديواني أوراق من دفتر العشق وهو أول مجموعة شعرية لي بالرغم من أنه لم ينشر لحد الآن.
وأين الوجه الآخر من النقد؟ ألا توجد كتابات مضادة؟
أتمني أن توجد، ولكنها لم توجد بعد. ولكن مع ذلك فقد كتبت ضدي وضد مجموعتي دمية الشمس بعض المقالات، وأنا لا أسميها نقداً بل هي الي خانة الانتقاد أقرب، ذلك أنها تفتقر إلي أبسط عناصر النقد وهو الموضوعية فمثلاً ما نشرته جريدة الأخبار من مقال عجيب لم يهتم سوي بتواريخ كتابة القصائد المثبتة في الديوان وتساءل كاتب المقال: كيف تكتب أميرة الرويقي أربع عشرة قصيدة في ظرف زمني وجيز جداً؟ وهنا أقول بدوري هل يمكن لنا أن نسأل رساماً لماذا رسمت ثلاث لوحات زيتية في ليلة واحدة؟ الشعر خارج عن كل الأطر والحدود الزمانية والمكانية، وأنا أريد أن أكتب بحرية مطلقة وبأحاسيس صادقة فقط، ولا شيء غير ذلك.
ألهذا السبب، أقصد الحرية، تحولت إلي الكتابة في قصيدة النثر؟
بعد رحلة مع قصيدة العمود وقصيدة التفعيلة اقتنعت واعتقدت بقصيدة النثر. لماذا؟ لأنها كسرت القوالب الجاهزة في الكتابة الشعرية العربية المألوفة والمعهودة وخرجت عن النظم والأقيسة الجاهزة سلفاً، وبالتالي فقد مكنتني قصيدة النثر شخصياً من الكتابة الشعرية الحقيقية التي لا تعترف بالقيود أياً كانت. ولكني مع ذلك أري نفسي ملزمة بالقول، كي لا أفهم خطأ، أن قصيدة النثر أيضاً لها قواعدها ولها قيودها الصارمة أيضاً والنابعة من ذاتها كالموسيقي الداخلية التي يجب أن نشعر بها ونحن نقرأ قصيدة نثرية، وكذلك الأنزياح في اللغة وأيضاً الصورة الشعرية الغريبة والصادمة.
هناك من يلجأ إلي شكل قصيدة النثر وخاصة من النساء الكاتبات، لسهولتها وعدم تقيدها وكذلك لحريتها التي توفرها كفضاء جامع للتجربة.
إننا لا يجب أن نستسهل الانخراط في قصيدة النثر كما لا يجب أن نسمح لكل من هب ودب بأن يمتطيها. قصيدة النثر أصعب أنواع الكتابة ومن قال بعكس ذلك فهو بعيد كل البعد عن الشعر وفهمه. وبالنسبة لخياري الشخصي فقصيدة النثر تعني أنه لا حيطان ولا أسلاك ولا حدود ولا أبواب مغلقة ولا ستائر علي النوافذ، في قصيدة النثر التي اكتبها أشعر بحريتي المطلقة في الكتابة والحياة.
هل يواكب النقد الشعري بتونس تطورات قصيدة النثر التي تكتب الآن؟
بصراحة، إلي حد الآن لم تؤخذ قصيدة النثر عندنا بعين الاعتبار وهي لا تحظي باهتمام النقاد بل وحتي الشعراء يحتقرونها مع انها تكتسح الساحة الشعرية الآن عبر الأجيال الجديدة التي بدأت تنفر من كل ما هو قيد، نقادنا يتجاهلونها وأدباؤنا الكبار يحتقرونها في دواخلهم ولكن ثورة الكتابة الشعرية الجديدة آتية لا ريب.
هناك اهتمام بقصيدة النثر عندما تكون منتجتها امرأة، وكأنهم يترفقون بها لأنها إحدي مظاهر الأنوثة، فهل لكونك امرأة تأثير بتقبل شعرك علي ما أوضحته في بداية حوارنا؟
أنا، وربما البعض من زميلاتي الشاعرات نرفض رفضاً باتاً أن تقاس قصائدنا بجمالنا مع أن الجمال نعمة من الله، ولكن هذا الجمال الجسدي لا يعني شيئاً أمام القصيدة التي يجب أن تكون جميلة بمعني آخر. ورغم ذلك فإن ظاهرة احتضان النص الشعري الذي تنتجه امرأة هي حالة موجودة ولا أحد ينكرها، ولا شك أنه في بعض الأحيان يكون الاهتمام علي حساب جودة النص، وأنا لا أبرئ النقاد من هذه النوازع الإنسانية ولكني أدعو الله أن يشفيهم من هذا الداء العضال
.

التقاها: حكمت الحاج

(نقلا عن القدس العربي ليوم الخميس 26 جويلية 2001)

 
حول تأسيس منتدي اسلامي في سورية:
اسلام لا يعارض النظام لكنه ضد الاخوان؟!
محمد الحسناوي *


بمناسبة الترخيص الرسمي لتأسيس منتدي اسلامي سوري يهدف الي نشر فكر اسلامي معتدل في محاضرات ثقافية واجتماعية ، لا يملك المرء الا الاعلان عن ترحيبه بهذا النبأ. يعزز هذا الترحيب ان جهة رسمية حكومية هي وزارة الداخلية عرفت باعطاء مثل هذا الترخيص، بعد ان كانت الطاسة ضائعة، حيث تنصلت وزارات اخري مظنونة العلاقة بهذا الشأن مثل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية او وزارة الثقافة والارشاد، كما يعززه ايضا انه الترخيص ذو الرقم 2 بعد الترخيص لمنتدي النائبة البعثية سهير الريس في اللاذقية الساحلية، ومع غض الطرف عن نشاطات منتدي جمال الاتاسي للحوار الديمقراطي من دون ان تعطيه ترخيصا رسميا، كما حصل مع نحو 20 منتدي آخر، اغلقت في شباط (فبراير) الماضي.
ومع ذلك بوسعنا ان نعد هذا السماح للمنتدي، كما عده مؤسسه محمد حبش مؤشرا جديدا في جو الانفتاح الذي ساد بعد تسلم الدكتور بشار الأسد الحكم في اطار حالة وعي رسمية بأهمية دور الدين في الحياة، اذ ان الدكتور بشار استخدم عبارات اسلامية لبضع مرات في خطاب القسم واشار ان وسائل الاعلام الرسمية فتحت ابوابها امام عدد من المفكرين الاسلاميين لتقديم الخطاب المعتدل.. ولن نعلق علي ربط الترخيص بجهة امنية كوزارة الداخلية وليس غيرها.
مثل هذا الحدث في الوقائع السورية يحمل دلالات وتداعيات، من المفيد، عرضها والتساؤل عنها وحولها.
مثلا: هل للتوقيت دلالة ما؟ ففي هذا الوقت تتداعي ردود الفعل لمشروع ميثاق الشرف للعمل الوطني في الساحة السورية الذي طرحه الاخوان المسلمون يدعون فيه، الي ما يسمي (الاعتدال) او نبذ العنف من اي مصدر كان، كما رفضوا احتكار الاسلام او منطق الوصاية من طرف علي طرف. وفي مقال سابق، ذكرت ان خير كسر لما يظن احتكار الاخوان للاسلام هو منافستهم او مشاركتهم او محاورتهم بالاسلام نفسه، وهذا ما آل اليه الحراك الثقافي والسياسي بين التيارين القومي والاسلامي من جهة ثانية .
لكن مؤسس هذا المنبر الاسلامي، يكاد يلغي الدلالة الزمنية حين قال: قبل شهرين تقدمنا الي وزارة الداخلية بطلب لتأسيس المنتدي بشكل رسمي بعد ما كان يمارس نشاطه منذ بضع سنوات ، هذا ما يخص السيد حبش في دلالة الزمن، لكن لماذا اختارت وزارة الداخلية الموافقة في هذا التوقيت من جهتها؟
ان الذي يستدعي هذه التساؤلات والبحث عن الدلالات هو ما ورد علي لسان السيد حبش من ذكر للاخوان المسلمين صراحة، كما نقلته وكالات الانباء مثل (جريدة الشرق الاوسط 2001/7/4 و الحياة 2001/7/5)، كمثل قوله: نعتبر انفسنا نقيضا لجماعة الاخوان المسلمين التي تفرق في الانظمة بين ما هو الهي ووضعي، وان جميع المؤسسات التشريعية التي تحتكم لغير الكتاب والسنة مؤسسات كافرة .
يستوقفنا من هذا الكلام المنسوب اليه لفظ نقيض وليس التعليل الذي ساقه لأنه ملتبس، اي من هو الذي يكفر الانظمة، والمرجح انه يتهم جماعة الاخوان بهذه التهمة، وهي سبب المناقضة في تعليله كما يبدو، وقد اتضح المراد اكثر حين ذكر خطابه المعتدل الذي يعتبر نقيضا لخطاب الاخوان المسلمين وفي تصريح آخر منسوب اليه يقول: لسنا منتمين ولسنا معارضين للسلطة، ولكننا نعارض الاخوان المسلمين ، ومع ذلك يضيف: ونحن ننتمي الي تيار اسلامي تجديدي .
ما حاجة السيد حبش الي ذكر الاخوان المسلمين؟
من الواضح ان وزن جماعة الاخوان المسلمين في سورية وغيرها من اقطار العروبة والاسلام معلوم، لا يمكن تجاوزه ولو بالمناقضة او المعارضة، وكان بوسع الرجل ان يقول عن الاخوان المسلمين ما قاله عن السلطة في الأقل: لسنا منتمين ولا معارضين للاخوان المسلمين .
اولا: من المستغرب ان يكون عمل اسلامي (تجديدي) غير منتم الي السلطة وغير معارض لها في وقت واحد، الا اذا كان ذلك (جواز مرور) او هدنة او خيارا وقائيا، او هو شعار: (من السياسة ترك الخوض في السياسة)، وهذا طريق معظم الجماعات الاسلامية (الصوفية) وجماعة التبليغ. ان جماعة الاخوان المسلمين لا تصادر مفهوم الجماعات الاسلامية الاخري، وتري انها كلها تخدم الاسلام، علي طريقتها، والساحة الاسلامية تتسع لكل الاجتهادات واساليب العمل.
ثانيا: علي ضوء ما تقدم يمكن ان نفهم مانسب الي الرجل من زعم المناقضة او المعارضة لجماعة الاخوان المسلمين، هو يريد التعريف ايجابيا وسلبيا، فهو فكر اسلامي تجديدي ايجابا، ومختلف عن فهم الاخوان المسلمين في العمل سلبا. والخلاف بين البشر والحركات الاسلامية طبيعي مسوغ، اما المناقضة والمعارضة فلفظان محشوران حشرا من باب (جواز المرور) او دفع استحقاقات امنية.
الاخوان المسلمون ليسوا في سورية ولا في غيرها (سلطة) او (دولة) حتي يعارضها الأخ حبش، كما نسب اليه، بل ان الاخوان المسلمين مثله مسلمون، فما معني المناقضة هنا، وهو رئيس مركز الدراسات الاسلامية ومثله يعرف الفرق الدقيق بين الالفاظ والمصطلحات؟!
لقد ألح السيد حبش ومراسلو الصحف التي تحدثت عن منبره علي مصطلح الاعتدال صفة مميزة لهذا المنبر الاسلامي، وصفة للمفكرين الاسلاميين الذين سمح الاعلام السوري لهم بالظهور عن طريقه، في مقابل وصف ضمني للاخوان المسلمين بأنهم غير معتدلين وباستنتاج آخر بانهم متطرفون في احسن الاحوال والظنون علي حد التوصيف المراد.
ما الذي جعل المنبر الاسلامي المرخص له يوصف بالاعتدال؟ يجيب مؤسسه بأنهم: لسنا منتمين ولسنا معارضين للسلطة ، هل هذا كاف للحصول علي وسام الاعتدال؟ اذا ان الامر كذلك فالاخوان المسلمون معارضون للسلطة، وهناك احزاب اخري غير الاخوان معارضة للسلطة من قوميين وماركسيين وحتي اسلاميين، فهل يوصفون مثل وصف الاخوان بأنهم غير معتدلين، بل هم متطرفون ايضا؟
والسؤال بدقة: هل المعارضة بحد ذاتها تعد في سورية اليوم، سورية القرن الواحد والعشرين (تطرفا)؟! نحن لا نتعسف الاسئلة اعتسافا ولا نحمل الاشياء فوق ما تحتمل، ونوضح الامر اكثر باستدلال من طريق آخر غير منطوق السيد حبش والصحف التي تحدثت عن منبره الاسلامي، وهو: لماذا لم يرخص حتي الآن لأي منتدي للحوار الوطني لغير السيد حبش الذي لا يعارض السلطة ولغير النائبة البعثية (سهير الريس)، وبدقة اكثر نسأل: لماذا لم يرخص لمنبر جمال الاتاسي، حتي الآن علي الرغم من حيازته علي غض النظر عن انشطته، وهو غير اسلامي سياسيا، وغير ارهابي تاريخيا. ان ذنبه الظاهر حتي الآن هو كونه جهة معارضة من المعارضات السورية، أليس استنتاجنا صحيحا؟!
وهكذا، اذا كانت المعارضة السياسية السلمية تعد تطرفا في سورية اليوم، بل في نظر الجهات الامنية كوزارة الداخلية (لا المخابرات العسكرية ام الاباطرة العظام)، فللمسؤول الأمني الرفيع الحق ان يزعم بأن خطاب الاخوان المسلمين لم يتغير بعد مشروعهم لميثاق العمل الوطني المطروح في مطلع شهر آذار (مايو) الماضي؟ وهذا يعني ان هناك هوة واسعة في الفهم والتعامل مع الرأي الآخر بين ما جاء في خطاب القسم للرئيس السوري وبين هذا الفهم والممارسات الامنية الميدانية؟!
ولهذا نبادر للقول بكل يقين واطمئنان: ان الذي جاء علي لسان السيد حبش ضد جماعة الاخوان المسلمين لا يمثل السيد حبش نفسه ولا اي مواطن سوري، لأن القبضة الامنية ما زالت ممسكة بخناق الحريات والتعبير الحر، سواء في منح التراخيص او السماح بالتصريح او الحجب او التحوير والتزييف، ومثل ذلك لا نعد ما صدر عن مصدر امني سوري رفيع تعليقا علي مشروع ميثاق العمل الوطني، معبرا عن مجمل النظام السوري ولا عن رئيس الجمهورية بالذات.
نحن في تحليلنا هذا لا نرجم بالغيب بل لدينا امثلة وشواهد محسوسة، ولكيلا نعطي مادة (امنية) للمتصيدين بالماء العكر، او المنتفعين باصطناع التعكير ثم الاصطياد فيه، سنختار مثلا من عهد الرئيس السابق. ففي اوج الاحداث الدامية في الثمانينات، وكادت المفاوضات الداخلية الميدانية بين الرئيس السابق والاخوان المسلمين وبالذات المرحوم الاستاذ امين يكن تصل الي توافقات مصيرية، يقوم شقيق الرئيس بغير علم الرئيس مع بعض ضباط الأمن بالدخول الي السجون وقتل بعض المعتقلين البارزين وبالذات المرحوم (حسني عابو) تعطيلا لأي اتفاق يحقن الدماء، حدث هذا في عهد الرئيس السابق الذي كان يمسك بقبضته كل الاجهزة وكل مراكز القوي لا سيما الأمن والاستخبارات بأنواعها!!
واذا كان لا بد من الاستشهاد بأمثلة حديثة، ومن جهة مستقلة ان صح التعبير، فاننا نلفت النظر الي آخر تعليق صدر حول ميثاق الشرف للعمل الوطني في سورية بقلم (محمد علي الاتاسي) بعنوان: في نظرة هادئة: ورقة الاخوان المسلمين السوريين (جريدة الحياة 2001/7/3). ان اهم ما يلفت النظر في هذه الورقة السورية انها وضعت الاخوان المسلمين والاجهزة الامنية طرفين متواجهين في اكثر من فقرة من فقراتها، بمعني ان الدولة او السلطة السورية او الرئيس السوري علي الرغم من نصوص الدستور وواقع الحال، كانا في غير وادي الاجهزة الامنية، فكيف اليوم، انظر قول الاتاسي مثلا:
ان الطرفين الرئيسيين في نزاع الثمانينات المدمر، اي الاجهزة الامنية والاخوان المسلمين لا يزالان يختلفان في الشكل، ويلتقيان في المضمون، هو ابقاء الحاضر السوري اسير هذا الماضي ، او قوله: سورية اليوم ليست سورية الثمانينات، لكن بعض اجهزتها السياسية والامنية لا تزال اسيرة هذا الماضي، وهي تعمل بوعي او دون وعي، علي تأبيده ، وفي الوقت الذي يسجل السيد محمد علي الاتاسي الشوط البعيد الذي قطعه خطاب جماعة الاخوان المسلمين في تبني مباديء العمل السياسي الديمقراطي والسلمي لم يسجل للاجهزة الامنية غير ما ذكرناه، بل يذهب بحنكة وبراعة الي اخوان الرئيس الجديد من مسؤولية الممارسات الامنية غير المسؤولة، ويراه حكما وصاحب رغبة صادقة في التطوير والانفتاح، فيدعوه الي المبادرة الشجاعة لتجاوز الأزمة وحيازة دور تاريخي في نقل سورية اليوم من عنق الزجاجة والاختناق الأمني الي رحابة المصالحة الوطنية والعهد الجديد الذي بشر به في خطاب القسم. يقول السيد الاتاسي: ان في يد الدولة السورية اليوم، بعد ان تبوأ سدتها رئيس شاب، تنسب اليه الرغبة الصادقة في التطوير والانفتاح، فرصة حقيقية في اتخاذ الخطوة الأولي في هذا الاتجاه، اي اغلاق الملف الانساني المتجسد في الافراج عن بقية المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين وكشف مصير المفقودين، اما الضحايا واهاليهم، فهم يتوزعون علي كل الاطراف، ومن المجحف ان تحتكر السلطة، او اي جهة سياسية التكلم باسمهم، لقد آن الأوان لاعطائهم الحق في الكلام العلني والتعبير عن معاناتهم ومآسيهم، فبهذا وحده يمكن للجروح ان تندمل، وللصفح ان يعم، وللمصالحة ان تسود .
ثالثا واخيرا: هل الامر يحتاج الي ذكاء مفرط كي نكتشف ان هناك جهة تحاول الايقاع بين الرئيس وشعبه، بتخويفه من الشعب، او بتعطيل مشروعه الاصــــلاحي، كما تحاول الايقاع بين انصار المجتمـــع المدني والاسلاميين بحجة ان هؤلاء علمانيون واولئك دينيون، ثم تحاول الايقاع بين الاسلاميين انفسهم بوصف بعضهم معتدلين وبعضهم الآخر متطرفين، انها محاولات مكشوفة لكن هل اكتشافها يكفي للخلاص من مدبريها؟!

* كاتب من سورية يقيم في لندن
(نقلا عن صحيفة القدس العربي الصادرة يوم الجمعة 27 جويلية 2001)

 

Liste publiée grâce à l’aide exquise de l’association :
Freedoms Friends  FrihetsVنnner Fِreningen  Box 62 127 22 Skنrholmen  Sweden
Tel/:(46) 8- 4648308 e-mail: fvf@swipnet.se



Get your FREE download of MSN Explorer athttp://explorer.msn.com

Yahoo! Groups Sponsor
ADVERTISEMENT Lose 20 lbs by September 24th!

To Subscribe send an email to:  TUNISNEWS-subscribe@yahoogroups.com 
To Unsubscribe send an email to:  TUNISNEWS-unsubscribe@yahoogroups.com 
URL to this page: http://www.groups.yahoo.com/group/TUNISNEWS

L’utilisation du service Yahoo! Groups est soumise à l’acceptation des Conditions d’utilisation.

Accueil

Lire aussi ces articles

28 décembre 2005

Home – Accueil – الرئيسية TUNISNEWS 6 ème année, N° 2046 du 28.12.2005  archives : www.tunisnews.net Pétition de soutien au journaliste

En savoir plus +

19 avril 2011

TUNISNEWS 10 ème année, N°3983du 19.04.2011 archives : www.tunisnews.net AFP: 2 obus pro-Kadhafi tombés côté tunisien AFP:Tunisie: deux

En savoir plus +

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.