الخميس، 5 أبريل 2007

Home – Accueil الرئيسية

 

TUNISNEWS
7 ème année, N° 2509 du 05.04.2007
 archives : www.tunisnews.net


 

المجلس الوطني للحريات بـتونس: تواصل الحكم بالإدانة في محاكمات سياسية باطلة الرابطــة التونسيــة للدفــاع عن حقــوق الإنســـان: بيـــان النقابة الأساسية للأساتذة الباحثين الجامعيين – كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بنابل: لائـحـة الاجـتمـاع العــام رويترز: مدرسو التعليم العالي بتونس يضربون احتجاجا على ظروفهم المهنية الصباح: وزير الخارجية الإيطالي في لقاء صحفي:«هناك عوائق غبية في القانون الإيطالي للهجرة»60 ألف تونسي في إيطاليا لا يمثلون أية مشاكل خاصة الصباح:تونس ـ الاتحاد الأوروبي:أين حقـوق المهاجرين القانونيين؟ندوة مغاربية أوروبية بتونس تدعو إلى البدء في صياغة ميثاق عن حقوق المهاجرين وواجباتهم الصباح: في زغوان:طبيب روحاني وقريبه أوهماه بكنز ولهفا منه 15 ألف دينار الصباح: 15من أحباء الترجي و5 من النجم يواجهون تهم اقتحام الميدان ومسك حجارة بالملعب وترديد شعارات منافية للأخلاق… الحياة: الخدمات المالية الإسلامية تدخل المؤسسات الغربية القدس العربي :هيئة علماء السودان تحذر من انتشار مصاحف مغلوطة بدارفور محسن المزليني: في منتدى »الجاحظ »: عياض بن عاشور يستكشف ديار الإسلام الجديدة البروفيسور أبو يعرب المرزوقي: الفرائض ومنزلة الإنسان الوجودية د. رجاء بن سلامة: ضحايا دارفور ليسوا من « بني جلدتنا » حسن بن عثمان: كتاب « تسريب الرمل » لخميّس الخياطي: هتك أسرار التلفزات العربية وذهنياتها السلفية  هويدا طه : مناقشة العلمانية في الفضائيات: إوعوا تقولوا للشعب إن الأرض تدور! فهمي هويدي : استنساخ المشهد العراقي في الصومال


(Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe Windows (

(To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic Windows  (


العدد رقم 13 من صحيفة « مواطنون » الأسبوعية بتاريخ  4 أفريل2007

 

العدد رقم 399 من صحيفة « الموقف » الأسبوعية بتاريخ 30 مارس 2007


المجلس الوطني للحريات بـتونس

تونس في 5 أفريل 2007

تواصل الحكم بالإدانة في محاكمات سياسية باطلة

 

أصدرت الدائرة الجنائية 11 بمحكمة الاستئناف بتونس برئاسة القاضي فاروق الغربي يوم 3 أفريل الجاري حكمها في القضية عدد 8900 التي أحيل فيها كل من محمد الفخفاخ وسامي الربيع بحالة إيقاف وعبد الله جراد بحالة فرار، بمقتضى القانون المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب. وقد قضي في حقهم جميعا بتقرير الحكم الابتدائي الذي كان قد قضى بالإدانة والسجن مدة 11 سنة في حق محمد الفخفاخ و12 سنة في حق سامي ربيع و37 سنة في حق عبد الله جراد، مع إخضاعهم للمراقبة الإدارية لمدة 5 سنوات بعد قضائهم العقاب الأصلي.

والمعلوم أنّ محمد الفخفاخ وقع تسليمه بتاريخ 11 أفريل 2006 من قبل السلطات السورية بينما وقع تسليم سامي الربيع من السلطات الإيطالية يوم 13 سبتمبر 2005.

وقد لاحظ لسان الدفاع أنّ الملف خال من كل ما يفيد إجراءات التسليم إلاّ أنّ القضاء يتخلّى عن دوره في مراقبة مدى قانونيتها ممّا يمثّل تنازلا غير مبرّر عن جزء من صلاحيته ونيلا من حقوق الدفاع طالما أنّه لا ينظر فيما إذا كان الإيقاف تعسفيا أم شرعيا.

كما دفع في خصوص محمد الفخفاخ بأنّ الوقائع التي تناولتها محاضر البحث والاستنطاق تعود إلى سنوات التسعينات. وهي بالتالي لاتكون موضوع مؤاخذة بموجب القانون عدد 75 المؤرخ في 10 ديسمبر 2003 الذي لا أثر رجعي له. هذا إضافة إلى خلوّ الملفّ من أيّ دليل يثبت وجود تنظيم إرهابي أو أعمال مادية تتعلق بالإرهاب.

كما أثار لسان الدفاع ما عمدت إليه المحكمة الابتدائية من استنساخ كامل لجميع ما ورد بتقرير البوليس السياسي والذي سمّي تقريرا إرشاديا وذلك عند تعليلها لقضائها. وهو ما يجعل التعليل يفقد طابعه القانوني ليصبح لائحة إدانة سياسية بالنظر إلى ما تعمّده من بعد سياسي بما يجعل القضاء يخرج عن حياده وينخرط في الجدل السياسي.

والمجلس الوطني للحريات:

        يشدد على ما شاب المحاكمة من خروقات، كرفض النظر في ظروف تسليم المتهمين ومدى شرعيته وما أثاره المتهمان من تعرضهما للتعذيب من قبل البوليس السياسي في وزارة الداخلية التونسية.

        يؤكّد الطابع السياسي لهذه المحاكمات. ويطالب السلطات بالإفراج الفوري عن المتهمين وإنهاء مسلسل المحاكمات السياسية التي يتم فيها توظيف القضاء.

عن المجلس

الناطقة الرسمية

سهام بن سدرين


الرابطــة التونسيــة للدفــاع عن حقــوق الإنســـان تونس في 05 أفريـل 2007 بيـــان
صدر بتاريخ 22 مارس 2007 القانون عـ17ـدد لسنة 2007 قاضيا بتنقيح الفصل 57 من مجلة الإجراءات الجزائية وهو ينصّ على حق المظنون فيه عند سماعه من طرف الضابطة العدلية بمقتضى إنابة في اختيار محام للحضور معه، ووردت بهذا القانون إجراءات يجب إتباعها لضمان هذا الحق تتمثل في إعلام ذي الشبهة وإعلام محاميه بموعد البحث الذي يجب أن يكون بحضوره ما لم يعدل المظنون فيه صراحة عن اختيار محام أو يتخلف المحامي عن الحضور بالموعد وكيفية التنصيص على تلك الإجراءات بالمحضر. إن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ما فتئت تطالب بضرورة حضور محام مع المشتبه فيه أثناء بحثه من طرف الشرطة العدلية ضمانا لحقوق الدفاع ودرءا لسوء المعاملة، إذ تثمن هذه الخطوة التشريعية الهامة في اتجاه تكريس مبدأ إنابة محام لدى الباحث الإبتدائي ليقوم بدور الدفاع فإنها تذكر : – أن هذا التنقيح جعل من المحامي مجرد ملاحظ فقط أثناء البحث إذ لا يمكنه تضمين ملاحظاته بالمحضر – أن هذا التنقيح يشمل فقط عددا قليلا من القضايا الجزائية التي يصدر فيها قاضي التحقيق إنابة عدلية دون سواها. والمعلوم أن القضايا الجزائية التي لا تصدر فيها إنابة عدلية صادرة عن قاضي التحقيق، مثل الجنح التي تحال مباشرة على المجلس من طرف النيابة، أو الملفات الجناحية أو الجنائية التي تحال على التحقيق ولا تتطلب إصدار إنابة عدلية تمثل الجزء الهام من الملفات الجزائية المحالة على المحاكم. ويبقى القانون إلى حد الآن لا يعترف بدور للمحامي لدى الشرطة العدلية بالنسبة إلى كل تلك القضايا. وعليه فإن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إذ تسجل بارتياح إقرار هذه الخطوة التشريعية في اتجاه إرساء كل المتطلبات القانونية الواجبة للمحاكمة العادلة، فهي تدعو إلى تطويرها بإسناد دور فاعل للمحامي أثناء البحث في القضايا الجزائية لدى الشرطة العدلية بما يساهم في صيانة حقوق الدفاع واحترام الحرمة الجسدية والمعنوية للمظنون فيه. عن الهيئــة المديــرة الرئيـــس  المختــار الطريفـــي

الاتحاد العام التونسي للشغل

النقابة الأساسية للأساتذة الباحثين الجامعيين 

نابل في 05/04/2007

   كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بنابل  

لائـــحــــة الاجـــتمـــاع العـــــام

 

نحن المدرسون الباحثون الجامعيون بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بنابل، المجتمعون اليوم، الخميس 05 أفريل 2007، بمقر العمل، برئاسة الرفيق الكاتب العام للنقابة و بحضور إطارات نقابتنا الأساسية، بمناسبة تنفيذ قرار الإضراب الوطني المنبثق عن المجلس القطاعي للجامعة العامة للتعليم العالي و البحث العلمي في جلسته بتاريخ 24/02/2007، لمتابعة ما آلت له مفاوضات المكتب الوطني المستمرة منذ أشهر مع وزارة التعليم العالي من تعطل و توقف نتيجة مماطلة هذه الأخيرة و عدم جديتها، و بعد استعراض كل المسائل و مناقشتها وقع الإجماع على ما يلي :

 

1)  نسجل بكل ارتياح التفاف زملائنا حول مكتب نقابتهم الأساسية و حول الجامعة العامة للتعليم العالي و البحث العلمي وتمسكهم بالنضال حتى تستجيب الوزارة لمطالب القطاع المشروعة  و تجندهم لإنجاح الإضراب رغم كل المغالطات و رغم كل الضغوط و نعلن نجاح الإضراب بنسبة قاربت 98 % ،    

 

2)  ندعو وزارة التعليم العالي إلى الكف عن المماطلة و إلى فتح مفاوضات جدية حالا بغية تلبية مطالب الأساتذة المادية و المعنوية و إلى الإقلاع عن سياسة الإنفراد بالقرار في ما يخص صياغة برامج إصلاح التعليم و تعديل النصوص القانونية المنظمة للقطاع و عموما في ما يخص تسيير شؤون القطاع و نلفت نظرها إلى ما أدت له هذه السياسات الفوقية المرتجلة و المغيبة للمدرسين و الرافضة لدعم قطاع التعليم بالإمكانيات المادية الضرورية من تدهور لمستوى التعليم عموما،

 

   3)  نعبر عن رفضنا القطعي لكل تعديل للقانون الإطاري و للنظام الأساسي للمدرسين الباحثين بدون تشريك الهياكل النقابية الممثلة للقطاع و في كل الحالات نرفض رفضا باتا كل محاولة لتمرير مشروع التفقد البيداغوجي المقنع بالبدعة التي تسميها التربص البيداغوجي و كل محاولة ابتزاز للربط بين الزيادة في الأجور و الزيادة في ساعات العمل و كل تعد على الحريات الأكاديمية…و عموما كل محاولة للانقلاب على مكاسب القطاع  ،

4)  ندعو سلطة الإشراف إلى الاستجابة الفورية لمطلب منحة التكاليف البيداغوجية المقدرة ب 350 د شهريا لتدارك التدهور الخطير الذي أصاب مقدرتنا الشرائية منذ عشرية كاملة و إلى إرساء آلية للتشاور الدوري حول الإصلاحات المزمع إدخالها على القطاع،  

 

5)  نعبر عن رفضنا تطبيق المناشير الغير قانونية التي أمطرنا بها السيد الوزير طيلة السنتين الأخيرتين،              

 

6)  ندعو الجامعة العامة للتعليم العالي و البحث العلمي إلى الإسراع بالدعوة إلى مجلس إطارات موسع لتدارس الخطوات النضالية اللاحقة و نقترح التصعيد ( تراوحت الاقتراحات بين الدعوة إلى إضراب بثلاثة أيام أو أسبوع إلى الدعوة إلى إضراب إداري بالاشتراك مع نقابات التعليم الأخرى) ،

 

7)  نعبر عن مساندتنا المطلقة و الغير المشروطة لنضالات زملائنا المدرسين من قطاعي التعليم الأساسي و الثانوي في إضرابهم القادم بتاريخ 11 أفريل 2007 و ندعوهم لمزيد التنسيق مع قطاعنا في التحركات القادمة،               

 

 

عاش الإتحاد العام التونسي للشغل حرا، مستقلا ، ديمقراطيا ومناضلا .

عـــــــــــــــن

الاجتمـــــــــاع العـــــام

الكاتـب العـام

للنقابـة الأساسية للأساتذة الباحثين الجامعييـن

كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بنابل

نور الدين  الورتتاني

 

 


 

الحزب الديمقراطي التقدمي جامعة بنزرت دعـــــــوة  تنظم جامعة بنزرت للحزب الديمقراطي التقدمي ندوة تحت عنوان:  « تونس بعد 51 سنة » ينشطها الأستاذ احمد نجيب الشابي والإعلامي لطفي حجي  وذلك يوم الأحد 08 افريل2007 العاشرة صباحا بمقرها الكائن ب40 نهج بلجيكا  بنزرت .  

 

مدرسو التعليم العالي بتونس يضربون احتجاجا على ظروفهم المهنية

تونس (رويترز) – قالت مصادر نقابية إن أكثر من 80 بالمئة من أساتذة التعليم العالي أضربوا يوم الخميس عن التدريس للمطالبة بتحسين ظروفهم المهنية واشراكهم في برامج الاصلاح. وقال الشاذلي سوقة من نقابة التعليم العالي لرويترز « 85 بالمئة من الاساتذة اضربوا عن العمل حتى منتصف النهار اليوم على المستوى الوطني. » وتقدر مصادر نقابية عدد الاساتذة الجامعيين بنحو 15 الفا. وتطالب نقابة التعليم العالي بفتح مفاوضات جدية بغية تلبية مطالب الاساتذة المادية والمعنوية والاقلاع عن سياسة الانفراد بالقرار في ما يخص صياغة برامج اصلاح التعليم. وأقرت وزارة التعليم العالي اعتماد نظام جديد ابتداء من العام المقبل. وأطلق على النظام التعليمي الجديد اسم « أمد » وهو يحل محل النظام القديم ويستمر ثلاث سنوات للاجازة العالية بدلا من أربع سنوات في النظام القديم وخمس سنوات للماجستير بدلا من ست سنوات وثماني سنوات للدكتوراه التي كانت تمتد قبل الى عشر سنوات. وتحتج النقابة على ما قالت انه اقصاء لها من المشاركة في هذا البرنامج. وقال سوقة لرويترز « لسنا ضد هذا البرنامج لكن نريد ان نشارك فيه ونعطي افكارنا لان كيفية تطبيقه تحتاج الى مرونة. » لكن وزير التعليم العالي لزهر بوعوني قال ان « الورزاة استجابت لمطلب تعيين ممثلين نقابيين في لجنة « أمد » لكنهم امتنعوا عن تعيين ممثل لهم وبرروا موقفهم بانهم الممثلون الوحيدون للاساتذة بما يعني رغبة في اقصاء الاطراف الاخرى وهذا سعي لارباك المسار الاصلاحي. » كما دعا النقابيون الى الاستجابة الفورية لمطالبهم المادية المتمثلة في رفع الاجور وزيادة المنح وعبروا عن رفضهم ربط الزيادة في الاجور بزيادة ساعات العمل. وقال وزير التعليم العالي ان « المطالب فيها ما هو قابل للنظر وفيها ما يخرج عن المعقول. » واضاف « ان الوزراة عبرت عن استعدادها لمناقشة مطالب معنوية ومادية اخرى غير ان الجامعة العامة للتعليم العالي فاجأتها بالاضراب. » واعتبر ان ممارسات الجامعة العامة للتعليم العالي لها « اعتبارات اخرى« . ودعت نقابة التعليم الثانوي بدورها الى اضراب عن العمل يوم 11 ابريل نيسان. ويعتقد على نطاق واسع ان اضراب المدرسين يسبب حرجا للحكومة التونسية التي تعتبر من أكثر دول القارة الافريقية تقدما في مجال التعليم والتي تفاخر بما حققته من نسب عالية في مجال الالتحاق بالمدارس والتي تتجاوز 90 بالمئة حسب الارقام الرسمية.

 

)المصدر: موقع سويس إنفو (سويسرا) بتاريخ 5 أفريل 2007 نقلا عن وكالة رويترز للأنباء(

 


وزير الخارجية الإيطالي في لقاء صحفي: «هناك عوائق غبية في القانون الإيطالي للهجرة»

60 ألف تونسي في إيطاليا لا يمثلون أية مشاكل خاصة

 

تونس ـ الصباح وصف ماسيمو داليما وزير الخارجية الايطالي زيارته الى تونس بالايجابية وقال المسؤول الايطالي ان العلاقات بين تونس وايطاليا ليست في حاجة الى بيان لتاكيد جودتها وجاءت تصريحات داليما خلال لقاء صحفي عشية مغادرتة مطار تونس قرطاج في اعقاب زيارة استمرت يومين وصف المسؤول الايطالي بانها كانت مجسمة بمشاريع وبرغبة في العمل المشترك في نطاق الصداقة. وحضر اللقاء الى جانب ممثلي الصحف الوطنية والمراسلين الاجانب وفد اعلامي ايطالي شمل ثلاثة عشرة صحفيا رافقوا داليما خلال هذه الزيارة وقد كان استئثار الصحفيين الايطاليين بالوقت لطرح اسئلتهم على الوزير الايطالي محل استياء من الصحفيين المحليين الذين لم يسمح لهم باكثر من تدخل لطرح تساؤلاتهم على الضيف الايطالي. .. وقال داليما ان تونس وايطاليا طرفان يعملان معا لدعم التعاون السياسي والاقتصادي الوثيق وهو ما تاكد مجددا من خلال اللقاءات التي عقدها مع المسؤولين بتونس واضاف بان اللقاء الذي حظي به مع رئيس الدولة زين العابدين بن علي اكتسى اهمية خاصة في التخفيف من الضغوطات والتاويلات حول دور القاعدة في المغرب العربي واوضح ان لقاءه مع رئيس الدولة شمل طرح عديد المواضيع الاساسية العالقة على الساحة الدولية والوضع في الشرق الاوسط بعد القمة العربية والمناقشات حول الصحراء الغربية في الامم المتحدة الى جانب الوضع في لبنان والتعاون الامني بين ايطاليا وتونس وسبل مقاومة الارهاب والتحكم في تدفق الهجرة وخلص المسؤول الايطالي في كلمته الى رضاء الجانب الايطالي في مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثمارات الايطالية التي تسجل حضور اكثر من ثمانمائة مؤسسة ايطالية بتونس وشدد على ان البلدان ملتزمان بتشجيع التعاون في المنطقة المتوسطية بين الاتحاد الاوروبي والضفة الجنوبية للمتوسط وهو ما سيتم بحثه في الندوة المقررة في جوان القادم في كربيتا الى جانب المشاريع المجسمة في مجالات التعاون المالي ومساعدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة ومجال التعاون الثقافي الذي سيشهد بدوره في اكتوبر القادم اجتماع اللجنة الايطالية التونسية المشتركة لدراسة الوضع الراهن. الارهاب والهجرة وفي مجمل ردوده عن الاسئلة المطروحة قال الوزير الايطالي ان الاشارات بشان وجود تنظيم القاعدة في تونس كان موضوع محادثات له مع السلطات التونسية التي خففت من ضغوط وتأويلات وسائل الاعلام حول رسالة القاعدة التي تجمع بين بلدان المغرب العربي وقال داليما ان تلك الرسالة لا تطابق الحقيقة وشدد على اشارة رئيس الدولة على حضور راي عام يناقض التطرف الديني ويحمي ما حققه المجتمع التونسي ويدافع عن الانفتاح فيه اضافة الى محادثات حول التهديدات والتعاون بين بلدان المنطقة لمواجهة الخطر ورغبة البلدين في استئناف التعاون مع دول المغرب العربي في هذا المجال. وفي رده على الاسئلة المتعلقة بالاجراءات الجديدة المتعلقة بقضية الهجرة جدد داليما التزام ايطاليا باصلاح القانون المنظم للهجرة لتحسين السياسة الايطالية في مجال استقبال المهاجرين وادماجهم معترفا في ذات الوقت بوجود عوائق قانونية غبية مثل عقود كراء المحلات السكنية المطلوبة والتي تعرض عند وصول المهاجرين الى ايطاليا واوضح ان هذه المسالة تمت اثارتها من الجانب التونسي وان هناك اجراءات ايطالية لاعادة صياغة القانون المنظم للهجرة. واشار داليما الى وجود ستين الف مهاجر تونسي في ايطاليا مندمجون في الغالب ولا يشكلون أية مشاكل وقال المسؤول الايطالي ان لبلاده رغبة في التحكم في الهجرة لتكون امرا مفيدا للمجتمع وتعتمد على الاتفاقيات بين البلدين وحسب متطلبات المؤسسات الايطالية قبل مغادرة المهاجرين الى ايطاليا بهدف السيطرة على الهجرة غير المشروعة وما تحمله من جرائم خفية الى جانب تحسين اسباب ادماج المهاجرين غير الشرعيين القادمين الى ايطاليا. أوروبا والحكومة الفلسطينية  اما عن السؤال المتعلق بلقائه مع وزير الاعلام الفلسطيني وسياسة الانتقاء الاوروبية في التعامل مع حكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة قال الوزير الايطالي ان اوروبا شجعت الاتفاق الوطني الفلسطيني لانه بدون ذلك الاتفاق كان هناك مخاطر حرب اهلية وهو ما اعتبره عنصر عدم استقرار بالنسبة لاسرائيل وقال ان الحكومة الفلسطينية وضعت اتفاقا لا يتجانس مع متطلبات المجموعة الدولية باتجاه الاعتراف باسرائيل مضيفا ان الاعتراف باسرائيل يبقى الشرط الاساسي للسلام.. كما اوضح داليما ان هدف اوروبا يعتمد على تشجيع الفلسطينيين والاسرائيليين لاتخاذ اجراءات لتخفيف التوتر واطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين والجنديين الاسرائيليين وتحسين ظروف الحياة اليومية للفلسطينيين اضافة الى تشجيع الطرفين لتسريع المفاوضات للوصول الى اتفاقية للسلام التي اعتبر انه ان الاوان لتتحول من مسار للسلام الى اتفاقية للسلام. وقال داليما ان اوروبا اعتمدت سلوكا مرنا في اتصالها مباشرة مع الوزراء الذين يقبلون شروط المجموعة الدولية مشيرا الى زيارة وزير المالية سليم فياض الى بروكسيل مذكرا ان المساعدات الاوروبية الى الفلسطينيين لن تتوقف ابدا وان اوروبا اعتمدت آليات مؤقتة مع حكومة «حماس».  واعرب داليما عن اعتقاده بان تطورات ايجابية ستحصل وان هذا سيرتبط بصورة اساسية بـ«حماس» وبما تطلبه المجموعة الدولية وهو الاعتراف باسرائيل معتبرا ان في ذلك فائــدة للفلسطينيين والاسرائيليين. يذكر ان زيارة وزير الخارجية الايطالي تاتي بعد نحو ستة اشهر على زيارة رئيس الوزراء الايطالي رومانو برودي الى تونس وهي تعبر عن الاهمية التي توليها روما الى حلفائها في المغرب العربي وتعد ايطاليا ثاني مستثمر اجنبي في تونس حيث تبلغ الاستثمارات نحو مليار دينار وهي توفر اكثر من ست واربعين ألف فرصة عمل وكانت تونس وايطاليا وقعتا اتفاقية تقضي بارسال ثلاثة آلاف تونسي للعمل بايطايا سنويا. تغطية: آسيا العتروس (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 5 أفريل 2007)


تونس ـ الاتحاد الأوروبي: أين حقـــــوق المهــاجريـــــن القــــانونييــــن؟ ندوة مغاربية أوروبية بتونس تدعو إلى البدء في صياغة ميثاق عن حقوق المهاجرين وواجباتهم

 

تونس ـ الصباح ملفات الهجرة التي طغت على سطح الاحداث وتزايد اهتمام وسائل الاعلام العالمية بها.. خاصة في أوروبا والعالم العربي.. أصبحت تقترن خاصة بمشاكل الهجرة «السرية»..أي الهجرة غير القانونية.. من دول جنوب المتوسط إلى شماله.. ومن أوروبا الوسطى والشرقية إلى أوروبا الغربية.. لكن ملف الهجرة غيرالقانونية يشغل خاصة دول الشمال.. أي أنه ليس اولوية الدول العربية ودول جنوب المتوسط.. بل الملف الأهم الذي يدعو كثير من الخبراء في تونس وشمال افريقيا ودول جنوب المتوسط فتحه هو ملف الهجرة القانونية.. أي حقوق ملايين المهاجرين القانونيين في أوروبا وواجباتهم..  هذه الاشكالية كانت محوراهتمام ندوة دولية عن الهجرة نظمتها جمعية الدراسات الدولية منذ أيام بأحد فنادق الضاحية الشمالية للعاصمة بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الأوروبي بتونس..حضرها عدد من الخبراء والديبلوماسيين التونسيين والعرب والأوروبيين.. البدء في صياغة ميثاق من أهم الأفكار التي بحثتها الندوة ووردت في بيانها الختامي وفي الكلمة الافتتاحية التي ألقاها السيد فرج السويسي المديرالعام لديوان التونسيين في الخارج بوزارة الشؤون الاجتماعية ـ نيابة عن وزير الشؤون الاجتماعية السيد علي الشاوش ـ البدء في صياغة ميثاق ينص بوضوح على حقوق المهاجرين القانونيين وواجباتهم.. لتوفير ضمانات جديدة لكل الاطراف.. وحماية المهاجرين والمجتمع الذي يتعاملون معه من كل اشكال العنصرية والعداء للأجانب وللعروبة الاسلام.. وكل أنواع التطرف والعنف والارهاب والجريمة.. ومنها الاتجار في المخدرات والسرقة.. وقد سجلت المداخلات التي قدمت بالمناسبة والبيان الختامي للندوة بمبادرة تونس عام 1993 الداعية إلى صياغة مثل هذا الميثاق الأوروبي المتوسطي للهجرة.. من خلال الكلمة التي توجه بها الرئيس زين العابدين بن علي إلى قادة أوروبا وشعوبها من أعلى منبر في البرلمان الأوروبي.. الفضاء 5+5 المشاركون في ندوة جمعية الدراسات الدولية دعوا بالمناسبة بوضوح إلى إعادة التفكير في التعامل مع ملف ملايين المهاجرين القانونيين بصفة جذرية.. في اتجاه التعامل معهم كعنصر اثراء للمجتمعات الأوروبية وقناة للحوار الثقافي والسياسي والتواصل بين المجتمعات.. وليس فقط من منطلقات أمنية تقليدية.. تنطلق من اشكالية مقلوبة بنيت على أساس اعتبار المهاجرين «معضلة» وعاملا يعرقل تقدم أوروبا.. ويتسبب لها في المشاكل الامنية والسياسية والدينية والثقافية.. وفي هذا السياق دعا البيان الختامي للندوة إلى تفعيل التنسيق في مجال الهجرة بين الدول المعنية به أكثرمن غيرها.. أي دول الحوض الغربي للبحر الابيض المتوسط وهي الدول المغاربية الخمسة زائد فرنسا وايطاليا واسبانيا والبرتغال ومالطا.. ودعت الندوة الى متابعة التوصيات الصادرة عن ندوة الهجرة التي نظمت بتونس عام 2002 بمشاركة وزراء الشؤون الاجتماعية وخبراء الهجرة في دول 5+5.. وتوصيات ندوة طرابلس 2006.. و الموقف الأوروبي الصادر في مارس الماضي بمناسبة الذكرى الـ50 لاعلان روما.. المساواة في الحقوق والواجبات ومن ابرز التوصيات التي وردت في الورقات المقدمة في الندوة وفي بيانها الختامي دعوة الحكومات الأوروبية المسؤولة مباشرة عن مصير ملايين المهاجرين المغاربيين والعرب بالقيام بخطوات ملموسة أكثر تسوي بين المهاجرين العرب وبقية المهاجرين والسكان في الحقوق والواجبات.. وتحرم العنصرية والتمييز.. مثلما تمنع بحزم الممارسات التي تنال من الحرمة الجسدية والنفسية.. سواء كانت مبرراتها عنصرية غربية أو مقولات محسوبة على الاسلام دينا وتراثا.. تروجها مجموعات متطرفة.. محسوبة على الاسلام والعرب والمهاجرين.. فرص الاندماج وضمن المقترحات والتوصيات العملية دعت الندوة الحكومات الغربية المعنية بملف المهاجرين التونسيين والمغاربيين والعرب إلى سن التشريعات اللازمة واحداث آليات عملية لمضاعفة فرص اندماج المهاجرين التونسيين والمغاربيين في مجتمعاتهم الجديدة.. اندماجهم في سوق الشغل والمجتمع والحياة العامة.. دون تمييز.. لأن أفضل طريق لمكافحة السلوكيات المنحرفة التي قد تبرز في صفوف بعض أوساط المهاجرين في أوروبا ادماجهم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.. مع احترام حقهم في التمسك ببعض خصوصياتهم الثقافية على غرار بقية المهاجرين.. يذكر أن من بين ضيوف الندوة البرتغالي البيرو دو فاسكوسنيلوس الكاتب العام لمؤسسة «يورو مسكو» (المنظمات الأوروبية المتوسطية للدراسات الاستراتيجية).. والخبراء روبرتو اليبينو من ايطاليا جورج جوفي من بريطانيا.. ومصطفى بن شامان (جزائري فرنسي) والسيدة منى مكرم عبيد من مصر والسيدة عليمة بومدين تيري عضو مجلس الشيوخ الفرنسي من حزب الخضر.. من جهة اخرى تتابع جمعية الدراسات الدولية تنظيم سلسلة من الندوات الفكرية والسياسية والاستراتيجية.. وستكون ندوتها القادمة يوما 27 و28 أفريل.. عن «الشرق الأوسط القادم والعلاقات الأوروبية»..            كمال بن يونس (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 5 أفريل 2007)


تونس في 5 أفريل 2007 سيمينار الذاكرة الوطنية: مع سي عبد العزيز بوراوي, (الحلقة الرابعة)

 

حول بوادر الانفراج وتفجر الأزمات النقابية 1970-1986. يوم السبت 07 أفريل 2007 تفضل النقابي الكبير سي عبد العزيز بوراوي بتنشيط ثلاث سمينارات للذاكرة الوطنية حول بدايات المسار النقابي مع فرحات حشاد إلا أنه بعد اغتياله, تغيرت المعادلات وعرف الاتحاد أوضاعا دقيقة جدا, انطلاقا من مؤتمر الحزب بصفاقس ثم تصدع الاتحاد وإنشاء الاتحاد التونسي للعمال ثم بروز خلافات جوهرية على رأس القيادات النقابية, الذي عرف جمودا كاملا إلى 1970, وهي السنة التي برزت معها بوادر الانفراج, وسوف يتناولها بالحديث ضيفنا للتركيز على المناخ العام بين السلطتين السياسية والنقابية والذي أدى بعد ذلك إلى تفجر الوضع نتيجة الأحداث المؤلمة التي عرفتها البلاد في أحداث 26 جانفي 1978. ونظرا لمواكبة سي عبد العزير بوراوي لكل هاته المخاضات والتطورات والمحادثات السرية التي تمت بين الأطراف جميعها, فإن ذاكرته الجيدة والشاملة ستعمل على نقل صورة أمينة جدا وصادقة لمواقف الأطراف جميعها, وعليه نعلق أهمية لما سوف يدلي به إلينا ضيفنا في هذا السمينار الرابع. والدعوة مفتوحة للجميع ابتداء من الساعة التاسعة صباحا في مقر المؤسسة المذكور أسفله. الأستاذ عبد الجليل التميمي


استقبال رائع لأسامة الملولي في المطار

مرحبـــا ببطــــل العالـــم

بتكليف من الرئيس زين العابدين بن علي تحول عبد الله الكعبي وزير الشباب والرياضة والتربية البدنية ظهر أمس الى مطار تونس قرطاج الدولي لاستقبال السباح اسامة الملولي العائد الى ارض الوطن بعد ان تالق في بطولة العالم للسباحة في مدينة ملبورن الاسترالية وتتويجه بذهبية سباق 800 متر سباحة حرة وفضية سباق 400 متر سباحة حرة. كما حضر لاستقبال البطل التونسي بالمطار عبد الحميد سلامة الوزير المستشار لدى رئيس الجمهورية ورئيس اللجنة الوطنيــــــــة الاولمبيـــــة التونسيـــــة. وحظي الملولي باستقبال حار من الجماهير التي غص بها بهو المطار رافعين الاعلام الوطنية ومرددين عبارات الامتنان والتقديـــــــر لتونـــــس ولرئيسهـــــــا زين العابدين بن علي. وابلغ الوزير تشجيعات رئيس الدولة الى السباح اسامة الملولي حاثا اياه على مواصلة البذل والعطاء لرفع الراية التونسية عاليا في المحافل الرياضية الدوليــــــــة.

 

(المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 5 أفريل 2007)
 

 
المشعوذون ما دام عدد المشعوذين قد بلغ 145 ألفا في بلادنا… (شيء ما كان يُتَصَوّرُ في عصر أجدادنا!)… وما دمنا نعترف بهم ونتركهم يمارسون «مهنتهم»… بدليل أنّ لهم مكاتب وأرقام هاتف للاتّصال بهم… لماذا لا نُبادر بتنظيم القطاع بلا تأخير ولا تأجيل… فنحدث معهدا وطنيّا أعلى للشّعوذة والتّدجيل؟! محمد قلبي (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 5 أفريل 2007)

في زغوان: طبيب روحاني وقريبه أوهماه بكنز ولهفا منه 15 ألف دينار

 

بنة المتضرر في قضية الحال كانت تعاني من مرض عضال وقد أعيت والدها حيلة في العثور لها على دواء شاف رغم تردده على عديد الأطباء وصادف أن التقى أحد معارفه بولاية زغوان فروى له قصة ابنته وعجزه عن ايجاد دواء لها وعبر له عن رغبته في مداواتها عن طريق الأطباء الروحانيين كآخر أمل له لشفائها، فأعلمه المتهم الأول أن له قريبا بارع في المداواة الروحانية فالتمس الشاكي من المتهم أن يجلبه له لعلاج ابنته فغاب المتهم الاول مدة ليعاود الرجوع الى المتضرر رفقة قريبه المتهم الثاني فطلب هذا الأخير من الشاكي مبلغ 500 دينار لشراء الاعشاب ومداواة الفتاة واثر اتمامه لمهمته أعلم الطبيب الروحاني المتضرر بوجود كنز في منزله وأعلمه انه سيتولي استخراجه له مقابل تمكينه من مبالغ مالية متفاوتة بلغت قيمتها 15 ألف دينار لهفهما المتهمان ثم تحصنا بالفرار. وقد احضر احد المتهمين بحالة إيقاف امام انظار هيئة الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بقرمبالية لمقاضاته من أجل تهمة التحيل وتمت إحالة المتهم الثاني بحالة فرار وباستنطاق المتهم نفى التهمة المنسوبة اليه.

وسيط فحسب

وبافساح المجال للسان الدفاع رافع محاميان في حق المتهم وأفادت المحامية الاولى أن دور منوبها اقتصر على مجرد الوساطة بين المتهم الثاني والشاكي وأوضحت أن هذا الأخير يتحمل المسؤولية فيما حدث باعتباره طمع في كنز فمكن المتهم من الأموال ولاحظت أن منوبها تم حشره رغم انه لم يغنم أموالا وأضافت أن الشخص المتحيل لا يقدم اسمه وعنوانه كما فعل منوبها وتبعا لذلك طلبت البراءة لمنوبها واحتياطيا التخفيف عنه ورافع محام ثان أكد على غياب الركن المادي للقضية ولاحظ أن المتهم الثاني هو من حصل على الاموال وأكد على وجود أطباء روحانيين مرخص لهم والتداوي بهذا الطب وطلب البراءة لمنوبه لأنه لم يستعمل حيلا وخزعبلات وارتأت المحكمة حجز القضية للمفاوضة. فاطمة الجلاصي (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 5 أفريل 2007)


15من أحباء الترجي و5 من النجم يواجهون تهم اقتحام الميدان ومسك حجارة بالملعب وترديد شعارات منافية للأخلاق

إيداع 18 موقوفا بالسجن المدني بالمسعدين وطفلين بإصلاحية سيدي الهاني والمحاكمة يومي 7 و10 أفريل

لاتزال تداعيات قمّة النجم الساحلي والترجّي التي احتضنها الملعب الأولمبي بسوسة يوم السبت الفارط تطفو على سطح الأحداث، خصوصا بعد أن بلغ عدد الموقوفين على ذمّة العدالة 18 موقوفا بالإضافة إلى إثنين من الأحداث. وتنحصر التهمة الموجهة إليهم في مسك حجارة داخل الملعب واقتحام أرضية الميدان وترديد شعارات منافية للأخلاق وشتم الهياكل الرياضية.وبعد استنطاق الموقوفين تمّ إصدار بطاقة إيداع في شأن 18 موقوفا من الشبّان بالسّجن المدني بالمسعدين من معتمدية مساكن… أما بالنّسبة للطفلين الحدثين اللذين لا يتجاوز عمرهما 16 سنة فقد وقع وضعهما في إصلاحية سيدي الهاني في انتظار المحاكمة التي تحدّدت ليوم السبت القادم (7 أفريل 2007) بخصوص الـ18 موقوفا الأوّلين ويوم الثلاثاء (10 أفريل) بالنسبــــــــــة للحدثين… علما بأنّ 5 من الموقوفين من أحبّاء النّجم و15 من أحبّاء الترجي الرياضي. النجم يعدل رسميّا عن استئناف قرارات الرابطة … والترجي متخوف! لئن صدرت عن النجم الساحلي تأكيدات باعتزامه الطّعن في قرارات الرابطة الوطنية للمحترفين بالاستئناف لدى الجامعة وخاصة فيما يتعلق بعقوبة صابر بن فرج، فقد ثبت لدينا أنه عدل رسميا ونهائيا عن ذلك… فهل معنى هذا أنه اقتنع في نهاية الأمر بوجاهة قرارات الرابطة أم أنه خشي أن تكون النتيجة عكسية لما يأمل فيتمّ الترفيع في العقوبة المسلطة على بن فرج وربما أيضا معاقبته أيضا مثل الترجي بمقابلة بدون حضور الجمهور بدل التوبيخ؟. كما أن الترجي الرياضي وإلى حد كتابة هذه الأسطر لم يرسل طعنا بالاستئناف إلى الجامعة، فهل خشي بدوره أن يقع الترفيع في عقوبته من مقابلة واحدة بدون حضور الجمهور إلى مقابلتين مثلما تقتضي ذلك أحكام الفصل 33 في الفقرة الثالثة من الـ(Tableau E)؟ على كل يبدو مبدئيا أن هناك فعلا تخوّفات من الاستئناف لدى النجم الساحلي والترجي الرياضي معا. حسن عطية (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 5 أفريل 2007)


حجم القطاع في الدول العربية 250 بليون دولار…

الخدمات المالية الإسلامية تدخل المؤسسات الغربية

دبي – دلال أبو غزالة     أكد مسؤولون وخبراء ماليون، ان الغرب بدأ «يسحب البساط» من تحت أقدام المنطقة العربية وماليزيا في قطاع الصيرفة الإسلامية، بسبب عدم الشفافية في المؤسسات المالية، والبطء في انتاج أدوات مالية جديدة متوائمة مع الشريعة الإسلامية. ولم يخف الخبراء ان بريطانيا بدأت تنافس ماليزيا ودولاً خليجية، في التحول إلى مركز للقطاع المالي الإسلامي، الذي بدأ يحقق زخماً هائلاً في الغرب مدفوعاً بإصدارات متتالية من الصكوك، تجاوزت السنة الماضية 17 بليون دولار، أربعة منها من منطقة الخليج العربي. وقدر خبراء حجم الصيرفة الإسلامية في الوطن العربي والبلدان الإسلامية بنحو 252 بليون دولار، فيما يبلغ حجم المصارف وشركات التمويل والاستثمار الإسلامية في العالم 450 بليون دولار. وحث نائب رئيس الوزراء الماليزي سابقاً أنور إبراهيم خلال «المنتدى الإسلامي العالمي»، الذي احتضنته دبي أمس، الدول الإسلامية على «استعادة الريادة في هذا القطاع، والمبادرة في إطلاق مراكز تدريب علماء دين متخصصين في القضايا المالية الإسلامية وتأهيلهم. كما اقترح «المنتدى» تمويل منح دراسية لتأهيل علماء دين للفتوى في المنتجات المالية الإسلامية، على اعتبار ان النمو الذي شهده القطاع المالي الإسلامي خلال السنوات الخمس الماضية، اثبت نقصاً في عدد العلماء المتخصصين القادرين على تحديد السياسات الخاصة بالصيرفة الإسلامية. وتشير دراسات إلى ان عالم دين واحد يعمل في اكثر من 30 هيئة للرقابة الشرعية في المؤسسات المالية حول العالم. ودعا إبراهيم في حديث الى «الحياة»، المصارف الإسلامية والجامعات والوزارات في العالم الإسلامي عموماً، وفي دول مثل دبي والبحرين خصوصاً، الى اتخاذ المبادرة، في إنشاء معاهد متخصصة في تدريب علماء متخصصين في الصيرفة الإسلامية. كما دعا الخبراء الذين حضروا «المنتدى»، الدول الإسلامية عموماً والعربية خصوصاً، إلى ضرورة إدراج صكوك في أسواق المال الإقليمية بهدف «تعميقها» وتقويتها، علماً ان السوق الثانوية في أسواق المال الخليجية، شهدت عام 2005 صفقات بلغت 60 مليون دولار فقط، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بحجم الصكوك حول العالم. وأكد المدير المالي لمؤشر «داو جونز» رشدي صديقي لـ «الحياة» ان «من غير الممكن تطوير أسواق المال الإسلامية من دون إدراج صكوك». كما أكد على ضرورة انتهاج سياسة «التوريق» الإسلامية لتمويل العقارات في المنطقة، التي تشهد رواجاً غير مسبوق. ولم ينكر صديقي ان منطقة الخليج باتت تتفوق على ماليزيا في حجم الصكوك، التي أُصدرت العام الماضي، والتي تربو على خمسة بلايين دولار، لكن ماليزيا تتفوق على دول الخليج في عدد الصكوك. وعلى رغم التحديات التي تواجه الصيرفة الإسلامية في العالم الإسلامي، توقع خبراء ان يشهد قطاع الصكوك طفرة كبيرة هذه السنة، نتيجة الإقبال عليها من جانب الشركات والمؤسسات، مشيرين إلى ان بوادر هذه الطفرة بدأت في الإمارات، التي أصدرت أو ستصدر نحو 2.2 بليون دولار سندات إسلامية هذه السنة دفعة واحدة، لتمويل مشروعات إنمائية. وأكدوا أن «الشركات والمؤسسات المالية، التي تؤسس في المنطقة، أو التي أسست في الآونة الأخيرة، تعمل على إصدار صكوك إسلامية، أو تسعى للحصول على تمويل إسلامي من المصارف الإسلامية»، متوقعين ان يفوق حجمها هذه السنة حجم السنة السابقة. من جهة أخرى، ناقش المنتدى دور المرأة الخليجية في الاستثمار في أدوات مالية إسلامية، إذ قدر الخبراء حجم الأموال التي تستثمرها النساء الخليجيات في أدوات مالية إسلامية بأكثر من 35 بليون دولار. وعزا صديقي توجه المرأة الخليجية للاستثمار في منتجات استثمارية إسلامية اكثر من غيرها من الأدوات الاستثمارية الحديثة، إلى ميلها للاستثمار في أدوات مالية قليلة الأخطار. وأشار الخبراء إلى أن الصيرفة الإسلامية أصبحت، بعد مرور نحو 30 سنة، صناعة متكاملة أثبتت وجودها وقدرتها على تقديم البديل المناسب للصيرفة التقليدية، واستطاعت أن تتبوأ موقعاً في النسيج المالي العالمي، وأن تجذب الاهتمام والاحترام على المستوى العالمي. وتشير إحصاءات إلى ان حجم ودائع المصارف الإسلامية الخليجية، بلغ 58 بليون دولار عام 2005، بنسبة نمو تجاوزت 29 في المئة على السنة التي سبقتها. وأكد خبراء ان المصارف الإسلامية بدأت تنتشر أفقياً، وتتوسع دولياً، وتؤسس فروعاً خارج دول مقرها. ويتوقع أن يصل حجم الصناعة المالية الإسلامية الى تريليون دولار خلال السنوات العشر المقبلة، إضافة إلى أن عدد الدول التي أصدرت قوانين خاصة بالعمل المصرفي الإسلامي بلغ 20 دولة، آخرها قانون المصارف الإسلامية في اليمن السنة الماضية، وقبله في الأردن عام 2000، والكويت عام 2003، ولبنان عام 2004، وآخرها في سورية. وينتظر أن تصدر دول أخرى قوانينها الخاصة في العمل المصرفي الإسلامي قريباً. 500 بليون دولار سوق التمويل الإسلامي وأوضح صديقي ان سوق التمويل الإسلامي، التي يقدر حجمها بـ 500 بليون دولار، تشهد نمواً سنوياً نسبته 10-15 في المئة سنوياً، مشيراً إلى ان تقارير مؤسسة «ماكنزي للأبحاث» تؤكد ان المصارف الإسلامية تنمو بنسبة 20 في المئة سنوياً، في حين تنمو التقليدية بنسبة 10 في المئة سنوياً. وفي ما يتعلق بالتحديات والعراقيل التي تحول دون الاستفادة من الاحتياطات النقدية الإسلامية الضخمة، يرى صديقي أن ذلك يتطلب التنسيق بين المؤسسات المالية الإسلامية حول العالم، وتثقيف العامة بأهمية التعامل الإسلامي. (المصدر: صحيفة الحياة (يومية – لندن) الصادرة يوم 4 أفريل 2007)

في   منتدى« الجاحظ »: عياض بن عاشور يستكشف ديار الإسلام الجديدة

محسن المزليني

 

يبدو العالم الإسلامي في الوقت الحاضر أعجز من أن يواجه بإبداعية استحقاقات العولمة، أمّا في المستقبل فإنّ قدرته على رفع التحدّي تبقى رهينة تفوّق قوى التحرّر. هذا ما استخلصه الحقوقي والمفكّر التونسي عياض بن عاشور في محاضرته بمنتدى الجاحظ الدي يديرة الأستاد صلاح الدين الجورشي ودلك يوم الجمعة 16 مارس الجاري والتي حاول فيها الإجابة عن سؤال: أيّ مستقبل للإسلام في عصر العولمة؟

من العالميّة إلى العولمة

لا حظ الباحث أنّ الإسلام منذ نشأته جعل من العالمية منوالا قيميا اقتدى به وعمل من أجل تحقيقه، فرسالته المحمديّة تتجه إلى الإنسانية كافّة، الكتابية منها فتحاول دفعها نحو التقويم وإزالة الشوائب عنها و اللامؤمنة فيكون مقصد الخطاب الموجّه لها السعي إلى إدماجها داخل المدار الإيماني. فبمجرّد ظهوره غيّر الإسلام المعطى القبلي وحاول دمجه في مسعى واهتمامات أوسع تفتح له آفاقا جديدة تتجاوز البنى الضيقة من ممالك وثقافات مخصوصة وتذويبها مشترك ثقافي وحضاري أثار النزعة التوسعية فكان الخروج من الكون القبلي إلى الكونية العالمية عبر آلية الفتح. وكان أن ترسّخ هذا الفعل التوسعي في المخيال الإسلامي ليثمر فكرة الإمبراطورية بالمطابقة بين فكرة الأمّة ومفهوم الخلافة.

انفصام الوعي

رأى الباحث أنّ هذا الوضع بقدر ما كان دافعا إلى خلق حركية حضارية في تلك الحقبة بفضل هذا التطلّع الروحي بعبارة مالك بن نبي، فإنّ آثاره على شخصية المسلم المعاصر تبدو معاكسة نتيجة عدم التلاؤم بين فكرة الأمّة/ الخلافة التي شكّلت العالميّة الإسلامية الأولى، وبين الواقع الراهن الذي قام على مفهوم الدولة في إطار عالم مختلف وظيفة العالم الإسلامي فيه أقرب إلى الإتباع منه إلى الإبداع. و تجسّد هذا التنافر في مظاهر عدّة منها: الحنين إلى مجد مضى والتحسّر على واقع بائس. وينجرّ عن هذا التعارض بين المثال والواقع محاولة السعي اليائس لإحياء هذا المنوال القديم.

أمّا التعارض الثاني فهو بين العولمة المفروضة على الجميع والعالمية الإسلامية. فالإسلام المعاصر يرى في هذه الظاهرة الجديدة هيمنة لجملة من قيم خصوصية ومحاولة فرضها. والإشكال الأكبر في هذه القيم هو سيطرة البعد المادي على مجالها الأخلاقي، ومن خلال ذلك تسعى العولمة  فرض نمط ثقافي وسلوكي على الجميع عبر توحيد أساليب الحياة اليومية. وهو ما يرفع منسوب القلق عند المسلم ويجذّر إحساسه بوجود مؤامرة على دينه، إحساس تدعّمه ذاكرة الحروب الصليبية وتنعشها الهجمة الجديدة أو « الغارة » على العالم الإسلامي. بذلك تتشكّل هذه الظاهرة في الوعي الإسلامي كفصل جديد من فصول محاولات الإخضاع.

فرص للتعبئة

أكّد الباحث أنّ العلاقة بين الإسلام والعولمة هي علاقة مركّبة فالشعور بالحيطة والحذر من هذه الظاهرة لم يعن قطّ عدم استعمالها، إذ مكنت الفتوحات التقنية الكثير من المتحدّثين داخل الحقل الإسلامي من إمكانية حقيقية للإنتشار وتجاوز الحدود الترابية وخلقت منهم نماذج ونجوما جددا صاروا أقدر معها على تشكيل وعي الشباب. غير أنّ ابن عاشور يعتبر أنّ هذه الظاهرة خدمت بشكل أكبر الإسلام الأصولي ومكّنته من فرض تصوّره التطرّفي الذي يمكن اختزاله في:

ـ الرجوع إلى الفهم الأصيل للنصوص وبالتالي تغييب كلّي لمفهوم التاريخ.

ـ العودة إلى تاريخ أصيل تشكّل في الذاكرة كما أرادت لا كحقيقة موضوعية.

ـ الإقتداء برموز إسلامية مخترعة في اللباس والمظهر.

كما ساهمت عوامل اجتماعية في تغذية هذا الفهم وهي ظاهرة النزوح وترييف المجال المديني إضافة إلى الإخفاقات التنموية و الانغلاق السياسي التي خلقته الممارسة السياسية للدولة الحديثة في العالم الإسلامي.

ديار الإسلام الجديدة

لقد شكّلت الإقليات الإسلامية الجديدة في العالم الغربي تحديا للتصنيف الفقهي القديم لدار الإسلام ودار الحرب. فالمجال الجديد المحدث كما يرى الباحث سيكون له دور حاسم ليس فقط في تغيير المفهوم الآنف وإنّما في تشكيل رؤى فقهية جديدة. ويستند هذا الأمل عند ابن عاشور على متغيّرات عديدة أهمّها:

ـ جو الحرية التي توفّره المواطن الجديدة ممّا يسمح بالإنعتاق من الضغط المزدوج لكلّ من الحكومات الحارسة لقيم « الثبات » وأيضا من الرأي العام النمطي في البلدان الإسلامية.

ـ الإنفتاح على آخر الإبداعات التقنية والمنهجية للحضارة الغربية. وهو ما يسمح لهذه الفئة بإعادة النظر في الموروث الإسلامي وأيضا بحسن إدراك رهانات العولمة نظرا لعدم وجود أي حجاب بينهم وبينها.

ـ سعيهم إلى أن يكونوا مواطنين حقيقيين داخل بلدانهم ورفض « أسطورة العودة » وهذا يتطلّب منهم تأسيس عقلية مواطنية تستوجب أوّلا نقد النظريات الإسلامية التقليدية وتناول المسكوت عنه.

يراهن الباحث على هذه المجموعات لتجديد الإسلام بعد أن فشلت كلّ المدارس والمحاولات في ديار المشرق. وفي هذا الإطار تحدّث عن إنشاء شبكة المسلمين التقدميين في أمريكا والتي بدأت تنسجم في ما يسمّى « الدين المدني » الأمريكي. وهو ما ساهم في انتشار فكرة الإسلام الذاتي الذي يسعى للتآلف مع الحضارة الغربية واستنبات قيم الحداثة داخل الفضاء الإسلامي وأبرزها كتابات فضل الرحمان ومقتدر خان وعبد الله النعيم وخالد أبو الفضل. ورغم أنّ وسوسة الإنزواء كما يسميها الباحث ربّما تهدّد بقاء هذه المحاولات لتودي بها كما أودت من قبل بمنظمة « أمّة الإسلام »، إلا أنّ التفاؤل يبقى جائزا رغم كلّ العمليات الإرهابية وخاصة 11 سبتمبر التي جعلت الجميع في موضع التهمة ورغم الضغط الذي تمثّله المرجعية الإسلامية التقليدية على محاولات هذه الجمعيات في تجاوز النظريات الفقهية الموروثة كما كان الشأن مع إمامة أوّل امرأة (أمينة ودود) لصلاة الجمعة يوم 18 مارس 2005 في إطار « الجهاد الجنساني » التي تعمل عليه حركة النضال النسائي في الولايات المتحدة. ذلك أنّ هذه الخطوة لاقت معارضة شديدة من فقهاء العالم الإسلامي.

حظيت كلّ هذه الرؤى بنقاش عميق من قبل الحضور وركّز بشكل خاص على ما اعتبررؤية تبشيرية للباحث ونظرته الأحادية للعولمة باعتبارها قدرا وفتحا، إذ لاحظ العديد من المتدخّلين أنّ العولمة تلاقي نقدا شديدا داخل المجال الغربي ذاته من فلاسفة وفعاليات مدنية وأنّ الإسلام ليس وحيدا في وقوفه في مواجهة عولمة تهدّد الإنسانية ذاتها. كما لاحظ بعض المتدخّلين أنّ المراهنة على الإسلام الغربي ليؤسس « رشدية معاكسة » لا يمتلك صدقية كبيرة نظريا وعمليا. 

 

*ـ نتعرض في المقالة القادمة إلى أهمية النقاش الدي دار والدي عبر عن بروز فكر إسلامي يستوعب النظرة العلمانية ويتجاوزها عبر مراجعات نظرية نقدية في المفاهيم والمضامين كما نتعرض إلى محاضرة أخرى تمت بمنتدى الجاحظ حول عقوبة الإعدام.   


هيئة علماء السودان تحذر من انتشار مصاحف مغلوطة بدارفور

الخرطوم ـ القدس العربي : حذرت هيئة علماء السودان من تداول وانتشار آلاف النسخ المغلوطة من المصحف الشريف باقليم دارفور. وطالبت الهيئة بالجمع الفوري لهذه النسخ المغلوطة عن ترتيب آياتها وتداخل سورها، واشارت الي انها تحمل في غلافها ـ القرآن الكريم ـ مصحف الازهر ـ وبهامشه التفسير اليسير لفضيلة الامام الاكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي ـ شيخ الازهر. وقالت الهيئة في بيان لها امس ان النسخ المحرفة تم اكتشافها اولاً في مدينة الفاشر وارسلت للخرطوم للمتابعة، واكدت الاتصالات بالقاهرة طباعتها بالازهر الشريف الذي اقر بوجود هذه الاخطاء (ترتيب الآيات وتداخل السور) في الطبعة المذكورة. واعتبرت الهيئة صدور النسخ المحرفة من اكبر المؤسسات الدينية في العالم الاسلامي دليلا قاطعا علي الاستهانة والاستهتار بكتاب الله تعالي. وطالبت جميع المواطنين بولايات دارفور برصد وجمع كل النسخ الموجودة التي تسربت الي الايدي وتسليمها لفروع الهيئة بالولايات او الي ادارات العقيدة والدعوة بوزارة الشؤون الاجتماعية. وناشدت وزارات الشؤون الاجتماعية بالولايات المعنية بتوفير نسخ كافية للمصحف الشريف بدلاً من النسخ المغلوطة. وفيما يلي تورد الانتباهة نماذج من تلك الاخطاء ـ سورة العنكبوت ظلت آياتها متتابعة من 1 ـ 12 ولكن الصفحة المقابلة لهذا الجزء من السورة آخر آياتها وبداية لسورة الروم ويستمر الخلط بين السورتين في الصفحات التالية مع تداخل مع سورتي لقمان والسجدة مع شمول التداخل بين السور بعضها البعض والتداخل بين آيات السورة الواحدة. (المصدر: صحيفة القدس العربي (يومية – لندن) الصادرة يوم 4 أفريل 2007)  

الفرائض ومنزلة الإنسان الوجودية

 
البروفيسور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية نشرت الأستاذة رجاء بن سلامة مقالا عنوانه « للذكر مثل حظ الأنثيين » وشبه عنوانه « جرح التفضيل الألهي » في عدة أحياز آخرها في العدد 58 من الطريق الجديد (جريدة الحزب الشيوعي التونسي الذي كان) يستحق النقاش لعلتين ظرفية وبنيوية. فهو يستحقه ظرفيا لتمثيله عينة من المحاولات التي عرف بها تيار التحديث في ما يسمى باختصاص الحضارة من أقسام العربية في كليات الآداب بالجامعة التونسية. لذلك فسيكون النقاش معه بوصفه عينة من نظائره في الكلام على الشرع الإسلامي برد علل التشريع البنيوية إلى أسبابه الظرفية. وهو فضلا عن بعده الظرفي يستأهل النقاش بنيويا لاستناده إلى مسلمات تمثل عينة مميزة لما يسمى بالفكر العلماني والتحديثي العربي عامة والتونسي منه خاصة. ويجمع بين الوجهين فنيات العلاج التي يستعملها كلا الفريقين خالية من شروط المعرفة بالموضوع ومن مقومات المنهج الذي يزعمون الاحتكام إليه. ذلك أن هذا المقال يظهر على سطحه الكثير من شكليات البحث العلمي الأكاديمية التي قد تضفي عليه وعلى أصحابه براقع المعرفة الموضوعية التي تخفي مواقف إيديولوجية صرفة. ومن أهم هذه الفنيات ضربان يشترك فيها الأستاذ محمد الطالبي والأستاذ عبد المجيد الشرفي والأستاذة صاحبة المقال رغم أن أولى حلقات السلسلة تمتاز على حلقيتها الأخيرتين بشيء من الحذر تلاها تسيب ليس له حد: والضرب الأول الذي يقدم من منطلق حكم التحديث المسبق يبدو عقليا. إنه الاستعمال السطحي لمقولات فلسفية وتأويلات هرمينوطيقية لما يصفونه بالمسكوت عنه في النصوص والمواقف دون استيفاء شرطي المنهجية التأويلية الفعليين أعني القبول بطبيعة النص والقبول بمحددات الموقف المؤول الحاصلة خلال تاريخ ذلك النص فهما وتأويلا. والضرب الثاني يبدو نقليا ويتعلق بالاستشهاد الانتقائي بنصوص القرآن والحديث وأسباب النزول المنتخبة دون استقراء تام يمكن أن يضمن شرط الاعتماد الفعلي على الأصل النقلي إذ لا دلالة للمعطيات النقلية من دون الاستقراء التام قدر المستطاع سواء كانت المعطيات النقلية من التجربة الحسية أو من التجربة النصية. لذلك فلن يكون نقاشي متعلقا في المقام الأول بمسألة مقادير الإرث وما قد تفيده من ظلم أحد الجنسين أو العدل بينهما أعني بما تصورته الأستاذة موضوع النص التشريعي الذي تجادل فيه- لأن المسألة في الآية التي تناقشها لا صلة لها من قريب أو بعيد بالعدل والظلم ولا حتى بحقوق الورثة- بل هو سيقتصر على مزاعم ربطها هذين الأمرين اللذين ظنتهما ثمرتي النص بمنزلة المرأة الوجودية في الإسلام وعلى مدى فاعلية هذين النوعين من فنيات المنهجية من حيث التمحيص العلمي المتين والفهم الدقيق للمعاني الفلسفية المستعملة. فهذه المعاني يمكن أن تكون فعلا أدوات تحليل وهي قابلة لأن تكون مجرد أدوات تنميق خالية من علامات الاستيعاب إذا ثبت خلوها من الحذر والأمانة في مسائل التأويل الدقيقة خلوا يثبت أنها من مزوقات الحكم التحديثي المسبق لا غير. وسيكون نقاشي في مستويين من الخطاب: فهو يبدأ بوجاهة المنهجيات التحليلية والتأويلية ليصل إلى متانة التصورات القانونية والفلسفية. لذلك فلن أناقش الأستاذة في مواقفها العقدية. لن أهتم بتقويمها حق الإله في تحديد منازل المخلوقات أو المفاضلة بينها إذ لا أنوي الخوض في مسألة العدل الإلهي. فعندي أن للجميع الحق في أن يؤمنوا وألا يؤمنوا بأصل العقائد كلها ليس عقلا فحسب (وهذا أمر كلي لا يحتاج إلى دليل) بل وكذلك نقلا (ودليله الآية 256 من البقرة): حرية المعتقد. سأكتفي بمناقشة ثلاث مسائل تصورية تتعلق جميعا بالوصف القانوني والحد الفلسفي لما ورد منهما في النص الذي تجادل فيه الأستاذة ومسألتين منهجيتين أولاهما هي منهجية الترجمة التي استعملتها لصوغ الإشكالة صوغا يمكن من علاجها والثانية هي منهجية التأويل التي استعملتها لتحديد مقاصد النص بأسباب نزوله وبتاريخ الظاهرة التي يحدد حكمها. ويقتضي منطق العلاج أن أبدأ المناقشة بالمسألتين المنهجيتين. لكن ذلك قد يزعج القارئ غير الصبور أو غير المتعود على مقدمات العلاج النظري. لذلك فسأبدأ المحاولة بالمسائل الموضوعية الثلاث لأختم بالمسألتين المنهجيتين على النحو التالي: المسألة الأولى تتعلق بفهم معنى المنزلة الوجودية: هل يمكن استنتاج منزلة النساء الوجودية أو منزلة الرجال من قانون الإرث فنعتبرها علة حكم الإرث كما فعلت الأستاذة أم إن المنزلة الوجودية لا علاقة لها بالملكية فضلا عنها بالإرث من حيث صلته بمقدار الملكية؟ وبصورة أدق هل يحق لنا أن نستنتج هذه المعادلة: منزلة المرأة الوجودية تساوي نصف منزلة الرجل ولذلك فهي ترث نصف ما يرث ؟ المسألة الثانية تتعلق بفهم النص: وهل قانون الإرث (بلغة القانون الوضعي) أو حكم الإرث (بلغة الحكم الشرعي) أمر يتعلق بمنزلة الورثة عند الله كما توهمت الأستاذة أم هي في الحقيقة ذات صلة بمنزلتهم عند صاحب الملكية التي ستوزع إما في حياته أو بعد مماته ؟ فيكون الاستنتاج السابق مصدره عدم فهم النص في منطوقه بسبب العجل أو الدجل الباحث عن المسكوت عنه قبل المنطوق به. المسألة الثالثة تتعلق بفهم معنى التفضيل الإلهي: وهل المسألة الناتجة عن حكم الإرث تقبل الوصف بالتفضيل الإلهي للذكر على الأنثى وصفا مناسبا عند من يفهم المقصود بالمنزلة الوجودية ويدرس أصناف التفضيل الواردة في القرآن الكريم خاصة بعد أن نحسم سطحية الفنيات الخطابية المستعملة في كلام الأستاذة التي قارنت نصيب المرأة من الإرث بنصيب ابن الزنا. المسألة الرابعة: منهج الصوغ بالترجمة وشروطه. المسألة الأخيرة: منهج تأويل المقاصد بأسباب النزول وحدوده. المسألة الأولى لو صح ما فهمته الأستاذة من حكم الإرث عندما ظنته محكوما بمنزلة المرأة الوجودية منزلتها التي تعلل كون الحكم على ما كان عليه ]الرجل: الإرث الكامل= 2 (المرأة : نصف الإرث)[ ==< ] )منزلة الرجل = ضعف منزلة المرأة =( )منزلة المرأة= نصف منزلة الرجل[( لكان معنى ذلك أن المنزلة الوجودية رهينة مقدار الملكية ومن ثم لكان عدم المساواة في الثروة بين البشر رجالا كانوا أو نساء هو المحدد لمنازلهم الوجودية. فلا يبقى عندئذ فرق بين واقع المنزلة الإنسانية محددة بالقدرات الاقتصادية وواجبها محددا بالامكانات الوجودية حتى لو سلمنا بأن للمنزلة الاقتصادية دورا ما فيها. بعبارة تساؤلية مضاعفة أوضح: هل ينبغي أن تقاس منزلة الإنسان الوجودية بما يملك فتزداد كثافة وجوده بازدياد ثروته أم إن ذلك أمر واقع لا يعبر عن منزلة الإنسان الوجودية بل عن انخرام في نظام المنازل الاجتماعية التي قد تعتبر محددة لمنزلة الإنسان الوجودية عندما ينحصر وجوده في تقديره بالتقويم المادي ؟ وهب ذلك مقبولا – تسليما بما بات موجودا في مجتمع الفكر التحديثي فكر الأغنياء الجدد – هل يمكن عندئذ أن تقاس المنزلة بما يعطيه إياه غيره أو لا يعطيه فتصبح منزلة الإنسان الوجودية مرتهنة بإرادة غيره وليست بسلطانه على ما يملك هو بفعله الذاتي ؟ لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الأول لكان ذلك يعني أن المساواة الوجودية بين الرجال فضلا عنها بينهم وبين النساء تقتضي أن يتساووا في الملكية. فيكون الرجل الأقل حظا ماديا هو أيضا متردي المنزلة الوجودية وليست المرأة وحدها. وعندئذ سنقع في طريقين مسدودوتين لا مخرج منهما: فلن يبقى بعد ذلك وجود للمساواة الوجودية لتغير الملكية أو لن يبقى للملكية تغير لثبات المنزلة الوجودية. وكلا الأمرين ممتنع عقلا وواقعا. فواقعا لا أحد ينكر أن الملكية تتغير وأن منزلة الإنسان الوجودية تبقى ثابتة اللهم إلا إذا اقتصرنا على المعيار المادي لتقويم الناس: لأن من يفتقر ماديا لا يفقد الأمل في أن يسترد ثروته وما كان ليفعل لو آل به الفقر المادي إلى الفقر الوجودي إذ يكون قد فقد القدرة على الاستئناف. وعقلا حتى لو قبلنا بهذا التقويم فإن المعيار لن يكون الملكية من حيث هي ما صار في الحوز بل القدرة على تحصيلها في الحوز. فيكون الإنسان تقاس منزلته ليس بما عنده فعلا بل بما يمكن أن يكون عنده ومن ثم فالمهم هو ما يفعله ليكون عنده ما عنده: لذلك كان الأمل هو جوهر الملكية كما يقول ابن خلدون. والحلم بالتملك لا الملكية هو محرك الآلة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي. وقدكان فقدان الحلم بالتملك لا فقدان الملكية هو سبب فقدان الأمل ومن ثم سبب اندحار النظام الشيوعي. وبذلك نميز بين الملكية التي يمكن أن تكون علامة على الكفاءة في إدارة الرزق بدلالتها على كيفية تحصيله الدالة عليها. والملكية التي يمكن أن تكون علامة على الدناءة في اختلاس الأرزاق بدلالة كيفية تحصيله عليها تحصيلا لا يراعي قيما تجعل بعض الجماعات تحكم مثل هذا الحكم حتى لا نعمم لعلمنا أن الملكية صارت في بعض المجتمعات جوهرها اغتصابا وسرقة: وفي كلتا الحالتين فإن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية والمنزلة الوجودية لا يترتب عليها القانون المحدد لمقادير الملكية. لكن من يمدني بمن يلتفت إلى هذا المنطق وبعائد الأمور قل أن يراها الباحثون في المسكوت عنه وهم يتجاهلون المنطوق به تسليما جدليا بأنهم لا يجهلونه ! أما لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الثاني فإن المنزلة الوجودية تصبح منزلة وجودية غير ذاتية لصاحبها بل هي بالأولى لمن يمده بما سيرثه. فتكون منزلته منزلة مستعارة ممن يهبه إياها خلال وهبه ما يورثه إياه أو يتفضل عليه به: وهذا بحد ذاته نفي لمفهوم التصور الذي يفاد بالمنزلة الوجودية إلا عند القائلين بوحدة الوجود حيث يكون كون الشيء ما هو مجرد كونه حالا من أحوال غيره أعني الجوهر الكلي الذي تكون الجواهر العينية سلوبا في قيامه الكلي موضوعا لها. فتكون منزلة المرأة والرجل الوارثين على حد سواء منزلة مستعارة من المالك الذي أمدهم بالكثافة الوجودية التي تتضمنها المقادير المالية الموروثة عنه ولا يكون ذا منزلة وجوديه ذاتيه له إلا هو. وعندئذ فمنزلة الرجل أو المرأة تتحدد بغيرها فلا يحددها إلا من يوصي لهم بفتات ثروته وهي تكون عدما حتى لو أوصى لهما بها كلها وبالتساوي. لذلك جاءت الآية لتحديد هذا السلطان بالحد من تحكم المالك في الوصية وفي تقسيم رزقه بحسب ما يظنه من فائدة ممن سيوزع عليهم ملكه وليست في تحديد منزلة من سيصبح ورثة: واعتبرت الآية ذلك فريضة من الله أعني جزءا من العبادات وليست من المعاملات لأنها حد توقيفي من أحد مقومات الملكية أعني حرية التصرف في الوصية. لذلك فإنه ينبغي أن نضيف ملاحظة جوهرية تحدد أمرا وسيطا بين الملكية والمنزلة الوجودية دون أن تجعلهما في صلة التحديد المتبادل قصدت ما يترتب على معنى الحرية التي هي مقوم جوهري من مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية بإطلاق من حيث هي أحد مجالات ممارسة الحرية وأدوات تحقيقها وليس بمقدارها. فهذا المعنى جوهري لأنه من مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية فيكون من ثم أمرا واصلا بينهما وصل الغاية بالوسيلة بشرط أن نفهم أن الحرية وسيلة المنزلة والمال وسيلة الحرية فيكون المال وسيلة الوسيلة وهو من ثم أبعد ما يكون عن التعلق المباشر بالمنزلة الوجودية: وتلك هي العلة التي تجعله لا يكون مصدرا لها إلا عند اللئام في حين أنها دائما مصدره عند الكرام. من يفهم هذه المعاني ينبغي أن يسأل: هل عامل التشريع الإسلامي المرأة معاملة الرجل في مسألة حرية التصرف في الملكية مهما كان مقدارها أم لا ؟ وهل ضبطت حرية تصرف المرأة في ما تملك بنفس الحدود التي ضبطت بها حرية الرجل أم لا ؟ ذلك أن حرية التصرف في الملكية هي الوجه الوحيد من الملكية الوجه الوحيد الذي يمكن أن يعد ذا صلة بمنزلة الإنسان الوجودية بخلاف مقدارها: حرية التصرف في الملكية تالية عن الحرية التي هي مقوم جوهري للمنزلة الوجودية. وتلوها عنها هو الذي أوجب الحد من حرية تصرف المالك في التوريث لئلا يكون المال من حيث هو أحد مصادر السلطان دولة بين الأغنياء. إن حرية التصرف في الملكية التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي هي الأمر الوحيد من الملكية الأمر الوحيد الذي يمكن أن يعتبر ذا صلة وثيقة بالمنزلة الوجودية لأنه يعني أن صاحبه يسلم له الشرع بالرشد وينفى عنه السفاهة بنفس المعايير سواء كان رجلا أو امرأة: كلاهما مثل الآخر من حيث حرية التصرف في ما يملك لأنهما يشتركان بالتساوي في أحد مقومات المنزلة الوجودية أعني أحد صفات الملكية أو حرية التصرف. أما مقدار الملكية فهو متغير بحكم حوالة الأسواق فضلا عن تحكم شروط أخرى سنرى بعضها خلال البحث في معاني ما بدا للباحثة دالا على ظلم وقسمة ضيزى استثارتها إلى حد مقارنتها لغير صالحها مع إرث ابن الزنا. وكان على حداثيينا العجلين أن يسألوا السؤال الذي يلهيهم عنه هوسهم العلماني بالعاجل والفاني: ماذا يعني تحديد المنزلة الوجودية بمقدار الملكية خلقيا ووجوديا وما دلالته الفلسفية؟ ولن أجادلهم في حق الرد بالسؤال على السؤال معاجزين بالقول: ما الذي يحدد المنزلة الوجودية إذا لم تكن الملكية فضلا عن مقدارها سواء كانت آتية من عمل صاحبها أو مما يرثه من آبائه أو أبنائه ؟ أجاب القرآن الكريم عن هذين السؤالين في نصوص أخرى ليس لها صلة بمقدار الملكية لأن المنزلة الوجودية لا صلة لها بها حتى وإن كان للأمرين صلة بالحرية التي هي وسيلة للمنزلة وغاية للمال فيكون المال وسيلة الوسيلة: وجواب السؤال الأول رهن جواب السؤال الثاني. فالمنزلة الوجودية يحددها القرآن بأمرين يجعلانها مطلقة التساوي بين البشر كلهم فضلا عن الجنسين. ولا علاقة للأمرين بالملكية فضلا عن مقدارها ولا بالجنس لأنهما يتعلقان بمعنى الوجود (être) لا بمعنى المال (avoir) أو بجنس مالكه. والأمر الأول هو وحدة المصدر بالنسبة إلى صاحب المنزلة (خلقا من نفس واحدة ومنها زوجها). والأمر الثاني هو وحدة الفضيلة بالمعنى العميق أو الوظيفة بالمعنى السطحي بالنسبة إليه كذلك (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم). فالمنزلة الوجودية لم تحدد هنا بالجنس ولا بالثروة بل حددت بالمنزلة عند الله ومعيارها حدد بالتقوى في التعارف أي في مداري العمران (الذوق والرزق اللذين يمكن أن يكونا سببا للتعارف أو للتناكر) وفي ما يترتب عليهما من سلطان (وبهما يحصل نظام التعارف أو التناكر) ووحدة الكل (أعني الكيان المادي الروحي أو الجماعة). ولما كان الظاهر من معيار التقوى هو ما يرمز إليه عادة بالعبادات فإن هذا الرمز هو الذي يحدد طبيعة المنزلة الوجودية في دين من الأديان: فهل يوجد في القرآن الكريم ما يميز الرجل عن المرأة في العبادات ؟ أما لو حددت المنزلة الوجودية بالملكية عامة أو بمقدارها خاصة فإن النتيجة تكون نفي هذين المحددين الوجوديين: فلا يكون الناس متساوين في البداية ولا في الغاية وإنما هم رهن ما يملكون. وعندئذ تصبح المنزلة الوجودية هي عين الأمر الواقع من الظلم والكفران الناتجين عن تناكر التغالب من أجل الرزق بدل الحلم والعرفان الناتجين عن تعارف التحابب من أجل الذوق وتكون منزلة نسبية إلى أدوات القوة وليس منزلة تقاس بمعيار القيم التي يكون بها الإنسان إنسانا: فالرزق أداة في التعارف ويصبح غاية في التناكر والذوق غاية في التعارف ويصبح أداة في التناكر. ولو صح ذلك لامتنع أن تكون المعاملات هي بدورها يمتاز فيها الواجب عن الواقع: لكن الواجب في المعاملات يمتاز عن الواقع ومن ثم فالحقوق لا تقاس بالملكية بل بالمنزلة الوجودية. ولو صح أن الوارث له حق في ما سيرث غير الحق الذي يحدده الشرع أو وصية المالك لكان كلام الباحثة ذا فائدة: فالملكية هي لصاحب ما سيصبح تركة وهو الوحيد الذي يمكن أن يحمل عليه حق الملكية في هذه الحالة حتى بعد الوفاة. أما الوارث فإنه لن يصبح ذا حق إلا بإرادة المالك (الوصية) أو بإرادة الشارع (تحديد انتقال الملكية بعد وفاة المالك بتشريع يحدد من مطلق الحق أي مما كان ينبغي أن ينتقل بالوصية إذا سلما أن الميت يبقى ذا حق على ما بقي من ملكيته من بعده). أعلم أن الباحثة ستقول: يكفينا مثاليات حدثنا عن الواقع. وهنا يجابهنا الصنم الأكبر في فكر التحديثيين الذين يغلب عليهم عدم فهم ما يقولون. فالكلام على المنزلة الوجودية لا معنى له عند من لا يميز بين الواجب والواقع إذ هو عندئذ يجعل الواقع مثالا ويستعمله في وظيفة الواجب: ذلك أن الباحثة هي التي فسرت قواعد الإرث بالمنزلة الوجودية ولم تفسر المنزلة الوجودية بقواعد الإرث إلا عكسا غير واع لما انطلقت منه أعني من قيس المنزلة الوجودية بالثروة الاقتصادية. وهذا العكس غير الواعي الذي قلب وجهة كلامها حال دونها واختيار التناسق في خطابها: كان ينبغي حتى لا يتناقض قولها أن يكون الواقع الاقتصادي ومنه قانون الإرث هو الذي يعلل المنزلة الوجودية وليست المنزلة الوجودية هي التي تعلله. لكنها تتكلم عن شريعة هذا واقع تشريعها في الإرث وهذا نص تحديدها للمنزلة الوجودية. ولما كانا من طبيعتين مختلفتين اضطرت الباحثة إلى استنتاج المنزلة الوجودية التي تزعمها علة من نصيب المرأة في الإرث ثم عكست فنسبت إليها دور تحديد النصيب في الإرث. لكن هذه العلة ليس لها وجود في القرآن. لذلك استبدلت المنزلة الوجودية القرآنية التي لم تطلبها في بحثها بالمنزلة الوجودية التي تخيلتها علة لأحكام الإرث وطلبتها مما سمته أسباب النزول وتاريخ الإرث عند العرب. فذهبت إلى حد قيس دوافع الصحابيات في طلبهن الجهاد بدوافع من تعبر عن مطالبهن في نسخ آية الإرث: فهن عندها قد طالبن بالجهاد للحصول على المساواة في الملكية والإرث وليس لأنهن مؤمنات بقيمة الجهاد لذاته أو استكمالا لثمرات المبايعة التي طولبن بها خلال مرحلة التأسيس ! العزائم لا تأتي فحسب على قدر أهل العزم بل هي تقوم بنفس المعيار: فالصَغار يُغفل الصغار فلا يرون إلا الصغائر ! ولما كانت الباحثة تعتبر ما في النص القرآني المحدد للمنزلة الوجودية من المثاليات وكانت المثاليات عندها من الأوهام سعت إلى بديل منه في أسباب النزول وتاريخ الملكية عند العرب لتفسر ما ورد في النص القرآني المحدد لنصيب الإرث بمنزلة وجودية واقعية تناسب ما اعتبرته من ترابط بين المنزلتين: الوجودية والاقتصادية كما تتبين في مقادير النصيب من الإرث. لكن الفكر المجرد والمتجرد كان ينبغي أن يحلل المسألة منطقيا ليدرك أن أمر العلاقة بين النصين نص المنزلة الوجودية ونص الإرث لا يخلو من أن يكون منتسبا إلى إحدى الحالتين المضاعفتين التاليتين: فإما أن النص المحدد للمنزلة الوجودية له علاقة بالنص المحدد للنصيب في الإرث فيكون الحال إما أن النصين بينهما تناقض أو أن المسلمين قد طبقوا النص الثاني وأهملوا النص الأول. أو أن النص الأول لا علاقة له بالنص الثاني فتكون الباحثة قد ربطت بينهما بغير دليل ولم ينحرف المسلمون في التطبيق وينبغي البحث عن فهم آخر لحكم الإرث في غير المنزلة الوجودية. المسألة الثانية وهنا نصل إلى جوهر التناقض الذي يتصف به موقف المطالبين بالمساواة في الإرث من غير فهم شرطه: إلغاء حرية المالك في الوصية. لم يسأل أحد من المساواتيين عن المساواة فيم تكون ؟ هل يمكن أن يوجد قانون يفرض مساواة منزلة الوارثين المحتملين منزلتهم العاطفية لا الوجودية –إذ هذه المنزلة ليست نسبية إلى الغير- في قلب صاحب الملك عندما يكتب وصيته ؟ وهل يمكن للقانون أن يزيل بإطلاق حق المالك في هذا التعيير العاطفي والمصلحي الذي تترتب عليه بنود الوصية المحددة للنصيب من الإرث ولا أقول الفرائض لما في هذه الكلمة من الجلال الذي لا يفهمه من لم يدرك معنى تحويل الحد من حرية الوصية المطلقة إلى فريضة أو عبادة ؟ أليس المتكلمون في الأمر لا يعلمون فيم يتكلمون: فهل لمن لم يصبح بعد وارثا قبل وفاة المالك حق في ما سيرث بعد أن يصبح ؟ حق الوارث أمر يتجدد بعد أن لم يكن. فقبل وفاة المالك لا يتعلق الأمر بحق الوارث في المساواة بل بحق المالك في التصرف الحر في ملكه بالوصية إذ بقي له منه قدر معلوم. لذلك فالحكم الوارد في الآية لا يتعلق بحق الورثة – إذ لا حق لهم – بل هو يتعلق يضبط حق المالك في التصرف في ما يملك بعد وفاته أعني حق الوصية لئلا يضر بهذا الحق فلا يلغيه بمقتضيات أمرين ذوي دور بعيد سنحللها في المسألة الموالية: أولهما خلقي واقتصادي هو كيف يبقى المشرع قدر المستطاع على وحدة الملكية القاعدية التي هي شرط العمران الإنساني السوي أعني العمران الذي لا يتحول إلى مجرد أرقام في اقتصاد خفي الاسم. والثاني خلقي بايولوجي هو كيف يحرر المشرع حركة تبادل النساء من حركة تبادل المال تشجيعا للتزاوج الخارجي وتقليلا من التزاوج الداخلي الذي كان يمكن أن ينجر عن خروج إرث المرأة بقدر يجعل الأسرة تبقى عليها للإبقاء عليه. لا أظن الأستاذة قرأت الآية الحادية عشرة من النساء الآية التي تحللها قراءة كاملة فهي تقف من نصها قبل غايته التي تحدد المبدأ الأساسي الذي يدور عليه الكلام ولا يتصل بأحكام الإرث إلا بصورة عرضية. ذلك أنها لو فعلت لفهمت أن الأمر لا يتعلق بالإرث أو بمنزلة الورثة عند الله بل بتعديل منزلتهم عند صاحب الملكية عند التفكير في توزيعها بين أقربائه لئلا يبني وصيته على ظنونه:  » …آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما » (النساء غاية الآية 11 منها) من كان يبحث عن فهم هذه الآية في صلتها بأحكام الإرث فعليه أن يفهم موضوعها أولا والمبدأ الذي تضعه ثانيا: عليه أن يبدأ بالمنطوق قبل العجلة التي أجاءته إلى المسكوت عنه. فالمعلوم أن المالك له صلة بما يملك وبمن سيوصي له مما يملك. والصلة الأولى هي حق الملكية أعني حرية التصرف في ثمرة عمله. والصلة الثانية هي صلته بمن يمكن أن يفيده بما يملك حسب ظنه أو علمه المظنون بما أفاده به في حياته أو بما سيفيده به بعدها: وهو جزء من حق التصرف في الملكية ويسمى حق الوصية. لكن الوارث لا صلة له بالملكية ذاتها بل صلته بمالكها فحسب خاصة إذا لم تكن الملكية ثمرة لعمل كل أفراد الأسرة وخاصة للرجال منهم في النظام القديم: وهي صلة قرابة أو صداقة ولا علاقة لها بالملكية إلا إذا كان شريكا. لذلك فلا حق للوارث في ما يملك المالك ما دام حيا: الإرث حق بعد الوفاة بمقتضى إرادة المالك (الوصية) أو إرادة المشرع (الحد من حق حرية التصرف في الوصية) وهو حق لا وجود له قبلها. لذلك فمحدد الحسم في المسألة أمران لا يتصلان بحق الوارث: الأول هو علاقة المالك بما يملك والثاني هو علاقته بمن سيختاره لينقل إليه ما يملك. والعلاقة الثانية هي التي تحدد عملية النقلة وهي التي انطلق منها نص الآية في تحديد الفرائض. أما العلاقة الأولى فهي بمنأى تام عن المنقول إليه. وموضوع الآية هو إذن محاولة تخليص هذه العلاقة من تحكم المالك الذي يبنى تفضيله لوارث على وارث يبنيه عادة على العلاقات العاطفية وعلى الظنون المتصلة بنوايا من يمكن أن يحتاره المالك ليرث ملكه. الكلام يدور إذن حول محددات إرادة المالك في توزيع ملكه: هل يكفي لتحديدها علم المالك بعلاقة من يمكن أن يورثهم ملكه بحسب ما يدركه مما يتصوره من نفع يحصل له منهم ؟ أحكام هذه الآية تتصل بمسألة الإرث من هذا الوجه لا غير وهي تريد أن تؤطر إرادة المالك أو حرية تصرفه بالوصية في ما يملك حتى لا تكون مطلقة الحرية بمجرد الاعتماد على الظن: إنها إذن حد من حرية المالك في الوصية وليست تحديدا لحقوق الورثة إذ ليس للورثة حق بل ليس لهم وجود قبل أن يحددهم نص قانوني (يحد من حرية تصرف المالك في الوصية) أو وصية المالك. لذلك فلا حق لمن سيصبح وريثا ما لم تحدده وصية أو شرع يحد من الحرية المطلقة في الوصية. وبهذا الحد تختلف التشريعات في أحكام الإرث: فالتشريعات الحديثة (الفرنسية على وجه الخصوص لكون الأستاذة اختارت منها حكم ابن الزنا وللناس في ما يختارون من الصور أسرار) تكاد تلغي هذا الحق بأن تجعل للجماعة فيها الحق الأول بتوسط الضريبة على نقل الملكية وهو ما لا يقره الشرع الإسلامي.. والنص القرآني لا يحدد حقوق الورثة بل يحد من حق المالك في الوصية لئلا يحرم البعض لمجرد الظن. الفريضة التي تشير إليها الآية هي إذن فريضة الحد من حرية المالك المطلقة في المفاضلة بين أبنائه وآبائه عند تقسيم ما بقي من ماله قبل الوفاة. ويؤيد هذا الفهم الحد من حرية الوصية في التشريع الإسلامي عند ضم الحديث للقرآن: فالوصية للورثة ممنوعة والوصية لغير الورثة لا تتجاوز ثلث ما سيصبح تركة. وهنا نصل إلى بيت القصيد في النظام التشريعي الإسلامي بعيد الغور النظام الذي يتجرأ عليه بعض المتفلسفين بأفقر أدوات الفكر لو كانوا يعلمون. وحتى نفهم بعد الغور فيه فلنطرح سؤالين جوهريين لكل عمران سوي: 1- ما النظام الاقتصادي الذي نريده؟ هل نريد مجتمع الشركات العامة التي تجعل الناس أرقاما فاقدين للذوق هدف الحياة الأول أم مجتمع الوحدات التآنسية التي يتحرر فيها الذوق قدر المستطاع من سلطان أسباب الحياة القاهر ؟ 2- وما طبيعة الحياة العاطفية المحددة للانتخاب العضوي بمعاييره السوية طبيعتها التي نريد ؟ فالتزاوج الداخلي الذي يصبح القاعدة بمؤثرات العامل الاقتصادي يؤدي إلى الأمراض البايولوجية لفرط تأثير دافع الحفاظ على الملكية الدافع الذي لا ينكره إلى متعام. فالتزاوج الخارجي الذي يمكن من تحقيق شروط الصحة العضوية هو التزاوج الذي يكون المحدد الأول فيه الذوق لا الرزق. ولا يتحقق ذلك إذا كان الطمع في إرث المرأة حائلا دون تحريرها من التزاوج الداخلي من أجل الحفاظ على الملكية ومن ثم مانعا لطلبها من الخارج لقوة الدافع المالي فلا يبقى إلا طلبها الداخلي. ولو انتبهت النخب العجلى إلى هذه البعائد لترددت كثيرا في الجرأة على كل شيء مع الجهل بأدنى شروط الفهم العميق لمقاصد الشرائع في حياة العمران. فحتى لو سلمنا لهم بأن الشرائع كلها من جنس الشرائع الوضعية فإن الأوضاع ليست متساوية للتمايز بين عقول الواضعين. فمنهم من يرى البعائد ويسميهم اليونان حكماء. ومنهم من لا يرى أبعد من ذبابة أنفه ويسميهم العرب سفهاء. فما أشقى المرأة التي يختارها المغازلون لمالها ! ولعل الباحثة بمقتضى الجنس والخبرة أدرى مني بالمفاضلة بين المرأة تُختار حبا لذاتها وجمالها أو تُصطاد طمعا في ما عندها ومالها ! والسؤال الآن هو لم كان الحد القرآني من حرية تصرف المالك في الوصية بهذه الصورة التي جعلت بعض المعاملات من العبادات دون أن تحافظ على مبدأ العبادات الأساسي أعني المساواة بين البشر من حيث منزلتهم عند الله إلا بالتقوى أو العمل الخلقي في التعارف كما حددت ذلك آية التعارف ؟ أي لماذا لم يفرض الله الحد بصورة تجعله يساوي بين الذكور والإناث في هذه الفريضة رغم كونها فريضة أي عبادة وليست معاملة ؟ وهذا السؤال كان يمكن أن يكون مفهوما لو طرحته الباحثة بعد أن تكون قد برهنت على فهم معنى الآية بالقصد الأول. ذلك أن تحديد مقادير الإرث هو معناها بالقصد الثاني. وهذا القصد الثاني لا يمكن أن يفهمه من غاب عنه القصد الأول. فإذا كان الشارح لم يفهم أن الآية تتعلق بالحد من حرية المالك في التوريث بحسب ظنونه فإنه لا يمكنه أن يفهم القصد من المقادير التي اختيرت حدا بمعنى ما لا يمكن النزول دونه. ذلك أن ما فوقه يبقى ممكنا بعدة طرق لم يتأخر بعض المالكين والفقهاء عن تصورها وتطبيقها بل هم تحيلوا في الاتجاه المقابل للهبوط دون هذا الحد الأدنى وحتى لحرمان المرأة من الإرث أصلا اتباعا لما نبهت إليه الآية وحذرت منه لعلم الله بأن الغالب على البشر بالجبلة تفضيل الذكور على الإناث: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا. والجواب هنا مضاعف ويفهم بفرضيتين: 1- فلو فعل نص الآية فحقق المساواة في توزيع الإرث لكان ذلك معارضة مطلقة لحرية المالك في التفضيل أعني في حرية الوصية. والحد من حرية المالك في الوصية يفقد معناه إذا لم يكن مشروطا بدواعي الحاجة إلى الحد منها: إنها في النص القرآني المعيار المتحكم في إرادة المالك إرادته التي تعبر عنها وصيته والتي يفهم منها قيس المالك لمقدار الموصى به بنفع الموصى إليه له. ومن هذا القاعدة العامة التي تكاد تكون كلية تنتج قاعدة تفضيل الذكور على الإناث فهي أمر شبه كوني في المجتمعات البشرية. لكن الحد القرآني الذي يعترف بهذه الظاهرة اقتصر على وضع مبدأ الحد الأدنى (حظ الذكر مثل حظ الأنثيين) ولم يمنع حق الهبة للبنات لمن كان من الآباء لا يقول بهذا الأمر شبه الكوني. والهبة غير الوصية لأنها تتم في حياة المالك وليست بعد وفاته: والهبات يمكن أن تأخذ شكل البيع بسعر تفضيلي ورمزي تجنبا للمماحكات القانونية بعد الوفاة. لكن هذا الفهم رغم اختلافه عن تعليل إخوان الصفاء الذي هزأت منه الباحثة دون عميق فهم لا يقدم من المسألة إلا علتها السطحية وهي علة رغم وجاهتها أقل أهمية من العلة العميقة ذات الغور البعيد والتي لا يدركها من يسارع لطلب المسكوت عنه ويهمل المنطوق به أعني بعائد المعرفة العلمية بقوانين العمران. وهزء الباحثة من تعليل إخوان الصفاء لا يستحق الذكر لو لم يكن مشفوعا ببشاعة لا يقبلها حتى الحداثي لأنها مناقضة لما يعتمد عليه من حجج: فإذا كان الصداق أجرا للاستمتاع يعني المتعة الجنسية كما فهمت الأستاذة فهو أذن أجر لما لا يستحق الأجر إذ الاستمتاع بهذا المعنى متبادل فلم ينبغي أن يدفع الرجل أجرا وكلا الجنسين يستمتع بالعلاقة الجنسية ؟ لكن القرآن لم يقصد بالاستمتاع ما فهمت الباحثة. فلو كان ذلك هو القصد لما وجد فرق بين الزواج وزواج المتعة. أفتكون منازل الأسر مجرد مواخير خاصة عند الباحثة والصداق بمقدمه دفعة أولى مقابل جملة عمليات الجماع ثم يصفى الحساب بالمؤخر منه؟! وهل يستغرب مثل هذا التصور ممن يقيس المنزلة الوجودية بمقدار الإرث ؟ 2- ولو فعل نص الآية ما تطلبه الشاكيات مما سمينه بجرح التفضيل الإلهي لفقدت الملكية دوريها المقومين لتوازن القوى بين وحدات العمران الإنساني الدنيا اقتصاديا وبايولوجيا. فالمعلوم أن العمران البشري كله يدور مباشرة حول موضوعين وردا في سورة النساء ويدور بصورة غير مباشرة حول نوعي السلطان الناتجين عنهما في العمران. ويعبر عن الأمرين المباشرين في الأنثروبولوجيا بمادتي التبادل الأساسيتين وموضوعي التواصلين المصاحبين لهما موضوعيه الجوهريين إما لعلمه (مصدر السلطان الرمزي) أو للعمل به (مصدر السلطان الفعلي). فالعمران كما يمكن أن يستنتج من نظرية ابن خلدون ومن تفسير سورة يوسف عليه السلام ليس هو إلا الحل الذي تمكن الإنسان من وضعه خلال تاريخه المتعثر لعلاج هذين التبادلين والسلطانين المترتبين عليهما من أجل تحقيق الوحدة المتعالية عليها أربعتها بوصفها الوجود المادي والروحي للجماعة البشرية: فالتبادلان المقومان للعمران هما: 1- التساكن للتآنس ويدور حول معنى الذوق وأصله الحب عامة والحب المؤسس للوحدة الدنيا للقيام الإنساني أو الأسرة 2- والتعاون للتعايش ويدور حول معنى الرزق. وكلا التبادلين مصحوب بتواصلين هما بالجوهر علم وعمل لما يقتضيانه من نظام يزع المتبادلين ويضبط الحقوق والواجبات: 3- فالأول نظامه ووازعه خلقي روحي ومهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوى الرمزي من وجود الإنسان 4- والثاني نظامه ووازعه سياسي زماني ومهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوى الفعلي من وجود الإنسان. ولا يتحقق التلاحم بين المستويين المضاعفين من العمران من دون مبدأ موحد: 5- ثم مبدأ عام يوحد الكل في الجماعة ذات الهوية شبه الواعية بكونها ذات منفصلة عما عداها من الجماعات بكيان جغرافي تاريخي معين يمكن أن نسميه أمة. فأما التبادل الأول فهو التبادل الذوقي عامة وأهم شيء فيه هو الحب والتواصل العاطفي الذي تنبني عليه الحياة التآنسية والتواصل بين وحدات إنتاج الإنسان نفسه في المجتمع: الأسر سواء في أضيق مستوياتها (الخلية الأسرية الدنيا) أو في أوسعها (القبيلة). وأما التبادل الثاني فهو التبادل الرزقي عامة وأهم شيء فيه هو الملكية والتواصل المصلحي الذي تبني عليه الحياة الاقتصادية والتواصل بين وحدات إنتاج أسباب عيش الإنسان في المجتمع. والمعلوم أن السلطان على محددات التواصل الأول والسلطان على محددات التواصل الثاني ينسحب كل منهما على الآخر. وغالبا ما يصبح العامل الثاني المحدد الأساسي للعامل الأول: أي إن الزيجات تكون في الأغلب مصلحية فلا يكون الذوق هو المحدد بل الرزق هو الذي يعود إليه التحديد في المقام الأول إذ يدخل في الاعتبار عامل الملكية والإرث المتوقع قبل عامل الذوق وخاصة في المستويات التي تصبح فيها الملكية ذات دلالة سلطانية أي تمكن من سلطان ما يقاس بالمنزلة في السلم الاجتماعي إلخ.. لذلك فإن تحرير المبدأ الأول (سلطان الذوق) من المبدأ الثاني (سلطان الرزق) ييسر التبادل الذوقي أو بلغة سطحية يجعل تبادل النساء متحررا ما أمكن التحرر من تأثير تبادل الرزق. وذلك هو الشرط الضروري ولعله الكافي كذلك لتشجيع التزاوج الخارجي والعزوف عن التزاوج الداخلي فيحصل التبادلان بأفضل طريقة للفصل بينهما ما أمكن أعني بالحد من تأثير الثاني في الأول: التبادل الذوقي والتبادل الرزقي. ثم إن هذا الشرط لا يقتصر على تشجيع التزاوج الخارجي بل هو أيضا يحافظ على معنى التقابل بين الداخل والخارج بمعيار موضوعي فيمكن من تمتين التلاحم الداخلي في الوحدات الدنيا ومن توطيد التواصل الخارجي بينها: فالثبات النسبي لملكية الأرض أو رأس المال مثلا في الأسرة يجعل الملكية تنمو ويقلل من انفراط الوحدات الدنيا للعمران أعني وحدات التساكن للتآنس. ومن له دراية بعلم الاقتصاد يدرك أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على أساسين ليس منهما بد: احداهما محررة للإنسان والثانية مستعبدة له. فالوحدات الاقتصادية ذوات الاسم الخفي تزيل الحدود بين الوحدات الدنيا (الأسر والشركات الأسرية) بل وحتى بين الوحدات القصوى (مثل الأمم والدول) فتزيل النسيج الاجتماعي عامة سواء كان وطنيا أو دوليا ويصبح الجميع أرقاما في آلة جهنمية هي بالذات مجتمع الحداثة التي يكون فيها الإنسان لولبا من لوالب السوق أو برغيا من براغيه. والشركات المتوسطة والصغرى-وهي في الأغلب أسرية-لا تقتصر على المحافظة على الملكية وحدها بل هي تحافظ في نفس الوقت على النسيج الإنساني الذي هو المطلوب الأول والأخير للحياة البشرية إلا عند من يفضل الأرقام على البشر. ثم إن دورها التنموي لا يقل عن دور الأولى بل إن دورها التنموي أهم بكثير لأنها هي التي تمثل أهم مغذ لسوق الشغل إذ إن الشركات الكبرى تستعيض بالآلة عن العمال والشركات الصغرى ليس لها القدرة على كلفة الآلات فتبقى مصدرا مهما للعمل الإنساني. بل إن الشركات ذات الاسم الخفي بخلاف ما يظن من ليس له علم بالاقتصاد الحديث لا تستمد قوتها الاقتصادية إلا من هذه الشركات ذات الاسم العلني الذي هو في الغالب اسم أسرة: إنها في الحقيقة ليست وحدات إنتاج بل هي وحدات تسيير للإنتاج الذي لا يتحقق حقا إلى في الشرطات الصغرى والمتوسطة وهي إذن من جنس تغول السلطان الرزقي الذي يلغي الذوق لكي لا يبقي إلا على سلطان السوق. وذلك هو المعنى الحقيقي لمصطلح الاستمداد الخارجي الانجليزي Outsourcing الذي لجأ له الاقتصاد الحديث للجمع بين الشكلين من عمل الملكية من حيث هي أداة إنتاج اقتصادي ويماثله انتقال وحدات الإنتاج إلى البلاد النامية بالمصطلح الفرنسي Délocalisation حيث لا يزال العمل جاريا في وحدات صغرى تحافظ على التساكن من أجل التآنس حيث لا يزال لهاتين الكلمتين معنى عند أهل البلاد التي تنتقل إليها الصناعات الفرعية المغذية للشركات الأم: وهنا ينبغي التذكير بمعنى الاستمتاع القرآني الذي ظنته الاستاذه تحويلا للأسر إلى مواخير في حين أن القصد هو التآنس والتساكن حيث يكون للمرأة الدور الأكبر في كل المجتمعات أيا كانت مزاعم التقدميين. المسألة الثالثة وحاصل القول مما سبق أن النخب العربية التي تدعي التفلسف بقراءة كتاب أو بلغة تونسية خالصة النخب التي « من زبيبة تسكر » لا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف المسكوت عنه من النصوص الدينية وأولى خطاهم القفز على المنطوق به فيها حتى لو سلمنا لهم بحق معاملتها معاملة النصوص الأدبية. فمن شروط فهم أي نص العلم بالظاهرة التي يعالجها في ذاتها وبالقصد الأول. وهي هنا ظاهرة مضاعفة: 1- اقتصادية في علاقتها بقانون الملكية وحق التصرف فيها بالوصية والتوريث تحديدا لدوري الملكية المقومين لجوهرها: دورها الدال على القدرة المحققة للإرادة عند الشخص الإنساني من حيث هو ذات مدنية لها حقوق وعليها واجبات ودورها الدال على النسيج الرزقي المحقق للتعاون من أجل القيام المادي لحياة الفرد والجماعة. 2- وبايولوجية في علاقتها بما يترتب عليها في تبادل النساء في العمران تبادلهن الذي ينبغي تحريره من تأثير العامل الاقتصادي حتى لا يلغي كل إمكانية للتزاوج الخارجي إذا كان خروج المرأة سيؤدي إلى تهديم الرصيد الرزقي. وهكذا فهذا النص القرآني لا يعالج قضية المساواة بين المرأة والرجل ولا مسألة المنزلة الوجودية للإنسان ذكرا كان أو أنثى بل هو يعالج مسألتين ليس من علاجهما بد لتحقيق أفضل شروط القيام الاقتصادي والبايولوجي للجماعة: الحد من حرية المالك في التصرف في ملكه بصورة تحول دونه والتحول إلى طاغية فيكون في تصرفه وكأنه رب وينسى أن علمه بعلاقة غيره به محدود فضلا عن علمه بأثر الملكية والعواطف في السلطان المستمد منهما على الحياة البشرية الجماعية. الحد من دور الرزق في الذوق لتحرير تبادل النساء من سلطان المال فلا يكون ما يعود إليها من مال الأسرة حائلا دونها والخروج منها إلى أسرة أخرى فيمتنع التبادل الخارجي ويصبح المجتمع أسرا منفصلة تمام الانفصال ويصبح المجتمع ارخبيل قبائل فضلا عما يؤدي إليه ذلك من فساد بايولوجي بسبب التزاوج الداخلي إذ إن ما حصل من فصل بين القبائل سيحصل بين أفخاذ القبيلة الواحدة وهكذا إلى أن نعود إلى زواج الأخ من أخته أو إلى حرمانها من الإرث أصلا وفرض العنوسة عليها. وتلك هي وظيفة القانون: التوفيق بين عدة عوامل لتحقق التوازنات الأساسية لقيام العمران ذوقا ورزقا وسلطان ذوق (السلطان الروحي) وسلطان رزق (السلطان الزماني) ووحدة الكل في الجماعة المتجانسة في حياة لا تقتصر على تحديد المنازل بالرزق بل يكون فيها للذوق المنزلة الأولى. ليست وظيفة القانون تحديد المنازل الوجودية بل حمايتها بهذا التوازن الذي ذكرنا. أما تحديدها فهو مادة لضرب آخر من النصوص كما سنرى في هذه المسألة الثالثة. بينا أن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية لا بذاتها ولا بمقدارها إلا عند من لا يدرك المقصود بالمنزلة الوجودية حصرا إياها في الأمر الواقع لعلاقات القوة الاقتصادية وبينا مقومات المنزلة الوجودية وبقي أن نسأل عن مدلول التفضيل الإلهي وهل هو لصالح الرجل أم لصالح المرأة في القرآن الكريم. ولن يفهم هذا التحليل إلا من كان متحررا ما أمكن مما ربي عليه من أحكام مسبقة استبدلت الصور المشوهة لما انحط من حضارة المسلمين بالمعاني العميقة للقرآن الكريم سواء كانت هذه الصور المشوهة موجودة فعلا أو من وقع الأدبيات الاستشراقية بكل أجيالها. ولنبدأ بمدلول التفضيل الإلهي: فهو قضية أساسية في نظرية العدل أو التنزيه ويشار إليها عادة بمصطلح مركب من كلمتين يونانيتين تفيدان العدل الإلهي Théodicée. لو كان التفضيل الإلهي تفضيلا بمعنى الاجتباء التحكمي غير المعلل لكان ظلما إلهيا. وهذا هو قصد الجرح الذي تتكلم عليه الأستاذة. وكلامها يكون صحيحا سواء صح التفضيل لصالح الرجل أو المرأة أو أي كائن آخر لو كان القصد به هذا الفهم من التحكم الإلهي. فالتفضيل الوارد في القرآن له خمسة معان: 1- تفضيل آدم وبنيه على الملائكة باستخلافهم 2- وتفضيل بني أسرائيل على العالمين باصطفاء الكثير من الأنبياء منهم قبل نقض العهد 3- وتفضيل المؤمنين على الكفار بتوريثهم الأرض. وقبل هذه الثلاثة الصريحة نجد تفضيلين مضمرين هما: 4- تفضيل الوجود على العدم قبل النشأة الأولى 5- ونجد بعدها تفضيل البعث على العدم بعد النشأة الثانية. وكل هذه الضروب من التفضيل معللة. ولا أعلم تفضيلا آخر ورد في القرآن بهذا الوضوح. لذلك فالكلام على تفضيل الرجال على النساء في آيات الإرث والنشاز ليست بالأمر البين كما يتصور العجلون. لأن الآية الوحيدة التي ورد فيها ذكر التفضيل عند الكلام على العلاقة بين الرجل والمرأة لم يعين الفاضل فيها ولا المفضول. ذلك أنها نسبت ما يتصوره البعض علة القوامة الأولى أو الإنفاق إلى الرجال لكنها لم تنسب الفضل إليهم بل بقي الضمير والتبعيض (فضل بعضهم على بعض) شاملا لكلا الجنسين عند من يحسن القراءة. فإذا لم تفهم القوامة بمعنى السلطان-وهو احد الفهوم لكنه هو الذي طغى- بل فهمت بمعنى الرعاية بات المفضل في هذه الحالة هم النساء لأن القيم يكون في خدمة ما هو قيم عليه. فيكون الرجال قيمين على النساء لأنهن أفضل ومن هذه القوامة الإنفاق. وتعليل هذا الفهم هو بالذات المنزلة الوجودية التي أكثرت الباحثة الكلام عليها دون فهم معناها للجهل بالفرق بين المقوم والعرضي. فإذا قيست المنزلة الوجودية بما تقاس به في الفكر القديم والوسيط (بمنطق القائلين بتاريخية النصوص والباحثة منهم) كان المعيار في تحديد المنزلة الوجودية هو معيار التراتب بين المادة والصورة الذي هو غير الترتيب بينهما. ومعنى ذلك أن السابق شرط اللاحق ماديا واللاحق شرط السابق غائيا: فما صنع من شيء يكون وجوديا أسمى منه وجوديا لأنه يكون صورة بالقياس إليه مادة. ولما كان المعتقد السائد عندئذ أن المرأة خلقت بعد الرجل وهي منه حتى لو صدقنا أنها من ضلع فقط فإن معنى كون الرجل مادة صنعت منه المرأة يجعله في نسبة المادة إلى الصورة فيكون بالقياس إليها أقل تطور في سلم التصوير الوجودي أعني دونها منزلة وجودية. ذلك أنه لو كان الرجل أرقى وجوديا لكانت المرأة مادة وجوده لا العكس ولكان هو الصورة والغاية وهي المادة والبداية. الرجل هو الشرط المادي لوجود المرأة وهي الشرط الغائي لوجوده لها ما عنده مع ما أضيف إليها لتكون غيره ولا يختلف عنها إلا ما ينقصه بالقياس إليها. لذلك فهو يكون قائما بها وليس قائما عليها فحسب: قيامه عليها سببه قيامه بها لأن المرء لا يحفظ إلا ما يعز وقد يفسد إدراك ذلك في التعامل المرضي. لكنه يبقى لا يتحول في التعامل السوي: فالسلطان الفعلي بيدها حتى وإن بدا السلطان الوهمي بيده بل هو لا يجد في سلطانه معنى إلا بما تلاعبه به من قبول هذا السلطان القبول الطوعي. وهذا قانون كلي: فهو يشمل كل الكائنات الحية ويدركه كل ذي بصيرة. وبهذا المعنى فإن الرجل مقدم في السلطان على الرزق أعني السلطان الزماني أي سلطان الأدوات والمرأة مقدمة في السلطان على الذوق أعني السلطان الروحاني أي سلطان الغايات: والسلطان الروحاني يبدو تابعا للسلطان الزماني لكن التبعية في العمق هي للروحاني على الزماني دائما. فالذوق هو الحكم في الغاية لذلك كان صاحب السلطان الزماني تابعا دائما لصاحب السلطان الروحاني. وفي الحقيقة فإن التبعيتين موجودتان. لكن تبعية الروحاني للزماني هي تبعية المبدأ الصوري للمبدأ المادي أي إنه يحتاج إليه حاجة طالب المبنى للمبنى وتبعية الزماني للروحاني هي تبعية المبدأ المادي للمبدأ الصوري أي إنه يصبو إليه صبو طالب المعنى للمعنى لكأن المرأة هي المدلول والرجل هو الدال ووحدتهما هي عين الدلالة في ما يسمى سلطانا من حيث هو عبارة المنزلة الوجودية التي يسميها ابن خلدون: حب التأله أي الحرية المطلقة. ولما كان الرجل ممثلا للعلة المادية بالنسبة إلى المرأة فإن ما يعني المرأة منه هو ما فيه مما يهم الصورة في فعل التصوير: أن يكون أمرا بحاجة إلى صقل هو عين عمل التصوير. وما يحتاج إلى الصقل هو هذا العصيان المادي والصبو إلى الغلبة خلال التعبير عن الانغلاب: لذلك كان الحب لطيفا بما فيه من بقايا الوحشية التي لو خلا منها لفضل عليه الجنسان العلاقة المثلية دون سواها. وهو ما بدأ يغلب في العمران الذي خلا مما وصفنا. لكن الدليل الموجب على ما نقول هو ما يحصل فعلا وليس بمجرد الفرض: فالمرأة التي تدعي رفض هذا التشخيص لا ترفضه إلا في العلاقة الزوجية لكنها تطبقه في العلاقة الغرامية: فهي فيها تطلب الذكر الأقوى فتخضع خضوعا ليس له مثيل إلا ما نراه عند الأنثى في جميع الكائنات الحية بعد لعبة الإغراء لاختيار الذكر المناسب. وكذلك يفعل الرجل: فهو يقبل كل التضحيات لكأنه من فوارس الجاهلية العربية في مثل هذه العلاقة دون أي شعور بأن رجولته في الميزان مهما كان هشا وبشا. فيكون غرض الشارع أن يجعل ذلك ممكنا في العلاقة الشرعية بين الزوجين إذ يصبح من بنود عقد الزواج: أن يتصرف الزوجان وكأنهما عشيقان وهو المقصود بأن العلاقة تكاد تكون علاقة عبادة من المرأة للرجل وعلاقة تقديس من الرجل للمرأة دون أن يكون في ذلك حاجة لتطبيق الآية التي سخرت منها أعني آية التدرج في حفظ العلاقة الغرامية بين الرجل والمرأة (بشرط أن يكونا مسلمين أي يطبقان على أنفسهما ما يطالبان به غيرهما: إذ لا يحق لمن لا تتوفر فيه شروط الإيمان بأصل الحكم أن يطبق ما له ويتنكر لما عليه منه) حفظا قد يؤدي إلى مراحل العقاب الثلاث عند حصول النشاز (من قبل المرأة لأن للنشار من قبل الرجل له حكمه المناظر المحدد لطبيعة المسألة في الحالتين لكن الناس لا ينتبهون إليه لفساد طرقهم في القراءة والفهم) مع عدم التسريح بالمعروف بسبب صمود العلاقة الغرامية بين الزوجين. ذلك أنه لو لم تكن الآية تتعلق بهذا النوع من العلاقة لما كان الحكم بحاجة إلى هذا التدرج ولكان الحل البديل المغني عن جميع الدرجات هو حل التسريح بالمعروف. لكن السلطانين الزماني (الذي يغلب عليه دور الرزق) والروحاني (الذي غلب عليه دور الذوق) أصبحا لا اسميين في العمران الذي باتت فيه المنزلة الوجودية تقدر بالمنزلة الاقتصادية أعني أنهما أصبحا فكرتين مجردتين فاقدتين لكل تعيين رغم أنهما في الحياة غير الشرعية الموازية للحياة الشرعية هما الفاعلان حقا بل هما المهربان من هذه الآلية الجهنمية كما بينا في العلاقات الغرامية غير الشرعية التي صارت بديلا من الزواج الذي بات مجرد شركة اقتصادية لا غير: ولسوء الحظ فالعلاقات الغرامية نفسها قد يكون أفسدها استغلال السلطان الأكاديمي في توزيعه العناوين الجامعية! إن الآلية العمياء لفكر التحديثيين الذين فقدوا كل ذوق جعلت المساواة الرياضية العمياء أو الرقمية التامة مثال المنزلة الوجودية مثالها الأعلى. وكان ينبغي عندئذ أن يعترفوا بأنهم لا يعترفون إلا بنوع واحد من المنازل: منازل الأرقام اللااسمية في سوق السوقة أعني البضاعة التي يحدد منزلتها السوقية عرض المتسوقة وطلبهم. المسألة الرابعة لم أفهم لجوء الاستاذة إلى قياس الإرث المخول للمرأة في الشرع الإسلامي بالإرث المخول لابن الزنى في القانون الفرنسي. فهل وحدة المقدار بمجردها كافية لتكون مبررا للقياس؟ ومع ذلك فلست ممن ينفي حرية الباحثة في اختيار نموذج الصوغ النظري الذي ترتئيه: فلها كامل الحق في ذلك. اختارت الباحثة إذن أن تقيس هذين الأمرين ربما بسبب ما فيه من التبشيع المقصود إذ قد بينا ما يجعل القياس خاليا من الدور المأمول في عملية معرفية تعتمد على ترجمة من هذا الجنس وهو فيها لا يكون مطلوبا إلا لهذه الغاية. فأصبحت الترجمة مجرد حيلة خطابية توحي للقارئ بسؤال استنكاري قد يكون نصه قريبا من: كيف يمكن لشريعة يزعمها أصحابها سماوية أن تكون نظرتها إلى المرأة دون نظرة شريعة وضعية لابن الزنا ثم يواصل المؤمنون بها اعتبارها مقدسة ؟! وهذا أيضا مما لا أناقش فيه. فهو أمر مشروع عند من يميل إلى الكتابة الخطابية رغم بدائيته لخلوه-ليس بالذات-بل عند الباحثة من حذق الخداع الذي يرغب فيه الخطباء: فالاستبشاع من أدوات التأثير في الإقناع الخطابي بشرط أن يكون خفي الخيوط وبارع الحياكة فلا تبرز مخارزه للعين المجردة فيفتضح صاحبه ويحصل الوقع المقابل. أما منطقيا فقياس الباحثة بين الحالتين المقيسة والمقيس عليها لا يستقيم إلا إذا سلمنا لها بما بنت عليه علاجها: سلمت أن العلاقة بين مقدار الإرث دالة المنزلة الوجودية للوارث دالة بالمعنى الرياضي للكلمةfunction (in a mathematical meaning) ومن ثم فالتساوي في مقداره دليل على التساوي في مقدارها (بل هي ذهبت إلى أكثر من ذلك إذ الحل الإسلامي بات عندها مفضولا والحل الفرنسي فاضلا لأن ابن زنا في هذا أكبر حظا من البنت في ذاك). وقد عالجنا مسألة العلاقة بين المنزلة الوجودية والملكية والإرث عالجناها آنفا في ثانية المسائل الموضوعية فبينا سخف هذا الحكم فضلا عن كونها تسلمته ولم تعتبره بحاجة إلى دليل. لكن إذا كانت الباحثة قد اعتمدت طريقة الترجمة فمعنى ذلك أن الظاهرة المترجم إليها تبدو لها ذات شفيف كاشف للبنية النظرية التي أرادت استخراجها لشرح سطح الظاهرة بعمقها أعني بالنموذج المحدد لقوانينها بالمعنى الرياضي للكلمة. وليس بعزيز أن تجد في حديث المتحدثات عن الحداثة من يفهمن هذه الأحداث البديهية لأن حظهن من العلم ينبغي ألا يقل عن حظ ابن الزنا حتى في القانون الفرنسي قبل تعديله الأخير إرثا عن أصحاب الحداثة قيسا لقيمها على قيم الملكية في مثالنا. فعندما نترجم معطيات مشكل رياضي بلغة الجبر لحله فنصوغ معطياته بمعادلة جبرية يكون المقصود بالترجمة الانتقال من الصوغ الذي ينطق بمعجم اللغة الطبيعية ونحوها إلى الصوغ الذي ينطق بمفردات الجبر وقوانينه. عندئذ تصح الترجمة الصوغية: إذ النقلة تغير مستوى الصوغ فتيسر إجراءات العلاج لكونها تبين الخفي من البنية الباطنة للظاهرة المدروسة. وهي لا تكون كذلك إلا بافتراض شرطين يصعب أن يتوفرا في مثال الأستاذة متراتبين على النحو التالي: فالشرط الأول هو أن يكون الانتقال ضروريا للعلاج علما وأن فعل الانتقال من الصوغ الذي لا يقبل العلاج العلمي (إرث البنت في الإسلام) إلى الصوغ الثاني (إرث ابن الزنا) الذي يقبله ذا قواعد معلومة لأهل الاختصاص ومتفق عليها: شرط وحدة السياق بين الظاهرتين أعني عدم أخذهما بمعزل عنه وهو هنا روح القانون العامة. والشرط الثاني هو شرط الشرط الأول وهو أن يكون بين الصوغين تشاكل بنيوي يبرزه الصوغ الثاني ويخفيه الصوغ الأول وهو عينه ما يمكن من العلاج. فالصوغ الثاني ليس هو العلاج بل هو كما في مثال الصوغ الجبري يمثل منطلق العلاج المؤدي إلى الحل تحليلا أو تركيبا: شرط التشاكل البنيوي بين نظامي الملكية والوصية. فهل الحكم القانوني الذي يحدد الإرث عند ابن الزنا في القانون الفرنسي الذي تشير إليه الباحثة يشترك مع النظام الذي يحدد الإرث عند البنت في الشرع الإسلامي في غير المقدار ؟ وهل اعتبار انتقال الملكية بالإرث حقا للوارث يقتضي المساواة بين الورثة يبقي لمفهوم الحرية في التصرف في الملكية معنى خاصة إذا لم نجد أدنى مبرر لحصر هذا المبدأ في الأخوة ؟ وهل الاشتراك في المقدار وحده كاف للقول بالتشاكل البنيوي بين الظاهرتين الموصوفتين أم إنه يستوجب الاشتراك في العلة العميقة التي بموجبها يحدد المقدار أيا كان كما علل القرآن سبب نهي المالك من تفضيل من سيوصي له بما يظنه علما بمن هو أكثر نفعا له من بينهم ؟ والعلة إن وجدت ألا ينبغي أن تكون هي عينها جوهر المبدأ الوجودي الذي يستند إليه التشاكل البنيوي العميق تحت سطح الظاهرتين؟ والتشاكل المبني على المقدار حتى عند التسليم بقابليته للاستعمال في الكلام على الإرث معدوم في هذه الحالة بسبب الخلل في حدود المعادلة. فالمقارنة كان يمكن أن تكون مفيدة لو لم يكن أحد الحدود الأربعة مختلفا: فمقدارا الإرث متجانسان (النصف في الحالتين) لكن الوارثين من جنسين مختلفين (ذكر وأنثى) إلا إذا كان مدلول ابن الزنا يعني الجنسين عند الباحثة. لذلك فالتشاكل حتى لو قبلناه لن يكون وجوديا بل رياضي لا غير بمعنى انتسابه إلى طبيعة طريقنا إلى علمه وليس إلى طبيعته هو طبيعته التي لا ندري ما هي دراية تمكننا من زعم الكلام على المنزلة الوجودية لمن تنسب إليهم الحقوق. فعلاقة الطبيعتين إحداهما بالأخرى منعدمة أعني أن الوجود (معين المنازل الوجودية) والمال (معين مقادير الملكية الموروثة) ليس بينهما علاقة مباشرة. ومن يدرس العلاقة يجدها تمر بتوسط الحقوق التي تضبط أمرا يكون مشتركا بينهما له شيء من طبيعة حدي التوسط. فمن المنزلة الوجودية تنبع الحرية شرط إرادة الفعل في المجال الإنساني. ومن المال تنبع القدرة عليه في المجال الإنساني. فتكون العلاقة بين الملكية من حيث هي أداة الفعل والحرية من حيث هي علته وغايته أو العلاقة بين الإرادة وإحدى أدوات القدرة موضوع الحقوق التي تصل القانون الذاتي بالقانون الموضوعي ومن ثم تصل الذات من حيث أحد أبعاد منزلتها الوجودية بالملكية من حيث أحد أبعاد دورها في تحقيق أحد شروط الإرادة النافذة أي القدرة: فيكون الأمر كله متعلقا بحق تملك المال وبحرية التصرف فيه دون وصاية أيا كان مقداره وفي ذلك تتساوى المرأة والرجل في الشرع الإسلامي ولا أظن الأمر كذلك في أصل الشرع الذي أخذت الباحثة منه مثالها المحبب. ولن يختلف الأمر حتى لو كان كذلك إذ يكون التعلق بحرية التصرف وليس بمقدار المتصرف فيه. أما تساوي المقدارين وحده فهو غير كاف ليكون في المقيس عليه دلالة أوضح مما في المقيس في هذه الحالة على القانون العام الذي يشتركان فيه أعني في التشاكل البنيوي المطلوب المعلل للنقلة من أحدهما إلى الآخر ومن ثم الممكن من العلاج. ولا أظن الكاتبة تستعوص مثل هذا الكلام فهو واضح حتى للمبتدئين في فنون العلاج الرياضي فكيف بالمتجاسرين على تفسير القرآن بمثل هذه الأقيسة العجيبة ؟ وظني-والله أعلم- أن علة نصف الإرث عند ابن الزنا غير علة نصف الإرث عند البنت في الإسلام رغم علمي أن هذا النصف الأخير ليس معللا في أي نص قرآني اللهم إلا إذا حملنا محمل الجد ما استنتجته الكاتبة بتأويلاتها لتاريخ خصومة الإرث عند العرب في الجاهلية وفجر الإسلام. فكل هذه التأويلات أقل ما يقال فيها إنها ليست مبنية على قواعد سليمة كما سنرى في المسألة المنهجية الموالية. فعلة مقدار الإرث ينبغي أن تكون من جنس الموروث أعني أنها ينبغي أن تكون من خصائص الملكية الكمية وليس من كونها ملكية ولا من كونها دالة على الحرية التي هي مقوم من مقومات المنزلة الوجودية: فحرية التصرف في المال لا تقدر بمقدار المال بل بمقدار التصرف. ولا شك أن مدى فاعلية الحرية يمكن أن تقاس بمقدار المال في المجتمع الإنساني لتقدير المنازل الاجتماعية بمقداره وخاصة في المجتمعات الأليغارشية كالتي يحلم بها حداثيونا ويسمونها ديموقراطية: يصعب أن يفهموا التشريع المعد لمجتمع ذي قيم ارستوقراطية تشمل الجميع مجتمع للفضيلة فيه معنى وبها تحدد المنازل لأن معيارها التقوى في التعارف وليس التقية في التناكر. وفي هذه الحالة تكون علة النصف في إرث ابن الزنى -والله أعلم- تقليد موروث عن العرف الفرنسي قبل الثورة بقي في لاوعي المشرع الفرنسي. فهو ابن من أم لم تدفع لأبيه ما يقابل الصداق عندنا لأنه لم يتزوجها قانونيا-كما هو الشأن في عرفهم المشار إليه ولا ننسى أننا نتكلم على من عندهم ما يورث ولهم القدرة على الزنا المعلن والاعتراف بالأبناء الطبيعيين بالمصطلح غير الديني ما دمت أتكلم بلغة الأكاديميين المتحررين من هذه المفردات غير المحايدة فلا معنى لوصف العلاقة بالزنا عندهم !- فلا يكون له من الإرث إلا نصف حق الابن الشرعي الذي يرث من الثروة بكاملها – أعني من ثروة الأب وفيها ثروة الأم التي انضمت إلى ثروته والتي يعد الصداق جزءها الأهم-وليس من نصفها. وهذا يبين أن النصف هنا عادل بإطلاق. لكن مثل هذا التعليل منعدم في الحالة الإسلامية: ليس للأب مبرر لحرمان البنت من النصف الذي خصم من حقها الكامل بمنطق الباحثة إذ حتى هذه الحجة التي وجدناها لنصف ابن الزنا ليس لها وجود لبنت الحلال ! إنه حرمان تحكمي مائة في المائة: ليس من مبرر قابل للتصور من أصل الملكية نفسها كما في حالة ابن الزنا. لكن الباحثة استعاضت عن العلة التي حددها الشرع الإسلامي بعلة استنبطتها بعملية تأويلية غير مشروعة منطقيا وفلسفيا سنأتي إليها لاحقا. فالعلة عندها ليست إلا مجرد تحيل ينصف به الشارع المفضول للمحافضة على منزلته الدونية أو مفضوليته. وهو عندها لن يتحرر إلا بالعدل الذي هو عندها المساواة وهي في عرفها فوق الإنصاف. وكنت في الحقيقة أظن الإنصاف أبلغ من العدل لأنه يتجاوزه إلى الإحسان فإذا بي أجده قد أصبح حائلا دون العدل والمساواة. فلا العدل هو أن تعطي المرء ما يستوجبه مقامه ولا الإنصاف هو أن تقسم معه مناصفة دون اعتبار للمنازل بل العكس هو الصحيح عند فيلسوفة الحقوق في فقه اللغة الحداثية: ربي زدني علما. والمشكل الأهم في هذه الترجمة العجيبة أن الأستاذة لم تبحث في تعليل مناصفة ابن الزنا أصلا فضلا عن عدم الوعي بعدم تعليل مناصفة الإناث في الشرع الإسلامي. لكنها حاولت طلب التعليل من خارج النص واللجوء إلى أسباب النزول بدون رابط بين الآية وسبب نزولها كما حاولت طلبه من غير الآية إما في السنة أو في تاريخ الجاهلية. وهذا خروج عن مفهوم سبب النزول من أصله تسليما جدليا منا بأن سبب النزول يصلح تفسيرا لكون النصوص هي على ما هي عليه فيتجاوز كونه من دوافع إيجاد النص المعلومة وليس علة كونه على ما هو عليه. وحاصل القول إن الترجمة لم تكن بهدف صوغ المعادلة التي تساعد في العلاج بل هي من جنس حيل الخطابة التي تعتمد على الاستشناع الخطابي من أجل الاستفظاع الدرامي المؤدي إلى إقناع المخاطب برأي الخطيب الذي أعيته الحجة بمقومات ما يصفه بخطابه. ولعله من فساد الذوق أن يقارن المرء شرعا مقدسا عند شعبه حتى وإن لم يكن المقدس ذا معنى عنده بمدنس حتى في الشرع الوضعي الذي اعتمده رغم كونه يجهل منه العلل والأسباب: فتكون الشريعة الإسلامية في مسألة إرث البنت أشنع من الشريعة الفرنسية في إرث ابن الزنا. ولما كانت ثروة الأب ليست له وحده في نظام الملكية التي أخذ منها مثال إرث ابن الزنا بل هي ثروة الوالدين كان من المعقول جدا ألا يحصل ابن الزنا إلا على نصف ما يحصل عليه الابن الشرعي. ولما كانت الباحثة قد تكلمت عن ابن الزنى دون بنت الزنا فإننا لن ندلي برأي حتى تفعل على ألا ننسى المساواة بين حظ الزواني والزناة حظهم من العلوم التي تقيس المنازل الخالدات بالفاني من الممتلكات. المسألة الأخيرة لعل فهوم الحداثيين لا تزال دون إدراك الفرق بين السبب والعلة. لعلهم لا يدركون أن السبب لا يعدو أن يكون الحدث العارض الذي يمكن أن ينبه الإنسان إلى أمر. لكن علة الأمر غير سبب إدراكه. فالأمران ينتسبان إلى سلسلتين من الأحداث مختلفتان تمام الاختلاف: أولاهما متصلة بأثر وقعه يجري في مستوى الأحداث النفسيه (=صغائر التاريخ). والثانية لها تعلق بترابط الأحداث التاريخية (=عظائم التاريخ) الذي انتبه إليها الإدراك. وهذا الأمر مقوماته ذات ترابط وجودي لا يُعلم إلا بما يكونه العقل من ترابط بين حدود منطقية مشاكلة للحدود الوجودية ويُجهل إذا ظنت علله راجعة إلى الأحداث النفسية. ولنضرب مثالا مشهورا حتى يفهم من يدعي الفهم من دون أسبابه: فلو صحت نظرية مفسري التشريع الإسلامي بأسباب نزول القرآن لكانت خرافة التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن تفسيرا لبنية قانون الجاذبية! لافائدة من التذكير بدلالة المطلع الشهير لأشهر قصائد المتنبي. فتفسير جلائل التاريخ بصغائر أحداثه هو الأصل في الأهمية التي يوليها من يخلط بين أسباب النزول وعلل كون النازل هو على ما نزل عليه. ويذكرني هذا بموقف ابن خلدون ممن يفسر نكبة البرامكة بالعلاقة الغرامية بين العباسة والبرمكي وليس بالصراع السياسي بين العصبيتين العربية والفارسية. فعندي أن كل محاولات فهم التشريع القرآني بأسباب النزول-حتى لو توفرت وكانت العلاقة بين النص والأسباب ثابتة-لا تعدو أن تكون تفسيرا للتاريخ الكبير بالتاريخ الحقير: لذلك ترى كل الحداثيين يسترقون السمح لما يجري في بلاطات بلادهم لتفسير التاريخ بمقاسهم ماضيه كحاضره وجليله كذليله. سأستسمح القارئ باستطراد مشروع في مثل هذه الحالات التي يكون فيها علاج المسائل البنيوية سانحة لعلاج المسائل الظرفية. فقبل الكلام على هذه المسألة العويصة أشير إلى مأساة-ملهاة ركحها أقسام العربية في الجامعة التونسية. فعلوم العربية التي هي أسمى علوم الأمة ماتت وعوضها شبه من التفلسف مربع قل أن تجد له مثيلا في الجامعات التي جعلها النقد الذاتي تتحرر من سلطان الدجل: فبعض المختصين فيها أصبحوا فلاسفة تاريخ. وبعضهم أضحوا فلاسفة حضارة. وبعضهم أمسوا فلاسفة نقد. وهم جميعا باتوا فلاسفة تشريع. ولم يبق أحد في أقسام العربية مختصا في علوم العربية إذا أضفنا إلى هذا الرابوع الرطن بما يسمى اللسانيات بين قوم لا يكاد أغلبهم يجيد اللسان العربي حتى وإن صندق قواعده فضلا عن غياب تعدد الألسن الضروري لمثل هذه المهام. ووهم تفسير التشريع الإسلامي بأسباب النزول بدأها زعيم فلسفة التاريخ رغم كونه ينتسب إلى اختصاص العربية وتابعها زعيم فلسفة الحضارة رغم نفس الانتساب وأتمتها زعيمة فلسفة النقد رغم نفس الانتساب فصار عندهم الكلام في الفلسفة جزافا دون حساب: إذ كلهم يشتركون في جرأة التطفل على ما ليسوا مطالبين بعلمه جرأة لا يساويها إلا الجرأة على إهمال ما هم مطالبون بعلمه. فهل الآداب العربية تعد إلى فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد إعدادا يؤهل أصحابها إلى الخوض في فلسفة التأويل والشرائع والأديان خوض العلماء؟ أم إن المنتسبين إليها يعبرون عن مواقف شخصية في حدود ما يضمنه حق التعبير الحر للمواطن بخصوص التشريعات التي تنتظم بها حياة الجماعة ؟ لن أجادل إلا في الخلية الأولى من هذا الخيار. أما الخلية الثانية فلا جدال فيها. فحق المواطن حتى الغر حق مستقر له أن يقف ما اختار من المواقف. لكن أن يزعم البعض موقفه علما وأن يقدمه على أنه ليس موقفا شخصيا بل تأسيس لنظريات في فهم التشريع الإسلامي وتأويل مضموناته فيجعله مادة للتدريس الجامعي دون فهم لمعنى الفصل بين مجال النقاش العمومي بين المفكرين ومجاله الخصوصي لتدريس المضمونات العلمية في الجامعات فذلك هو ما أعتبره مأساة-ملهاة تجري على ركح أقسام العربية في جامعاتنا. ولنستأنف البحث في قضية العلاقة بين أسباب النزول والنصوص النازلة. وحتى نعالج القضية بأكبر قدر ممكن من الحياد سنفردها فنجردها من بعديها التشريعي عامة والتشريعي الديني خاصة. لن نهتم بأسباب التشريع عامة (وضع القوانين) ولا بأسباب النزول (التشريع الديني) بل سنهتم بوقوع التقنين وأسبابه سواء كان الأمر متعلقا بوضع التشريعات (في مجال المعايير القانونية) أو بوضع النظريات (في النظريات العلمية). فلنبدأ بالنظريات العلمية إذ هي أيسر على الفهم من التشريعات القانونية رغم كونها تقنين وإن كانت من جنس مختلف بمقدار ما فيها من محدد ينتسب إلى الموضوع يغلب على المحدد الذاتي. وهي أيسر على الفهم لأن هذا الترابط مع الموضوع رغم وجوده ليس ما يبدو منه سببا في وقوع التقنين علة في كون التقنين على الحال التي يكون عليها في النظرية العلمية. فلا شك أن بعض التجريبيين يتصور المعاينات التجريبيبة من أسباب وضع النظريات العلمية. لكني لم أسمع بواحد منهم-مهما طغت عليه النزعة التجريبية- ذهبت إلى أن يصير غفلا فيعتبر المعاينات علل كون القوانين العلمية هي ما هي رغم تسليمه بأنها أسباب وقوع التقنين. فالقوانين العلمية تخضع لمنطقين متعامدين: 1- أحدهما منطقي خالص هو تناسق النظريات في تواليها التاريخي (تاريخ بناء علم الفيزياء مثلا هو الذي يحدد المشاكل الفيزيائية وحلولها ومن ثم النظريات من حيث هي لبنة في جسم علم الفيزياء) وفي تساوقها الفني (التناسق مع فروع علم الفيزياء والعلوم الشارطة كالرياضيات والمشروطة كالكيمياء) 2- والثاني اقتصادي خالص هو النسق الأبسط والأقل مفروضات لعلاج أكبر عدد مممكن من القضايا التي يطرحها المجال الموضوع للعلم في تواليها التاريخي (التقليل من الشذوذ التجريبي في ظاهرات الموضوع) وتساوقها الفني (الاستفادة من تقدم العلوم الشارطة والعلوم المشروطة). أما ما يسمى بأسباب الوقوع أو التجارب التي بموجبها يضطر العالم إلى مراجعة نظرياته أو وضع نظريات جديدة فهي من جنس المنبة الذي يوجه انتباه العالم وليست من جنس علة العلم الذي يصل إليه العالم لعلاج الأمر الذي نبهته إليه الأسباب. إنها تنبهه إلى أمر ينبغي أخذه في الحسبان دون أن تحدد كيفية أخذه في الحسبان: وكيفية الأخذ في الحسبان هي الإدراج في النص القانوني. فهذه الكيفية ينبغي أن تخضع للمنطقين المتعامدين اللذين أشرنا إليهما أي المحدد المنطقي أو ما يمكن أن يعتبر جوهر الأكسيومية التي هي صورة العلم والمحدد الاقتصادي الخالص أي ما يمكن أن يعتبر جوهر الفاعلية التي هي وظيفة العلم من حيث هو صورة علمية عن العالم من إبداع عقول العلماء وأداة فعل فيه لنفاذ القوانين إلى البنى الباطنة التي غالبا ما تكون الأسباب الظاهرة حاجبة لها لا كاشفة. ولنأت الآن إلى التشريع. فهو يقبل القيس على ما يتصف به العلم من حيث هذين المحددين المؤثرين في كونه ما هو وتحرره من سبب الوقوع. فلا وجود لتشريع يتجدد في كل لحظة بمقتضى المنبهات الخارجية التي تمثلها أسباب النزول في حالة التشريع المنزل وأسباب الوقوع في حالة التشريع الوضعي: ويذكرني هذا الموقف بموقف فقهاء « عقاب زمان » الذين يتصورون الفقه لا يتطور إلا بالمنبهات الخارجية المنبهات التي يسمون الانتباه إليها فقه الواقع وهو في الحقيقة البديل من علم الواقع العلم الحقيقي فيكون فقه الواقع عين الجهل بطبيعة التشريع والواقع معا. فكل قانون جديد لا يتصل به سبب النزول أو الوقوع إلا بتوقيت التشريع وظرفه. لكن التشريع الذي سينتج بعد هذا التنبيه لن يكون محكوما إلا بالمحدد المنطقي والمحدد الاقتصادي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما في حالة القانون العلمي على الأقل من حيث صورته القانونية. لا شك أن الكثيرين سيحتجون بأن القانون التشريعي عامل التأثير فيه الخفي أهم من هذين العاملين المحددين لصورته القانونية دون مضمونه القانوني: وهذا العامل هو علاقات القوة في المجتمع لأن القانون هو في الأغلب ترجمة لعلاقات القوة السياسية في الجماعة. وهم يحتجون هذا النوع من الاحتجاج لظنهم القانون العلمي خاليا من أثر علاقات القوة في المجتمع. فخيار الحلول في الحالتين خاضع للتناسق مع النسق العام للحضارة التي يقع فيها التشريع بحسب مجالاته الثقافية. الفرق الوحيد أن المحدد الذي من هذا الجنس في القوانين العلمية هو علاقات القوة في وسط الثقافة العلمية أو في الجماعة العلمية. فخيارات الحلول النظرية محكومة بعلاقات قوى بين مذاهب فكرية أو فلسفات يحكمها في الغاية خيارات عملية تعود إلى جنس الخيارات التي تحكم أخلاق الجماعة العامة ما كان منها واعيا أو غير واع أعني ما يسمى ب »المعروف والمنكر في ذلك المجال » Sittlichkeit. وهي في التشريع علاقات القوة التي يبدو فيها هذا الطابع بأكثر وضوح لأنها تحدث في وسط الثقافة السياسية أو الجماعة السياسية التي مدارها الأخلاق العامة لجماعة من الجماعات. وفي كل الأحوال فليس سبب النزول أو سبب الوقوع إلا المنبه أو ما يسمى بالفرنسية La cause occasionnelle ليس هو العلة الذاتية لما سيكون عليه القانون سواء كان علميا أو شرعيا بل هو المناسبة التي يأتي القانون لعلاجها بمنطقه الخاص وليس بما ورد في السبب من منبهات تعد السانحة التي وجهت الذهن إلى عرض من أعراض ما سيعالجه التشريع. فكل ما قاله طالبو التفسير بأسباب النزول يمكن أن يكون صحيحا من حيث التنبيه إلى ضرورة علاج المسألة التي يريدون تفسيرها. لكن تلك الأسباب لا تفسر كون ما يريدون تفسيره على ما كان عليه بل هي قد تفسر توقيت وقوعه وظرفه لا غير. لذلك فليس لما قالته الباحثة حول الإرث عند العرب وفي لحظة نزول الآية علاقة بما تم في آية الحد من حرية التصرف في الوصية. ولا يطلب المحدد إلى من مصدرين: الأول هو ما ورد في الآية نفسها وهو ما حللناه في المسائل الموضوعية الثلاث. الثاني هو روح التشريع الذي دلنا إلى المقصد الأول من التحديد الوارد في النص. الخاتمة كيف نفهم عدم الفهم عند من لا يميز بين سبب نزول النص (أو وقوعه في القانون الوضعي) وعلة ما نص عليه؟ وكيف ندرك عدم إدراك من يتصور الترجمة أداة تحليل كيفما اتفق فينتهي إلى التطفل على غير اختصاصه بمعان ثلاث؟ فمسألة المساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإن كانت ذات صلة بقضية الجناسة والحركة النسوية-فتفهم دافعا للاندفاع وعدم الروية- فإنها لا تقتصر عليها بل تتعداها إلى ثلاثة وجوه يحق لأي إنسان أن يقف منها الموقف الذي يلائمه دون أن يزعم موقفه مستندا إلى معرفة علمية بل هو مجرد رأي. ليس يحق له أن يقدم مبررات موقفه وكأنها علوم بأسانيد فيها شبه من البحث الأكاديمي بما يرد فيها من مصطلحات رنانة تزعم عقلية (مثل المنزلة الوجودية ومنهج الترجمة طلبا للنبية العميقة والمسكوت عنه زعما باسمتعمال الهرمينوطيقا إلخ..) وتشخيصات تبدو انثروبولوجية في ما وراء أسباب النزول. فلا بد من علم متين في ثلاث اختصاصات ليس لمن اختصاصه العربية حتى وإن زعم التفلسف في التاريخ أو في الحضارة أو في النقد الأدبي مقومات الكلام العلمي فيها خاصة إذا أصبح هذا التطفل حائلا دونه والتمكن من العلوم الأدوات ليخوض في العلوم الغايات: أولها حقوقي وقانوني والثاني منطقي وفلسفي والثالث عقدي وديني. ولما كان الاختصاص الأخير أقل الثلاثة بعدا عن الالتزامات التي يصعب ألا يقع فيها الخلط بين الموقف والعلم بات التطفل عليها داء دويا وخاصة في المتطفلين على فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد فإني ركزت على الأولين ولم أجادل في الأخير رغم علمي بأن أكثر الناس هوسا بالهاجس الديني هم من يزعمون وقوف مواقف العلمانية: فلو اعتبرنا كثرة الكلام في المسائل الدينية حتى سلبا مقياسا لمعرفة الهواجس التي تدور في خلدهم لكانوا أكثر معاناة للمسألة الدينية ممن يزعمون إسلاميين في الحركات المتحمسة للفعل المباشر واستبدال النظريات الفلسفية بالثرثرات الإيديولوجية. وحتى يتأكد من الحداثة الكاذبة في فكر الحداثيين العرب يكفي أن تسأل عن طبيعة الشرعية التي يستند إليها التشريع الوضعي الذي يريدون. فمن المفروض أن يكون البديل الوحيد من شرعية التشريع الذي تقول به أخلاق الجماعة التي ينتسبون إليها الشرعية الديموقراطية أعني إرادة الجماعة التي يريدون أن يفرضوا عليها آراءهم التشريعية. فهل يقبلون مثلا أن يعرض مقترحهم بالحد من حرية المالك في الوصية إلى غاية تتحقق فيها المساواة بين المرأة والرجل في الإرث على الاستفتاء الشعبي ؟ طبعا سيكون ردهم: لكن الشعب جاهل ولا يفهم ما يفهمون. فيثبت من ثم أنهم ليسوا علمانيين بل قائلون بكنيسة العقلانيين الاستبداديين الذي يشرعون للشعب بديلا من الكهنوت الذي ينسبون إليه ما يعتقد الشعب أنه إرادة الله. إنهم يقدمون أنفسهم على أنهم تحرروا من سلطان الكهنوت الزائف باسم إله وهمي حسب رأيهم بسلطان كهنوت أكثر زيفي باسم إله هو عين التزييف: العقل الذي لا يمتاز عن الرأي وعبادة الهوى إلا بالادعاء. أما خصومهم فيجمعون بين الشرعيتين: شرعية ما تؤمن به أغلبية الجماعة وشرعية ما تريده الجماعة شرعا لها لو استفتيت في تشريعاتها. لذلك فإنه لم يبق لهؤلاء غير شرعية الاستبداد الذين هم حلفاؤه موضوعيا وذاتيا مع « رفاه » المعارضة الصالونية التي لم تعد تنطلي على أحد وخاصة منذ أن تبين للجميع حلف أغلبهم مع رأس الطاغوت الروحي (إسرائيل أو/والفاتيكان) والمادي (فرنسا أو/والولايات المتحدة) في الحرب على حصانة الأمة الروحية بالعمالة الفاقدة لكل روح والعابثة بكل القيم باسم عقلانية قاصرة على أدنى شروط علوم العقل والنقل.
(المصدر: موقع « الملتقى الفكري للإبداع » بتاريخ 25 مارس2007) الرابط: http://www.almultaka.net/home.php?subaction=showfull&id=1174852736&archive=&start_from=&ucat=3&  


ضحايا دارفور ليسوا من « بني جلدتنا »

 

د. رجاء بن سلامة فعلا، ما قيمة دم الأفارقة عند المثقّفين والإعلاميّين والحكماء والنّجوم العرب، بمن فيهم أصحاب المشاعر الرّقيقة الذين دمعت أعينهم لمرأى إعدام الدّكتاتور صدّام حسين، وربّما صلّوا صلاة الغائب عليه، وينتظرون استتباب الأمن في العراق حتّى يزوروا قبره؟ لماذا لا ترقّ قلوب هؤلاء لملايين المشرّدين والقتلى والمغتصبين والمجوّعين ولمجزرة بدأت  شتاء 2003 وتتواصل إلى اليوم؟ أم أنّ حقوق الزّعماء في عرفنا أهمّ من حقوق الشّعوب، والشّعوب يجب أن تكون في خدمة زعمائها لا العكس؟ ما هي الشّروط التي يجب توفّرها في القضايا الإنسانيّة حتّى تنال اهتمام المهتمّين بالشّأن العامّ والإعلاميّين، أم أنّ الشّأن العامّ لا يتّسع عندنا لكلّ القضايا؟ أم أنّ القضيّة لا تكون قضيّة إلاّ إذا كان الخصم المباشر فيها هو العدوّ الصّهيونيّ الأمريكيّ؟ أم أنّ قيمة إنسان القارّة السّوداء دون قيمة إنسان الشّرق الأوسط؟ أم أنّ كلّ قضيّة تثار في العالم غايتها الإلهاء عن القضيّة الفلسطينيّة، وعن قضايا العرب والمسلمين عامّة كما يفهم من مقال السّيّد فهمي الهويدي الذي كتبه تحت عنوان « شكوك وراء تفجير قضية دارفور وتدويله » وكان ربّما بمثابة المانيفاستو بالنّسبة إلى الكثيرين؟ (نشر هذا المقال في صحيفة الشّرق الأوسط بتاريخ 21/07/ 2004). إذا استثنينا بعض المقالات التي نشرت على الأنترنيت خاصّة، وفي موقع شفّاف الشّرق الأوسط على وجه أخصّ، وبيانا يتيما وقّعه بعض المثقّفين من العالم العربيّ وقد صيغ بمبادرة من جمعيّة « بيان الحرّيّات » بفرنسا، ولم تتفضّل أيّ صحيفة ورقيّة عربيّة بنشره على حدّ علمي، بل نشرت نسخته الفرنسيّة صحيفة اللّيباراسيون الفرنسيّة، إذا استثنينا صيحات الفزع المعزولة هذه، فإنّ صمت المثقّفين وكتّاب الرّأي مطبق على هذه المأساة. بل الأدهى والأمرّ أنّ الكثير من « المثقّفين » الإسلاميّين والقوميّين وصل بهم استخفافهم المعهود بالضّحايا وبالحقّ في الحياة إلى حدّ التّشكيك والطّعن في صحّة الأخبار والمشاهد والتّقارير التي تفيد بمقتل قرابة 400 ألف شخص وتشريد مليونين ونصف، وحرق 80 بالمائة من القرى، إضافة إلى اغتصاب النّساء وتجنيد الأطفال وقطع المؤونة عن اللاّجئين… لم تتغلّب فحسب « المعالجة » السّياسيّة على المعالجة الإنسانيّة، بل إنّ النّعرة الإسلامويّة والقوميّة أدّت إلى إنكار أقلّ ما يقال عنه أنّه لامسؤول ولاأخلاقيّ. فمثقّفونا الإسلاميّون والقوميّون ومن لفّ لفّهم ينتصرون للنّظام العسكريّ الدّينيّ، ولميليشيات الجنوجيد العربيّة المتحالفة معه ضدّ المدنيّين العزّل، وضدّ أيّ تدخّل أمميّ لحمايتهم. وبعبارة أخرى فإنّ ضمائرهم تحرّكت للمطالبة بحقّ القائد الإسلاميّ وحقّ ميليشيات المجاهدين بالانفراد بمدنيّي دارفور لإبادتهم وتشريدهم، دون منغّص خارجيّ من شأنه عرقلة عمليّة التّطهير العرقيّ. كان يمكن لهؤلاء أن يدافعوا عن خيار الإسلام السّياسيّ وخيار مقاومة العدوّ دون إنكار الكارثة الإنسانيّة، وكان يمكن أن لا يضعوا قضايا الشّرق الأوسط وقضيّة دارفور في الميزان، وكأنّ علينا أن نختار بين قضيّة حقيقيّة وقضايا زائفة ومختلقة من شأنها أن تلهينا عنها. ولكنّ نظريّة المؤامرة أصبحت في ربوعنا ثابتا من ثوابت كلّ تفاعل سياسيّ مع كلّ قضيّة. وفي هذه الحالة، فإنّ ما يسمّى بـ »نظريّة المؤامرة » ليست نظريّة بل هذيانا حقيقيّا، لأنّها تتمثّل في خطاب ينفي وجود الواقع الماثل أمام الأعين ليبني واقعه الخاصّ، ومشهده الخاصّ، وسيناريوهاته الخاصّة. ورغم التّحرّكات الدّوليّة وصيحات الفزع المشار إليها، فإنّ هذا التّشكيك مستمرّ إلى اليوم دون رادع ولا وازع. فعلى سبيل المثال لا الحصر، صدر في يوم 19 مارس بصحيفة القدس العربيّ مقال يذهب فيه صاحبه إلى أنّ أزمة دارفور أزمة مفتعلة « بهدف خلق المزيد من الأزمات لهذه الحكومة التي ترفض مسايرة السياسات الأمريكيّة في المنطقة العربية والإفريقية حتي اصبحت دارفور إحدى أهم القضايا المثيرة في العالم بفضل الأخطبوط السياسي والإعلامي الامبريالي ». المفترض في هذا الكلام هو أنّ مساكين دارفور ليسوا ضحايا لميليشيات النّظام السّودانيّ، بل ضحايا للمؤامرة الخارجيّة الإمبرياليّة، فهم إلى حدّ ما أغبياء يستحقّون ما ينالونه، على فرض أنّهم تعرّضوا فعلا إلى الضّيم. المهمّ في هذا الوعي السّياسيّ هو أن يكون لنا زعماء يمسرحون الرّفض، ويقولون لا لأمريكا، ويقسمون باللّه وهم يتّخذون قراراتهم العنتريّة، ويتوعّدون الأعداء، ويحمون بيضة خير أمّة أخرجت للنّاس، ولا يهمّ بعد ذلك ما يصنعه هؤلاء الزّعماء بشعوبهم.  ولكن ليس كلّ المثقّفين العرب وكلّ المهتمّين بالشّأن العامّ من أنصار الإسلام السّياسيّ ونظريّة المؤامرة، ولا تكفي فجاجة الرّؤية السّياسيّة أو هذيان المؤامرة لتفسير هذا الصّمت. فربّما كان خطاب المؤامرة حجابا يخفي وراءه بؤسا من نوع آخر. هناك تبريرات وشكوك أصحاب الموقف، وهناك صمت من لا موقف له، ووراء ثرثرة أولئك وصمت هؤلاء توجد منطقة آسنة من إنكار آخر، وهذه المنطقة يلفّها الصّمت هي الأخرى. عوّدنا أغلب نجوم المشهد الثّقافيّ على الصّمت عن انتهاكات حقوق الإنسان على الصّعيد العربيّ، سواء منها الانتهاكات الظّرفيّة أو الانتهاكات المؤبّدة بالمنظومات القانونيّة، لأنّ هذا الصّمت جزء من لعبة المشهد ولعبة النّجوميّة، وشرط من شروط دخولها. ولكن هناك نوعان من الصّمت : صمت الخوف وصمت الازدراء. ويهمّنا من صمت الخوف ذاك الذي لا يهدف إلى الدّفاع عن النّفس من الأنظمة المحلّيّة الجائرة، بل يهدف إلى الحفاظ على الحظوة والمكانة على النّطاق العربيّ. الكثير من مثقّفينا لا رأي لهم في هذه القضايا، أي لا رأي يعلنون عنه من باب الفعل العموميّ السّياسيّ. إنّهم لا يطالبون مثلا بالمساواة بين الرّجال والنّساء، ولا يجهرون بآرائهم الحقيقيّة عن الدّين والسّياسة لأنّ جهرهم بها يعني زوال الحظوة الإعلاميّة وتضاؤل حظوظ الظّفر بالجوائز السّنيّة التي تبقى مشروطة بحدّ أدنى من الحفاظ على « ثوابت الأمّة ». وقد شاهدت بعينيّ مثقّفين أشهر من نار على علم لا يمضون عريضة مساندة لمساجين سياسيّين خشية أن يمنعوا من زيارة البلد الذي يقبع هؤلاء في زنزاناته، ويمتنعون عن الدّفاع عن حقوق النّساء خشية فقدان الحظوة في الدّول الثّريّة التي تعتبر استرقاق النّساء ركنا سادسا من أركان الإسلام، ويتبرّؤون من المتّهمين بالرّدّة خشية فقدان الشّهرة والشّعبيّة. هذا هو صمت الخوف من فقدان الحظوة والنّجوميّة، أمّا في قضيّة الحال، فإنّ الصمت هو صمت الازدراء، وهو ازدراء غير منطوق به، وإن كان ناطقا. أليس منطق « بني جلدتنا » هو المهيمن في هذه اللاّمبالاة؟ فأهل دارفور بشر، وهم إلى ذلك مسلمون، ودارفور تقع في بلاد عضو بالجامعة العربيّة، ولكنّ ذنب الدّارفوريّين الأوّل في عيون العرب أنّهم ليسوا عربا، فهم شبيهون بالأكراد الذين قتل منهم صدّام حسين بالغازات السّامّة وفي يوم واحد 5 آلاف، وذنبهم الثّاني أنّهم « أقلّ إسلاما » من النّظام الذي يبيدهم، وذنبهم الثّالث الأساسيّ وغير المعلن هو أنّ « جلدتهم » غير جلدة العرب. شعور الانتماء البدائيّ من السّهل أن ينقلنا من « بني الجلدة » إلى « لون الجلدة ». تضخّم النّقاش عن التّعصّب وحوار الأديان، ولكن لم يفتح عندنا باب النّقاش عمّا هو دون ذلك من أوّليّات التّعايش المدنيّ، أقصد مناهضة العنصريّة باعتبارها شكلا عتيقا بدائيّا من أشكال رفض الآخر. فنحن لا نهتمّ إلاّ بعنصريّة الغربيّين والصّهاينة ضدّنا، ولا نهتمّ بعنصريّتنا نحن، ولا نتحدّث عنها، ولا نطالب بأدوات قانونيّة للعقاب عليها. وليس أدلّ على ذلك من اللّغة التي نتكلّم بها. ففي مناطق كبيرة من العالم العربيّ، ما زال يسمّى الإنسان ذو البشرة السّوداء « عبدا »، وفي مناطق المغرب يسمّى « وصيفا »، أي خادما، وإلى اليوم ينظر العرب إلى سود البشرة كما نظر إليهم القدامى : فهم حالة استثنائيّة ناتجة عن احتراق جدّهم الأوّل في المرجل الإلهيّ، أو هم سليلو اللّعنة التي لحقت بـ »حام » ابن النّبيّ نوح وسوّدت وجهه. وإلى اليوم لم يعترف العرب بدورهم في تجارة العبيد طيلة قرون طويلة، ولم يعتذر أحفاد نخّاسي الأمس لأحفاد عبيد الأمس بأيّ شكل من الأشكال، ولم يتصالحا. وأوّل شكل من أشكال الاعتذار في رأيي هو الاعتراف وتذكّر الماضي لكي لا يبسط ظلاله على الحاضر، وفتح الملفّات التي لا نرغب في فتحها، واحترام ما أصبح يعرف بـ »واجب الذّاكرة ».  ليست لي أدلّة ملموسة من ثرثرة المنكرين ولا من صمت الصّامتين على أنّ المشكل الأساسيّ يكمن في هذه العنصريّة، ولكنّ فداحة الكارثة من ناحية، والإمعان في الإنكار أو اللامبالاة من ناحية أخرى لا يمكن تفسيرهما في نهاية المطاف إلاّ بهذا الاحتقار للبشريّة السّوداء. ويقيني أنّ اللّغة تعبّر عن النّاس وتفضحهم بقدر ما يعبّرون بها ويستخدمونها، فمن السّهل أن نلحق من نسمّيهم اليوم « عبيدا » بمنزلة العبيد، ومن السّهل أن يأخذ « بنو الجلدة » في حسبانهم لون الجلدة. مثقّفو « بني الجلدة »، و »الأمّة » والقبيلة الموسّعة، ومثقّفو « لون الجلدة » مهما اختلفت مشاربهم واستراتيجيّات صمتهم أو خطابهم يشتركون في أمرين اثنين، أوّلهما أنّهم لم يتعلّموا بعد أبجديّات المساواة بين البشر، والكرامة البشريّة، أي أن تكون للإنسان قيمة في حدّ ذاته، وأن يكون غاية لا وسيلة، وأن تكون حياته أغلى من كلّ شيء. وثانيهما أنّهم لم يدخلوا بعد عصر حقوق الشّعوب، ولم يفهموا أنّ حقوق الأفراد أولى من حقوق الدّول التي تنتهك حقوق الأفراد، والمصالح الإنسانيّة العامّة أولى من المصالح الفرديّة للدّول، ولم يفهموا أنّ المنتظم الأمميّ على علاّته، والمحكمة الجنائيّة الدّوليّة على نقائصها هما الأمل الذي يجب أن نتمسّك به ونرعاه في مواجهة البربريّة القائمة في الدّاخل أو الزّاحفة من الخارج. ويجب أن لا نغترّ بكثرة انتقاد مثقّفينا للأنظمة السّائدة، فبنى الاستبداد والتّمييز ذات دوائر مصغّرة ومكبّرة، وهي تبسط نفوذها على النّفوس قبل أن تبسط سلطانها على المجتمعات. (المصدر: موقع « الأوان » بتاريخ 4 أفريل 2007) الرابط: http://www.alawan.com/index.php?option=com_content&task=view&id=122&Itemid=27

 


 

كتاب « تسريب الرمل » لخميّس الخياطي:

هتك أسرار التلفزات العربية وذهنياتها السلفية

  

 

            بقلم: حسن بن عثمان   كم تشبه لغة خميّس الخياطي مشيته في كتابه « تسريب الرمل: الخطاب السلفي في الفضائيات العربية » الصادر في أواخر سنة 2006 عن دار سحر للنشر بتونس. يكتب الخياطي مثلما يمشي في الطريق العام. مندفعا بجسمه النحيل الحاد، منتصب القامة ممشوق القوام. في أناقة وحيوية تتابع خطواته المتدفقة رشيقة ومسرعة تجعله يمرق كالسهم وقد اشتعل رأسه بياضا ولحيته شيبا. صفات مشيته هي ذاتها خصائص كتابته. الاندفاع، السرعة، الأناقة والرشاقة، واختراق الهدف دون تلعثم ولا ذلقة ولا مساومات ولا تسويات ولا لف أو دوران وقد اشتعلت، هذه المرّة، لماته بحكمة الشيوخ وبهاء الشباب. متسلحا بمعرفة واسعة واطلاع مذهل، عبر مراجع ومصادر وهوامش مكتوبة ومرئية ومسموعة شديدة التنوع وفائقة الثراء والكثرة، زاخرة بالمعلومات والمعطيات والإحصائيات والمعلومات والإضاءات والإشارات، كتبا وجرائد محلية وعربية وأجنبية، خصوصا تونسية ومصرية وفرنسية، وقنوات تلفزية فضائية عديدة وعلاقات شخصية مترامية الأطراف في الداخل والخارج، وفوق ذلك، أو قبل ذلك، متسلحا بخبرة طويلة في ميدان السينما والصورة عموما، وكذلك بوعي ذهني، ثقافي واجتماعي وسياسي، وبحس المواطن المهموم بمصير وطنه وقومه، ولغة قومه ومنزلة قومه وبؤس قومه وانحطاط قومه وآمالهم شبه المستحيلة، يقوده فضول الصحفي المحترف الذي خبر الميدان وتمرس على الظفر بالمعلومة واقتناصها مهما عزّت أو نأت أو حُجبت. متسلحا بكامل عدته وعتاده يباشر في كتابه الذي نحن بصدده تصفية بعض الحساب مع ما يسميه مقدم الكتاب المسرحي الكبير الفاضل الجعايبي: « أكبر كارثة عرفها الإنسان بعد القنبلة الذرية » ص13، وهو تشبيه رائع، يثير القشعريرة في البدن من فرط ترويعه، أطلقه الجعايبي من شدّة وعيه بخطورة التلفزيون على المصير الإنساني الراهن. هذا عن الإنسان مطلقا و »كارثة » التلفزيون مهما كانت جنسيته ولغته. لكن ماذا إذا كان ذلك الإنسان عربيا، والعرب على اختلاف بلدانهم وحّدهم التلفزيون الفضائي ويحق لنا في هذا المقام الكلام عن العرب، وفي كل مقام له نسبة بالرداءة والحمق! وماذا إذا كان ذلك التلفزيون ناطقا بلغة الضاد أو بلهجة من لهجاتها؟؟ هنا تصبح الكارثة ساحقة ماحقة وبلا أمل لتصور أو تحديد أضرار وبائها وتخريباتها، هذا على الأقل، أقول على الأقل، ما لا ينفك خميّس الخياطي في كتابه « تسريب الرمل » عن الإلحاح عليه كهاجس لا يمكن نسيانه أو التهرّب منه أو التحايل عليه. عربي وأعطي تلفزة!… ماذا سيفعل بها؟ سيهلك بها نفسه أولا وكل محيطه تبعا، بل كل ما يمكن أن يصل إليه بالصوت والصورة. وتبقى المسألة مسألة وقت يكثّفه بطريقة باهرة عنوان الكتاب الموحي: « تسريب الرمل »، ومتى ما أزف الوقت في ساعة الرمل، وهو في سبيله للأزوف، ما في ذلك شك، ما استمرت الأمور على حالها، ستقود تلفزاتنا العربية مجتمعاتنا العربية، ببرامجها الحمقاء الجهولة، إلى ظلام دامس في كهوف أبناء لادن والظواهري ومن لفّ لفهما. هذا ما تكاد تنطق به كل جملة من جمل هذا الكتاب، بعد العرض والبحث والتحليل والتمحيص وفحص خطابات الدعاة التلفزيون-الدينيون الجدد والقدماء الذين يبيعون الوهم والخرافة ويتلاعبون بالعقول والأرواح ويشيعون التفاهة والحمق المعممين. إنه كتاب يتمتع بالراهنية بكل ما فيها من دواعي الذعر والفزع والإحباط، وهو يعمل خلال كل مقالاته وفصوله على قرع ناقوس الخطر بعنف وتوتر ووعي شقي بالفاجعة… من يسمع؟ وهل على القلوب أقفالها وعلى الأسماع أختامها بالشمع الأحمر؟ إلى أين يصير السمعي ـ بصري في تونس؟ لا جدوى من محاولة حوصلة هذا الكتاب وتقديم ما ضمت فصوله من معلومات وبيانات وأرقام وتحاليل واستنتاجات، فهو متاح في المكتبات التونسية لمن يرغب في الاطلاع على ما فيه من مسائل على غاية من الخطورة والأهمية والمصيرية، مع أنه جدير بالمكتبات العربية وبالقراء العرب خصوصا، لأن نوعية نصوصه ومجال اشتغاله ليسا محليين. هنا سنحاول فقط الإشارة إلى بعض المحاور الأساسية التي تضمنها. في مدخله يحاول الخياطي أن يفصح عن نواياه من نشر هذا الكتاب وهي نوايا لا تخفي رغبتها في التنوير والمساهمة في تحصين ما تبقى من مناعة في العقل العربي. ذلك هو شاغله الرئيس من الكتاب وذلك يتجلى، حقيقة، في متن الكتاب وحواشيه. يتعرض الخياطي في البداية بكثير من الكفاءة وسعة الإطلاع والإلمام بمختلف رهانات العمل التلفزي وشروطه وإمكانياته وخفاياه إلى حالة الإعلام المرئي التونسي في سياقه الاتصالي المحلي العام وفي سياقه الحضاري والدولي. يفعل ذلك بكيفية لم يسبقه إليها أحد من قبل. سواء من جهة ابتعاده عن الانطباعيات والارتجال والأحكام والمجاملات أو التقبيحات والأحقاد. أو من جهة تخصصه وتمكّنه من علم المرئي وفنونه، ومهارته المعرفية في التقاط اللقطات والمشاهد والبرامج الفضائية التي تفيض بالدلالة وتسمح بأن تكون منتخبات لها قوة تمثيل لمن سواها، يفعل ذلك بنزاهة ثقافية وعمق التحليل ومصداقية المعلومة وحذر الاستنتاج، مع أنه بين الفينة والأخرى يحاول أن يحيّد عمله بالتنويه بالقيادة السياسية العليا، وما ينسبه لها، موثقا، من حرص على تطوير القطاع سمعي/بصري بالتشريعات والقرارات والخطب، فهو يدرك بحنكته المهنية أنه يخوض في حقل مليء بالفخاخ والمكائد والمنزلقات. وفي ذلك ينجح كثيرا في تقديم معلومات من مصادر مختلفة في سياق تحليلي حصيف ودقيق يعمل على دفع تلك المعلومات من مصادرها المختلفة ومشاربها المتباعدة لكي تحتشد كلّها حول خلاصة فيها الخلاص، بحسبه وبحسبنا، لأنها تضع الأمور في نصابها فيما يخص شأن المجال السمعي البصري في تونس ومنها هذه الفقرة في الصفحة 50 : « لا أحد في تونس اليوم يعلم إلى أين يسير فتح المجال السمعي البصري للخواص إذا لم تحدد المعايير ويوضع كراس الشروط وتقام سلطة إدارية مخول لها دراسة المشاريع والبت فيها قانونيا وبكل شفافية… خلاف ذلك، من المؤكد أن المشاهد التونسي الباحث عن معلومة صحيحة تخص بلاده سيجري وراء الفضائيات الأجنبية التي تعمل لمصالحها الأيديولوجية ما دام الإعلام المحلي لا يؤدي عمله. لحين حصول ذلك، يعيش القطاع السمعي بصري التونسي فترة قد تمتص فيه أهم قواه. وهو أمر تخشاه عديد الأحزاب ومنها أطراف في الحزب الحاكم، ناهيك عن المجتمع المدني والصحافيين ومهنيي الإعلام السمعي ـ بصري. ». الإسلام والبزنس السينمائي كأن كتاب خميس الخياطي مقسّم ضمنيا إلى قسمين أساسيين. الأول يتناول فيه قضايا تهم مسألة الصورة في الإعلام المرئي بصورة عامة وهو من صفحة 23 إلى صفحة 78، والقسم الثاني من صفحة 101 إلى صفحة 153، ويتمحور حول الإسلام السياسي أو الخطاب السلفي الديني المرئي في العديد من القنوات التلفزية العربية. علما أن « تسريب الرمل » يقم في 212 صفحة من الحجم المتوسط تستهله مقدمة الفاضل الجعايبي وتختتمه قراءة الباحث والصحفي عادل الحاج سالم، ومذيّل في نهايته بمجموعة من الملاحق ذات الشأن بالمواضيع التي تعرضت لها محاور الكتاب. إن هذا الحقل المسمى الإعلام السمعي ـ بصري مازال بكرا في البحوث العربية، والدراسات التي تناولته قليلة جدّا خصوصا منها تلك التي لها همّ ثقافي وليست مجرد بحوث تقنية أو رسمية أو رسائل جامعية. وفي تونس ليس لنا خلاف هذا الكتاب لخميس الخياطي الذي هو في الأصل مقالات صحفية صدرت أغلبها في جريدة القدس العربي اليومية التي تصدر من لندن أعاد الخياطي، مثلما يقول « مراجعتها وتوليفها ومزجها بعد تحيينها بعديد الهوامش »، ليس لنا سوى كتاب يتيم سبق أن نشره الباحث الهادي خليل بعنوان « العين الشغوف » وهو الآخر مقالات صحفية سبق أن نشرت في الجرائد التونسية. عدا هذين الكتابين ذوي الخلفية الصحفية فمنشوراتنا قاحلة في هذا النوع من الكتب، رغم الثقل الهائل لقطاع السمعي البصري في الحياة اليومية في المجتمع التونسي مثله في ذلك مثل غيره من المجتمعات العربية كلّها. لذلك فإن جلّ ما جاء في « تسريب الرمل » جديد ويتمتع بالجرأة والطرافة وروح المغامرة، ومن ذلك تعرضه لتجربة الأفلام والمسلسلات العربية، المصرية في أغلبها الأعم، التي تدعي صلتها بالدين وكيف بيّن خميس الخياطي تهافتها وفقرها وتسترها بالدين لتخفي عجزا إبداعيا كاسحا وخواء فنيا لدى أصحاب هذه الأعمال. وفي هذا السياق يتناول المؤلف أعمال مصطفى العقاد ليكشف لنا عن هشاشتها وتهافتها وتواكلها الفني على أعمال المبدعين السينمائيين الغربيين. يسجّل الخياطي أن فيلم الرسالة، مثلا، ما هو إلاّ « استنساخا للأسلوب الهوليوودي في الحركة والزمن والدراما ولا يمتلك من الإسلام إلا الحدوثة التي لو استبدلنا شخوصها بشخوص من حضارات أخرى، لحصلنا على نفس النتيجة. في حين عندما طلعت الموجة الإيرانية (مخمالباف وكيارستامي وغيرهما) كانت تجر خطابا مغايرا في الفكر والتصور ورؤية العالم وتأثيره على أصحاب القرار والإعلاميين كان أكبر بكثير من تأثير « الرسالة »… لماذا إذن كل هذه المصاريف التي كان بإمكانها أن تصنع عشرات الأفلام العربية (وخاصة الليبية) الموجهة للغرب والأفلام الأمريكية ذات البعد العربي الموجهة لأمريكا » ص 75. وهذا الضرب من الأفلام والمسلسلات التي تدعي وصلا بالدين والتي تكلف أموالا طائلة تبتزها من جهات لها حسابات غير فنية ولا ثقافية ولا حتى دينية، ما هي في النهاية، حسبما يصرّح به الكتاب، سوى (بزنس) يمارسه أشخاص من أمثال السوري الأمريكي مصطفى العقاد ـ الذي قتل في الأردن جراء هجمات إرهابية ـ والذين همهم الأول هو جني الأموال قبل أي شيء آخر، دون اكتراث بالانشغال الإبداعي كأسمى مرتبة من مراتب عبادة الخالق وإعمار الكون، بالإضافة إليه لا بتجميد نماذجه الحاصلة واستنساخها وتكرارها، بصورة تُفقر العقل والروح وتنشر الجدب وتعمّم البلادة. وتلك ما هي إلاّ عبادة أوثان وأصنام، ولا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال عبادة الخالق، الذي فطر خلقه على الكدح للتعلم منه، ومضاهاته في الخلق المتاح لهم في مختلف ضروب الفن والإبداع. فخلق الخالق تام، نهائي ومطلق، وخلق مخلوقاته ناقص ومؤقت ونسبي. محتكرو الدّين في الفقه والسياسة ثمة فكرة ذكية مبثوثة خلال تضاعيف هذا الكتاب وخاصة في قسمه الذي احتوى التسريبات الخمسة حيث عنوان تسريب:1 من الديناصورات إلى هيمنة الوهابية. وتسريب 2 : هل قتلوا فينا حياتنا وجمّدوا عقولنا. وتسريب: 3 ولماذا تتكلم الـ »بنلادنية ». وتسريب 4: من قناة عمياء إلى جهل بالجاهلية، وتسريب: 5 الإعلام الهادف والغالبية الأخلاقية. يتوّج هذه التسريبات مقال متفائل، أخيرا بعض التفاؤل!، يضع له عنوانا رشيقا: « عن الفيلة الناطقة بالعربية » وفيه يتعرض لبعض الأسماء الثقافية العربية التي ظهرت هنا وهناك في قنوات فضائية عربية واعتبر المؤلف خطابها فيه بصيص من نور الأمل الذي لعلّه يتوسع أكثر ويحوز على مزيد من المساحة في العقل والروح العربيين لكي يحوّل وجهة الزمن العربي من حالة تدهوره ونكوصه وتزمته إلى زمن ينبض بالحياة والتفاعل ونماء الإنسان… أما عن الفكرة التي وصفناها بالذكية والمبثوثة خلال الكتاب وخصوصا في « تسريباته الخمسة » فهي حسب استنتاجنا مفادها أن التزمت الديني والخطاب الأصولي السلفي لهما مقتل لا تخطئه عين البصر والبصيرة، وهذا المقتل هو الفن والإبداع. هنا تحديدا يتخبط الخطاب الديني الأصولي السلفي ويفقد صوابه فيسهل الإجهاز عليه. إن ساحة النزال مع الخطاب الديني السلفي لا يمكن أن تكون في السياسة ولا في الإيديولوجية ولا في الفقه ولا حتّى في المعرفة ولا في التاريخ، ففي كل هذه الميادين يتمتع الخطاب الديني السلفي بالكثير من القدرة على الجدل والنزاع، وفُسح المناورة والمغالطة والتلوّن والتنكّر وإخفاء وجهه القبيح، والتستر على حجم الموت الذي يدخره للبلاد والعباد. أما إذا ضاهينا بين الفن والحياة في مقابل السلفية والموت، وألقينا بسؤال الإبداع على أصحاب الخطاب الديني السياسي وقتها لا مهرب لهم إلاّ الكشف عن قناعاتهم العميقة التي تعادي الإنسان والحياة. سؤال الموسيقى. سؤال السينما. سوال المسرح. سؤال الرقص. سؤال الرواية. سؤال الشعر. سؤال الرسم. سؤال الغناء… الخ. تلك أسئلة كلّما أشهرنا منها سؤالا في وجه الإسلام السياسي وصنوه الفقهي الرسمي وغير الرسمي إلاّ وتطيّر وتضعضع وفقد السيطرة على وعيه وعلى كلامه، وسرعان ما يلوذ بفتوى التحريم ليسفر عن روحه وفكره المعاديين لكل فن وإبداع، أي لكل إنسان ولكل حياة، لأسمى ما في الإنسان وما في الحياة، على غرار ما جاء في كتاب الخياطي بالصفحة171 عن مشاركة مفتي الديار المصرية الأسبق في برنامج حواري بإحدى الفضائيات العربية ورأيه في منع الإبداع الروائي وقوله حرفيا: « الإبداع دنيوي بحت ولكن حينما يتعارض الإبداع مع ثوابت الدّين ويؤثر على العامة فهو الضرر بعينه »… طبعا لا بد في الإسلام كما يراه المفتي أن يكون ثمة خاصة وعامة. وسيادته يمثل الخاصة ويتكلم نيابة عن العامة، ويحق له أن يحدد لنا ما الذي هو من ثوابت الدين وما الذي هو من أعراضه ومن متحولاته، ومن يؤثر في العامة ومن لا يؤثر؟ ما هذا الحمق المتمادي؟ الإسلام الذي كرّم بني آدم وخصّه بالتشريف والتكليف وألهمه الفجور والتقوى وجعله متحملا لمصيره ولأوزاره بصفته الإنسانية الخاصة. الإسلام الذي هدم الكهنوت والوساطة بينه وبين عباده المتساويين بين يديه بلا أدنى تمييز بين عامة وخاصة. يأتي المفتي ويأتي الاحتكاري الإسلامي، دينيا وسياسيا، لينفرد بالنطق باسم الإسلام والتسلط على خلق الله وفرز الإبداع الذي يتعارض مع ثوابت الدّين وذلك الذي لا يتعارض، أي أن هذا الرهط من الناس يمنح نفسه صلاحية أن يفهم في الدين أولا بكل تشعيبات حقوله وحقبه وعلومه، ويفهم في الرقص ويفهم في الرواية ويفهم في السينما وفنون الصورة وفي كل ضروب الفن والإبداع، وهو، الفقيه، المفتي، رجل الدين، الناطق باسم الجماعة، العامل في السياسة باسم الدين. إنه هو بلباسه التقليدي، وعقله التقليدي، وكلامه التقليدي، وزمنه التقليدي، ولسانه التقليدي، وهدفه التقليدي، وربّه التقليدي، يسبح في فضاء رقمي غير تقليدي هو من إبداع الروم والكفار، إنه هو يجرّ ذيل هركته (جلبابه) ويترنّح ويرتعش وقد أضمر في نفسه أنه الممثل الشرعي الأوحد للعناية الإلهية والناطق الرسمي الوحيد باسم دينها. لكن هيهات. لابد من الإطاحة بمحتكري الدين، فقهيا وسياسيا، بالدرجة ذاتها، وفي اللحظة ذاتها. عدا ذلك لن يكون للمسلمين أي وجود فعّال ومبدع في هذه الدنيا ولا حظّ لهم في الآخرة. على كل حال، يعود الفضل في هذه الكلمة إلى كتاب خميس الخياطي الذي ينقل لقارئه الرغبة في التفاعل معه، لأنه من الكتب التي لا يمكن أن تكون محايدا أبدا في قراءتها. فضلا على أنه يشكل وثيقة وذاكرة لأحداث وبرامج ووقائع أُنتجت بنيّة أن لا تكون وثيقة وأن تظل خارج الذاكرة، ولكن الخياطي أفسد عليها بداهيتها وغفلتها، والتقطها متلبسة بأفعالها الدنيئة، وتلك من الميزات الأكيدة لهذا الكتاب الذي قدمه المسرحي فاضل الجعايبي بنص رائع فيه بورتريه معنوي لمسيرة خميّس الخياطي وفرادة تجربته، وفيه عتاب وتباين ونقد وموافقة وإعجاب بلغة لا تعرف للنفاق ولا للمهادنة سبيلا. وكذا شأن القراءة الثاقبة للباحث عادل الحاج سالم. هذا دون أن ندعي أن كتاب « تسريب الرمل » خال من العيوب والهنات، فبما أن صاحبه كتبه على إيقاع مشيته، فمن المؤكد أن المشي، كما زاوله الفلاسفة المشاؤون، يسنح لأفكار جوهرية أن تنبثق وأن ترى النور ولكن لا وقت لديه، المشي، لصياغتها الصياغة المثلى. من ذلك أن الخياطي يتحدث أحيانا عن حصص تلفزية في هذه القناة أو تلك دون أن يثبت المرجع كاملا مثل اليوم والتوقيت، مع أنه مهووس بالتدقيق في الهوامش التي حفل بها كتابه. كذلك في مواضع من كتابه يتحدث كثيرا عن مصادر شفوية ولا يذكر هويتها كاملة لكي يتمكن القاري من التثبت فيما يكتب له على أنه ليس من باب الاختلاق. ثم لا ندري لماذا يؤكد المؤلف على صداقته للكثير من الأسماء التي ذكرها، كما أنه في بعض المرات تلتبس عليه الأرقام المالية في ميزانية مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية فيذكر الألف دينار على أنه مليون دينار والعكس بالعكس. وفي الحقيقة فقد اكتظ الكتاب بالأرقام والبيانات والمعطيات والمعلومات إلى درجة مثيرة للإعجاب وقد وظّف المؤلف أغلبها الأعم ببراعة، براعة تجلت أيضا في لعبه اللغوي وسخريته اللمّاحة التي جعلته يشتق صفة جديدة هزلية لأولئك المغرمين بألقابهم العلمية الطنانة دون أن يقابلها علم في الواقع… صفة دكتورائية لدكاترة الفضائيات الذين يتكلمون بدكتورائية لا غبار عليها. ولا بأس أن نعيد، ختاما، نشر الفقرة الأخيرة من كتاب خميس الخياطي وذلك بغاية رفع المعنويات: « بعد هذين البرنامجين من صنفين مختلفين في فضائيتين عربيتين من جميع الفضائيات التي يغلب عليها رأس المال الخليجي بأكثر من ستين في المائة نستشف بصيص أمل في أن « مملكة الدانمارك » ليس بها هذا العفن كله الذي يحاصرنا في حياتنا اليومية كما في حرية مسالك تفكيرنا. من جهة حكام صغار لا هم لهم إلاّ كراسيهم والعلاقات الزبونية التي تعززهم، ومن جهة أخرى ما يسمى بالإسلام السياسي الذي هو سلفية سياسية قبل أن يكون إسلاما. فنؤمن مجددا أن عالمنا العربي له من طاقة تجديد دمائه بما لا تقوى عليه كل الاتجاهات الأصولية السلفية مجتمعة ما دام هناك من أبنائه من يؤمن بأن حصانة الفرد/المواطن وحرية النقد وحق الاختلاف هم أمثل الوسائل للوجود في هذا العالم وعليهم وبهم تقام وتتمتّن الحضارات ». (المصدر: موقع « الأوان » بتاريخ 4 أفريل 2007) الرابط:http://www.alawan.com/index.php?option=com_content&task=view&id=124&Itemid=25


 

مناقشة العلمانية في الفضائيات: إوعوا تقولوا للشعب إن الأرض تدور!

هويدا طه (*) برنامج (القاهرة اليوم) الذي يقدمه عمرو أديب علي قناة اليوم ـ إحدي قنوات شبكة أوربت ـ أقدم علي خطوة يستحق عليها التحية، فقد عرض نقاشا حول كلمة (العلمانية) استضاف فيه فيلسوفين كبيرين هما الدكتور مراد وهبة والدكتور عاطف العراقي، أدار عمرو أديب النقاش بطريقة تختلف عما عودنا عليه.. فرغم كونه بالفعل خفيف الظل إلا أنه عودنا أن (يبالغ في الاستظراف) في كثير من الأحيان.. لكنه هذه المرة لم يفعلها.. بل بدا صادقا وهو يحاول أن يستحث ضيفيه علي مزيد من (التبسيط) لذلك المفهوم الفلسفي الحائر في عالمنا العربي.. بلا استظراف هذه المرة لكن دون أن يفقد خفة ظله (العفوية)، الضيفان كانت لهما وجهتا نظر مختلفتان.. الدكتور مراد وهبة يري أن العرب مهما قاوموا نهج العلمانية فسوف يفرضها عليهم التطور الطبيعي لا محالة وإن كان ذلك يحتاج زمنا طويلا.. والدكتور عاطف العراقي يري أن العلمانية لن تجد لها سبيلا ذات يوم في حياة العرب الغارقين ـ بطبيعتهم ـ في (عالم المطلقات) ويفضل بدلا من مصطلح العلمانية كلمة (التنوير)، المشاهدون الذين اتصلوا بالبرنامج لم يقولوا شيئا مفاجئا.. فهذه الكلمة تصيب العربي بالذعر أينما ووقتما قيلت! أما ما هي العلمانية ولماذا تصيب العربي بهذا (الهلع) فتلك قصة العرب التاريخية! العلمانية هي من العالم بفتح العين وليست من العلم بكسر العين، وهي اسم لواحدة من الفلسفات التي تضع للإنسان منهجا في رؤيته لنفسه ووجوده وعالمه.. وتطبيقها (العملي) الأشهر في المجتمعات هو (فصل الدين عن السياسة)، كلا الفيلسوفين وغيرهما من الفلاسفة أيضا.. يتفقون علي أن السبب في هذا (الفصل) حسب الرؤية العلمانية هو أن الدين يقدم للبشر (حقائق مطلقة).. مطلقة أي غير قابلة للتغير دائما وأبدا.. بينما السياسة هي تفاعل البشر مع واقع نسبي.. (واقع متغير).. وإسقاط الثابت المطلق علي النسبي المتغير يعيق التقدم والتطور. هذه المفاهيم الصعبة كانت دائما موضوعا (ثقافيا نخبويا).. أي يتناقش فيه المثقفون.. لم تكن ذات يوم موضوعا للنقاش ـ علي قدر علمي ـ بين المتجمعين حول الشيشة في المقاهي أو بين ربات البيوت أو مع أكياس الفشار أمام التلفزيون! لذلك قد يكون طرحها للنقاش علي التلفزيون أمرا غريبا.. فالتلفزيون ليس وسيلة تثقيف نخبوي إنما هو وسيلة صنع وتوجيه (رأي عام)، لكن رغم غرابة الموضوع (بالنسبة لنقاش تلفزيوني) فإنه خطوة جيدة.. فجماهير ذلك الرأي العام نفسه هي من تقاوم التطبيق العلماني للعلاقة بين الدين والسياسة.. دون أن تقصد أو تعي بشكل مباشر كلمة العلمانية ذاتها، الأسئلة الكثيرة التي يطرحها هذا الأمر هو لماذا تقاوم تلك الجماهير أو لماذا يقاوم الناس فصل الدين عن السياسة؟ وهل نحن العرب فقط من نقاوم ذلك؟
ولماذا إذا سمع الناس كلمة العلمانية ينفرون منها بهذا الهلع ويصدون عنها بلا تفكير؟ وهل العلمانية هي شيء سيئ؟ وما هو البديل.. أو قل كيف هي حياتنا بدونها.. بل كيف هي حياة الآخرين الذين أخذوا بها؟ وهل من الضروري أن يكون كل الناس علمانيين؟ وهل الآخرون الذين طبقت العلمانية في مجتمعاتهم هم بالضرورة علمانيون أو يعون أنهم علمانيون؟ إلي آخره من تساؤلات يطرحها الجدل والسجال الذي يدور في العالم العربي منذ بداية القرن العشرين.. حينما بدأ محمد عبده في إثارة تلك التساؤلات.. لكن تساؤلاته التي كانت تبشر ببدء (عصر نهضة عربي) تم بترها.. فانتهي عصر (النهضة المبتورة) هذا إلي أن انتصر أصحاب الثبات علي أصحاب النسبي المتغير، ربما يكون السؤال الأهم هو: من المسؤول إذن عن (إخافة) العربي من فصل الدين عن السياسة؟ هل هي (طبيعة فيه) أن يخاف من الانطلاق في عالمه المتغير بدون ثقل (الحقائق المطلقة) أم هناك (يعقوب) هو المسؤول لغرض في نفسه عن إخافتهم من الفصل بين الدين والسياسة؟ أهمية السؤال أن إجابته تحدد أين يكمن العائق الذي يحول دون أن تنطلق مجتمعاتنا في عالمها المتغير غير مثقلة بتلك الحقائق المطلقة.. بالطبع ليس هذا اليعقوب إلا (المشايخ) ومن يتبعهم!.. فهؤلاء هم وعلي مدي قرن منذ تساؤلات محمد عبده من راحوا (يحذرون) الناس من فصل الدين عن السياسة.. وسيسوا الدين أو دينوا السياسة كي تبقي لهم تلك (الغنيمة التاريخية) ينتفعون منها مالا ونفوذا وحكما وسطوة علي العقول.. فمصيرهم إذا فصل الدين عن السياسة سيكون انزواءً في دور العبادة بعيدا عن الحكم والنفوذ الذي تتعلق به أفئدتهم! لهذا يستمر الصراع دائرا لا بين دعاة العلمانية والناس إنما بينهم وبين المشايخ، ولأن الدين متجذر في نفس العربي فإن مهمة المشايخ تكون أسهل في السيطرة عليهم.. بينما مهمة العلماني الذي يطالب بفصل الدين عن السياسة هي دائما مهمة أصعب.. وفي كتابه (تحولات الفكر والسياسة في مصر ومحيطها العربي في القرن العشرين) يقول المفكر البحريني دكتور محمد الأنصاري إن: فريق المفكرين العلمانيين انهزم هزيمة منكرة أمام الرأي العام ، وما الرأي العام هذا إلا الناس الذين يميلون للمشايخ وينفرون من المفكرين! لكن هكذا كان الصراع أيضا في (عصر نهضة أوروبا الذي لم يبتر) بين دعاة العلمانية والبابوات.. كان هؤلاء البابوات يمارسون علي العلمانيين الأوائل أبشع أشكال العنف التي سميت (محاكم التفتيش).. حتي يحتفظوا بامتيازات الثروة والحكم التي تتيحها إخافة الناس من الله! بعض العلمانيين كان يتحداهم ويدفع الثمن.. وبعضهم كان يترك الأمر للمستقبل خوفا من البطش دون أن ينجو من البطش بالضرورة! الدكتور مراد وهبة حكي قصة عن كوبرنيكوس الذي اكتشف أن الأرض تدور لكن الكنيسة حينها كانت تقتل وتحرق وتسحل من يقول بدوران الأرض.. فكان أن قال الرجل لتلامذته (إوعوا تقولوا للشعب إن الأرض تدور)! لكن رغم ذلك سمع الناس فغضبوا وأحرقوا داره! لكن الواقع.. متغير! لهذا صدق الدكتور مراد وهبة حينما قال إن العرب سيأتي عليهم يوم يقبلون فيه ولو بعد زمن بفصل الدين عن السياسة أو المطلق عن المتغير.. فبعد كوبرنيكوس بزمن طويل جاء غاليليو وقال بدوران الأرض فأرادت الكنيسة عقابه إلا إذا (تاب)! ولكبر سنه أشفق عليه أصحابه فنصحوه أن يعلن توبته في حضرة البابا.. وكانت طقوس التوبة حينها تلزم من يريد إعلان توبته أن يركع علي الأرض ويضع رأسه علي طاولة صغيرة أمامها كرسي عال يجلس عليه البابا.. ركع العالم الجليل غاليليو أمام الطاولة وكان متألما حزينا أنه سينطق بعكس الحقيقة العلمية.. قالها.. قال إنه نادم علي القول بدوران الأرض.. فمنحه البابا العفو.. لكن غاليليو وهو ينهض وفي لحظة مواجهة تاريخية ستظل مثالا حيا في التاريخ علي أن الواقع متغير.. ركل الطاولة بغضب وقال القولة الأشهر في تاريخ الإنسانية.. قال وهو يركل طاولة التوبة: ومع ذلك فهي تدور! مرارة بطعم النفط: عضة كلب أمير! برنامج (تسعون دقيقة) علي قناة المحور استضاف عددا من الشخصيات من ضمنها المعارض المناكف عبد الحليم قنديل ومحمد عبد العليم داوود النائب بمجلس الشعب ومحامي الأمير تركي ـ الأمير السعودي المقيم في القاهرة ـ وغيرهم.. النقاش كان حاميا حول قصة الأمير تركي وكلابه! ذلك أن هذا الأمير يقيم بصفة دائمة في فندق بالقاهرة وأمام الفندق يقف حراس الأمير ومعهم كلاب شرسة (تحرس أميرها)! في حادثتين لا تفصل بينهما سوي أسابيع عضت كلاب الأمير في الحادثة الأولي صبية مصرية كانت تعبر الطريق أمام الفندق مع والدها.. وفي الحادثة الثانية كانت الضحية فتيً مصريا آخر.. الضحيتان حدثت لهما أضرار جسيمة وتشوهات وما زالا يعالجان بالمستشفي.. وكان برنامج القاهرة اليوم بعد الحادثة الأولي قد ناقش مسألة (عدم تحميل القصة أكثر من حجمها).. ربما لأن قناة أوربت هي قناة تمويلها أميري! لكن بعد الحادثة الثانية لم يكن ممكنا (كظم الغيظ) في الشارع المصري، لا يمكن والحال هكذا أن يقف الأمر عند كونه مجرد حادثة.. محامي الأمير قال في البرنامج: حنعالج الولد زي ما عالجنا البنت.. الأمير تركي بيعمل أعمال خير هنا وكون كلب نتيجة خطأ الحارس عض بني آدم ده أمر وارد حدوثه ! الضيوف كانوا غاضبين.. ستة عشر كلبا تكلفة الكلب الواحد منهم في اليوم الواحد ألف دولار (يطلقها أميرها)علي المصريين في بلدهم.. قال أحدهم، وقال قنديل: هل وصل الأمر بمصر إلي هذه الدرجة؟ أمير مطرود من بلده وبلدان أخري يقيم دولة داخل الدولة في مصر؟ نحن أمام نظام فرط في حقوق الشعب المصري.. الحكومة هي المسؤولة عن مهانة المصريين داخل وخارج مصر ، بالطبع هناك وجه سياسي للأمر.. فتكرار الحوادث بهذا الشكل دون بادرة رسمية من مصر (تنفذ القانون) ضد المسؤول عنها تطرح السؤال الطبيعي: لماذا؟! هذا عن الشق القانوني.. أما الشق السياسي فهو (هذه المرارة بطعم النفط) التي يصبها سعوديون علي المصريين من وقت إلي آخر علي مدي عقود النفط الماضية! لكن لا يصح لوم (الكلاب الأميرية) قبل لوم الحكومة المصرية!.. هكذا هو الانطباع العام في الشارع المصري عن بلادة ولا مبالاة الحكومة المصرية أمام ما يتعرض له المصريون من إهانة داخل وخارج مصر.. هذا المذاق المر يزداد مرارة حين نعرف أن النيابة المصرية في التحقيق أمرت بـ… بماذا… بضبط وإحضار الكلب! أي كلب؟! (*) كاتبة من مصر howayda5@gmail.com (المصدر: صحيفة القدس العربي (يومية – لندن) الصادرة يوم 4 أفريل 2007)

استنساخ المشهد العراقي في الصومال

فهمي هويدي (*) ثمة فشل أمريكي جديد يطل برأسه هذه الأيام من الصومال، يكاد يكرر الحاصل في العراق، رغم التباين في بعض التفاصيل، فالقتال تجدد بصورة عنيفة ضد القوات الإثيوبية التي اجتاحت البلاد نهاية العام الماضي، بدعم وغطاء أمريكيين، الأمر الذي أعاد الى الأذهان ذكريات معارك لم تعرفها الصومال منذ ستة عشر عاما. فقد نشطت مقاومة القوات الإثيوبية خلال الأسابيع الأخيرة، مما دفعها الى الرد بعنف، مستخدمة في ذلك تفوقها البري والجوي، وبدأ ذلك الهجوم الإثيوبي يوم الخميس الماضي، أثناء انعقاد القمة العربية في الرياض، وترتب على ذلك أن انتشرت الحرائق في العاصمة مقديشيو، بعدما قصفت بعض أحيائها، ولم تعرف بعد أعداد القتلى والجرحى، الذين قدرتهم الوكالات بالمئات، لكن المعلومات الشحيحة التي خرجت من العاصمة تحدثت عن تدمير ثلثي بيوت المدينة، وتشريد كل سكانها، ونزوح حوالي 60 الف شخص منها، كما تحدثت عن امتلاء المستشفيات بالجرحى الذين لا يتوافر لهم العلاج الكافي بسبب النقص في الأدوية والأسرة، وعن انتشار جثث القتلى في الشوارع. وكالة فرانس برس جمعت يوم السبت الماضي شهادات لبعض سكان مقديشيو، رسمت صورة لما يجري هناك، فذكرت أن عددا كبيرا من السكان تحاصرهم المعارك في بيوتهم، وفي اتصال هاتفي أجرته الوكالة، قالت صومالية اسمها حبيبة حسن تقيم الى جوار ملعب كرة القدم الذي تدك منه الدبابات الإثيوبية مواقع المسلحين المقاومين: «إنها لم تشاهد مثل هذه المعارك على الإطلاق، التي هى الأسوأ التي عرفتها مقديشيو منذ الحرب الأهلية عام 1991». حسب الوكالة، فإن 75 صومالياً في الأقل قتلوا منذ يوم الخميس، في حين أن الحكومة الإثيوبية ذكرت أنها قتلت 200 مسلح. وقال بعض سكان العاصمة إن الإثيوبيين يعززون مواقعهم قرب ملعب كرة القدم، في حين يصر المسلحون على طردهم. وذكرت حبيبة حسن أنها الوحيدة في أسرتها التي بقيت في المنزل، وهي تريد أن تغادره ولكن كثافة النيران تمنعها من ذلك، خصوصا أن بعضا من جيرانها قتلوا من جراء القصف، لذلك فأنها لزمت البيت، وأصبح الهاتف هو الوحيد الذي يربطها بالعالم الخارجي. نقل التقرير عن شخص آخر اسمه إبراهيم دوالي، من سكان حى علي كامين في جنوب المدينة الأكثر تعرضا للمعارك: «لا نعرف أين نذهب، فنحن عالقون في منازلنا والجثث في الشوارع، ولا إمكانية لنقل القتلى والجرحى بسبب كثافة القصف المدفعي». وتحدث ثالث اسمه علي حسن، وهو من سكان ذات الحي: «لقد دمرت المنطقة برمتها، وأصبح دخان الحرائق الأسود يتصاعد منها طول الوقت، الأمر الذي ينذر بكارثة لا يعرف أحد مداها». في الوقت ذاته، فإن متحدثا باسم إذاعة «شبيلي» الصومالية المستقلة وصف ما يجري في المدينة بأنه «مجزرة كاملة ضد المدنيين». وفي حين تواصلت المعارك في مقديشيو، فإن منظمة «هيومان رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان أصدرت بيانا أدانت فيه وجود برنامج دولي للاعتقال السري! لصوماليين مشتبهين فروا أخيرا من مناطق القتال. واكدت في بيان وزع في نيروبي أن «كينيا وإثيوبيا والولايات المتحدة والحكومة الصومالية الانتقالية تعاونت على ذلك البرنامج السري»، مشيرة الى أن كلا من هذه الحكومات أدت دورا مشينا عندما أساءت معاملة نازحين من مناطق الحرب، حيث رحلت كينيا سرا أشخاصا أودعوا قيد الاعتقال، وقد استجوبهم عملاء أمريكيون. كما أن إثيوبيا مسؤولة عن العشرات من حالات الاختفاء. وأضاف بيان المنظمة أن 150 شخصا في الأقل، اعتقلوا في كينيا بعد عبور الحدود الصومالية، حيث اعتقلتهم السلطات هناك سرا، بدون توجيه أي تهمة لهم، واستمر ذلك لعدة أسابيع، وهو ما يعد انتهاكا للقانون الكيني ذاته. في ذات اليوم الذي بدا فيه الهجوم الإثيوبي المضاد (الخميس الماضي) أعلن البيت الأبيض، في تقرير سلمه الى الكونغرس، أن استراتيجية الحكومة الأمريكية في الصومال ترمي الى القضاء على «التهديد الإرهابي» فيه، وإعادة الاستقرار إليه، عبر دعم تشكيل حكومة مركزية فاعلة. في اليوم التالي (الجمعة) نشرت الصحف العربية إعلانا حول الصومال، صدر في أعقاب اجتماع لمجلس جامعة الدول العربية على هامش القمة العربية، حضره الأمين العام للأمم المتحدة وأمين منظمة المؤتمر الإسلامي، والأمين العام للجامعة العربية، ورئيس مفوضية الاتحاد الافريقي، ممثل السياسات بالاتحاد الأوروبي، ووزير خارجية كينيا، ودعا البيان الى سرعة زيادة بعثة قوات الاتحاد الافريقي، لكي تحل محل القوات الاثيوبية. كما دعا الى أهمية التحضير لمؤتمر المصالحة الوطنية بين جميع الجماعات الصومالية المعنية. وتحدث البيان عن عقد اجتماع في القاهرة هذا الأسبوع لمجموعة الاتصال ومنظمة المؤتمر الإسلامي، لوضع استراتيجية تستهدف وضع استراتيجية تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة. ألا يذكرك ذلك بالسيناريو العراقي؟ فقد استخدمت لافتة الحرب على الإرهاب في التآمر على حكومة المحاكم الشرعية، التي أعادت الاستقرار والأمان للصومال لأول مرة منذ خمسة عشر عاما، ثم التواطؤ الأمريكي الإثيوبي لاجتياح البلاد، الأمريكان قدموا كل إمكانات الاجتياح، من المعلومات الى الطائرات مرورا بالتمويل، والإثيوبيون هم الذين تحركوا على الأرض، مطمئنين الى أن ظهرهم تم تأمينه، وقد حققت الحملة العسكرية هدفها، حيث أسقطت الحكومة وأجبر قادة «المحاكم» على الانسحاب من العاصمة، وعبور الحدود الى خارجها، وكان سقوط النظام سريعا، لسبب جوهري هو أن قادة «المحاكم» آثروا الانسحاب من العاصمة، حتى لا تصبح مسرحا للقتال يؤدي الى خرابها ويضاعف من أعداد الضحايا المدنيين، وبعدما حققت القوات الغازية أهدافها وسيطرت على مقديشيو استدعت من بيداوه عناصر الحكومة الانتقالية، الذين كانوا طرفا في التواطؤ، ودخل هؤلاء الى مقديشيو على الدبابات الإثيوبية، كما دخل عراقيو المنفى بغداد محمولين على الدبابات الأمريكية. وإذا حدث ذلك في نهاية العام الماضي، فإن الأمريكيين والإثيوبيين فشلوا حتى الآن في إثبات الادعاءات التي تم الترويج لها قبل الاحتلال (أيضا لا تنسى السيناريو العراقي) فلم يعثر على أي قاعدة «للإرهابيين»، ولم يتم القبض على أي منهم، ولم يتحدث أحد ـ حتى مجرد حديث ـ عن وجود أي أثر لتنظيم «القاعدة» في البلاد. بعد مضي شهرين تقريبا، كانت عناصر المقاومة الوطنية الصومالية قد أعادت تنظيم صفوفها، وبدأت عملياتها، التي تراوحت بين قصف تجمعات القوات الإثيوبية المنتشرة في العاصمة، وإطلاق الصواريخ على الطائرات المروحية الإثيوبية، مما أوقع أعدادا كبيرة من القتلى الذين أخفت سلطات أديس أبابا أعدادهم الحقيقية، ولم تتحمل القوات الإثيوبية هذه الهجمات، فشنت عمليتها العسكرية واسعة النطاق التي بدأت يوم الخميس الماضي، ورغم ما قيل عن هدنة وقعت بين قيادة القوات الإثيوبية وبين قبيلة «الهوية» التي تحتضن المقاومة في العاصمة، إلا أن تلك الهدنة سرعان ما تم العصف بها، وكل ما حققته أنها سمحت لكل طرف أن يعزز قواته ويعيد ترتيب صفوفه، وبعد ذلك تواصلت الاشتباكات، وسط حديث عالي الصوت عن ضرورة إحلال قوات افريقية أو قوات سلام دولية لتحل محل القوات الإثيوبية، وضرورة تحقيق الوفاق الوطني. صحيح أن مثل هذه الحلول يمكن أن تكون مجدية لبعض الوقت، لكنها غير مرشحة لجلب الاستقرار للبلاد، لسبب جوهري هو أنها لم تتعامل مع المشكلة الأساسية، المتمثلة في الاجتياح الإثيوبي، الذي آتى بمجموعة من أعوانه لكي يسلمهم السلطة في مقديشيو، وهذا الاجتياح هو الذي أثار غضب الصوماليين، الذين يعرفون جيدا أن لإثيوبيا أطماعها في المنطقة، ويعرفون أيضا ان دعم الأمريكيين لهم ليس بريئا بدوره، ولكنه يستهدف إخضاع ذلك البلد الذي لا تحمل الإدارة الأمريكية لشعبه ودا، منذ أهان الجنود الأمريكيين وأذلهم عام 1993، والذي يتمتع بموقع استراتيجي متميز في القرن الأفريقي، وهو ما يريد الأمريكيون السيطرة عليه واستتباع دوله. لقد اكتسبت «المحاكم» شرعيتها من أمرين، أولهما أنها نبعت من العمق الصومالي متمثلا في قبائله وشرائحه المختلفة، وثانيهما أنها قدمت نموذجا نظيفا طوى عهد أمراء الحرب ووكالات الجهات الأجنبية، ومن ثم أعاد الاستقرار والهدوء الى البلاد التي مزقها الاقتتال وأشاع فيها الفوضى والخراب. هذه الشرعية انضاف إليها عامل ثالث هو أن قيادة «المحاكم» أصبحت معقد أمل القوى الوطنية الصومالية في تحرير بلادهم، الأمر الذي دفعها الى التحرك في الوقت الراهن لتشكيل جبهة وطنية تضم مختلف الشرائح الصومالية، لتحرير البلاد وتخليصها من الهيمنة الأجنبية. ذلك يعيدنا إلى مشهد آخر في المسلسل العراقي، الذي يبدو فيه الوفاق الوطني متعذرا في وجود الاحتلال، الذي يمثل الخلاص منه مفتاح الحل ووضع الأمور في نصابها الطبيعي، بحيث يتقدم الحصان العربة، الأمر الذي يسمح لها بالتحرك الى الأمام، غير أن هذه البديهية تغيب دائما عن الحسابات الأمريكية، حيث لا أعرف كيف أقنع المحافظون الجدد أهل القرار في واشنطن بأن العربة يمكن أن تتحرك إذا وضع الحصان في الخلف، إنهم يصرون على الغلط، ولا يريدون أن يتعلموا.. فهل الى هذا المدى وصل عمى البصر والبصيرة؟! (*) كاتب ومفكر من مصر (المصدر: صحيفة الحياة (يومية – لندن) الصادرة يوم 4 أفريل 2007)  


Home – Accueil الرئيسية

Lire aussi ces articles

23 janvier 2007

Home – Accueil – الرئيسية   TUNISNEWS 7 ème année, N° 2437 du23.01.2007  archives : www.tunisnews.net FEX -TMG:Les membres de l’IFEX-TMG

En savoir plus +

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.