الخميس، 27 يوليو 2006

Home – Accueil الرئيسية

TUNISNEWS
7 ème année, N° 2257 du 27.07.2006

 archives : www.tunisnews.net


 الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين: بــيان الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين: بـلاغ الجمعيــة التونسيــة لمقـاومـة التعــذيب: أوضاع السجناء:  إهمال صحي و اعتداءات جسدية الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان:  تونس : محاصرة منظمة حقوقية و ضرب كاتبة و ناشطة حقوقية ، والتحريض على الاعتداء الجنسي عليها بيان الوحدويين الناصريين بتونس للأمة العربية بمناسبة الذكرى الرابعة والخمسين لثورة 23 يوليو / جويلية 1952 المجيدة الخليج : غرق 17 مهاجراً قبالة سواحل تونس الحبيب مباركي: مأساة مساجين الرأي في تونس: الصحة و التغذية : شهادة السجين هشام جراية الموقف: القيروان: اجتماع تضامني مع مكونات المجتمع المدني الموقف: قرقنة ارتفاع درجة الملوحة يهدد الأرخبيل الصباح: الإنجاب خارج إطار الزواج جريمة يعاقب عليها القانون والمجتمع :تسجيل 350 حالة سنة 2004 الشروق: حركة التجديد في مفترق طرق جديد – «الولادة الجديدة» قيصرية أم طبيعية؟ نــديـم العربي: « مسرحية تونسية دعما للمقاومة » حقائق : الاستاذ فتحي التريكي: «أطالب بـالـحـريـّة فـي كلّ شيء» الطاهر الفازع: بالعلم والعمل فرحة الحياة علي قاسمي: لبنان و فلسطين يحترقان….  على أنغام ماريا كاري و أنريكو ماسياس بحري العرفاوي: عـقـلاني عادل لطيفي : رِدة الحداثة أو البربرية الحديثة آمال موسى: العزاء مع التحية محمد كريشان: خارطة جديدة للمنطقة؟! عبد الباري عطوان: عقلانية مبارك.. وجنون نصر الله د. بشير موسي نافع : معني الحرب: مواجهة كبري جديدة في تاريخ الصراع علي المشرق فهمي هويدي: وهـم الشرق الأوسط الجديد توفيق المديني : مفهوم السوق الاجتماعي: الصين أنموذجاً (1 من 2) موقع قنطرة: بعثة تونسية إلى ألمانيا في القرن التاسع عشر برئاسة المصلح خير الدين:قارة تتخبط في الظلمات بلال ريبيري في حوار لـ »الخبر » الجزائرية: أصبحت مسلما عن قناعة منذ عدة سنوات وأصلي وأصوم مثلكم


Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe ( Windows ) To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic (Windows).

 لمشاهدة الشريط الإستثنائي الذي أعدته « الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين »  

حول المأساة الفظيعة للمساجين السياسيين وعائلاتهم في تونس، إضغط على الوصلة التالية:

 


تونس مازال فيها الـرجــال
 

أنا موظف بوزارة التربية، أريد أن أتوجه بالشكر الخالص لمجموعة من الأساتذة العاطلين عن العمل الذين جاءوا في أحد المرات القليلة الفائتة إلى الوزارة وكانوا يتحدثون بصوت مرتفع عن الرشوة والمحسوبية وإسقاطهم في الشفاهي واستمعت الى أحدهم يقول بانفعال لماذا يشتغل ابن أخت الأزهر بوعوني وزير التعليم العالي دون أن يذوق طعم البطالة في حين نعاني نحن البطالة و الشقاء كما تحدثوا عن عديد الحالات الأخرى.

و الله العظيم لقد أثلجوا صدري و أنا العارف بكل ما يحدث بوزارة التربية و التكوين غير أنني لا أستطيع الكلام فانا موظف بسيط قد يتشرد أبنائي ان فتحت فمي. أما عن الرشوة فهي مفتاح كل الأعمال داخل وزارتنا و خاصة ما يتعلق بالتعليم الثانوي و الجميع مورطون دون استثناء بما في ذلك عناصر من الأمن الذين يتدخلون لذويهم ومعارفهم أما البسطاء و الذين لا يعرفون المسارب المؤدية إلى العمل فلا أحد يسأل عنهم.

أما بخصوص إسقاط هذه المجموعة في الشفاهي فأقسم بالله العظيم أنهم صادقون في كل ما قالوه وليسوا الوحيدين و ليست المرة الأولى التي يتم فيها إسقاط الشيوعيين و الخوانجية في الكاباس والوزير على علم بكل شيء.

أريد أن أتوجه إلى المجموعة التي عبرت عن السخط و الغبن الذي يعانيه الآلاف بكل الإكبار وأعدهم أني سأقدم لهم خدمات يطعنون بواسطتها في النتائج و أقدم الدليل على الرشاوي في وزارة التربية واني سأقدم على هذا العمل لأسباب متعددة أهمها أني استعدت الثقة في إمكانية الدفاع عن الحق مادام هناك من لا يطأطئ رأسه كذلك ان الكأس قد فاض و عم الفساد و الرشوة كل الأماكن.

 
أخيرا تحياتي الصادقة للمجموعة وإن الله مع الصابرين.
 
تونس – 27 جويلية 2006

 

أنقذوا حياة محمد عبو

أنقذوا حياة كل المساجين السياسيين

الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين 33 نهج المختار عطية 1001 تونس الهاتف: 71.340.860 الفاكس: 71.354.984

تونس في: 27 جويلية 2006 بــــــــــيان
اتصلت الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين بعديد التشكيات الصادرة عن عائلات المساجين السياسيين المتهمين فيما يعرف بالقضية السلفية و خاصة منهم الذين ما زالت قضاياهم منشورة أمام قلم التحقيق أو أمام المحكمة و هي تشكيات تتعلق بنقلة غير قانونية و غير متوقعة لأبنائهم من سجن 9 أفريل بتونس إلى سجون أخرى ,فقد تم نقل كل من :

– ماهر بزيوش و محجوب الزياني إلى سجن صفاقس. – سليم الحاج صالح و سهل البلدي و إبراهيم الحرزي إلى سجن قابس. – خالد العرفاوي و أنيس الكريفي و نادر الفرشيشي إلى سجن المنستير. – علي الحرزي إلى سجن حربوب بمدنين. – أيمن غريب و عقبة الناصري و عبد الباري العايب و محمد العباشي و نضال بولعابي إلى سجن القصرين. – حسني الناصري إلى سجن مدنين. – طارق الهمامي إلى سجن المهدية. – سفيان الرزقي إلى سجن سيدي بوزيد.

علما بأنه وقعت نقلة مماثلة في 20/03/2006 لكل من :
– أنور الهيشري و محفوظ العياري إلى سجن  برج الرومي. – أيمن الدريدي من تونس إلى برج الرومي و بعد حادثة تدنيس المصحف نقل إلى سجن باجة. – حسان الناصري إلى سجن برج العامري. – زياد عبيد و سفيان الغزالي و منصف القماطي و غيث الغزواني إلى سجن مرناق.
و يبدو أنه نتيجة لاستفزازهم من طرف أعوان السجن تولى مساجين الرأي المذكورين في القائمة الأولى الدفاع عن أنفسهم بعبارات لوم و احتجاج فعمد الأعوان إلى ضربهم فرددوا شعار الله أكبر مما اضطر الإدارة إلى اتخاذ إجراء عقابي ضدهم لغاية تفريقهم و حرمانهم من مؤازرة بعضهم البعض و التعاون على أداء شعائرهم و ذلك بإبعادهم عن مقرات عائلاتهم و حرمانهم من زيارة محامييهم الذين تولوا الدفاع عنهم و الذين توجد مكاتبهم بتونس مع الإشارة إلى أن المساجين السياسيين المذكورين لم تقع محاكمتهم بعد و هم في حاجة للتنسيق مع محامييهم في اختيار الطريقة التي ينبغي توخيها للدفاع عنهم. كما أخبرتنا أم خالد العرفاوي السيدة زينب الشبلي أنها ستدخل في إضراب عن الطعام تضامنا مع ابنها الذي دخل في إضراب مفتوح عن الطعام للاحتجاج على هذه النقلة التعسفية التي اعتبرتها عقابا لعائلات المساجين السياسيين.
و الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين : – تستنكر مثل هذه التجاوزات التي من شأنها حرمان مساجين الرأي من حقهم في الدفاع عن أنفسهم و مقابلة محامييهم. – كما تستنكر خرق مقتضيات قانون السجون و ذلك بإبعاد المساجين عن ذويهم كما أن هذه النقلة من شأنها أن تعطل سير أعمال التحقيق بالنسبة للمساجين السياسيين الذين لم يقع استنطاقهم بعد و هو ما من شأنه تعطيل سير التعليمات الصادرة عن حكام التحقيق نتيجة لإبعاد المساجين عن دائرة محاكم تونس. – و تستنكر كذلك العقاب الجماعي المسلط على مساجين الرأي من قبل إدارة السجون و تطالب باحترام القانون و إرجاع المساجين المذكورين إلى مقر إيقافهم في انتظار إطلاق سراحهم.

رئيس الجمعية الأستاذ محمد النوري


 أنقذوا حياة محمد عبو

أنقذوا حياة كل المساجين السياسيين

الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين 33 نهج المختار عطية 1001 تونس الهاتف: 71.340.860 الفاكس: 71.354.984

تونس في: 27 جويلية 2006 بـــــلاغ
 
أصيبت عائلات المساجين السياسيين بخيبة أمل إذ بعدما كانت تنتظر سراح أبنائها بمناسبة الذكرى التاسعة و الأربعين لإعلان الجمهورية و هي ذكرى كانوا يعتبرونها هامة في تاريخ تونس تدعو للانفراج لا لمزيد التضييق خاصة و أن اكتظاظ السجون يجعل معاناة المساجين السياسيين كبيرة بسبب حرمانهم من حقهم في التنفس و إبقائهم في أوساط موبوءة أدت إلى تفشي الأمراض بين المساجين.

و الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين التي طالما طالبت بإطلاق سراح مساجين الرأي لوضع حد للمأساة التي يعيشونها منذ فترة طويلة تعبر بهذه المناسبة عن بالغ انشغالها بالعذاب المسلط على مساجين الرأي و عائلاتهم و تجدد طلبها بوضع حد لهاته المأساة.

رئيس الجمعية الأستاذ محمد النوري

 

الجمعيــة   التونسيــة   لمقـاومـة   التعــذيب

أوضاع السجناء:  إهمال صحي و اعتداءات جسدية

تعلم الجمعية التونسية لمقاومة التعذيب مرة أخرى  أن ظروف السجناء السياسيين ما انفكت تتدهور و ذلك في مختلف السجون التونسية فقد أبلغت عائلة السيد عبد الرحمان التليلي (64 سنة) الأمين العام السابق للاتحاد الوحدوي الديمقراطي والذي سبق أن ترشح للانتخابات الرئاسية سنة 1999  أنه مضرب عن الطعام منذ يوم 6 جويلية  2006 بالسجن المدني بتونس  احتجاجا على حرمانه من حقه في العلاج وهو المصاب بمرض السكري و الذي تستدعي حالته الصحية  المتابعة من قبل أخصائيين بالمستشفى .كما أكدت العائلة للجمعية أن وضعه الصحي أصبح ينبأ بالخطر فقد كان في آخر زيارة له يوم 20 جويلية الجاري شديد الهزال شاحب الوجه منتفخ الرجلين يتكلم بصعوبة و لا يكاد  يقف على رجليه .
ومما زاد العائلة  خوفا على حياته  انقطاعه -بمجرد شروعه في الاضراب – عن تناول الأدوية التي  كان قد وصفها له الأطباء  و التي  لم ينقطع عن تناولها منذ سنين هذا من ناحية و من ناحية أخرى  إهمال الإدارة  له رغم كل المراسلات التي وجهتها والدته لمختلف المسؤولين و تعببيرها عن استعدادها للتكفل بمصاريف العلاج . أما  السيد محمد العكروت ( 54 سنة ) المحكوم بالسجن المؤبد- قبل أن يتمتع بالحط من العقاب إلى 18 سنة – من أجل الإنتماء إلى حركة النهضة فإن حالته  الصحية أصبحت على غاية من الخطورة حسب عائلته فهو يواصل إضرابا عن الطعام بالسجن المدني  بتونس  منذ 6جوان 2006 احتجاجا على تجاهل الإدارة مطلبه في العلاج الجدي وهو الذي يعاني من آلام على مستوى الصدر ومن الكولستيرول ومن طاقم الأسنان الذي وقع تركيبه بشكل غير سليم مما سبب له آلاما على مستوى الفم وسيلان الدم بشكل مستمر, وخلال آخر زيارة عائلية له  يوم 8 جويلية 2006 كان السيد العكروت منهكا و غير قادر على الوقوف . و  منذ ذلك التاريخ منعت العائلة من زيارته  فأصبح مصيره مجهولا . و من ناحيتها تؤكد عائلة الشاب زياد الفقراوي  الموقوف بسجن برج العامري (30 كلم غربي العاصمة ) من أجل « الإنتماء  الى  جمعية إرهابية  » أنه تعرض إلى الإعتداء  بالعنف من قبل عون السجون خالد السافي وأنه يوجد في غرفة بها مصابون بمرض الجرب كما أنه محروم من حقه في زيارة محاميه على انفراد . و يواصل زياد الفقراوي منذ 5 جويلية الجاري  إضرابا عن الطعام احتجاجا على ظروف الإيقاف اللاقانونية و اللاإنسانية  مما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشكل خطير. وقد حرمت عائلته من زيارته أكثر من مرة . وبسجن بنزرت المدني تم الإعتداء جسديا على السجين علي رمزي بالطيبي (حوالي30 سنة) بمناسبة زيارة العائلة يوم ‍‍13 ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ جويلية الجاري عندما اشتكى سوء المعاملة والإهانات والإستفزاز . وطال الإعتداء شقيقه الذي تم دفعه من قبل الأعوان  لإخراجه بالعنف  وإيقاف  الزيارة . أما السيد  عبد اللطيف بوحجيلة  الذي يقضي عقابا بإحدى عشر سنة بالسجن المدني بتونس من أجل الإنتماء إلى مجموعة « الأنصار » الإسلامية  فهو محروم من زيارة العائلة للأسبوع الثالث على التوالي.وتجدر الإشارة إلى أنه غالبا ما منعت عنه زيارة العائلة و ذلك  عقابا له كلما احتج على سوء المعاملة و طالب باحترام حقوقه. ويعاني عبد اللطيف من عدة أمراض مزمنة منها الربو و القلب والكلى دون أن يحضى بالعناية الطبية اللازمة مما اضطره  إلى الإضراب عن الطعام عديد المرات منذ اعتقاله سنة ‍997 1 حتى أن مجموع الإضرابات  التي قام بها تجاوز الألف يوم .
هذه مجرد عينات عن كيفية معاملة  السجناء السياسيين في تونس، إنتهاك للحرمة الجسدية و دوس للكرامة وحرمان من أبسط الحقوق مع إفلات المسؤولين عن كل ذلك من العقاب . إن الجمعية التونسية لمقاومة  التعذيب مع تمسكها بمطلب الحركة الحقوقية الوطنية والدولية الرامي إلى إطلاق سراح كل السجناء السياسيين  تطالب :
أولا  بإسعاف كل هؤلاء السجناء  حالا وبتوفير العلاج الضروري لكل واحد منهم      بواسطة لأخصائيين  بالمستشفيات بالنسبة لمن تقتضي حالته الصحية ذلك .  ثانيا  فتح  تحقيق جدي في كل حالات الإعتداء و سوء المعاملة التي تعرض إليها هؤلاء   ومحاسبة مقترفيها.   ثالثا:  احترام كل حقوق السجناء المنصوص عليها بالقانون وبالمواثيق الدولية التي صادقت عليها بتونس
حرر بتونس في 26 جويلية ‏2006‏-‏   عن الجمعية  الرئيسة 
  راضية النصراوي 
 
   للاتصال : 98339960 / 71242756/  71242754


 

آيفكس – انباء من الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير

 

25 يوليو / تموز 2006

القاهرة – مصر

 

** تونس : محاصرة منظمة حقوقية و ضرب كاتبة و ناشطة حقوقية ، والتحريض على الاعتداء الجنسي عليها **

 

** الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان – HRInfo **

** البيان التالي صادر عن: مجموعة عمل للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير في شمال أفريقيا (WGFENA) **

أدانت اليوم مجموعة عمل الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير في شمال أفريقيا (WGFENA) إقدام أجهزة الأمن التونسية على الاعتداء على الناشطة الحقوقية والكاتبة المعروفة نزيهة رجيبة « أم زياد » عقب محاصرة أجهزة الأمن لمقر المجلس الوطني للحريات بتونس ومنع أعضائه من حضور اجتماع كان مقرر عقده هناك.

وكانت الكاتبة المعروفة ورئيسة تحرير مجلة كلمة تونس أم زياد قد توجهات لحضور الاجتماع الدوري بمقر المجلس الوطني للحريات صباح الجمعة الماضي 21 يوليو 2006 ، ففوجئت بعدد من رجال الشرطة يحاصرون مقر المجلس ويمنعون أي شخص من الاقتراب منه ، ثم قاموا بالاعتداء عليها وسبها بكلمات فاحشة ، وأجبروها على ركوب سيارة تاكسي ، قائلين للسائق  » خذها حيث تشاء وأفعل بها ما تريد فهي ……… – واصفين إياها بكلمة فاحشة –  » ، ثم أعقبوا ذلك بحصار منزلها طيلة اليوم.

يأتي هذا قبيل احتفال تونس بمرور خمسون عاما على سن قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، وهو القانون الذي يعد الأفضل عربيا ،إلا أن حقيقة الأمر تؤكد على أن المدون بالقانون شيء ، والواقع التونسي شيء أخر مختلف تماما ، حيث الانتهاكات اليومية الفظة والاعتداءات البدنية للناشطات الحقوقيات مثل أم زياد وغيرها.

و ترى « مجموعة عمل الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير في شمال أفريقيا (WGFENA) «  أن هذا الاعتداء السافر على الكاتبة الصحفية والناشطة الحقوقية أم زياد يعد حلقة جديدة من سلسة الاعتداءات والانتهاكات البوليسية التي تمارسها الحكومة التونسية ضد كل من يجرؤ على نقد الأوضاع المتردية لحالة حقوق اِلإنسان في تونس في ظل حكومة تعد من الأكثر عداء لحقوق وحرية شعوبها.

جدير بالذكر أن المجلس الوطني للحريات في تونس ، هو مؤسسة حقوقية تأسست في عام 1998 بهدف دعم استقلال القضاء والدفاع عن حرية الرأي والتعبير وكفالة الحق في انتخابات حرة ، وقد اعتادت الحكومة التونسية التحرش به ، التعدي على أعضائه ومؤسسيه بسبب انتقادهم للممارسات البوليسية للحكومة التونسية.

أما الكاتبة نزيهة رجيبة  » أم زياد » فهي عضوه بالمجلس الوطني للحريات ، ورئيسة تحرير مجلة كلمة تونس الاليكترونية  » المحجوبة في تونس  » فضلا عن كونها عضو بالهيئة الاستشارية للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، وقد تعرضت أم زياد لحملة منظمة من المضايقات الحكومية كان أخرها محاولة اختلاق و تلفيق فضيحة جنسية لزوجها عضو البرلمان السابق  » مختار الجلالي » قبل أشهر قليلة ، كعقاب لها على مواقفها الجريئة ضد الممارسات البوليسية ضد المواطنين التونسيين ودفاعها المستميت عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير .

 

                                                                                                                                                

تم ارسال هذا البيان بمعرفة مركز استلام وتوزيع تنبيهات وبيانات الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير

 

555 شارع ريتشموند غرب, رقم 1101

صندوق بريد 407

تورونتو, كندا

 

هاتف رقم :+1 416 515 9622           فاكس رقم : +1 416 515 7879

بريد عام ifex@ifex.org

بريد برناكج الشرق الأوسط و شمال افريقيا (مينا) mena@ifex.org

زوروا موقعنا http://www.ifex.org  و للعربیة زوروا http://hrinfo.net/ifex/ 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان الوحدويين الناصريين بتونس للأمة العربية بمناسبة الذكرى الرابعة والخمسين لثورة 23 يوليو / جويلية 1952 المجيدة.

تونس في 23/07/2006 « يجب أن نتعلم من كل ساعة من ساعات الأزمة أكثر وأعمق مما نتعلمه في سنة من سنوات الرخاء.. ذلك لا غنى عنه، ولا بديل له، لأنه طريق الأمة العربية الوحيد الى الحياة وإلى شرف الحياة… »   جمال عبد الناصر تحيي جماهير الأمة العربية هذه الأيام الذكرى الرابعة والخمسين لثورة 23 يوليو / جويلية 1952 المجيدة التي قادها فكرا وتخطيطا وتنفيذا شهيدها الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، تلك الثورة العظيمة التي تفجرت في البدء كاستجابة لواقع موضوعي يتميز بخصوصيات مصر، إذ يسود نظام ليبرالي مشوّه يسيطر فيه تحالف الإستعمار والإقطاع والرأسمالية على الشعب وثرواته، ففسدت الحياة السياسية وتفشى الفقر والمرض والجهل بين صفوف عموم الشعب، وحوصر ومنع الفكر الثوري لحساب الفكر الليبرالي والصهيوني والرجعي، وحرمت الجماهير من كل مساحة للممارسة الديقراطية الحقيقية التي تمكّنها من إمتلاك أدواتها وفرض إرادتها، فتردّت الأوضاع إلى حدّ المأساة وأوشكت حركة تطور المجتمع أن تتوقف نهائيا..
لقد كانت الأهداف الستة للثورة والمتمثلة في:
1- القضاء على الإستعمار وأعوانه
2-القـضاء على الإقطاع
3 -إنهاء سيطرة رأس المال
4-تحقيق العدالة الإجتماعية
5- بناء جيش قوي
6- تأسيس حياة ديمقراطية سليمة
 
وتحمل الضباط الأحرار وزر تحقيق تلك الأهداف ، هي أقصى ما سمحت به الظروف الموضوعية لردّ الفعل الثوري على ذلك الواقع بكل تعقيداته، ثم لتنطلق منه، لتتأصل في محيطها العربي ثورة قومية تقدمية، تحررية، تحارب فكر الهزيمة واليأس وتطارد فلول الإستعمار في الوطن العربي، وتقاتله في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وتحاصره في معاقله، وفي المحافل الدولية؛ فتحوّلت مصر الثورة إلى قاعدة للنضال ضد الإستعمار يؤمها كل أحرار العالم، إمّا مستجيرين بها، فتجيرهم من البطش حتى يبلغوا مأمنهم، وإمّا طالبين الدّعم والإسناد فتجود عليهم جود الأباة الكرام، وإمّا مساندين داعمين لها ضد أخطار تحدّق بها وبهم جميعا، فنشأ إلتحاما إنسانيا رائعا ترك بصماته الخالدة في تاريخ الإنسانية المعاصر..  وثورة قومية تقدمية تحارب فكر الإستغلال والإستعباد، وتقوض القوالب الفكرية الجامدة، فتفكك مرتكزات الإقطاع والرأسمالية وتبني على أنقاضها صروحا إقتصادية عملاقة تعود كل عوائدها بالنفع على كل الشعب، بدون أي صنف من صنوف التمييز؛ فتحدث في المجتمع تحولات عميقة، تنقله من حالة السلبية والإستكانة إلى حالة المشاركة الإيجابية في كل مجريات الحياة والأخذ بأسباب التقدم والتطور.. وثورة قومية تقدمية ترفض تجزئة الأمة العربية وتعمل على تقويض بنى الإقليمية ومحوها لصالح دولة الوحدة الديمقراطية الإشتراكية؛ فأوفت بإحدى أهم تعهداتها بتصفية كل صنائع « سايكس/ بيكو » حين إلتحمت بالجماهير العربية في سورية المندفعة اندفاعا شديدا نحو مبادئها وقائدها، لتحقق الجمهورية العربية المتحدة تجسيدا للوحدة بين سورية ومصر، ومنطلقا نحو الوحدة الشاملة من الخليج الهادر إلى المحيط  الثائر. إلاّ أنّ قوى الإستعمار وتآمر الرجعية العربية وخيانة البعض من أدعياء الوحدة، أجهض التجربة وهي لا تزال طرية العود، فحصل الإنفصال البغيض.. وسقطت أول تجربة وحدوية في التاريخ العربي المعاصر؛ ولكن لم يسقط صدق وعد القائد بتصفية الإقليمية وحراسها ، فبقيت الثقة بالوحدة راسخة بين صفوف جماهير الأمة العربية، وتجذر الوعي بضرورتها وبالأسلوب العلمي لتحق يقها لدى طلائع هذه الجماهير ومثقفيها. وتعلمت الثورة من هذا المصاب أكثر وأعمق مما تعلمته من انتصاراتها، فركّزت على تعميق التحول الإشتراكي في مصر انتصارا لتحالف قوى الشعب العامل وتأسيسا لحياة ديمقراطية غير ليبرالية، يسقط فيها الإقطاع ورأس المال، ويشترك بمقتضاها كل الشعب في صياغة مستقبله على النحو الذي يريد بدون أيّ قيود فكرية أو سياسية أو قانونية يتستر وراءها عادة أعداء الديمقراطية وأدعياِؤها.
إنّ الوحدويين الناصريين في تونس، وهم يشاركون جماهير أمتهم إحياء ذكرى ثورة 23 يوليو/ جويلية 1952، لا يبكون على رسم درس، وإنما ليؤكدوا جملة من المسائل المهمّة:
1. لقد ظلت  الثورة على مدى أكثر من نصف قرن راسخة في وجدان الجماهير العربية، حتى تلك التي لم تعاصرها ولم تعش نشوة لحظات انتصاراتها أو تتجرع مرارة إنكساراتها؛ ظلت الأكثر حضورا بين مثقفي الأمّة وقواها المناضلة، رغم معاول الهدم ومحاولات العبث بها، وبفكرها، ومبادئها، ومنجزاتها، وبطلها، منذ أن إختاره خالقه إلى جواره، وهو بصدد لملمة جراح الأمة وحماية المقاومة الفلسطينية من التصفية ،وهي أنبل ظاهرة  أفرزتها الأمة بعد نكستها في حزيران/ جوان 1967 .
2. إن تردي الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية  في مصر قبل سنة 1952 كان عائقا مهما أمام الجماهير لتنتظم في أحزاب ومنظمات ثورية وتتصدى لمشكلات الواقع على هدي فكر ثوري، وإن أقصى ما تمكنت منه النخب المناضلة منذ أربعينات القرن الماضي هو تنظيم عمليات فردية إنتقاما من بعض رموز الإستعمار وبطانة القصر. وتعتبر الإستفادة من التناقضات بين القصر والجيش لينحاز مدافعا عن الشعب أفضل ما كان متاحا حينئذ؛ وإن تنظيم الضباط الأحرار كصيغة تنظيم جبهوي بين ضباط وطنيين لهم انتماءات فكرية مختلفة بل أحيانا متناقضة هو أفضل ما توصلت إليه القوى الوطنية التي لم تتلوث بفساد الأحزاب ودسائس القصر؛ وإن قدرة قيادة التنظيم تكمن في الحفاظ على تماسكه على أساس برنامج الحد الأدنى الممكن، فتجسد هذا في الأهداف الستة؛ فكانت أهدافا عامة تحتمل أكثر من تأويل وقراءة مما تسبب في حدوث عديد الأزمات بين الثورة والقوى العقائدية.
3. إن ثورة 23 يوليو / جويلية 1952 لم تنطلق على هدي نظرية ثورية، بل تطورت عبر الممارسة، تصحح أخطاءها وتتجاوز عثراتها، فإنغمست في واقع الأمة، بكل تناقضاته، تتدبره للكشف عن الرؤى والأفكار ليصوغها المثقفون في أنساق فكرية محددة ومناهج معرفية علمية..فأبدعت مفاهيم غير مسبوقة في الحرية، وفي الأمة، وفي الإشتراكية، ميزتها الأساسية قابليتها المستمرة للإغناء والإضافة من خلال التجربة العملية.
4. إن ثورة 23 يوليو / جويلية 1952 قد استلهمت من تاريخ الأمة العربية معاني الحرية والشرف والإيباء، فحاربت الإستعمار بلا هوادة رغم اختلال موازين القوى العسكرية لغير صالحها، فأطردت الأنجليز من مصر ليندحر من السودان أيضا، وانتصرت لثورة أقطار المغرب العربي ضد الإستعمار الفرنسي ودعمتها بسخاء منقطع النظير، وأممت قنال السويس وتصدت ببسالة للعدوان الثلاثي، وخاضت أشرس المعارك العسكرية والسياسية والإقتصادية ضد الغزاة الصهاينة، واستمرت في الإشتباك معهم حتى وهي مندحرة في حرب الأيام الستة في حزيران / جوان 1967 لتؤكد أن « ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة »؛ وقاتلت الأنجليز وعملائه في جنوب الجزيرة العربية حتى انتصرت ثورة الشعب العربي في اليمن، وكانت سندا قويا لثوار أفرقيا ..إن الإيمان بالنصر، يعد من صميم العقيدة القتالية للثورة رسختها بين جماهير الأمة لتتوارثها الأجيال المتعاقبة، فيقاتلوا أعداءهم أنىّ ثقفوهم، بكل اقتدار وجسارة.
5. إن ثورة 23 يوليو/ جويلية 1952 قد وعت منذ سنواتها الأولى أن الدولة القطرية هي تجسيد لواقع التجزئة، حيث يحرم الشعب العربي من الإستفادة من ثرواته القومية فيبقى فريسة الفقر والإستغلال، عاجزا عن الدفاع عن أمن أمته ودفع الأخطار التي تتهددها..وإن هذه التجزئة هي من صنع الإستعمار البغيض، فرضها واقع موضوعي على الأمة العربية ليتمكن من نهب ثرواتها وتسخير امكانياتها الهائلة لخدمة مصالحه، مستفيدا في ذلك  من تقاطع مصالحه، هذه، مع مصالح القوى الصهيونية والإقليمية، أنظمة ومنظمات.. وإن مشكلة الإستعمار والتجزئة والإستبداد والإستغلال هي مشكلات مترابطة عضويا، يتحتم النضال ضدها جميعا لتحقق الجماهير العربية تحررها وحريتها في كنف دولتها الديقراطية الإشتراكية على كامل تراب وطنها العربي.
6. إن ما تعيشه الأمة العربية حاليا، من رجوع للإستعمار المباشر في العراق وتدمير كل إمكانياته ومحاولة تفكيك نسيجه الإجتماعي، واستفراد الصهاينة بالشعب العربي في فلسطين لمحاولة تركيعه، والتدمير المنهجي والقتل الهمجي لشعبنا في لبنان طمعا في تجريد المقاومة من سلاحها لتأمين حدود دولة الكيان الصهيوني، ومحاولة الضغط على سورية لتلتحق بركب الصلح والتطبيع مع العدو الصهيوني، ونسج المؤامرات المتتالية لتفتيت السودان وطمس ملامح عروبته تماما كما حصل في الصومال؛ كل هذا إلى جانب تخريب اللإقتصاديات العربية من خلال ربطها بالسوق المعولمة، وتخريب المناهج التربوية والترويج لثقافة الميوعة والإستهلاك لافساد النشأ وتمرير فكر الإستسلام والتعايش مع الأعداء، ما كان ليحدث كل هذا، وغيره كثير من مشاريع مشبوهة تستهدف الوجود القومي للأمة العربية، لولا الرّدة على مبادئ وثوابت ثورة 23 يوليو، تلك المبادئ والثوابت التي لاتزال حيّة في وجدان كل مواطن عربي شريف، وتمثل بوصلة نضال الجماهير العربية على طريق الحرية والوحدة والإشتراكية.

·             تحية وفاء وإخلاص إلى روح بطل الأمة وشهيدها جمال عبد الناصر ·             المجد والخلود لشهداء أمتنا الأبرار ·             مقاومة ..مقاومة..لاصلح ولا مساومة ·             عاش نضال أمتنا العربية من أجل دولة الوحدة والحرية والإشتراكية.

 عن الوحدويين الناصريين بتونس البشير الصيد

 

غرق 17 مهاجراً قبالة سواحل تونس

قالت مصادر أمنية تونسية أمس إن 17 مهاجرا إفريقيا غرقوا بينما نجا ثمانية آخرون قبالة سواحل المهدية الواقعة شرق العاصمة، بعد غرق مركبهم خلال عملية تسلل باتجاه سواحل إيطاليا التي قامت بترحيل 50 شابا مصريا تسللوا إلى أراضيها. وأوضح مصدر أمني تونسي أن 17 مهاجرا من جنسيات إفريقية مختلفة غرقوا عندما انقلب قاربهم قبالة سواحل مدينة “المهدية” التونسية (250 كم جنوب العاصمة تونس) نتيجة اشتداد الرياح والأمواج ونجا ثمانية آخرون من موت محقق بعد أن تنقذهم سفينة تابعة للبحرية التونسية كانت قريبة من المكان. وقال المصدر ان القارب المنكوب الذي كان متجها نحو السواحل الإيطالية أبحر من ليبيا قبل ثلاثة أيام وعلى متنه 25 مهاجرا غير شرعي من جنسيات إفريقية مختلفة لم يحددها، وأضاف المصدر أنه لم يتسن بعد انتشال جثث الغرقى رغم مشاركة طائرة استطلاع عسكرية وسفن تونسية في عمليات البحث التي لا تزال مستمرة. (المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

 

مأساة مساجين الرأي في تونس

الصحة و التغذية

شهادة السجين عبد الرزاق مزقريشو 
 
في سجن الناظور سنة 1994 حضرت وفاة السجين منجي (المصاب بمرض القلب) نتيجة الإهمال ولعدم إسعافه اثر إصابته بنوبة, وقد طلب مني إن أدلي بشاهدة زور مفادها أني شاهدت الأعوان يسعفونه و هو لا يزال على قيد الحياة وقد تعرضت لإجراءات انتقامية نتيجة رفضي.   الحبيب مباركي – سويسرا mbarkiha@yahoo.fr

 

مأساة مساجين الرأي في تونس

الصحة و التغذية شهادة السجين هشام جراية: (5 عمليات جراحية متتالية )

في بداية صائفة 1997 أحسست بآلام في مستوى مرفقي الأيسر و بعد انقطاع دام طيلة الصائفة عاودتني الآلام أثناء إقامتي بسجن مرنا ق ( الذي انتقلت إليه في 25 جويلية 1997) و قد تفاقمت الآلام و تعاظم انتفاخ يدي و لم تنفع الأدوية التي قدمت لي في السجن (ضمادات و مضادات حيوية …) و رغم مطالبة طبيب السجن بإجراء صورة بالأشعة لذراعي فقد ووجهت بمماطلة اضطرتني إلى القيام بتحركات (رفض الدخول إلى الغرفة …) فلم يزد مدير السجن المدعو فؤاد والي على أن قال لي: »أثناء شهر نوفمبر لا يمكن إخراجك لأننا منشغلون بالتحضير لاحتفالات 7 نوفمبر؟ » و لم يتم نقلي إلى المستشفى إلا يوم 14 نوفمبر. و قد استغرب الطبيب المقيم (قسم الجراحة العامة 21) بقائي على هذه الحالة أكثر من شهرين و قرر إجراء عملية على الفور ( تمت حوالي الساعة 11.00 ليلا ) و قد أعدت إلى السجن بعد 4 أيام لتبدأ المتاعب من جديد و الجرح مفتوح بطول 10سم/عرض 2سم, و أثناء كل عملية تبديل للضمادات يقابلني العون/ الممرض بالتجهم و التأفف و يتعلل مرة بفقد الدواء المطهر و أخرى بنفاذ الضمادات…و عند نقلي إلى سجن تونس يوم 7فيفري رفضت الإقامة في الغرف المكتظة (حيث ينام المساجين متلاصقين بمعدل 3 مساجين في سريرين ) فتعرضت للعقاب بالسجن المضيق حيث قيدت ليلة كاملة في إحدى النوافذ , و لكن بعد إصراري تم تمكيني من فراش فردي في غرفة أخرى ,ثم واصلت العلاج لمدة 5 اشهر إلى أن ظهرت بوادر الانتفاخ من جديد بساعدي الأيسر , و بعد مماطلات عديدة أحلت على نفس القسم فأجريت لي عملية جراحية يوم عيد الأضحى في سنة 1998 , و لم تنجح هذه العملية –لسوء مداواتي بالسجن- فأعدت من جديد يوم 30 ماي و كان طول الجرح أكثر من 15 سم و عرضه 3 سم و قد أعدت إلى السجن بعد يومين ليمدد العلاج أربع اشهر , و لكن انتفخت العقد اللمفاوية Ganglions بشكل كبير (وصلت إلى قطر 5 سم ؟)و سببت لي آلاما مبرحة مما استوجب إجراء عملية رابعة يوم 23 جوان لكن لم ينفع أي دواء و لم يندمل الجرح طيلة 5 اشهر, ووصلت حالتي الصحية التدهور باستمرار و فقدت 20 كغ من وزني إضافة إلى أن التغذية كانت رديئة جدا و لم أمكن من حمية غذائية خاصة رغم كل طلباتي, و في بداية شهر نوفمبر 1998 بدأت أحس بآلام في جنبي الأيسر غير أن طبيب السجن وصف لي دواء لا علاقة له بالمرض (Bisolvan) و كذلك في المرة التالية حيث وصفت لي أدوية أخرى لم تنفع شيئا ( oxytètracycline و clamoxyl ) و قد أشار عليا زميلي في الزنزانة بضرورة تصوير جنبي لان الأعراض مشابهة لما تعرض له سابقا و تبين انه مرض السل, و فعلا تم ذلك بعد إلحاحي الشديد فأحلت على المستشفى حيث تم-بعد التصوير- سحب 2.5 ل من جنبي الأيسر و تبين أني مريض بالسل و بقيت بالمستشفى 12 يوما استعملت أثناءها دواء ساهم في تحسن حالتي و بعد رجوعي إلى السجن عانية كثيرا من تردي نوعية الأكلة , بل كان الرد عليا لما اشتكيت إلى نائب المدير هشام العوني من سوء الأكلة يوم عيد الفطر بان ألقيت في السجن المضيق بتهمة « التحريض » . و بالإضافة إلى الإهمال الصحي فان المساجين يتلقون غذاء يكفي- بالكاد- لسد الرمق. أما التغذية المتكاملة و المتوازنة فلا وجود لها, و ذلك بشهادات الأطباء الذين يفسرون عديد الأمراض التي يتعرض لها المساجين بسوء التغذية, و كذلك بإقرار عديد المديرين الذين لا ينكرون ضعف القيمة الغذائية للأكلة و لكن يتعللون بضعف الميزانية المخصص لها ( 450مليم كلفة الغذاء اليومي للسجين), و عدم إمكانية توفير اللحوم دوريا أو تنويع الأكلات, غير أن الواقع يشهد-لا فقط بضعف القيمة الغذائية للأكلة بل برداءتها كما و كيفا حيث تغيب اللحوم بأنواعها لأسابيع طويلة و طبخ الخضر (البطاطا مثلا)دون إزالة قشورها , أما البقول ( العدس مثلا) فتصب في آنية الطبخ دون إزالة الحصى منها, أما الدجاج-ففي المرات النادرة التي يقدم فيها- تكون بقايا الريش بادية عليه. و هذه بعض الشهادات على هذه الوضعية:
و هذا غيض من فيض و هذا مثل حي: الشهيد الهاشمي المكي   الحبيب مباركي سويسرا البريد الالكتروني mbarkiha@yahoo.fr


القيروان: اجتماع تضامني مع مكونات المجتمع المدني

نظم الاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان اجتماعا تضامنيا مع مكونات المجتمع المدني يوم الأحد 16 جويلية، تعبيرا من نقابيي الجهة على مساندتهم لهم فيما تعرضوا له من مضايقات وانتهاكات من قبل السلطة .وقد حضر الاجتماع إلى جانب نقابيي الجهة  ثلاثة عضوات من جمعية القضاة الشرعية هن السيدات القاضيات كلثوم كنو ووسيلة الكعبي وليلى بحرية والأستاذ عبد الستار بن موسى عميد المحامين وأعضاء من الهيئة الوطنية للمحامين   والأستاذ مختار الطريفي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والسيد عبد الرحمان الهذيلي عضو الهيئة المديرة وهيئات فروع الرابطة ببنزرت وقبلي وجندوبة والمنستير ومدنين وسوسة والمهدية كما حضرها نقابيون من جهات الوسط  منهم بالخصوص السيد عبد الستار منصور الكاتب العام للاتحاد الجهوي بالمهدية وعدد هام من المحامين .
وقد استهل الجلسة السيد حسين العباسي الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل  الذي أكد على أن مكان الاتحاد الطبيعي هو مع المجتمع المدني وان الاتحاد، عبر تاريخه، كان دائما  إلى جانب الحق في القضايا الوطنية والى جانب الاستقلالية ، وانه أيام المحن والأزمات التي عرفها الاتحاد  في فترات عديدة وجد في المجتمع المدني كل المساندة والدفاع عن قيادته و مناضليه.
 كما أشار إلى أن  المجتمع المدني لا يطمح أن يتحول إلى حزب سياسي  يسعى للسلطة، بل انه قوة ضغط من اجل توازن بين الدولة  والمجتمع كما أشار كذلك إلى ايجابية  تكثيف مجالات التنسيق بين مكونات المجتمع المدني والاتحاد ومنها التحضير   للمنتدى الاجتماعي التونسي والندوة التي وقعت أخيرا بنزل اميلكار مساندة للفلسطينيين بين الاتحاد العام التونسي للشغل و الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين وكذلك تمكين المحامين من عقد جلستهم العامة بالنزل.
ثم تناولت الكلمة السيدة وسيلة الكعبي عن جمعية القضاة الشرعية التي ألقت كلمة مؤثرة  تجاوب معها كل من في القاعة حول أهمية استقلالية القضاء و وضع الجمعية .
 
فقد أكدت أن أهم ما كانت تريد الجمعية تحقيقه هو استقلالية الجمعية حتى تستطيع الدفاع عن المطالب المهنية للقضاة وتستطيع أن تقوم بدورها دون ضغوط ، إلا أن الاستقلالية لا تعني أنها ترفض الحوار مع سلطة الإشراف ، بل أن الجمعية كانت منذ البداية تطمح إلى إرساء حوار جدي مع الوزارة حول  مطالب القضاة ، مؤكدة أن مساندة الجمعية للمحامين لم يكن فقط بدافع حماية المحامين من التجاوزات الأمنية بل كذلك دفاعا عن حرمة المحكمة التي يجب أن لا تنتهك تحت أي مبرر ليبقى للقانون هيبته   . ثم  استعرضت السيدة الكعبي ما تعرضت له الجمعية من مضايقات بدءا بافتكاك مقرها وتنصيب جمعية بديلة، إلى نقلة القاضيات إلى أماكن بعيدة عن عائلاتهم مع ما يرافق ذلك من معاناة يومية ، إلى منعهم من حقهم في السفر حيث رفضت وزارة العدل السماح لهم بالخروج ، ورغم المعاناة  و المجهول الذي ينتظر هؤلاء القضاة – التأديب ، قطع المرتب ، وحتى ربما العزل –   فان السيدة الكعبي أكدت أن الجمعية متمسكة بقضاء مستقل يحترم فيه القاضي والقانون والمواطن.
أما الأستاذ مختار الطريفي  فقد أشاد بالاتحاد الجهوي الذي كان دائما سندا للرابطة وللفرع بالجهة وحيى جمعية القضاة وأكد على أهمية استقلال القضاء لا بالنسبة للمجتمع المدني ونشطائه فحسب بل كذلك للمجتمع ككل ، ثم أعطى لمحة عما تتعرض له الرابطة من مضايقات منها ما تحاول السلطة إعطائه غطاء قانوني  كمنع  القضاء المؤتمر من الانعقاد وتأجيل التصريح بالحكم  لجلسات متتالية ومنها ما لم تكلف السلطة  نفسها إعطاء « مبرر » قانوني مثل غلق مقرات الفروع ، وقد حيى رئيس الرابطة  الفروع التي تحتفظ بمقراتها رغم العبء المادي الثقيل. ثم تساءل كيف تتحدث السلطة عن الرابطة  « كمكسب وطني » ثم  تمنعها من أي نشاط  وتخنق تحركاتها حيث يحاصر المقر المركزي ويمنع الرابطيون من الحضور ويقع الاعتداء على  المناضلين ؟  هل في موكب عزاء للمرحوم عادل العرفاوي في المقر المركزي ما يدعو إلى  تدخل البوليس ومنع الضيوف من الدخول ؟ ثم أضاف أن الرابطة مكسب وطني بنشاطها وحركيتها واستقلالية قرارها.
أما  الأستاذ عبد الستار بن موسى فيرى أن « لا قضاء مستقل دون محاماة مستقلة » ، موضحا أن السلطة تحاول تكبيل المحامين للتضييق على نشاطهم مبرزا أن هناك 36 قانون للحد من  صلاحيات المحامي ، شعار السلطة دائما « تجويع المحامي حتى يصبح مطيعا « ، ثم أضاف أن الهيئة الوطنية  أرادت أن يكون لتونس معهدا للمحاماة حتى يتكون المحامي تكوينا قانونيا ومهنيا متطورا، لكن ما تريده السلطة من المعهد أن يكون « مصفاة ، لا يتخرج منه إلا الموالين » وعبر عن ارتياحه لنجاح الجلسة العامة الأخيرة المنعقدة في 08-07-2006 والتفاف المحامين حول  هيئتهم ومطالبهم.    
(المصدر: صحيفة « الموقف » الأسبوعية، العدد   369  بتاريخ 29  جويلية 2006)  


قرقنة ارتفاع درجة الملوحة يهدد الأرخبيل

البحر بالنسبة لسكان جزيرة قرقنة هو أصل الحياة وسرّ الوجود والبقاء، البحر رهنهم وأسرهم منذ عهود قديمة علاقة متينة نسجت بين الإنسان والبحر وتأثرت عاداتهم وتقاليدهم وأغانيهم ورسومهم البسيطة.  والبحر هو مجالهم الحيوي يتحركون في فضائه بانسجام تام فعملوا على تطويع واستغلال كل العناصر المتوفّرة في محيطهم بحكمة بدون الإضرار بالبيئة . اعتمد السكان على ما يوفّره البحر من إنتاج سمكي للحصول على قوتهم اليومي وبرعوا في فنّ الطبخ والتصنيف واكتشفوا تأثيره الإيجابي على الصحّة.  فمنتوجات البحرالغني بالبروتينات والأملاح المعدنية والفيتامينات والدهون ودوره في تنشيط الذاكرة وتفادي الاكتئاب وإضطرابات القلب والشرايين وتتوفر في السمك الأزرق مثل السردين والتن  والقراض مواد أساسية لتغذية الدماغ مثل مادة « أوميغا3  » الذي اكتشفه الأطباء أخيرا.
في الماضي أحسن الإنسان في الجزيرة استغلال الإمكانات المتوفرة في البيئة وصنع أدوات صيده من جريد النخيل وبنى الشرفية. ومن العراجين صنع « الدرينة  » واستعمل الكرناف وأعواد النخيل لبناء سقف بيته وصنع مركبه من أعواد النخيل « اللشتم  »   ومن النخلة ضمن شرابه  » اللاقمي  » ومن غلال الرطب  صنع « الربّ » وخزن في جرار كبيرة « الشدّاخ  » و « التفليت » لأيام الشدّة . النخلة كانت مقدّسة وتحظى بالعناية والرعاية .
كما برع في استعمال أدوات صيد تتماشى وطبيعة الجزيرة وبحرها مثل الشرفية وهي مصيدة قارّة تثبّت في بحر قليل العمق ويتمّ تحديد سياجها بواسطة جريد النخيل وتوضع الدرينة في دار الشرفية ومع عملية المدّ والجزر يدخل السمك إلى الدرينة ويعجز عن الخروج ويبقى حيا ومنتوج الشرفية لذيذ ومتنوع مثل الصبارص ، الملّو، البوري ….
–         الزروب : هي عبارة عن شرفية غير قارة تصنع من عراجين النخيل ويتمّ استعمالها في الصيف . –         الصيد بالقارور والحجر والمنقار : أدوات صنعت خصّيصا لصيد القرنيط التي تميل إلى الإختباء والإنكماش . –         الدمّاسة: مجموعة من البحّارة تشترك مع بعضها وتحدث ضجيجا في البحر بالضرب على الماء من كل الاتجاهات لتجبر سمك « الأميلة  » للوقوع في المصيدة وغالبا ما يستعين البحارة بالتلاميذ في فصل الصيف وذلك بمنطقة العطايا . –         تستعمل الدرينة مستقلة، والغزل والكيس في الاعماق والسواحل وهو ممنوع لإضراره بالثروة السمكية واشتهر بحارة قرقنة بصيد الإسفنج ويستعمل البحار مرآة تسمى كركشولة يتمّ غرسها في الإسفنج واقتلاعها . واستنبط  بحارة قرقنة طرق صيد تتماشى وخاصية كلّ سمك وعرف  نوعية غذائه وطريقة عيشه ونسبة ذكائه وأدوات الصيد توضع في مكان تراعي فيه التيارات البحرية حسب العمق ووجود الأودية وحسب  المدّ والجزر وهو ما يكشف ثقافة مرتبطة بالبحر اكتسبها عن طريق تجربته الطويلة .
عانى سكان الجزيرة من العزلة فالرحلات البحرية نحو مدينة صفاقس كانت معرضة لمخاطر العواصف الفجئية ففي أوقات هدوء البحر  » طياب » تستغرق الرحلة أربع ساعات ، وعند تعكّر الأحوال الجوية تدوم الرحلة ثلاثة ايام واكثر ويبقى كل من في اللود أسيرا في البحر إلى حين هدوئه ولازال السكان يذكرون أسماء وألقاب عائلات فقدت وعروس غرقت مع جهاز زفافها ولم تكتمل فرحتها .
عانت الجزيرة فترات جفاف قاسية ومؤلمة أثرت على حياة السكان فهم معزولون ويحاصرهم الماء المالح من كلّ جانب والأرض ارتفعت درجة الملوحة فيها  ويبست أشجارها ولم تعد تنتج واشتدّ الفقر والحرمان خصوصا أيام الاستعمار والحرب العالمية الثانية وقد كتب شاعر الجزيرة رابح عز الدين عن تلك الفترة قصيدة نظمها   سنة 1945يقول فيها
 » يا قرقنة بشرك طغيت علينا                 مافيك ما يزهينا نتجادل و الشرع يحكم فينا يا قرقنة يا عدوّة                                   بان الجدب في نوايحك من توة وايبس شحرك في ضواحي الصوّة             والبحر زاد فلس بالتركينة
خيـــــرك أوفـــــا ما باقاتلكـــــش امـــــــروة              انظنّ سكنتك ما ابقات تصلح بينا »
أما اليوم فإن الأرخبيل يحتاج إلى عناية خاصة من السلط لتمكين المواطنين من العودة إلى احياء الأرض وتربية الماشية وتحسين ظروف الصيد البحري بما يحافظ على الثروة السمكية والبيئة البحرية.
أبو أيمن (المصدر: صحيفة « الموقف » الأسبوعية، العدد   369  بتاريخ 29  جويلية 2006)


الإنجاب خارج إطار الزواج جريمة يعاقب عليها القانون والمجتمع

تسجيل 350 حالة سنة 2004

 
تونس ـ الصباح  
يقول ابن حزم الاندلسي «الحب اوله هزل واخره جد» ولكن في عصرنا هذا قد تأخذ نهاية العلاقات العاطفية مجرى مأساويا وتنتهي بنهاية درامية ذلك ان عديد العلاقات العاطفية عوض ان تنتهي الى زواج شرعي تتحول الى معاشرة بين الطرفين خارج اطار الزواج ويستمر الشاب والفتاة في مثل هذه العلاقة الى ان تنتهي بمولود وفي كثير من الاحيان يتخلى الشاب عن الفتاة فتلتجىء اما لتتبعه عدليا او ايداع مولودها في قرية اطفال وكثيرة هي الحالات التي تطالعنا يوميا في المحاكم او الحياة العامة.   عينات من الواقع    تجارب مثيرة عاشتها بعض الفتيات اللواتي زلت بهن القدم وسقطن في بؤرة الخطيئة دون ان تقرأن لذلك حسابا وكثيرات من اللواتي اودعن ابناءهن غير الشرعيين في قرى الاطفال ومن هن من ربطت علاقة مع شاب ولما داهمها المخاض غادرت محل سكناها ومن الحوادث تلك التي جدت منذ سنوات بالشمال الغربي حيث ان فتاة وضعت مولودا وتخلصت منه ولكن امرها كشف.. واخرى حضرت الاسبوع الماضي امام المحكمة الابتدائية بتونس وكانت حاملا وتخالها طفلة مازالت في المدرسة وهي فعلا قاصرة ولم تتخطى سن الـ 15.. ومأساة اخرى عاشتها طالبة جامعية حيث ربطت علاقة غير شرعية مع رجل متزوج وانجبت طفلة والجيد في الامر ان ذلك الرجل اعترف بابوته للطفلة ولكن المحكمة اعتبرت ما حصل بينهما جريمة زنا وقد مثلا الاسبوع الماضي امام الدائرة الصيفية بمحكمة الاستئناف بتونس لمقاضاتهما.. وتطول قائمة هؤلاء وتطول معها قائمة الاطفال الضحايا وفاقدي السند.   ارتفاع نسبة الاطفال غير الشرعيين    حسب اخر الاحصائيات التي سجلها مركز التوليد وطب الاطفال الرضع فان نسبة الحالات التي ترد على المركز سجلت ارتفاعا قدر بـ 332 حالة سنة 2003 الى ما يزيد عن 350 حالة سنة 2004 واما المستويات التعليمية للامهات اللواتي ينجبن اطفالا بطريقة غير شرعية فان النسبة ترتفع بشكل كبير لدى الفتيات ذوات المستوى التعليمي  المحدود الذي لم يتخط  الابتدائي كما ان غالبيتهن ينتمين الى اوساط فقيرة وخاصة في دواخل البلاد.    اما فيما يتعلق بالسن فان اكثر من 50% من هن تتراوح اعمارهن بين 20 و30 سنة وتنخفض هذه النسبة الى 12% لدى الفتيات اللواتي تتراوح اعمارهن بين 13 و19 سنة.   راي القانون    بما ان المجتمع الذي نعيش فيه مجتمعا تقليديا فانه يظل ينظر دائما للام العزباء نظرة دونية ويعاقبها بنقمته عليها ونفوره منها عقابا كبيرا لا يقل عن عقاب القانون.    وقد افادنا في هذا الاطار احد المحامين وبين ان الفتاة القاصر اذا ما اخطأت وربطت علاقة جنسية مع احد الاشخاص وارادت تتبعه عدليا فالمشرع يعتبر ذلك مواقعة انثى برضاها سنها دون العشرين وهنا الشاب مطالب اما بتصحيح خطئه واما بالسجن.    وفي حالة وقوع الحمل فانه في البداية يجب اثبات بنوة الطفل وقد حدد قانون 28 اكتوبر 1998 هذا الاشكال وذلك من خلال التحليل الجيني (ADN) ولكن في بعض الحالات يرفض الاباء الخضوع الى هذا التحليل ولكن بعض المحاكم تعتبر رفضه اعترافا ضمنيا بابوته للطفل.    وتكلم المشرع التونسي عن حق الطفل الذي يلد خارج اطار الزواج في اللقب والنفقة دون الارث وللاشارة فان الام قد تتحمل المسؤولية الجزائية وتعرض نفسها للسجن طبعا اذا ما قتلت مولودها وهذا في اسوأ الحالات كما انها تعاقب بالسجن اذا ما انجبت طفلا من رجل متزوج.    مفيدة القيزاني   (المصدر: جريدة الصباح الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

حركة التجديد في مفترق طرق جديد:

«الولادة الجديدة» قيصرية أم طبيعية؟

 

تونس – «الشروق»

 

بات من شبه المؤكد أن حركة التجديد (وريثة الحزب الشيوعي التونسي) واقعة في مفترق طرق وذلك أشهرا قليلة قبل انعقاد مؤتمرها القادم المنتظر لنهاية السنة الحالية.

النقاشات متواصلة بين كوادر الحركة وعدد من الأسماء المعنية بالشأن السياسي الوطني من أجل بلورة رؤية جديدة تقطع مع ماضي الحركة وحاضرها وتفتح افاقا في اتجاه إعادة تأسيس للتنظيم وبناء حزب أو تجمّع سياسي يأخذ بعين الاعتبار التجارب التي خاضتها الحركة منذ مؤتمرها الأوّل المنعقد سنة 2001 والظروف السياسية العامة في البلاد بحثا عن شكل قادر على صياغة توازنات جديدة وأدوات عمل أكثر فاعلية في مواجهة المواعيد والتحديات التي تعرفها البلاد.

وكانت حركة التجديد نفسها كرّرت منذ فترة سابقة وتحديدا منذ تشكيل المبادرة التقدمية ـ الديمقراطية خلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2004 عن رغبتها في تجميع كل الطاقات من أجل المحافظة على مكاسب الحداثة والتصدي لكل المظاهر التي قد تهدّدها سواء أكانت إيديولوجية أو غيرها.

وبحسب مطّلعين على شأن «التجديد» فإنّ المؤتمر الثاني للحركة سيرتكز جهده الأكبر على محاولة بناء حزب ديمقراطي تقدمي له امتداداته في صفوف كل الراغبين دون إقصاء وبخاصّة منهم الوجوه المستقلّة التي انضمت سابقا إلى المبادرة التقدمية وعملت في انسجام مع الحركة و سعت إلى المساهمة بجهد في مختلف الأنشطة السياسية والفكرية والانتخابية التي دارت خلال العامين المنقضيين.

ويقول أعضاء في الهيئة التأسيسية لحركة التجديد إن تجربة «المبادرة» بيّنت صواب الاختيار الذي تم انتهاجه في علاقة بكلّ القوى التقدمية والديمقراطية غير المنتظمة سياسيا والتي بان أنها تكتنز طاقة هامة غير موظفة في كل ما له علاقة بالشأن السياسي والعام في البلاد فـ»المبادرة» من هذه الزاوية كانت بمثابة المنبه لتلك الكفاءات التي يُمكن أن تكون لها مساهمة وإضافة كما يمكنها أن تُعزّز جبهة المحافظين على المكاسب التقدمية في البلاد.

والواضح أنه في ظلّ إعلان النوايا الحسنة الذي أبدته قيادة الحركة من جهة وبقية «الشركاء» من جهة ثانية فإن كل التوقعات تصبّ في اتجاه مزيد تقريب الرؤى والتصورات وإثراء النقاش الدائر منذ فترة والذي قد يُختم بندوة سياسية كبرى مع مفتتح السنة السياسية القادمة 2006ـ2007 تكون كفيلة باستعراض الخطوات المقطوعة وما يمكن فعله إعدادا للمؤتمر القادم.

وبحسب قراءات لعارفين بشأن «التجديد» فإن الحركة في حاجة ماسة إلى نفس جديد وربما إلى إعادة تأسيس حقيقية ناهيك أن مسار التجديد الذي بدأ بصفة عملية منذ المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي التونسي (1993) والذي هدف آنذاك إلى تجاوز مخلفات التحولات التي طرأت في العالم والتي من أبرزها سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار الكتلة الاشتراكية بقي دون المأمول منه في أكثر من مستوى وخاصة من ناحية الطرح السياسي والفكري التي تغذت نوعا ما بالأدبيات التي أنتجتها «المبادرة» ومن الناحية العملية والواقعية حيث تقلّص حضور الحركة في المشهد السياسي الوطني وانحصرت في زاوية غير محمودة بين التخلي عن الوفاق والابتعاد عن خط المعارضة الراديكالية.

«المنزلة بين المنزلتين» التي توجد فيها حاليا حركة التجديد تفرض عليها البحث عن مخرج حقيقي لإعادة الاندراج في الفعل السياسي الوطني من الباب الكبير واستثمار الفرص المتاحة في تجسيد إحدى أهم المقولات التي انبنت عليها فلسفة الحزب الشيوعي التونسي منذ أكثر من 50 سنة وهي مقولة: «المساندة والانتقاد» وهي المقولة التي يقول الكثيرون إنّها كانت عنوانا لمصداقية التنظيم في أكثر من مناسبة حيث كانت الانتقادات غير قادرة على حجب الإنجازات والمكاسب والتنويه بها.

تلك إرهاصات «الولادة الجديدة» والتي تتجاوز في واقع الحال مسألة الأشخاص والأسماء إلى البحث عن «طريق جديد» على الرغم من أن البعض لا يخفي قناعته بأن كل ما يجري الحديث عنه ليس سوى مظلّة لحجب الأنظار عن ضرورة إحداث تغيير جذري داخل الحركة ولاستدامة الأوضاع وسطها وخاصة على مستوى المواقع القيادية الأولى للحركة والتي أصبح البعض غير راغب في الابتعاد عنها.

 

خالد الحداد

(المصدر: صحيفة الشروق التونسية الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

 

 

برقيات قضائية

إعداد: منجي الخضراوي

 

المعهد الأعلى للمحاماة

من المنتظر ان يبدأ المعهد الأعلى للمحاماة بتونس عمله خلال السنة القضائىة المقبلة وسيكون مقرّة بالعاصمة، وتسعى حاليا وزارة العدل وحقوق الانسان الى تسويغ مبنى لإيواء المعهد.

 

لبنان وفلسطين

نظم المحامون اكثر من تظاهرة لمساندة الشعب العربي في لبنان وفلسطين والعراق ودعا ممثلو الدفاع الى الوقوف الى جانب المقاومة للتصدي الى المشاريع الصهيونية والامبريالية وتعمل حاليا هيئة المحامين على تجميع الأدوية وبعض المواد الطبية الضرورية للتبرّع بها الى لبنان وفلسطين.

 

لجنة الدفاع عن صدّام حسين

سافر الاستاذ احمد الصديق المنسق العام للجنة الدفاع عن صدّام حسين بتوسن الى العراق للمساهمة في المجهود العالمي للدفاع عن الرئىس العراقي. وقاطع اعضاء هيئة الدفاع الجلسة الاخيرة، ومن المنتظر ان يشاركوا في الجلسات المقبلة.

يذكر ان الاستاذ احمد الصديق هو المحامي التونسي الوحيد الذي التقى الرئىس صدّام في احد المعتقلات الامريكية ببغداد.

 

مجلس تأديب

شكل بعض المحامين لجنة لمساندة زميلتهم الاستاذة عبير موسى يرأسها المحامي الاستاذ الحبيب عويدة، وذلك لصدور قرار عن مجلس التأديب بالهيئة الوطنية يقضي بتجميدها مدة ستة اشهر لاتهامها بالتعدي على العميد اثر الجلسة العامة السنوية الاخيرة.

 

(المصدر: صحيفة الشروق التونسية الصادرة يوم 27 جويلية 2006)


 

بيان من جمعية المحامين الشبان

 

على اثر القرار التأديبي الصادر عن مجلس الهيئة الوطنية للمحامين يوم 21 جويلية 2006 في حق الزميلة الأستاذة عبير موسى من أجل «عدم الاذعان للسيد العميد» خلال أشغال الجلسة العامة الخارقة للعادة المنعقدة بنزل الأكربول يوم غرة أفريل 2006 فإن الهيئة المديرة للجمعية التونسية للمحامين الشبان:

 

ـ تعتبر أن العقوبة التأديبية المسلطة على الزميلة غير عادلة وغير مبرّرة خاصة ان الفعل المنسوب اليها تم أثناء النقاش بعد إسنادها الكلمة خلال أشغال الجلسة العامة الاستثنائية التي دعي اليها المحامون لإبداء آرائهم بكل حرية والتعبير عن مواقفهم بعيدا عن الإقصاء أو التهميش أو التوجيه.

ـ تعتبر ان المخالفة المنسوبة للزميلة جاءت في قالب عبارات عامة من شأنها الحد من حرية الاختلاف في الرأي والحسم الديمقراطي للمسائل المهنية وتمثل تبعا لذلك سابقة خطيرة بالنظر لما يعرفه قطاع المحاماة وخاصة جلساته العامة من كونه فضاء للحوار وإطارا لصراع المواقف.

ـ تعتبر أن اكساء العقوبة التأديبية بالنفاذ العاجل يشكل خرقا لمبدإ وجوب احترام حقوق الدفاع بجعل العقوبة من قبيل الأمر الواقع وعدم ترك الفرصة سانحة للزميلة لمباشرة حق مناقشتها أمام الدرجة الثانية.

ـ تعلن ان القرار التأديبي سيساهم بصفة محسوسة في تغذية أجواء الاحتقان التي يعيشها القطاع في ظرف دقيق هو في أمس الحاجة لترميم صفوفه والالتفاف حوله للخروج من واقع الأزمة.

 

* عن الهيئة المديرة

الرئيس : لطفي العربي

 

(المصدر: صحيفة الشروق التونسية الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

 


« مسرحية تونسية دعما للمقاومة »

(من تأليف اتحاد الشغل و تمثيل المعارضة و اخراج النظام)  

 
البداية بدأت عندما قدم المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل مطلب ترخيص لتنظيم مسيرة دعم و مساندة للمقاومة العربية في كل من فلسطين و العراق و لبنان فكانت أن وافقت السلطة على تنظيم المسيرة على غير عادتها بل أكثر من ذلك فقد قررت المشاركة بطم طميمها لدعم الأشقاء في الشرق و شاركها في ذلك أحزاب المعارضة القانونية دون استثناء و بعض الجماعات السياسية الأخرى (مود و بعض القومجيين و بعض الشيوعيين) فكان مكان الانطلاق أمام الكنيسة الأرثدكسية و قبالة مقر الحزب الحاكم في شارع الملك محمد الخامس (أين تقع أيضا مقرات البنوك المقفرة بعد الزوال و بعض الادارات المركزية) و ذلك الاثنين 2006-07-24 على الساعة السادسة بعد الزوال  المشهد الأول:عدد المشاركين في المسيرة بلغ أكثر من عشرةالاف حسب المنظمين كان نصفهم تقريبا ممثلين للسلطة توزعوا بين ألفين تقريبا من الحزب الحاكم و المنظمات التابعة له و البقية كانوا من البوليس السياسي و غيره بالزي المدني و هؤلاء كانت لهم أدوار طريفة في بقية المشاهد.
المشهد الثاني:عند انطلاق المسيرة بدأ بعض المندفعين « المتهورين » يرفعون أصواتهم نحو المباني الشاهقة المقفرة يدعون بالموت على » إسرائيل » و أمريكا و يرفعون أعلام العراق و فلسطين و لبنان فاستوقفهم المنظمون محذرين و مهددين بتفريق المتظاهرين إذا لم تحفظ أعلام العراق و فلسطين لأن المسيرة حسب ما خططوا مخصصة لدعم لبنان فقط و ليس فلسطين و العراق و لكن الأمر ذاته حصل عندما رفع جمع آخر أعلام حزب الله و صور أمينه العام فخوفا من زرع الطائفية داخل المجتمع التونسي لا يجوز رفع سوى علم لبنان لمن استطاع اليه سبيلا؟؟؟؟؟
المشهد الثالث: كان المتظاهرون المنتمون للحزب الحاكم يتشكلون في جوقة و كأنهم في مزار ولي صالح يترأسهم بعض القياديين في الحزب مدججين بمكبرات صوت مرددين شعارات « نعم للسلم نعم للحوار » و في بعض الأوقات يتذكرون شعارهم المحبوب « كلنا معك يا بن علي »متناسين الغرض الرئيسي من المسيرة..
المشهد الرابع: انطلق المشهد المثير لجميع التونسيين و هو حرق العلمين « الإسرائيلي » و الأمريكي و لكن عندما بدأ بعض المتظاهرين الشاذين باحراق العلم الصهيوني قام أحد المشاركين – شرطة- بخطف العلم و الهروب به بعيدا و عندما احتج البعض على ذلك برر زميل له ذلك الفعل بأنه خوفا على حياة المتظاهرين من الموت حرقا..
المشهد الخامس: أخرج مجموعة من الشبان و الشابات (لا تتجاوز أعمارهم العشرين) صورا للرئيس العراقى الأسير صدام حسين فماكان من المنظمين الا أن هاجموهم، فاعتقلوا أحدهم ومزقوا الصور.
المشهد السادس: كان الحزب الديمقراطي التقدمي مشاركا في المسيرة متقدما صفوفه امينه العام « نجيب الشابي »و التحق به بعض « الغرباء »عن الحزب رافعين شعارات مساندة للمقاومة و مهاجمة لسلبية النظام، لم يرق ذلك للأستاذ الشابي و هو « المناضل العروبي العنيد من أجل الديمقراطية « فأمرأحد معاونيه بمنع الفوضى و الالتزام بالخط العام للحزب داخل المسيرة و هو عدم ذكر النظام و عمالته..
المشهد السابع: اكتملت المسرحية دون مشاكل كبرى و انسحب الممثلون من الركح أي الشوارع المقفرة و كان في مقدمتهم بطلها دون منازع الأمين العام لأتحاد الشغل عبد السلام جراد اذ كان في انتظاره سائقه و حراسه أمام سيارتة المتواضعة جدا « مرسيدس آخر موديل ».
ملاحظة:في نفس الوقت كانت هناك محاولة للخروج بمسيرة من ساحة محمد علي شارك فيها طلبة و نقابيون مارقون عن القانون و مناوئون للنظام اضافة الى كونهم معادون للسامية فتكفل البوليس بأمرهم…. نــديـم العربي تونس العربية
 

الاستاذ فتحي التريكي:

«أطالب بـالـحـريـّة فـي كلّ شيء»

ضيفنا في هذا العدد الاستاذ فتحي التريكي العميد السابق والفيلسوف الذي أثرى المكتبة الفلسفية العربية بعدد لا يستهان به من الكتب ذات التوجهات والآراء المتعددة والتي تحرك السواكن وتدعو الى الجدل والحوار واعادة قراءة السائد الفكري السياسي في العالم العربي. الاستاذ فتحي التريكي عرف بأدبياته الفلسفية خاصة في «فلسفة الحداثة» وفي هذا الحوار يرى الباحث ان الحداثة كمطلب ملح على المجتمعات العربية سيرورة وتواصل وتأصيل للقيم وهي ليست فترة زمنية انقضت بانقضاء فترة الحداثة التقنية والتكنولوجية. كما دعا هذا المفكر المهتم بالشأن العام الى فتح الفضاء العمومي والى ترسيخ قيم الحوار والجدل فيه بين مختلف الفرقاء السياسيين وقال ان ذلك الحوار سيقلص من حدّة العنف والتطرف في الاتجاهين: اتجاه اليمين واتجاه اليسار. وهذا ما يتطلب قوانين للتنظيم لا قوانين للردع والزجر. في هذا الحوار كذلك يدعو صاحب «استراتيجيات الهويّة» الى ترسيخ قيم الحرية في كل شيء والعقلانية من أجل نحت ملامح تقدمية عربية جديدة. افكار اخرى يقدمها ويحللها في هذا الحوار. لماذا يهتم المفكر العربي بالافكار الكبرى كالحداثة والهوية ويتحاشى الخوض في مسائل اليومي مثل التشغيل والتنمية وقضايا الشباب وكأنها مسائل غير جديرة بالتفكير فيها ؟ في الحقيقة كانت هموم الفيلسوف العربي عموما هي التأسيس للافكار والماهيات الكبرى والتي من خلالها يستطيع ان يبني نسقه ان كان هناك نسق وان يتحدث برصانة وبطريقة علمية عما يشغل مجتمعه من قضايا كبرى… عندما يذهب المفكر العربي الى الماهيات فليس همه في نظري، النظر الى إشكالية الماهيات في حدّ ذاتها بل إنّ همّه ان ينطلق من هذه الرؤى النظرية ليحاول ان يفسر ما يقع حوله يوميا ويلتفت الى بعض القضايا الكبرى للمجتمعات العربية مثل التخلف والوحدة العربية والديمقراطية والحرية وعلاقة المجتمع بالدين وبالسياسة. كلها قضايا كبرى ولكن الفيلسوف العربي عوض ان يتناولها من حيث هي أحداث يومية فانه يتناولها انطلاقا من هذه الماهيات الكبرى كإشكاليات الحداثة والهوية مثلا… لكن ما ألاحظه ان هذا الانشغال الفكري قد ابعد الفيلسوف نوعا ما عن القضايا اليومية. لقد تكوّن ما يعرف بمسأليات النخبة واصبحت هذه الاشكالية في التناول طاغية على نقاش المفكرين والفلاسفة في ملتقياتهم وندواتهم وانتاجهم الفكري من كتب ومقالات. أليس هذا اشكالا قد يعيق فهم المجتمعات العربية؟ ثمة مقاربتان لاشكالية اهمال اليومي في نهج الفلاسفة وتفكيرهم : مقاربة اولى تقول بأن الفلسفة هي قبل كل شيء عملية ابداع وانتاج للمفاهيم ولذلك فلا يمكنها البتة ان تكون في اتصال يومي بما يقع في المجتمعات من أحداث تهم المجموعات والانسان كذلك وحسب هذا القول فإن الفلسفة هي انتاج معين لفيلسوف معين يوظف فيها تقنيات وآليات ومناهج علمية متعددة لتناول هذه الماهيات الكبرى . هذا عن دور الفيلسوف. اما دور المثقف فقد يكون مختلفا؟ هذا ما سأتطرق اليه في المقاربة الثانية فهناك من يرى ان الفيلسوف عليه ان يتناول قضاياه الفكرية داخل ما نسميه بالفضاء العام فتكون فلسفته عملية تشخيصية لامراض الواقع ومحاولات متعددة لتجاوز هذه الامراض. والحقيقة في نظري ان مكان المثقف بين هذا وذاك. فالمثقف الحقيقي هو الذي يحاول ان يستعمل تلك المفاهيم والرؤى التي يبدعها الفيلسوف وفي الآن نفسه هو كالصحفي يحاول ان يربط هذه المفاهيم الكبرى بواقعه اليومي. اذا هذا دور المثقف الحقيقي الذي يستطيع أن يربط المفاهيم الكبرى بعملية التشخيص فهو كالصحفي يلاحظ ويسجل ولكنّه يحاول ان يجد الحلول العملية. لو نعود الى واقع الانتاج الفكري والفلسفي العربي فنحن سنجد كمّاهائلا من البحوث حول العولمة والهوية والحرية مثلا، بينما تبقى قضايا الاقتصاد والتربية وتنظيم المجتمع من اختصاص الخبراء. أليس هذا جزءا من أزمة الفكر العربي؟ فعلا، هذا من بين الاسباب الكبرى لأزمة الفكر العربي. نجد مثلا ان في اوروبا وجهة المفكر الاولى هي وجهة ميدانية وانطلاقا من القضايا اليومية يحاول ان يؤسس لفكرة عامة. الفلاسفة العرب بصفة عامة لم يكونوا ميدانيين وعلى خلاف المفكر الذي يستطيع ان يتحدث عن اشكاليات عامة ككرة القدم وظاهرة «التموج الجماهيري العام» في العالم مع احداث تقع في رقعة صغيرة وحول كرة صغيرة بطبعها. ولكن الاشكالية الكبرى هي هل يمكن للفلسفة العربية ان تتجه الى مثل هذه القضايا الميدانية بآلياتها وتقنياتها؟ ولو عدنا الى العالم الغربي لوجدنا ان الانتاج الفلسفي عموما الآن يتجه الى ما يسمى بالفلسفة الفعلية او العملية والتي تتصل بكل التعبيرات المجتمعية وبكل الانساق الاجتماعية. فالآن نتحدث عن فلسفة المؤسسة وعن الايثيقيات المطبقة «جم جوىّم ِفْىّم» والفلسفة الاجتماعية… هذا ما جعلنا نحاول في تونس وبكثير من المجهودات ان نوجه الفكر الفلسفي الى هذه القضايا التي قد نعتبرها جزئية لكنها هامة جدّا لمواطنينا. وفي العالم العربي يجب تأسيس ما يمكن ان نسميه فلسفة اليومي وهي فلسفة تعمل بآليات خاصة ولا تعوض لا عمل الصحفي ولا الخبير ولكنها تأخذ بعين الاعتبار عمل كل منهما. هل من مثال عن فلسفة اليومي هذه ؟ ثمة قضية قلما ينتبه اليها الفيلسوف وهي قضية القيم الشبابية والتي اصبحت تهيمن على شباب العالم العربي بصفة عامة وهي قيم متناقضة تذهب الى الاقصى في كل الاتجاهات. حسب رأيي آن الآوان للفكر الفلسفي ان يدرس ويحلل ويهتم بهذه القيم ويعطيها صبغة لامحالة نظرية ولكن ليقدم لنا بعض الحلول والمعطيات التي بها ينتبه صاحب القرار الى هذه الاشكالية ولم لا يطبق البعض منها. كذلك كثرت مظاهر العنف الجماعي في السنوات الاخيرة في عدة فضاءات منها الملاعب فلم لا يؤسس الفيلسوف لاثيقا الرياضة. وقد يتساءل بعضهم هل يستطيع الفيلسوف أن يخرج من برجه العاجي ليتناول هذه القضايا؟ الفيلسوف هو الوحيد الذي يستطيع النظر الى هذه الاشكاليات ويتحدث عنها من بعيد ويحللها بمفاهيم غير متصلة بالاحداث ويربطها بالقضايا الكبرى حتى يستطيع الفيلسوف ان يغيّر ولو جزءا بسيطا ممّا يحدث حوله. لنأخذ مثال اشكالية الهوية وبالنظر الى ما قدمه المفكرون العرب لا الفلاسفة من كتب ومقالات ومداخلات تلفزية. هل قدموا رؤى ملموسة لفهم الواقع أم حجبا إضافية زادت في عتامته؟ قد اكون قاسيا نوعاما في اجابتي فشخصيا اعتبر ان الكثير من ضيوف المحطات التلفزية وأصحاب المقالات التحليلية في الجرائد والمجلات هم اشباه مثقفين وليست لهم الكفاءة الفكرية والعلمية لكي يتحدثوا عن قضايا كبرى مثل قضية الهوية. وحسب رأيي إن ما نسميه «بالمثقف العربي» يتجرّأ على قضايا لا يعرف ابسط قواعد تناولها فكلّ هؤلاء يتحدثون عن الهوية وعن الثوابت والمتغيرات فيها بينما لو فكرنا ولو دقيقة واحدة وبعمق في الثوابت لرأينا انها ثوابت في الزمن بمعنى ان الهوية لا يمكن أن تكون فيها ثوابت، اللهم الا اذا ما اعتبرنا ان الثابت في المدة لا غير. ومن الطبيعي ان نضرب مثالا على ذلك من الانموذج التونسي الذي يقال عنه الآن انه ينتمي الى هوية عربية اسلامية فهل انه منذ ان نشأ، منذ بداياته الاولى قبل التاريخ الى نهاياته، سيكون عربيا مسلما؟ انه اكتسب تلك الهوية واذا ما قلنا اكتسب فاننا نقول ان هذه الهوية هي اكتشاف وليست وجودا وهو امر يمكن ان نتخلى عنه ونغيره على الاقل. الثوابت في الهوية هي عبارة عن اسطورة ولكن هل يستطيع المفكر العربي ان يقول مثل هذا الكلام؟ تحدثت في كتاباتك عن الثابت للذات كمقوم بل مدخل للهوية فهل من توضيح؟ اذا اعتبرنا ان المتحول عند المفكر العربي هو متحول الى الثابت عندئذ ماذا نقصد بالهوية؟ البعض عنده الهوية أكذوبة ساحرة على رأي علي المزغني مثلا. أنا لي تصور آخر بينته في كتاب  »ستراتيجيات الهوية ». اذا ما اعتمدنا فلسفة ريكور وهايد غير فان مقومات الهوية ثلاثة : اولها التمطي بين حياة وموت والمجتمع يسير نحو الموت ومن اراد ان يتقدم فعليه ان يتعامل أكثر مع الحياة مثل المجتمعات الاوروبية بينما المجتمعات العربية تتعامل اكثر مع الموت. والمقوم الثاني للهوية هو ما عبر عنه هايدغير: «الثبات للذات» وليس «الثبات في الذات» باعتبار ان الانسان يقدم لنفسه بعض الثوابت والتي يحدد من خلالها علاقاته مع الآخر وهي ثوابت ليست ازلية فهي بذلك ليست ثوابت تتجاوز الذات بصفة عامة لتصبح عنصرا يتحكم في الموت والحياة. المقوم الثالث هو القابلية للتغير باعتبار ان هذا التغير سيحتفظ ببعض الثوابت للذات ويحتفظ بها لتغييرها ولا يحتفظ بها من حيث هي كذلك. لذلك لا ينظر الانسان الى الماضي بل الى قابلية التحول في المستقبل وهو يعيش في حالة تقبل واستقبال لا في حالة ارتداد. وكيف تنظر الى من يرى ان هويته ارتدادية الى الماضي؟ من يعتبر ان هويته ارتدادية فقد انسلخ عن التاريخ. لقد انتهى. لانه لم يعد يتحكم في التقبل والاستقبال بينما الذي ينظر الى هويته كاقبال واستقبال لكلّ ما سيأتي فانه يصبح فاعلا في تاريخه. كيف ترى اذا علاقة التونسي بهويته العربية الاسلامية وبالدين تحديدا؟ اذا ما اخذنا ما تقدم من تحديد للهوية يصبح الدين ثابتا للذات وليس ثابتا للأزل. وحتى اكون اكثر وضوحا ان الاسلام يدخل ضمن ذاتيتي الخاصة فأجعله ثابتا لذاتي وهو ثابت لذاته لذلك من الخطإ التصور انه وبما انني عربي مسلم فان كل ما يدور حولي هو بالضرورة عربي مسلم هذه النقلة من الثابت للذات الى الثابت الأزلي يجب ألاّ تحصل. اعطيك مثالا آخر: الهوية الشبابية الآن. نحن نلوم الشاب وعلى القيمة الجديدة الاجتماعية وهي الوصول بسرعة لتحقيق الطموحات. وما العيب في ذلك في عصر الاعلامية والوسائط التكنولوجية السريعة ؟ وكيف نلوم الشباب على قربه من هذه الهوية الجديدة وتأقلمه معها من حيث هي اقبال واستقبال ؟ لكن يمكن ان نعين الشاب على تأسيس ما أسميناه بالثوابت للذات ولكن لا نستطيع ان نقطع مع الهوية الجديدة. عندها سيتقوقع الشاب ويدخل فضاءات اخرى. عرفت في تونس بأنك مفكر الحداثة فكيف تنظر الآن الى تلك المسألة مع بروز تيارات العولمة وما بعد الحداثة؟ هناك نمطان لتناول اشكالية الحداثة: هناك من يعتبر ان الحداثة فترة زمنية بدأت وانتهت، أو على الاقل لها بدايات نستطيع ان نؤرخها وهناك بوادر نهايات واضحة مع التحولات العلمية والتقنية واعتقد أنّ هذه المقاربة صحيحة. ولكنني أحبذ وأميل الى المقاربة الثانية للحداثة وذلك باعتبارها عملية مستمرة تقوم بتأصيل الاحداثيات التي تقع في العالم وفي انساق مختلفة داخل المجتمعات. اذا ما اعتبرنا الحداثة بهذه الكيفية نقول اننا والى يومنا هذا في المجتمعات العربية بصدد استقبال وتأصيل الحداثة وقيمها حتى تنسجم مع واقعنا وهي عملية تأصيلية تحدث ازمات متتالية ومتنوعة وهي عملية لن تنتهي حتى تتجاوز مجتمعاتنا ازماتها. وماذا تقصد بالتأصيل لهذه الاحداثيات وما هي هذه الاحداثيات؟ أعطي مثال تأصيل العقلانية في مجتمعاتنا. انها عملية صعبة وشائكة ومازلنا على المستوى السياسي والمجتمعي والعائلي لم نعط للعقل دوره كاملا ودليلي على ذلك الأحداث التي حصلت منذ اشهر بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية حول الرسول، فما وقع في مجتمعاتنا غريب. فإن خرجت الجماهير من تلقاء نفسها او بفعل فاعل لايهم فانها تناولت القضية من زاوية وجدانية لا عقلانية. بينما لو تأصلت فينا العقلانية لرددنا على المسألة بما يماثلها بتعقل فلسفي ولعالجنا قضايانا الكبرى بواسطة التفكير الرصين والتعامل الرصين مع الآخر لا عن طريق العنف الذي آلمني كثيرا. هل ترى بالنظر الى ماذكرت ان تأصيل العقلانية في المجتمعات العربية بصدد التقدم ام التأخر؟ لوعدنا الى فترة النهضة الغربية لوجدنا أنّ العقل العلمي الذي جاء الى اوروبا عبر فلسفة ابن رشد قد ترعرع وأسّس لتفكير جديد في المجتمع لكن وفي الآن نفسه حصلت ردّة فعل قوية ضده داخل المجتمع والكنيسية وخارجها للقضاء على ما يسمونه الرشدية آنذاك بل ذهب سافونارول ـ ت 1498 ـ الى الدعوة التطرفية للقضاء على كل اسباب العقلانية آنذاك لكنه في الاخير أعدم بعد ان قاومته الكنيسة نفسها والمجتمعات العربية تعيش تقريبا الازمة نفسها. وهل يوجد سافونارول عربي الآن؟ بالتأكيد لكن لا يوجد سافونارول واحد بل آلاف من الذين يريدون للعرب التقهقر والغريب أنهم يجدون كل التشجيع من سلطات الداخل وسلطات الخارج والمثقف العربي الحقيقي الذي يناضل يوميا بالقلم والفكر ضدّ هؤلاء ليس له باع لا في الداخل او الخارج فثمة تخطيط لإقصاء المثقف الحقيقي. لكنك تنادي بالديمقراطية الكاملة والشاملة في المجتمعات العربية بما فيها لهؤلاء؟ انادي بالديمقراطية الشاملة لانه اذا اردنا ان نقضي على هذه الحركات الارتدادية فعلينا ان نتجه نحو الفضاء العمومي لتعميق المناقشات لأن الحوار هو الكفيل بتهميش ظاهرة العنف ولا أقول القضاء عليها، ثم ان الحوار قد يقضي على التطرف من الجهتين وهو الذي يعلم الجميع والجماهير تناول القضايا بعقلانية بأقلّ ما يمكن من الوجدان لأن الركيزة الأولى للحوار هو التفكير المنطقي عبر آليات نتفق عليها قبل الحوار لعلّنا بهذه الطريقة نتجاوز الموجود. اما ان نعطي لهؤلاء فقط الحق والفضاء للنقاش والتأطير فكأننا نشعل الفتيل ونتساءل لم اندلعت النيران. وهل من خارطة طريق لايجاد هذه الفضاءات للحوار بين مختلف التيارات؟ لماذا لا نبعث فضائيات أكثر تسامحا ونفتحها للمفكرين العقلانيين والديمقراطيين والمثقفين الحقيقيين؟ من سيمول هذه الفضائيات؟ سؤال صعب لكنّني أعتقد أنّه بالامكان من داخل المجتمعات العربية تمويل مثل هذه المشاريع. أنّنا في وضع لا يمكن أن يستمرّ فبينما يحاصر الفكر الحرّ النقدي نجد أنّ عدّة فضاءات عمومية وخاصة تفتح للتيار الارتدادي. لابدّ أن يجد المثقف العربي الحقيقي قنوات للتواصل مع مجتمعه . هل بامكان المثقف العربي والقوى التي يمثلها ان يحدث نوعا من التعادل داخل الفضاء العمومي أم أنّ موازين القوى منخرمة لصالح القوى الارتدادية؟ حسب رأيي بالنظر الى المعطيات الحالية فان الهزيمة الفكرية للفكر الحرّ تكاد تكون حتمية ولكن أنا ادعو الى تقدمية عربية جديدة الى بناء فكر عربي تقدمي جديد لأن هذه التقدمية في بعض الفترات اتجهت اتجاها غير مقبول اذ ارتبطت بسلط عسكرية ديكتاتورية مثل البعثية والناصرية لذلك فشلت هذه التقدّمية في مشروعها التحرري الكبير. في ملتقى بيت الحكمة منذ مدة وضعت مقومات لهذه التقدمية العربية. فما هي اهمّها؟ عندما اقول الحرية فإنني أولا وقبل كل شيء اتحدث عن الحرية في كل شيء، الحرية الذاتية والدينية والسياسية والاقتصادية. انها حرية في كل المستويات مع ربطها بقوانين. همها الوحيد ان لا تتجاوز حرية الفرد حرية الآخر وهي ليست قوانين قهرية وزجريّة، بل هي منظمة للحياة في كنف الحرية. العنصر الثاني أكثر تسامحا وتفتحها هو ما اسميته بالتعقلية وقد تحدّثت عنه في مسألة التأصيل ولكن هذا التأصيل في العقلانية لا يتم الا بالارتباط بالسلوك الاجتماعي اليومي، يعني ارتباط العقل النظري بالعقل العملي وبتعبير آخر يرتبط العقل بالقيم. ومثال ذلك في الفكر الاقتصادي الحر يكون من المعقول ان يبحث رجل الاعمال عن الربح الاقصى وإذا ما قام بعكس ذلك فهذا غير معقول لكن قد يجر هذا البحث عن الربح الى التقصير في حق الآخر العامل يقول الفكر الاقتصادي: ولم لا! يقول الفيلسوف الامريكي المعاصر راولس ـRawls ـ انّ البحث عن السعادات الخاصة سوف يلتقي في السعادة العامة. يقول راولس أنه اذا ما كان من المعقول للبحث عن السعادة الخاصة الا ان التعقلية تكمن في الربط بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، يعني علينا ان نبحث في المجتمعات العربية عن السعادة الذاتية للفرد وعن السعادة الجماعية في آن. العنصر الثالث المضاف للحرية العقلانية هو تغلب المدني على السياسي. وفي الحقيقة فاننا لا نعير اهتماما كعرب لما يحدث في مكونات المجتمع المدني. والمجتمعات العربية يغلب عليها السياسي ويسوسها الفرد او جهاز يتحكم في الدواليب فيجب الآن أن يظهر في مجتمعاتنا الانسان المدني وتكون له حقوق وواجبات ويعمل السياسي لا فقط على حماية هذه الحقوق بل وأن يكون هدف سياسته هو تطوير هذه الحقوق. فعندما يتغلب المدني على السياسي عندها يصبح الحوار في الفضاء العمومي وفي الشأن العام ممكنا والعقلانية كما الحرية ممكنة ومعيشة وتصبح فكرة التقدم فكرة تحررية يجب أن تصبح التحررية أساس التقدم في المجتمعات العربية فكفانا حديثا عن الاشتراكية التي رغم ايجابياتها في فترات سابقة الا انها ارتبطت بفكر كلياني جعلها في أفضل ظروفها غير فاعلة. التحررّية، ولا أقول الليبرالية المرتبطة بالحرية والتعقلية وغلبة المدني هي التي ينبغي ان تكون عماد التقدم. ألا تقتضي التحررية اقتصاد السوق؟ نعم. كما قلت الحرية في كل شيء بما في ذلك في المبادرة الاقتصادية. لكن ما هي آليات صهر هذه التقدمية في البناء او في المسار المجتمعي العربي وتحويلها من النظري الى العملي؟ اول هذه الآليات هو الآلية البيداغويية، التحسيسية التي يقوم بها المثقف والصحفي وثانيها هو العمل السياسي التقدمي عندما تستوعب الاحزاب السياسية هذه الافكار وكذلك بعض المؤسسات المدنية على تنوعها. ثم آن الأوان ان تنتبه السلط السياسية في العالم العربي الى هذه الافكار التقدمية. هنالك اجماع دولي يقول إن بلدا كتونس يتقدم بخطى كبيرة اقتصادية واجتماعية لكن على المستوى التعبيري بصفة عامة نحن نسير بخطى غير منسجمة مع التقدم الاجتماعي مثلا. لذلك نعيش. هذه مفارقة. لقد آن الأوان أن نمدّ الايادي في اتجاه الجميع ونعمل على تجاوز هذه الهوّة. كيف السبيل الى هذا؟ هنالك من يرى أنّ القرار السياسي هو المحدد، لكنني لا ارتاح لهذا الرأي. لاشك أنّ للقرار السياسي مفعوله في هذا ولكن يجب ان تكون التغييرات داخل العقلية العامة ويجب ان نعطي للشباب الامكانيات للتفكير. ألا ترى أنّ القرار السياسي قادر على تسريع الوتيرة؟ هذا صحيح ولكن القرار السياسي الذي لا يكون مدروسا بما فيه الكفاية قد يؤدي الى ردّ فعل قوي. ففي مسألة تحرير المرأة يعزى النجاح في الحقيقة الى توفر عدة عناصر من بينها محاولات حتى من قبل الزيونيين للتقدم بالمرأة وهناك دراسات عديدة بينت ذلك فهو تتويج ولم يكن مؤسّسا على قطيعة. فلا بد إذن من تناغم بين القرار السياسي والمعطيات الاجتماعية. لقد رأينا كيف ان قرارا سياسيا غير مدروس كالذي حصل بالجزائر ـ الديمقراطية الكلية والفورية ـ قد أدى الى كارثة حقيقية. هل حان الوقت لابتكار وفاق اجتماعي بين مختلف الاطراف بما فيها السلط في العالم العربي للتقدم بالمشروع التحديثي؟ قبل كل شيء لابدّ ان تبرز الفكرة التقدمية في تنوعها وبتعابير متعددة ولكنها تتفق في الحرية للجميع والتعقل والمدنية، مع تكريس الحوار في الشأن العام وبين مختلف المجموعات الفكرية والثقافية ويجب ان تبرز من جديد الافكار التقدمية وأن تنصهر شيئا فشيئا في الذهنية العامة. الجماعات العربية اليوم في خطر ويجب أن تبرز بصفة عاجلة الأفكار التقدمية والا فنحن مقبلون على قرون وسطى اخرى. تحدثتم سابقا عن ديمقراطية امريكية براغماتية وديمقراطية فرنسية تنويرية. ما هو الانموذج الصالح للعالم العربي؟ الديمقراطية العربية الاصلح هي التي يجب أن نبدعها وهي شكل من اشكال ممارسة التحرر. كيف ستكون هذه الديمقراطية؟ هي التي يمكن ان نؤقلمها مع واقع مجتمعاتنا، فليس ثمة ديمقراطية مثلى. بالنظر الى الواقع المتفجّر هل تقهقرت «فلسفة السلم» لصالح «فلسفة الحرب»؟ ما كان يسمى بالنظام العالمي الجديد، اعتبر ان الانسانية انسانيّتان: انسانية تسودها كل اسباب السلم والسعادة والوحدة، وانسانية غير جديرة بالوجود وبُنِيَ جدار بين الانسانيتين وآخرها جدار فلسطين وبعده جدار بين امريكيا والمكسيك. تلك هي فلسفة الحرب عندهم وسننتظر بناء جدران اخرى. أجرى الحوار زياد كريشان وناجح مبارك (المصدر: مجلة حقائق التونسية، الصادرة يوم 24 جويلية 2006)   


بالعلم والعمل فرحة الحياة

الطاهر الفازع               تتكون الانسانية من صنفين من الافراد: العاملين والخاملين. وعلى عكس الاحكام المسبقة، فان الخامل والكسول انفع من الناحية الانسانية وارفع شأنا من المتفاني في العمل. فالعامل مغرور وفخور ومعتز بامكانياته، فهو الذي يزعق في وجهك : «ولكنني اعمل يا سيّدي!» هل سمعتم يوما واحدا في حياتكم كسولا يتباهى بكسله ويقول لكم بكل غضب واحتقار: «ولكنني اتكاسل يا سيدي!»؟ فالكسول لا يتعب نفسه في تفاهات ومتاهات كالانتاجيّة والمزاحمةوالنّجاح وجمع الاموال. انه لا يبيع وقته مقابل مرتّب زهيد، بل يبقيه لنفسه ويقضيه في الاسترخاء والتكاسل النافع والمريح. وبما انّ الكسول ينام أكثر من العامل فإنّ بشرته أنقى ووجهه احلى ومفاصله املس، تبدو عليه علامات الراحة والاسترخاء وفرحة الحياة الكبرى. اذن من الناحية الجمالية تجد الكسول أجمل من العامل المتعب، المرهق، الحزين. اما من الناحية الصحية ـ فإنّ الكسول يتمتّع بصحة أحسن من صحة العامل. فقلبه يدقّ بأقلّ سرعة وهضمه هادئ لأنه يمضغ الأطعمة بكلّ تؤدة وفكره مركز اكثر لأنه لا يرهق نفسه في التفكير. كذلك من الناحية الجنسيّة، فهوى اقوى لانه مستريح ويأخذ كل وقته ويركز على العملية. والكسول خفيف الروح والذّ من العامل لأنه يضحك ويغنّي ويتندّر ويروي النّكت ويضحك ويقهقه بينما تجد العامل شاحبا، منهك القوى، عبوسا قمطريرا. وعلى عكس ما يعتقد البعض، فانه اسهل ان تكون عاملا من ان تكون كسولا. فمن الاسهل ان تبقى في مكان وتعمل، على ان لا تقوم بشيء وتتظاهر بالعمل وتتقاضى اجرك ولا يتم طردك. الكسول شخص وديع، لم يخلق ابدا المدرسة والمعهد والكليّة والمكتب والمعمل والثّكنة والحرب والصناعة والتكنولوجيا. انها اختراعات العاملين المشؤومة. فالعامل لم يخترع في حياته سوى السلبيات والاتعاب والمشاكل والقذارة والتّلوّث وحفرة الاوزون. اخترع الدراسات العليا، والساعات الزّائدة، والعمل غير المنقطع، واسلحة الدّمار الشّامل والمواد الكيميائية التي تلوث المحيط وتدمر الطبيعة. اما الكسول فقد خلق العطل والالعاب والموسيقى والرقص والحب والسهرات والقهوة والشاي والشيشة والاسترخاء والاسفار والفرجة ولعب الورق… ترون اذن ان اجمل واحلى والطف الاختراعات قد قام بها الكسول. ورغم كل هذا فاننا نواصل القول بأنّ الفراغ مصدر الشرور ونشتم الكسول ونحتقره. انه لشيء مخجل حقا رغم ان الحق مع الكسول لانه بعد ان يكون قد قضى حياته في الراحة سيجازى خيرا بعد مماته لانه لن يكون قد ضرّ أحدا، وبما أنه لا طموح لديه سوف لن تكون له السلطة يوما ولن يجلس على كرسي من «كراسي جهنّم» وتبعا لذلك لن يؤذي احدا ولن يظلم احدا. ومن البديهي انه سوف يدخل الجنّة مباشرة ويربح دنياه وآخرته. وفي نهاية الامر ما الفائدة من العمل والحال ان العامل ينتهي حتما الى عدم الكفاءة في عمله ويصبح ضرره اكثر من نفعه. وهذا مبين علميا في كتاب صدر منذ مدة بعنوان «مبدأ بيتر» واحدث ضجة كبيرة بسبب صحة معلوماته وطرافتها. فكاتباه بيترو هول أوضحا بدلائل قاطعة أن أغلب المسؤولين ليسو أكفاء وانهم كلما ارتفعوا في مناصبهم تقلصت كفاءاتهم. وعلى ضوء الامثلة الواردة في كل الميادين توصل الكاتبان الى تحديد مضمون المبدإ التالي: «في ظل الترتيب الاداري يرتفع كل موظف الى مستوى عدم كفاءته». ولسائل ان يتساءل: كيف يتم ويتواصل القيام بالعمل؟ والجواب بسيط: انه يتم بواسطة موظفين ثانويين واكفاء لانهم لم يتوصلوا بعد الى مستوى عدم الكفاءة ـ «اللي كي عسكر زوارا، مقدمين في الخدمة موخرين في الراتب». لابد انكم تعرفون الكثيرين من المسؤولين الذين ارتفعوا الى مستوى عدم كفاءتهم ولكن هذا ليس مهما بما ان عدم الكفاءة اصبح حالة عامة. لنأخذ مثال ازمة اقتصادية. هناك مشكلة تفرض نفسها وهاهم العديد من الخبراء والدكاترة والمستشارين ذوي المستويات العالية جدّا يقترحون عددا لايحصى من الحلول المتناقضة تماما. لنفترض ان هناك عجزا في الميزانية : فلان يقترح الرفع من الضرائب وفلتان يقترح بالعكس التخفيض منها وزيد يرى ان لا يتقبل البلد رؤوس اموال خارجية وعمرو يرى الحل في التضخم المالي وطباعة العملة. لنأخذ مثالا ثانيا: نفترض ان هناك ازمة اقتصادية: الاول يقترح دعم الفقراء وضعاف الحال والثاني يقترح دعم رأس المال قصد خلق مواطن شغل. لماذا كل هذا الخلط؟ ذلك لأن العديد من الخبراء قد وصلوا الى مستوى عدم كفاءتهم. نصائحهم مضحكة وغبيّة لأن منهم من يقدم نظريات هامة، ولكن لا يستطيع تطبيقها في الواقع، ولأن النصائح والتوصيات سواء كانت طيبة ام لا، لا يمكن ان يقع تطبيقها بصفة ناجعة لان النظام الاداري مكوّن من مجموعة مراتب متداخلة وتحكمها عدم الكفاءة والفوضى. ان اغلب الطبقات مكبلة بقواعد وتقاليد وقوانين ومناشير ادارية جامدة تجعل اهم الموظفين والاطارات المتوسطة وحتى العليا يخضعون ويطيعون هذه القواعد طاعة عمياء ويتبعون الذين سبقوهم مطأطئي الرؤوس كقطعان الغنم .لذا انصحكم اخواني اخواتي بناتي الفضليات بالكسل والتقاعس واظن انكم ستجيبونني «ما توصيّ يتيم على نواح». (المصدر: ركن « بُـوه على خُـوه » بمجلة حقائق التونسية، الصادرة يوم 24 جويلية 2006) 


 

لبنان و فلسطين يحترقان….  على أنغام ماريا كاري و أنريكو ماسياس

    

 

علي قاسمي – سويسرا

 

وين الملايين….الشعب العربي

وين ….الغضب العربي

وين…. الدم العربي

وين ….الشرف العربي وين

 

مطلع أغنية جميلة تغنت بها جوليا بطرس و أمل عرفة و سوسن ألحمامي, استصرخوا فيها ألأمة الإسلامية و العربية عند بزوغ فجر الانتفاضة الأولى, نداء ضاع أدراج الرياح, وواجه أطفال الحجارة بصدور عارية جبروت الآلة الصهيونية و سجلوا بطولات عجزت جيوش الأمتين الإسلامية و العربية عن الإتيان بمثلها.

 

ما أشبه اليوم بالبارحة, بل ما اسعد الأمس و ما أتعس اليوم, رحم اللًه زمانا كانت تخرج فيه جماهير الأمة الإسلامية و العربية بالملايين للشوارع و تعبر عن سخطها و تنديدها لاعتداءات الصهاينة والأمريكان, وتجبر الأنظمة العربية وجامعة الدول العبرية عفوا جامعة الدول العربية -لا فرق – على إصدار بيانات التنديد و الشجب و النحيب.

 

اليوم استقالت جماهير الأمتان الإسلامية و العربية من قضاياها و مآسيها.مزقت كتب التاريخ نسيت خيبر و حطين, رمت بكتب الجغرافيا في سلة المهملات, فأمريكا ستعطيهم كل شهر حدودا و وطنا وإن أرادوا كل يوم فلا مانع فمصانع البنتاغون قادرة على الإنتاج.

 

صراخ الآلاف بثته قناة الجزيرة و حفظ في الأرشيف.ً بالروح بالدم نفديك يا أقصى ً, كان كلاما مجرد كلام, كان ثرثرة فوق النيل

تفاعلت الجماهير الإسلامية و العربية مع العدوان الصهيوأمريكي على الأراضي الفلسطينية و لبنان بمشاعر شرقية, بالخطابة وبالعنتريات التي ما قتلت ذبابة. 

 

وين الملايين؟

 

– في المقاهي حيث يقضون نصف العمر في لعب النرد و الدومينو و الورق و تدخين القضية عفوا تدخين الشيشة, و نصفه الأخر يقضونه في دورات المياه.

 

– في ملاعب كرة القدم يدخنون أفيون الكرة, يتحمسون لاسود تأكل العشب و يصفقون لنسور لا تطير.

 

– في الشوارع يصفقون لأبطال من ورق التواليت الفاخر, يمجدون حكمهم, يهتفون بحياتهم ًبالروح بالدم نفديك يا زعيمً

 

الشعب العربي وين؟

 

في الملعب الاولمبي بالمنزه في تونس يساند إخوته في فلسطين و لبنان على أنغام ماريا كاري, يهز وسطه و خصره طربا لسقوط القنابل على غزة و بيروت وصيدا, و يدفع لماريا كاري سفيرة أمريكا للفن بالدولار( 75 ألف متفرج حضروا الحفلين)

 

في مهرجان الجاز في مدينة طبرقة في تونس يوم 8 يوليو جويلية يرقص على أنغام الفنان الصهيوني أنريكو ماسياس ( فنان فرنسي من اصل جزائري و اسمه الحقيقي بن غيغي مناصر للكيان الصهيوني باعترافه هو و عضو فاعل و نشط في جمعية تعنى بالدفاع عن ما يسمى ًبجيش الدفاع الإسرائيليً.) بل و يتبول على قبور شهداء الغارة الإسرائيلية على حمام الشط عام1986 من فلسطينيين و تونسيين.

 

في الحانات و المطاعم يشرب حتى الثمالة لينسى مشاهد القتل و الدمار الذي خلفها الغزاة.

 

الغضب العربي وين؟

 

في مستشفى الأمراض النفسية يعالج من انفصام الشخصية

 

الشرف العربي وين؟

 

– بال عليه الأمريكان في قوانتانامو بوضعهم المصحف الشريف في المرحاض.-

 

 – داسه شارون و هو يدنس المسجد الأقصى.

 

 – هرب به جندي أمريكي و هو يغتصب ماجدة العراقية, و كم من ماجدة فيك يا وطني.

 

الدم العربي وين؟

 

– في حروب طائفية و داخلية يهرق بإيعاز من الساحر أمريكا و لمصلحتها.

 

 – اختلط بمشروب الكوكاكولا و البيبسي ففقد لونه الأحمر القاني فأضحى قاتما كلون المأساة.

 

 – لم يعد ينقل الأكسجين لقلب الأمة بل نيكوتين سجائر المارلبورو فيصيب بالسرطان.  

 

خلاصة القضيًة (1)

 

توجز في عباره

 

لقد لبسنا قشرة الحضاره

 

و الروح جاهليًه…

 

بالنًاي و المزمار..

 

لا يحدثُ انتصار

 

(1) من قصيدة « هوامش على دفتر النكسة » ً لنزار قباني

 

 
عـــقـــلانــي
شعر : بحري العرفاوي من علامات  » العقلانية  » المعاصرة هو القبول بالا معقول !! أنت  » عقلاني  »  » حضاري  » ومنبسط  » وإنساني  » إذا صفع لك خد مددت خدك الثاني ! و إن ركلوك من دبر طلبت العفو مبتسما و قلت : إنني  » الجاني  » وقلت إنك  » شهم  » و تغفر كل عدوان و ان نعتوك بالجهل و ان سلبوك أمتعة و ان هدموا لك بيتا تقول  » الناس  » إخواني ! أجالسهم أحاورهم وأحضنهم بإحسان فأطعمهم وأكرمهم وأدعوهم لعنواني ! ………. تحب « السلم  » سالمة بجلد أو بسلطان ! وتكره كل منفعل تعاقب كل  » فتان  » ! لذلك أنت معتدل على كرسيك الداني ! وتعقل كل من عقلوا بأن العقل عقلان !! لك عقل ,, عقـــالــي ,, ولـــي عــقــل بميزانــي شعر : بحري العرفاوي تونس، 20 .07 .2006 (المصدر: موقع الحوار.نت بتاريخ 26 جويلية 2006)


رِدة الحداثة أو البربرية الحديثة

عادل لطيفي (*) لماذا العودة إلى طرح موضوع البربرية مع بداية القرن الـ21؟ ما الحاجة إلى إعادة التفكير في هذا الموضوع بعد ما يزيد عن قرنين من تجربة الحداثة العقلانية؟ في الحقيقة لسنا بحاجة إلى بلورة منهجية ما للإقناع بشرعية السؤال، فالعودة إلى تمحيص واقع الإنسان خلال بداية هذا القرن كافية لذلك. أحداث الحرب الأخيرة على الفلسطينيين في غزة والتدمير المنهجي للبنان، وكذلك ارتدادات انهيار الدولة في العراق ولامبالاة العالم تجاه مآسي أفريقيا، كلها مؤشرات توحي بأن الحداثة لم تتجاوز حالة البربرية، بل استوعبتها وجعلتها جزءا من المألوف السياسي، إنها ردة حقيقية عن المحتوى الإنساني العميق لفكر الحداثة. هذه محاولة لقراءة بعض الأحداث الشرق أوسطية من خلال سبر أغوارها العميقة بعيدا عن المعطيات السياسية والجيوإستراتيجية الحينية. البربرية والمركزية الأوروبية قبل تحليل بعض عينات الواقع الحالي، هناك نقاط منهجية لا بد من توضيحها. إذ كيف يمكن الجمع بين البربرية والحداثة؟ ألم تعدَّ الحداثة في عمقها مخرجا للإنسانية من بربريتها التي طالما هددت إنسانية الإنسان؟ هذه الأسئلة النظرية التي تعطي صبغة فينومينولوجية لإشكالية العلاقة بين الحداثة والبربرية كانت قد طرحت بحدة في الفكر الأوروبي خلال القرن التاسع عشر، ليتراجع حضورها كموضوع فلسفي خلال القرن العشرين، وكأن القطع مع البربرية أضحى واقعا لا مجال لإعادة النظر أو التشكيك فيه. مثل هذا اليقين سمح للعديد من الأقلام المفكرة بالحديث عما بعد الحداثة، ما يوهم بأن الحداثة أتمت إنجاز مشروعها وهي بصدد التفكير في مستقبلها. في هذا السياق لا بد من استثناء محطتين بارزتين لهما دلالتهما على مستوى تعامل الفكر السياسي الغربي مع البربرية، إنهما الحربان العالميتان. فبعد سنوات الرخاء التي صاحبت بداية القرن العشرين وجدت أوروبا نفسها أمام حرب شاملة انتهت لأول مرة بتدمير شامل للمدن وبسقوط الملايين من الضحايا فضلا عن ملايين المعاقين. كانت الحرب الكبرى هذه أول صفعة للوعي الأوروبي لتوقظه من غيبوبة الحداثة الشكلية المؤسسة على الرفاه المعيشي. وكانت قصة البطل تارزان التي ظهرت في خضم التأمل الفكري والأدبي لما بعد الحرب تمثل أصدق تعبير عن وجود توجه لرفض هذه الحداثة القاتلة من خلال العودة إلى حالة الطبيعة. خلال الحرب العالمية الثانية طرح من جديد موضوع الحدود الفاصلة بين البربرية والحداثة على أثر الجرائم التي ارتكبتها النازية والتي من أبرزها التقتيل المنهجي لليهود، وكذلك على أثر الدمار الشامل الذي شهدته أوروبا وخلف قرابة 60 مليون ضحية. لقد جسد مبدأ الجريمة في حق الإنسانية مؤشرا على وعي الأوروبيين بإمكانية السقوط في بربرية دفينة، لكن من المهم هنا أن نربط هذين الحدثين بسياقهما الأوروبي البحت. أي أن هذا الوعي الظرفي بخطورة السقوط السهل في حالة البربرية لم يمله وعي منفتح على مفهوم الإنسان ليشمل ثقافات وعناصر أخرى. إن هذا الوعي مرتبط أكثر بجرائم ارتكبها أوروبيون فيما بينهم، وشملت بالأخص الأقليات الثقافية مثل اليهود والغجر. أي أن السؤال الحقيقي كان كيف يمكننا نحن الأوروبيين أن نكون بربريين فيما بيننا؟ أي أن هذا الوعي كان يتم دائما في ظل نوع من بناء صورة الأنا تجاه الأخر، ذلك المستعمَر الذي ظل مستبعدا من هذا الوعي، وكأن حال العقل السياسي الأوروبي يقول لا يمكننا أن نكون بربريين مثل الآخر. الأدلة التاريخية على ذلك معروفة لدى المؤرخين، فما استنكره الأوروبيون من جرائم زمن الحرب في أوروبا كانوا يقومون به في المستعمرات. ففي نفس الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحتفل بتحريرها من الهيمنة النازية كانت تقوم بأبشع المجازر في مدن قالمة وسطيف بالجزائر وتقتل الآلاف في ظرف ساعات. وفي الوقت الذي كان فيه الأوروبيون يحاكمون النازيين على القتل الجماعي لليهود كانت فرنسا قد اعتقلت ثم نفت الحاكم في تونس وأحد رموز الوطنية التونسية، المنصف باي، رغم أنه منع الجيش الألماني من نقل اليهود التونسيين أو تسخيرهم. نفس المصير تقريبا لقيه الملك المغربي محمد الخامس رغم معارضته لدعاية المحور في بلاده. كل هذه الأمثلة تكشف عن أن الوعي بخطورة العودة إلى البربرية بقى إلى حد بعيد قضية أوروبية غير منفتحة على الإنسانية في تنوعها، على المستوى السياسي على الأقل. لكن ماذا تغير اليوم؟ تراجع الحداثة تبدو لنا البربرية اليوم وكأنها صدى آت من غياهب النسيان نستحضره من عمق الماضي لنعطي لأنفسنا الشعور بالطمأنينة والرضا عن النفس في حاضرنا. فالإنسانية في لاوعيها الجماعي والمقصود هنا الإنسانية التي يفكر لها الغرب، جعلتها مجرد مفهوم للدلالة على حالة طبعت إنسان الماضي، أو أنها سلوك تنفرد به بعض الأنظمة أو الجماعات المعادية لمن يعتقدون أنهم المجسدون للحداثة في أتم وجوهها. لكن هذه القناعة النظرية سرعان ما تتبدد بالعودة إلى واقع عالم اليوم، فحسبنا أن نعود إلى الأحداث الأخيرة التي تشهدها الساحة الفلسطينية واللبنانية لنقف على حقيقة ردة الحداثة وعلى ما يمكن أن نسميه بتأهيل البربرية. إن قتل عائلة بأكملها على شاطئ غزة جراء استخدام أحدث تكنولوجيا القتل أشبه بالغارات التي كانت تقودها المجموعات القبلية والإثنية فيما بينها، في عصور خلت، لتقتل سكان القرى وتسبي النساء وتغذي بهن سوق الرق. ألا يحيلنا الحصار الغذائي الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين من حين لآخر على سيناريوهات حصار المدن في العصور القديمة وفي العصور الوسطى؟ قصف لبنان الأخير يمثل، في أحد أبعاده، فصلا آخر من فصول ردة الحداثة، لأن الاستهداف المنهجي للمدنيين والتدمير الكلي للمرافق الحيوية، أي ذلك السلوك العسكري الذي كان يوما ما وراء الوعي بمفهوم الجريمة في حق الإنسانية، أصبح اليوم ممارسة مألوفة ومشروعة طالما أن من يقوم بها هو إسرائيل. في العراق يقوم الجندي الأميركي، الذي جاء رافعا راية الحرية، باغتصاب فتاة ثم يقتلها مع كل عائلتها لتستكمل الجريمة بحرق جثث القتلى. إلى أي زمن ترحل بنا مثل هذه الجريمة؟ ليس إلى زمن بربرية المغول بل إلى زمن بربرية الحداثة، بربرية الحرية والديمقراطية المزعومة. سجن غوانتانامو يعد قمة تجسيد هذه الردة، لأن رفض الإدارة الأميركية لأية مرجعية قانونية لهذا السجن يعطي الانطباع وكأن هذه الإدارة تسقط مفهوم الإنسان ومفهوم القانون ومفهوم الحقوق ومفهوم الدولة. كل هذا يسقط ويصير الثأر والانتقام هما القاعدة الأساسية لتحديد العلاقات. هل يعقل أن نجد في القرن الحادي والعشرين موقوفا ما هو بإنسان ولا هو بسجين؟ إنه مجرد عدو. تحييد مبدأ القانون، الذي يعد أحد ركائز مفهوم الدولة الحديثة ليس بجديد، إذ قد رأينا ذلك من قبل عندما قصفت الطائرات الأميركية مصنعا للأدوية في السودان بدعوى أنه مصنع للأسلحة الكيماوية ثم رفضت أي تحقيق دولي في ذلك. شهدنا هذا التحييد كذلك بعد المجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في جنين ورفضت استقبال فريق تحقيق دولي. كل هذا يتم دون أن يعيد العالم طرح خطر البربرية من جديد كما كان الشأن خلال الحربين العالميتين. لماذا؟ لأن القضية اليوم خارجة عن المركزية الغربية، فالضحية هو ذلك الآخر الذي يبقى في الوعي الغربي غير المعلن أقرب للبربرية أو أبعد عن الحداثة، ذلك هو العراقي والفلسطيني واللبناني. أما من يقومون بهذه الممارسات فهم جزء من المركزية الغربية، إنه الجندي الأميركي أو الإسرائيلي الذي يحمل لواء الحرية والتقدم والحضارة. هنا نفهم لماذا يصعب على صناع القرار في الغرب استعمال كلمة جريمة حرب أو كلمة إبادة إذا تعلق الأمر بممارسات الجيش الأميركي أو الإسرائيلي. عندما تنتج الحداثة بربريتها إن الخطر الأعمق لمثل هذه الممارسات هو أنها تجد عناصر شرعيتها في فكر الحداثة نفسه، فإسرائيل تبرر سياستها تجاه الفلسطينيين وتجاه لبنان بحق الدفاع عن النفس وبحقها في السلام والأمن. لكن هذا يعني ضمنا قبول واقع الاحتلال بما يتبعه من جرائم، وعندها يصبح الاحتلال مشروعا والمقاومة إرهابا والحقوق تنازلات. الحرب على الإرهاب أعادتنا إلى معادلات خلنا أنها قد ولت مع زمن الحروب الاستعمارية وما حملته من مشروع لنشر الحضارة. إذ هاهي الإدارة الأميركية تعلن، بعد تعرضها لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أن حربها على الإرهاب هي حرب ضد أعداء الحضارة. ولم يقف الأمر عند حد وضع الإطار المفهومي للحرب على الإرهاب من خلال استعادة مفاهيم قديمة، بل تعداه إلى حد التراجع عن مكاسب الحداثة. فقد تراجعت الحريات العامة وفقد المواطن في كل من بريطانيا والولايات المتحدة ضمانات حريته الشخصية من جراء قوانين مكافحة الإرهاب. لقد قلصت هذه الحرب، من خلال تركيزها على الأمن، مفهوم الحياة إلى حدودها الدنيا المرتبطة بالعيش في معناه البيولوجي في حين تراجعت مفاهيم الحرية والحقوق والقانون. لقد ألزمت الحرب على الإرهاب المواطن في الغرب بالاختيار بين الأمن أو الحرية. هذه هي ردة الحداثة عندما تولد نقيضها. تستوقفنا بعض الشعارات الأخرى لنستجلي من خلالها مظاهر ردة الحداثة، ونحن نستحضر هنا المواجهة بين محور الخير ومحور الشر. إن استعمال هذه المفاهيم ذات الشحنة الدينية يمثل على مستوى عميق تحييدا للعقل الفلسفي واستبداله بالعقل الديني سواء كان ذلك لكسب الشرعية أو لتجنيد المجتمع. مقولة الخير والشر تعيدنا إلى كتابات القديس أوغستان خلال الألفية الثالثة للميلاد عندما كانت المسيحية في أوج مواجهتها مع الديانات الوثنية والطبيعية. أليس في استبدال العقل الفلسفي بالعقل الديني ردة عن عقلانية الحداثة؟ يمكننا أن نربط هذا التراجع بسقوط الإيديولوجيات الكبيرة ومن ورائها سقوط الفلسفة البناءة، النقدية والمشككة مما فتح المجال لنوع من البراغماتية والمكيافيلية السياسية أوصلت إلى سدة الحكم شخصيات ذات ثقافة شديدة السطحية ودون أي عمق معرفي أو نفاذ عقل. هذا هو حال جورج بوش الابن وفلاديمير بوتين وبرلسكوني ولاش فاليزا وغيرهم. مثل هذا التراجع عن المحتوى الإنساني العميق لفكر الحداثة وما صاحبه من « تطبيع » مع البربرية يفسر إلى حد ما بربرية ردة فعل بعض العناصر والمجموعات التي تضع نفسها في خط المواجهة مع القوى الغربية. لقد كان مشهد المواطن الأميركي المختطف في العراق الذي ذبح على يد الزرقاوي شديد الدلالة على تقارب الإدارة الأميركية مع سلوك الزرقاوي على أرضية البربرية ونفي الإنسان. غياب محاكمة هذا المواطن الأميركي وعدم اعتبار إنسانيته من طرف مختطفيه كانت قد هيأت له الإدارة الأميركية من خلال نفي أي إطار قانوني وتحييد كل مفاهيم الحقوق والحريات في غوانتانامو. إننا في العالم العربي اليوم ندفع ثمنا باهظا لتطبيع البربرية وتقنينها، سواء بشكل مباشر، مثلما يحصل اليوم في العراق وفي فلسطين وفي لبنان، أو بطريقة غير مباشرة من خلال وأد مشروع الإنسان العربي الحديث الحر والعقلاني. إذ كيف يستوي الحديث عن العقل وعن الحرية في ظل مجازر ترتكب باسم العقل وباسم الحرية؟ وكيف يستقيم الحديث عن الديمقراطية كمشروع في العالم العربي في ظل اعتماد الطائفية والقتل لتأسيس الديمقراطية العراقية؟ لكن، رغم كل هذه العراقيل لا بد للعقل العربي من أن يبلور مشروعه على خلفية الوعي بسلبيات الحداثة السياسية الغربية، ووضعها في سياق فلسفي أشمل قادر على تحقيق الإضافة لا للمجتمعات العربية وحسب بل للإنسانية ككل متنوع. هنا يلتقي الشارع العربي مع الشارع في الغرب وفي بقية العالم على أرضية تحقيق حداثة أكثر إنسانية بعيدة عن الحسابات الوطنية الجيوإستراتيجية وبعيدة كذلك عن الاقتصادوية economisme. (*) كاتب تونسي (المصدر: ركن « المعرفة » بموقع الجزيرة.نت بتاريخ 26 جويلية 2006)

 

العزاء مع التحية

بقلم: آمال موسى amelmoussa @ yahoo.fr   لا أحد ينتمي إلى عالم الانسانية يستطيع أن يمنع نفسه من الألم والغضب والانكسار، وهو يشاهد عبر شاشات التلفزيون مأساة الشعب اللبناني العزيز، الذي حوله العدوان الاسرائيلي الفاقد لكل بصر وبصيرة، إلى مادة إخبارية مزعجة. فمن الصعب جدا المرور، مرور الميتين أمام صور الأطفال القتلى والأجساد الملقاة، كيفما اتفق كبضاعة تجاوزت مدة صلوحيتها.   هي المأساة البشعة إذا بكل معنى الفعل قبل الكلمة.   ولكن في خضم كل تلك الدماء التي نزفت ولا تزال، والقلوب التي احترقت بنار الفقدان ومصيبة القتل، هناك ما يبعث على الافتخار والتحية، في الوقت الذي نقدم فيه العزاء لشعب الآرز والورد.   إنها تلك الطاقة المدهشة للصمود وللشجاعة.   شعب لا يعرفُ له الخوف طريقا وبقدر ما عُرف بعشقه للحياة وللجمال، فهو في لحظات الكرامة الانسانية، نجده يُعلن عن ترفعه عن الدنيا وأن ينتصر لداخله ورأسه المرفوعة قبل كل شيء.   ولعل الكثيرين قد شاهدوا ريبورتاجات مع اللبنانيين المهجرين وهم يتحدثون بصوت واثق وبروح صلبة وصامدة، حتى أنه يستحيل علينا الفهم الكامل لصمود وشجاعة، من ترك بيته ومتاعه وذكرياته. فارغا من كل شيء إلا من ذاته والبعض من عائلته. ويزداد الفهم صعوبة، مع الذين رفضوا ترك بيوتهم، مشرعين صدورهم لآلة الموت الاسرائيلية.    بل أن هذه الحرب تؤكد تلك العلاقة العضوية بين الحرب والفن والحرب والحياة. من ذلك أن بعض الأطفال المهجرين والمحتمين بالمدارس، يقاومون ما يجري بالرسم، والرسوم التي شاهدناها تنطق شجاعة مبكرة وتلقائية وخيالا يتجاوب مع الواقع بالفن. وشعراء الجنوب عادوا إلى قصيدتهم الأولى التي ولدتها الحرب ولم تكن تخلو رغم ظروف ولادتها القاسية من جمال وعمق.   كل هذه البسالة الفنية، تجلب للشعب اللبناني كل الاحترام والتحية، وتجعل للأسلحة المتفوقة حدودا لا تتجاوزها.    لذلك فليذهب كل شيء إلى العدم والدمار وليبق الانسان الحقيقي كرأس مال أساسيا حسب مفهوم بيار بورديو.   بل أن ما نلمسه في الشعب اللبناني من قوة الانسان الداخلية على الصمود، يُغير حتى نظرتنا لانهيار البنية التحتية وهدم البنايات والجسور. فكل الأمل في الشعب الذي يدرك معنى الحياة ومتى تستحق العناق ومتى لا يليق بها سوى الاستخفاف عندما تصطدم بواقع مفروض يخطط لحالة من الذل.   لقد أظهر الشعب اللبناني القيم التي تناسب العدوان الاسرائيلي غير المبرر والذي تجاوز كل التوقعات البشعة، لذلك فإنه يصعب التحدث عن انتصار اسرائيلي حتى ولو أبادت الآلة العسكرية الاسرائيلية كل لبنان وسحقته سحقا.   فماهو طاقة انسانية كالرفض والإرادة والبسالة، لا تبددها أشد الأسلحة فتكا ومهارة في القتل. وفي إطار التحية التي لا بد منها لشعب شرف نفسه والشعوب العربية التي لم تستطع أن تقدم له شيئا يذكر، لا يسعنا سوى تقديم تحية خاصة جدا للإعلامية اللبنانية مي شدياق. إنها امرأة تشبه الأسطورة ولكنها كلها حقيقة ولا مكان فيها للخيال أو للوهم. شاهدتها في ليلة أول أمس على شاشة LBC اللبنانية وهي تُقدم الحصة الأولى من برنامجها الجديد «بكل جرأة».   كانت في كامل أناقتها وابتسامتها وهي تعود إلى الشاشة بعد غياب أشهر طويلة. ومي شدياق لمن نسي قصتها، هي من تعرضت في 25 سبتمبر الماضي لمحاولة اغتيال بتفجير سيارتها، مما أدى إلى إصابتها بجروح بالغة، جعلتها تخضع إلى عشرين عملية جراحية.   وفي أواخر نوفمبر الماضي، كانت قد ظهرت على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال وقالت بابتسامة كلها تحد: «اعتقدوا أنني لن أعمل مجددا لكني سأعود بعد أن أركب يدا وساقا اصطناعيتين».   وبالفعل عادت كما وعدت. هذه قصة امرأة إعلامية مع الجرأة والتحدي، وصورة مصغرة لشعب له نفس القصة.   (المصدر: ركن « قهوة الخميس » بجريدة الصباح الصادرة يوم 27 جويلية 2006)
 

 
 

خارطة جديدة للمنطقة؟!

محمد كريشان خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط نشرتها مجلة أمريكية تابعة للقوات الأمريكية تدعو للاستغراب وحتي الذهول: دول جديدة تقوم وأخري يقتطع من أراضيها وأخري يضاف إليها، فمن إيران وأفغانستان وباكستان يتم انتزاع منطقة جنوبية تسمي بلوشستان، ومن السعودية يتم انتزاع مساحات تضم لليمن ويتم اعتبار مكة والمدينة دويلة مقدسة منفصلة، دولة للأكراد تأخذ أراضيها من تركيا والعراق وإيران وسورية، يصبح العراق دول ثلاث فإلي جانب الأكراد للسنة دولتهم في الوسط وللشيعة دولتهم أيضا في الجنوب وتقتطع من غرب إيران أراضي لها، تمتد حدود الأردن داخل الأراضي السعودية حتي المدينة المنورة جنوبا مع مساحات إلي الشرق في السعودية، إسرائيل تعود إلي حدود 1967 فيما يبقي وضع الضفة الغربية وغزة غير محسوم أما لبنان فيكبر ويأخذ من سورية جزءها المطل علي البحر المتوسط … وغير ذلك من التفاصيل. لا أحد بإمكانه الجزم بمدي جدية ومصداقية مثل هذا التوجه الأمريكي لإعادة تشكيل المنطقة بهذا المعني الواسع والجذري ولكن لا أحد أيضا يمكن أن يستخف باحتمال كهذا، حتي وإن كان بعيد المدي، طالما أن مجلة أمريكية مختصة ورسمية تنشره حتي لو حسبناه علي سبيل التحفظ والحذر من باب التخويف أو حتي الخيال السياسي والاستراتيجي. أحد الخبراء لم يستبعد أن تكون خارطة من هذا القبيل موجودة فعلا في أحد أدراج صناع القرار الأمريكي الحاليين لكنه حاول مع ذلك التخفيف من أهميتها علي أساس أن مصائر الدول والشعوب لا يجري تقسيمها بسهولة تقسيم قطعة جبنة. ومثلما كتب الدكتور عزمي بشارة من أن نفي نظرية المؤامرة لا يعني في المطلق عدم وجود مؤامرات أو أن الدول العظمي لا تدرس استراتيجياتها بدقة وتخطيط محكمين، فإنه قد لا يكون من باب الذعر المرضي الانتباه من الآن إلي أشياء من هذا القبيل، حتي وإن كان تسريبا مدروسا، خاصة عندما يكون بعضها متداولا منذ فترة كتقسيم العراق إلي دويلات ثلاث أو قائما أمام ناظرينا كتسويف الفلسطينيين ووعدهم المعلق لهم بدولة ممسوخة من كل مقومات السيادة وغير ذلك، وخاصة أيضا عندما نعرف طبيعة ومعدن غلاة المحافظين الجدد الماسكين بزمام الأمور والمدي الذي يمكن أن يصل إليه تطرفهم أو حتي جنونهم لاسيما عندما نطلع علي تصريحات من طينة تلك التي أدلي بها المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة جون بولتون حين يعترف في مقابلة تلفزيونية لقناة فوكس نيوز الجمعة الماضية أن بلاده تحاول استثمار العدوان الإسرائيلي علي لبنان لتحقيق مصالحها الخاصة باعتبارها، كما قال، فرصة مواتية لدفع سورية وإيران إلي الوراء وإن لم يوضح المضمون النهائي الذي يمكن أن يؤول إليه هذا الدفع إلي الوراء. ويعزز هذا الانطباع، كما يمكن أن يوصف صراحة إلي حد الآن، أن بعض غلاة الصهاينة أيضا مثل رئيس مركز ميمري للأبحاث يغال كرمون لا يترددون في الإعراب في لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي عن أن مستقبل المنطقة غير مرتبط بالأحداث الأخيرة في لبنان وأن لب القضية الحالية ليس حزب الله فقد تتمكن إسرائيل، كما قال، من القضاء عليه ولكن صواريخ أخري قد تسقط عليها، وإنما المشكلة الرئيسية هي روسيا والحلف الروسي ـ الإيراني الذي أقيم، حسب تعبيره، لمواجهة أمريكا وحلفائها في المنطقة. خارطة مفزعة يجب ألا تدعو إلي الجزع المبالغ فيه ولكن لا ضرر أبدا في الانتباه إليها فكم من مشاريع جنونية بتنا نراها هذه الأيام علي شاشات التلفزيون علي الهواء مباشرة. (المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

 

عقلانية مبارك.. وجنون نصر الله

عبد الباري عطوان لم يطلب احد من الرئيس حسني مبارك ان يرسل جيوشه لخوض حرب ضد اسرائيل من اجل لبنان او فلسطين، لان هناك قناعة راسخة لدي الغالبية الساحقة من ابناء مصر، ناهيك عن العرب الآخرين، بانه لن يحرك ساكنا والزعماء العرب الاخرون، حتي لو احتلت القوات الاسرائيلية مكة المكرمة، ودمرت الحرم الشريف، والكعبة المشرفة، واقامت علي انقاضهما معبداً يهودياً. فما يهم الرئيس مبارك، والغالبية الساحقة من الزعماء العرب هذه الايام هو رضاء الولايات المتحدة ورئيسها، الذي هو البوابة الرئيسية لرضاء الدولة العبرية، والبقاء لأطول فترة ممكنة في الحكم ثم توريثه الي نسلهم من بعدهم. وهذا ما يفسر غضبتهم الحالية علي حزب الله بسبب صموده في وجه العدوان الاسرائيلي لاكثر من اسبوعين، والحاقه خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف قواته المعتدية، وهو ما لم تفعله جيوش عربية جري انفاق مئات المليارات علي تسليحها وتدريبها. السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة الاسلامية في لبنان لم يطلب مساعدة اي جيش عربي، وكل ما طلبه هو بقاء الانظمة العربية علي الحياد وعدم الانحياز الي الجلاد في مواجهة الضحية. ومن المؤسف ان الانظمة العربية، والنظامين المصري والسعودي علي وجه التحديد، انحازت للجلاد ووفرت الغطاء العربي للعدوان الاسرائيلي علي لبنان بانتقادها حزب الله وتحميله مسؤولية الحرب الحالية ونتائجها. الرئيس مبارك اتهم المقاومة الاسلامية سواء في لبنان او فلسطين بالتهور والمغامرة، لانها تتصدي للهيمنة الاسرائيلية، وتنتصر للكرامة العربية، وقال ان زمن المغامرات انتهي الي غير رجعة. تهور حزب الله الذي انتقده الرئيس مبارك، ومن قبله المتحدث الرسمي السعودي، استطاع ان يصمد امام رابع جيش في العالم لمدة اسبوعين، ويقض مضاجع اكثر من مليوني اسرائيلي يعيشون في الملاجيء من خلال قصف صاروخي هو الاول من نوعه لمدن في العمق مثل صفد وحيفا ونهاريا وقريبا تل ابيب، واصبح ايهود اولمرت يتحدث عن حاجز امني يمتد من كيلومتر الي اثنين علي الحدود فقط بعد ان كان يطالب بعشرين كيلومتراً علي الاقل. اسبوعان من القصف المتواصل وحشد مئات الدبابات، ومع ذلك لم يستطع هذا الجيش الجبار ان يحتل بلدة مارون الراس الصغيرة، والتقدم بضعة امتار داخل مدينة بنت جبيل بسبب الخسائر الضخمة التي لحقت بجنوده ودباباته ومروحياته. لنر ماذا فعلت عقلانية الرئيس حسني مبارك وزملائه من الزعماء العرب الذين يقفون موقف المتفرج، بل ويديرون وجوههم الي الناحية الاخري حتي لا يروا جثث الاطفال التي مزقها القصف الاسرائيلي. هذه الانظمة العربية العاقلة قدمت نموذجا في الفساد والبطالة ونهب المال العام، والتفاوت الطبقي، حيث طبقة النصف في الالف تعيش في بروج عاجية، وتتعامل بالدولار فقط، وتقيم دولة خاصة بها، بينما الاغلبية الساحقة بالكاد تجد رغيف الخبز، وشربة ماء، اما الخدمات الاخري من تعليم وطبابة فمن الاشياء المنقرضة. عقلانية الرئيس مبارك هذه التي يتغني بها رجالاته حولت مصر العظمي الي دولة قزم ليس لها اي نفوذ او تأثير داخل محيطها، وهي التي كانت تحسب حسابها الدول الكبري، وتشارك كلاعب اساسي في صياغة العلاقات الدولية والتحالفات السياسية العالمية. منطقة النفوذ الوحيدة التي بقيت لمصر خارج حدودها تنحصر في مساحة مقدارها 150 ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، وحتي هذا النفوذ تبخر بعد فشل وساطة الرئيس مبارك في الافراج عن الجندي الاسرائيلي المخطوف لدي حماس ، وهو الفشل الذي دفعه الي معاقبة ستة آلاف فلسطيني علقوا علي الجانب الآخر من معبر رفح الحدودي، بابقائهم ثلاثة اسابيع في العراء، في ظروف مناخية قاسية، ولم يتحرك لحل ازمتهم الا بعد تفجير الحاجز الاسمنتي الحدودي وادخال جزء منهم بالقوة. الشعوب العربية، والشعب المصري علي وجه الخصوص، لا يريد من الرئيس مبارك ان يحارب دفاعا عن اي قضية عربية او اسلامية، ولكنها تريده ان يتصرف كرئيس لدولة مثل سويسرا او السويد، اي ان يستدعي السفير المصري من تل ابيب احتجاجا علي الجرائم الاسرائيلية الحالية في لبنان وفلسطين التي ادانها العالم بأسره. الغالبية الساحقة من زعامات العالم انتفضت غضبا تجاه ما يجري في لبنان وفلسطين، الا الرئيس حسني مبارك وحلفاءه الجدد من الزعماء العرب، الذين عارضوا حتي عقد مؤتمر مسرحي للقمة العربية. في اليومين الماضيين ارتكبت اسرائيل مجزرتين في قطاع غزة استشهد فيهما اكثر من ثلاثين شخصا نصفهم من الاطفال، وغزة ما زالت تحكم قانونيا من قبل حاكم عسكري مصري يملك مقراً في منطقة غاردن سيتي في قلب مدينة القاهرة، ولكن الرئيس مبارك لا يريد ان يتحمل مسؤولياته القانونية والاخلاقية ناهيك عن الانسانية تجاه هؤلاء. هنيئاً للرئيس مبارك، وكل الزعماء العرب الاخرين علي عقلانيتهم ، اما الشعوب العـــربية فقــــد اختارت المغامرين مــــن رجال المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، فهؤلاء هم الذين سيغـــيرون وجه المنطـــقة، ويعيدون كتابة التاريخ بوضع حد لعمليات الإذلال الاسرائيلية والامريكية التي تستهدف العرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام. (المصدر: صحيفة الحياة الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

معني الحرب:

مواجهة كبري جديدة في تاريخ الصراع علي المشرق

د. بشير موسي نافع (*) (1) تندرج العملية التي نفذها حزب الله وأسر خلالها جنديين إسرائيليين، كما العملية السابقة لها التي نفذتها حماس علي مشارف قطاع غزة، تحت لائحة المواجهات التقليدية بين قوي المقاومة في فلسطين وجوارها العربي والجيش الإسرائيلي. بتجاهل العالم للمأساة الإنسانية للأسري الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية، وبعجز المفاوضين العرب عن إيجاد حل ناجز لهذه المأساة، درجت قوي المقاومة منذ عقود علي أسر جنود إسرائيليين ومبادلتهم بأسري عرب وفلسطينيين. ولكن القيادة الإسرائيلية، في اشتراك لا يمكن تجاهله مع الإدارة الأمريكية، نقلت المواجهة التقليدية إلي مستوي آخر مختلف تماماً. جاء الرد الإسرائيلي عاصفاً وشاملاً ومدمراً، ليطال كل زاوية وهدف ممكن في لبنان، من البشر إلي الحجر. ما توقعه المراقبون، وربما كذلك قيادة حزب الله، ان يكون هناك رد إسرائيلي انتقامي علي الحزب وقواعده ومؤسساته، ومن ثم ينطلق التفاوض علي مصير الجنديين الإسرائيليين والأسري العرب والفلسطينيين. ولكن الرد الإسرائيلي علي العملية لا علاقة له لا بالانتقام من الحزب وإعادة شيء من الاعتبار للجيش الإسرائيلي ولا بمصير الجنديين الإسرائيليين. هذا رد علي كل لبنان، وهو رد علي الفلسطينيين وعلي سورية وعلي إيران، وهو رد علي العرب جميعاً.
الشروط التي وضعتها القيادة الإسرائيلية لوقف الهجوم علي لبنان هي شروط تعجيزية، لابد ان تقرأ بمعزل عن مسألة أسر الجنديين الإسرائيليين. والذي يراقب حزب الله ونهجه في إدارة الأمور خلال السنوات العشر الأخيرة لم يكن يحتاج إلي توكيد جديد من السيد حسن نصرالله ليدرك ان الحزب لن يعيد الجنديين مطلقاً بلا تفاوض، حتي إن استمرت الحرب شهوراً لا أسابيع. ولذا، فقد كان الاستنتاج الوحيد الممكن من قراءة الشروط الإسرائيلية أنها شروط مبالغ فيها، وأن الدولة العبرية لن تنجح في تحقيقها. والفشل في إنجاز الأهداف المعلنة للحملة هو فشل سياسي للدولة العبرية، مهما كان حجم الدمار الذي ستوقعه آلة الحرب الإسرائيلية في لبنان. كل ما يحتاجه حزب الله هو الصمود في مواقعه. الطائرات الإسرائيلية لا تستطيع نزع سلاح حزب الله، وبدون حرب برية لا يمكن دحر مقاتلي الحزب عن الحدود، بينما تدلل نتائج محاولات الاختراق الإسرائيلية خلال الإسبوعين الأولين من الحملة علي ان الحرب البرية ستكون حرباً بالغة التكاليف للجيش الإسرائيلي. فلماذا إذن تضع القيادة الإسرائيلية هذه الأهداف التعجيزية للحرب؟
التفسير الأول ان الدولة العبرية استهدفت تعميق حدة الانقسام اللبناني وخلق حالة لبنانية شعبية معارضة للحزب في أوساط المسيحيين والسنة والدروز وفي أكبر دائرة ممكنة من الشيعة. بتحميل حزب الله مسؤولية إطلاق شرارة المواجهة، يوضع الحزب في موضع المساءلة، ويمكن بالتالي للحكومة اللبنانية والقوي السياسية المعارضة للحزب، إجباره علي التخلي عن مواقعه في الجنوب ومن ثم البدء في تجريده من سلاحه. وتندرج هنا أيضاً الاقتراحات الدولية والعربية واللبنانية بنشر قوات ردع دولية علي الجانب اللبناني من الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. ولا يمكن فهم البيان الأول للرئيس السنيورة بعد بدء الهجوم الإسرائيلي، وتصريحات زعماء من أمثال جعجع وجنبلاط وحمادة، والبيانين السعودي والمصري ـ الأردني، إلا في هذا السياق. ولكن الأمور لم تسر كما خطط لها. فاتساع نطاق الحملة، وقدرة حزب الله علي الرد علي الإسرائيليين، وتصاعد الحركة الشعبية العربية والإسلامية، أمور أدت إلي اتساع نطاق التعاطف الوطني اللبناني مع الحزب، وإلي إضعاف الأصوات السياسية المناهضة له، حتي إن لم يضع نهاية لها. ما قاله الجنرال عون حول ان المسألة بالنسبة للبنان لم تعد تكلفة الدمار بل الكرامة الوطنية أصبح العنوان الأبرز للمزاج اللبناني وموقفه من الحرب الإسرائيلية البشعة.
ولكن تعميق الانقسام اللبناني الداخلي ليس التفسير الوحيد. ثمة جدول اعمال إسرائيلي ـ أمريكي، مشترك ومتداخل ربما، ولكنه يختلف في أولوياته. إن كانت الأولوية الإسرائيلية هي إيقاع هزيمة ساحقة بحزب الله والفلسطينيين، وبالتالي خلق مناخ إقليمي أمني جديد تماماً، فالأولوية الأمريكية، كما عبرت وزيرة الخارجية رايس، هي تغيير المناخ الأمني والسياسي في الشرق الأوسط ككل. ما فشل الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله في تحقيقه تريد واشنطن الآن إنجازه بالحرب الإسرائيلية علي لبنان. بفعل غرور القوة من ناحية والمقاومة العراقية من ناحية أخري، إضافة إلي سلسلة من الأخطاء الامريكية الفادحة، تحول العراق من أداة انتصار وقوة فعل إقليمية ودولية نافذة للسياسة الأمريكية إلي نقطة ضعف وتورط. وهذا ما يجعل واشنطن تعلق أملاً كبيراً علي الحرب الإسرائيلية علي لبنان. فمن لبنان يمكن إرسال رسالة أخيرة إلي سورية، إحضار إيران إلي مائدة التفاوض وهي أضعف وأقل نفوذاً، ويمكن أيضاً تحطيم معنويات العراقيين والفلسطينيين. هذه إذن حرب أرادها الإسرائيليون والأمريكيون (وليس حزب الله وحلفاءه كما يقال ويظن) حرباً أكبر من لبنان. وهي حرب متسعة بالمدلول السياسي لها؛ كما ان احتمالات اتساع دائرتها الجغرافية ما تزال قائمة. بهذا المعني لابد ان تفهم الحرب باعتبارها حلقة أخري جديدة تضاف إلي الحلقات المفصلية التي شهدها الصراع العربي ـ الإسرائيلي علي فلسطين والمشرق ككل، حلقة لا تقل أهمية وخطورة عن حلقات 1948 و1967. وستكون لهذه الحرب بالتالي آثارها الكبري علي مجريات الصراع والمنطقة؛ ولن تكون الهزيمة والنصر فيها هزيمة ونصراً لطرفها المباشر، بل ستلقي ظلالها علي حلفائه كذلك وعلي المشروع الذي يمثله. (2) واحدة من أبرز الاتهامات التي وجهت لحزب الله وللعملية التي نفذها ضد الجيش الإسرائيلي ان الحزب قامر بوطنه لبنان لصالح السياسة الإيرانية أولاً والسورية ثانياً. الذين وجهوا هذه الاتهامات لم يروا أمامهم إلا محاولة إيران إنقاذ برنامجها النووي بتفجير الشرق الأوسط كله، ومحاولة سورية العودة إلي لبنان أو التخلص من لجنة التحقيق الدولية في مقتل الرئيس الحريري وإقامة محكمة دولية. البعد السوري هو بالطبع الأكثر سذاجة؛ لاسيما ان وضع سورية في لبنان هو أفضل بعد الانسحاب السوري العسكري عما كان قبله، كما ان الحرب الحالية وضعت سورية نفسها في موقع الخطر والتهديد. المسألة الهامة في هذا الجدل ان عملية حزب الله كانت عملية تقليدية لم تخرج لا عن طبيعة الصراع بين الحزب والإسرائيليين ولا عن السقف السياسي لهذا الصراع. وحتي إن افترضنا موافقة دمشق وطهران علي العملية فلابد ان كلتيهما قد فهمت العملية أيضاً كذلك. قرار تصعيد العملية إلي مستوي الحرب الشاملة كان قراراً أمريكياً وإسرائيلياً، وليس قرار حزب الله أو دمشق أو إيران. وهو ما يجعل من موضوعة الربط بين العملية والسياستين السورية والإيرانية موضوعة واهية. ولكن هذا لا يمنع ان السياسة الإيرانية باتت المستفيد الأكبر من الحرب. السؤال هو من الذي وفر لإيران هذا المنــــــــاخ المواتي، هل هو حزب الله أم السياسة الأمريكية والإسرائيلية؟
ما لا يمكن تجاهله في الخطاب العربي الرسمي الذي تتبناه عواصم مثل القاهرة والرياض وعمان هو القلق العربي المتزايد من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية وفي المشرق ككل. برز هذا القلق باعتباره المسوغ الرئيسي للموقف السلبي الذي تبنته القاهرة والرياض (ومن قبلهما عمان) تجاه حزب الله وعمليته. كما لعب هذا القلق دوره في انفراط عقد المحور المصري ـ السوري ـ السعودي، الذي كان مركز ثقل السياسة العربية لأكثر من عقد من الزمان. سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، يتحدث بوضوح عن تدخل إيران في شؤون العرب الداخلية، ووليد جنبلاط، الذي أصبح صدي لبنانياً لهذا الخطاب، وصف عملية حزب الله بأنها لا تخدم إلا النفوذ الفارسي. وفي واشنطن نفسها، يرتفع الجدل حول أخطار العلاقة السورية ـ الإيرانية والنفوذ الإيراني المتزايد في العراق؛ إضافة إلي الملف النووي الذي يقع في قلب المسألة الإيرانية من وجهة نظر الولايات المتحدة والدولة العبرية. ثمة من يري في القلق العربي من النفوذ الإيراني مجرد محاولة لإرضاء واشنطن، وأن إيران لا تشكل خطراً علي العرب، بل علي الدولة العبرية. ولكن احتمال إرضاء واشنطن لا ينفي حقيقة وواقع القلق العربي، علي الأقل في القاهرة والرياض، لاسيما بعد ان انهار الوضع العراقي كلياً وباتت إيران القوة الإقليمية الرئيسية في الساحة السياسية العراقية.
المشكلة في خطاب الخطر الإيراني أنه يتجاهل الدور الذي قامت وتقوم به السياسة الأمريكية في إفساح المجال لاتساع وتصاعد نفوذ الجمهورية الإسلامية. فمنذ بدأت الولايات المتحدة نهج سياسة إمبراطورية في العالمين العربي والإسلامي وهي ترتكب الخطأ تلو الآخر، وتقدم المكاسب السياسية والاستراتيجية لإيران علي أطباق من ذهب. كانت إيران قد خسرت كل تواجد فعال لها في أفغانستان؛ ولكن القوة الأمريكية بادرت إلي إسقاط حكومة طالبان وتقويض سيطرتها علي البلاد. وطالبان كانت خصماً معلناً لإيران، بينما ارتبطت القوي الأفغانية المعارضة لطالبان بعلاقات وثيقة بطهران. سقوط طالبان لم يوفر للقوات الأمريكية، ولا لحلفائها من الأوروبيين والأفغان، سيطرة حقيقية علي أفغانستان. ومنذ بداية هذا الصيف ومساحة الأرض التي تسيطر عليها القوات الأجنبية وقوات جيش حكومة كرزاي تتقلص. وبينما تخوض هذه القوات معركة خاسرة لإلحاق الهزيمة بقوات طالبان، تحولت المنطقة الغربية من أفغانستان إلي منطقة نفوذ إيراني؛ إضافة إلي العلاقات التحالفية التي تربط قوي أفغانية سياسية بالجمهورية الإسلامية.
ولعل الوضع الفلسطيني يقدم مثالاً صارخاً علي تخبط السياسة الأمريكية تجاه إيران. فبعد ان استجابت التنظيمات الفلسطينية لرغبة الرئيس الفلسطيني وضغوط الأشقاء في القاهرة وأعلنت تهدئة شاملة وطويلة في نشاطها العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي، ثم أخذت حماس المناخ الدولي الداعي إلي مزيد من التحولات الديمقراطية علي محمل الجد، إذا بالقوي الغربية تنقلب علي الديمقراطية وتفرض نظاماً من الحصار والتجويع علي الشعب الفلسطيني. المبرر الوحيد لهذه السياسة التي تورطت فيها الولايات المتحدة وكل دول الاتحاد الأوروبي هو فوز حماس في الانتخابات وتشكيلها الحكومة الفلسطينية. وليس هناك من شك في أن إيران تمد يد العون لقوي المقاومة الفلسطينية؛ ولكن هذا العون أسس لعلاقة بين طهران والقوي السياسية التي تدعمها وليس لعلاقة مباشرة مع الوضع الفلسطيني كله. بفرض حالة الحصار علي الحكومة الفلسطينية، وإعلان إيران استعدادها لدعم الشعب الفلسطيني وحكومته، فتحت الولايات المتحدة والقوي الغربية الساحة الفلسطينية علي مصراعيها للجمهورية الإسلامية. وللمرة الأولي منذ قيام السلطة الفلسطينية أصبحت إيران مساهماً رئيسياً ومباشراً في ميزانية السلطة.
الحالة العراقية، بالطبع، لا تحتاج إيضاحاً أو تذكيراً. فمن الغزو والاحتلال، مروراً بتقويض الدولة العراقية، ووصولاً إلي تقسيم العراق عرقياً وطائفياً وتسليم مقدراته لأحزاب طائفية وعرقية، كانت الولايات المتحدة تتصرف وكأنها قوة عمياء لا تدرك حقائق التاريخ ولا الجغرافيا. والمدهش ان السياسة الأمريكية في العراق بنيت من اللحظة الأولي علي أساس فصله عن محيطه العربي، وعلي أساس منع الدول العربية من التدخل في شؤونه. في هذا الفراغ الشاسع للقوة والدولة والهوية، الفراغ الذي خلقته السياسة الأمريكية في العراق، كان طبيعياً ان يتسع النفوذ الإيراني بلا عائق ملموس. من السهل بالطبع استدعاء الولاء الديني لتفسير النفوذ الإيراني في الساحتين العراقية واللبنانية؛ فالقوي العراقية السياسية المتحالفة مع طهران، كما هو حزب الله، هي أحزاب شيعية. ولكن الولاء الديني والطائفي لا يكفي لتأسيس النفوذ السياسي، بغض النظر عن طبيعة هذا الولاء، إسلامياً كان أو كاثوليكياً أو غير ذلك. النفوذ السياسي يتطلب مناخاً سياسياً مواتياً؛ والذي يصنع هذا المناخ اليوم في لبنان ليس حزب الله بل الولايات المتحدة والدولة العبرية، تماماً كما صنع في العراق. عندما يتعرض لبنان لقصف شامل ويستخدم ساحة لتصفية حسابات استراتيجية، ويكون العون الإيراني والسلاح الإيراني والدعم المعنوي والسياسي الإيراني هو الوحيد المتوفر لحزب الله، القوة المدافعة عن لبنان وشعبه ضد آلة الحرب الإسرائيلية المدمرة، فالمستفيد الرئيسي سيكون إيران. الملايين من العرب والمسلمين الذين يرون في حزب الله سوراً مانعاً لحفظ كرامتهم ومعني وجودهم كأمة، لا يرون في إيران خصماً أو مصدر تهديد، بل قوة إيجابية تقف معهم في مواجهة العدوان والنفوذ الأجنبي. لكل هذا، وحتي إن كان هناك من مبرر للقلق العربي من النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، فعلي العواصم العربية المعنية مراجعة واشنطن لا حماس وحزب الله. (3) ربما يحسب البعض ان من المبكر توقع النتيجة التي ستنتهي إليها هذه الحلقة الكبري الجديدة من حلقات الصراع علي فلسطين والمشرق، فللحروب متي اشتعلت منطقها الخاص بها، وليس هناك من يستطيع التنبؤ بالدرجة والمجال الذي ستطاله آلة الحرب خلال الأيام وربما الأسابيع القادمة. الإجلاء السريع للرعايا الأجانب من لبنان والتلكؤ غير المسبوق في التحركات الدولية لوقف إطلاق النار، والاتفاق الأورو ـ أمريكي الواسع حتي الآن علي دعم السياسة الإسرائيلية (بفروق هامشية بين هذه الدولة وتلك)، يوحي بأن الحرب ستكون ضارية. ما تدل عليه تكتيكات الحرب ان الجيش الإسرائيلي يحاول تجنب الأخطاء التي وقع فيها خلال سنوات المواجهة الطويلة مع المقاومة اللبنانية بين 1982 و2000. ولكن مشكلة الإسرائيليين أنهم يواجهون مقاومة تختلف هي الأخري عما عهدوه في عقدي القرن الماضي، سواء علي مستوي التدريب أو التسليح أو الثقة بالنفس. علي العموم، وبالرغم من تعقيدات الموقف ثمة عدد من المؤشرات التي يمكن الاهتداء بها في النظر إلي مستقبل هذه المواجهة الكبري.
ليست هناك منطقة أو قضية وضعت فيها الإدارة الأمريكية الحالية يدها إلا وانتهت إلي فشل ذريع للسياسة الأمريكية. التدخل الغربي في أفغانستان ينحدر سريعاً إلي مرحلة التورط، بينما البلاد تسودها الفوضي. المشروع التغييري الشرق أوسطي الكبير الذي أريد للعراق ان يكون منطلقه وقاعدته تحول إلي حرب أهلية وساحة موت للعراقيين والأمريكيين. أما عملية السلام في فلسطين فلم يعد هناك من يؤمن بها، بما في ذلك الدول العربية الصديقة لواشنطن. كوريا الشمالية تطلق صواريخ عابرة للقارات، مؤهلة لحمل رؤوس نووية. الصين تتقدم بخطي سريعة علي طريق بناء قوة اقتصادية عملاقة، يواكبها نمو عسكري استراتيجي حثيث؛ بينما تتحرك روسيا بلا مواربة لبناء محيط استراتيجي جديد. فلماذا إذن سيكون لبنان قصة النجاح الوحيدة للسياسة الأمريكية؟! الحقيقة ان الأسباب المتوفرة لإفشال الحرب علي لبنان أكثر بكثير من تلك التي قد تساعد علي كسبها.
بعد بداية قلقة، استطاع حزب الله بالفعل استيعاب الضربات الإسرائيلية الأولي وامتصاص أثرها. طوال إسبوعين من القصف، كانت خسائر الحزب ضئيلة إلي حد كبير؛ لا تراجعت إمكانيات الحزب علي الرد، ولا تراجعت قدراته علي مواجهة الاختراقات البرية الإسرائيلية للمناطق اللبنانية الحدودية. (*) باحث عربي في التاريخ الحديث (المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

وهـم الشرق الأوسط الجديد

فهمي هويدي (*)
زفت إلينا وزيرة الخارجية الأميركية في الأسبوع الماضي خبر ميلاد شرق أوسط جديد، يفترض أن يقام فوق الأشلاء والأنقاض التي تناثرت في لبنان وغزة وطيلة الأسابيع الماضية. ورغم أنها لم تتحدث عن مواصفات ذلك المولود الجديد، إلا أننا فهمنا أنه يعبر عن مرحلة ما بعد القضاء على حزب الله (بنزع سلاحه أو يفيد ذلك) وإسقاط حكومة حركة حماس. أي أنها المرحلة التي تختفي فيها المقاومة من العالم العربي، وتطوي صفحة الممانعة فيه، سواء للاحتلال الإسرائيلي أو للهيمنة الأميركية. وإذ يفترض ان تتبلور الفكرة في مؤتمر روما الذي عقد أمس، فان ذلك لا يمنعنا من التنبؤ بفشلها الذريع حتي قبل ان تولد ـ لماذا؟ أولا: لأن الطرف الذي أطلقها مجرح ومفتقد للنزاهة، ذلك أن الولايات المتحدة في المواجهة الراهنة ليست منحازة لإسرائيل فحسب، وإنما هي أيضا خصم وشريك في القتال ضد العرب، فالفتك الإسرائيلي بلبنان وقطاع غزة تم بموافقة أميركية وبغطاء من جانب واشنطن حرص على ان تعطي كل الفرص الممكنة لإسرائيل كي تحقق أهدافها ثم أن السلاح المستخدم في قتل العرب والوقود الذي اجتاحته إسرائيل لمواصلة جرائمها، والقنابل المسماة بالذكية التي قدمت لها لتدمير دفاعات حزب الله واختراق تحصيناته المقامة تحت الأرض، ذلك كله قدمته الولايات المتحدة. وهو ما يقطع بأن المشروع كله لا يستهدف سوي بسط التمكين لإسرائيل في العالم العربي. ثانيا: لأن فكرة المشروع تتسم بالتسطيح الشديد، الذي لا يفسر إلا بأحد أسباب ثلاثة هي: الخبث أو الغباء أو الجهل، فهو لا يعالج من قريب أو بعيد جوهر المشكلة، وإنما يتعامل مع بعض نتائجها وتداعياتها إذ لا يتوقع له ان يتضمن أية إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية شأنه في ذلك شأن كل المشروعات التي قدمتها الإدارة الأميركية التي كان الإسرائيليون طرفا في أعداد اغلبها، وأعوانهم تولوا «طبخ» ما تبقي حيث قاموا بالواجب في تأمين طلبات الدولة العبرية، من ثم فان غايته معروفة سلفا، ولن تخرج عن إطار التمكين لإسرائيل. ثالثا: لأن الأميركيين يرتكبون خطأ فاحشا حين يتصورون ان المشكلة هي حزب الله وحماس، وحين يذهبون في التسطيح إلى حد اعتبار أنهما بمثابة نبت شاذ في العالم العربي، إذا ما تم القضاء عليه واقتلاعه فأن الأمور سوف تستقيم بعد ذلك. لصالح واشنطن وتل أبيب، وهم لا يدركون أن حزب الله وحماس يمثلان استجابة طبيعية لظرف تاريخي تمر به المنطقة. بمعني أنهما يعبران عن حقيقة راسخة في العالم العربي، ترفض الاحتلال وما يستصحبه من إذلال وقهر، وتصر على مقاومته بكل السبل، وما تصويت الأغلبية لصالح حركة حماس في غزة إلا تأكيد لذلك المعني. لذلك فأن القضاء على حزب الله أو حماس يغدو أمرا مستحيلا، وتوجيه أية ضربات موجعة أو حتى ساحقة لأي منهما، لن يحول دون استنبات عناصر وقوى جديدة، تحمل شعلة المقاومة وترفع رايتها. رابعا: انه بعد الدمار والخراب والقتل والترويع الذي مارسه الإسرائيليون في ظل الحماية والتواطؤ الأميركي، فان المسافات تباعدت والفجوة اتسعت، ومشاعر البغض والكراهية في العالم العربي تضاعفت ولا يعقل بعد ذلك كله أن يقال للعرب ببساطة: تعالوا ننسي ما فات، ونقيم معا شرق أوسط جديدا! ان طرح فكرة من ذلك القبيل لا تعبر فقط عن جهل فاضح بحقيقة مشاعر الشارع العربي، لكنها تعبر أيضا عن احتقار وازدراء بتلك المشاعر، وهو ما لا يوفر أية فرصة أو أمل لنجاح الفكرة. خامسا: ان الولايات المتحدة حين تطرح مشروعها في الوقت الراهن، أعني في ظل كل الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل وفي أجواء الغضب المتأجج الذي يجتاح العالم العربي والإسلامي، إنما تسبب حرجا بالغا لأصدقائها في المنطقة، ان تطلبهم أو تتوقع منهم ان يقفوا في صفها، وان يطأوا بأقدامهم أشلاء المئات من اللبنانيين والفلسطينيين ضحايا الفتك والعدوان، متحدين في ذلك براكين الغضب التي تملأ الشارع العربي، وهو جرح لا تتحمله الأنظمة العربية، ولذلك فإنها تجد نفسها أمام خيار صعب، ولا تملك إزاءه إلا أن تتبنى موقفا يتسم بالحذر الشديد من الانحياز إلى القاتل ضد القتيل، الذي هو في حقيقة الأمر ليس الشعبين الفلسطيني واللبناني فحسب، لأن صواريخ القصف والمهانة أصابت الأمة العربية بأسرها، بل والإسلامية أيضا. ومع تصاعد الغضب في الشارع العربي، فان من شأن ذلك الحذر أن يهبط بدرجة الحماس المشروع الأميركي إلى الحد الأدنى الأمر الذي قد لا يوفر له أية فرصة للنجاح. ان غرور القوة يعمي البصر ويفقد العقل توازنه ورشده، وذلك ينطبق أكثر ما ينطبق على الولايات المتحدة على المستوى العالمي وعلى إسرائيل على الصعيد الاقليمي ـ هذا الغرور هو الذي دفع نفرا من المثقفين الأميركيين اليمينيين إلى توهم إمكانية إخضاع العالم عن طريق القوة وقد عبر هؤلاء عن رؤيتهم في اكثر من دراسة، لعل أبرزها تلك التي صدرت في عام 1996 تحت عنوان «الصدمة والرعب، كيف تحقق السيطرة السريعة» وانطلقت من إمكانية تحقق النصر الشامل عن طريق تكثيف التدمير والترويع بأعلى درجاتها لشل قدرة «العدو» على المقاومة، وقد تمت تجربة هذه «الوصفة» وكان الفشل الذريع مصيرها على النحو الذي يعرفه الجميع. عبر عن ذلك الدكتور ريتشارد دريتن أستاذ التاريخ بجامعة كيمبريدج الذي نشر أخيرا مقالا في صحيفة «الاندبندنت» قال فيه ان العراق فضح غرور الاستراتيجية الأميركية، من حيث انه اظهر ان أمة صغيرة لا تملك أية أسلحة متقدمة أو تكنولوجيا متقدمة، تستطيع ان تكبل دولة عظمي وتعطل قدراتها وتشل حركتها لقد اظهر احتلال أميركا للعراق ان التفوق في الفضاء لا يضمن للمحتل سيطرة كافية على الأرض، وثبت بما لا يدع مجالا للشك انه يستحيل على الناس ان يصبحوا أصدقاء لأميركا تحت تأثير الخوف أو القهر. كما ثبت بالتجربة ان أميركا قادرة على أحداث دمار واسع وخراب لا حدود له، لكنها تظل عاجزة عن السيطرة أو التأثير الإنساني الخلاق. هذا الكلام ينطبق بذات الدرجة على إسرائيل التي مازالت حتي الان ضحية غرور القوة، الذي صور لها إنها يمكن ان تأخذ مكانها في المنطقة بما تدعيه من قوة وتفوق عسكري، لم يعد يخيف أحدا وصور لها ذلك الغرور أنها يمكن ان تنخرط ضمن النسيج العربي اعتمادا على علاقات واهية مع بعض الأنظمة العربية، ووسط أجواء الغضب والكراهية التي زرعتها بممارساتها في الوجدان العربي. ان فكرة الشرق الأوسط الجديد تذكرنا بحكاية «أوروبا الجديدة» التي أطلقها المتحدثون باسم الإدارة الأميركية أثناء الإعداد لغزو العراق واحتلاله حين أرادوا عزل ألمانيا وفرنسا اللتين عارضتا الغزو العسكري وأقامة تجمع آخر من الدول الأوروبية الموالية (8 دول) فادعى وزير الدفاع الاميركي رامسفيلد ان الدولتين (ألمانيا وفرنسا) تمثلان أوروبا القديمة التي شاخت ولم يعد لها نفع يذكر، في حين ان الدول الأخرى هي الوجه الجديد لأوروبا. الملئ بالشباب والحيوية والأمل. وتبين لاحقا ان الأمر ليس سوى أكذوبة اتسمت بالمكايدة والنفاق لإدانة المخالفين وتشويه صورتهم وتلميع صورة التابعين والموالين ورفع شأنهم. ان الولايات المتحدة لم تتعلم شيئا لا من درس العراق ولا من قصة أوروبا الجديدة والقديمة لأنها تمارس الأخطاء ذاتها. سواء في اعتمادها القوة وحدها المصحوبة بالإذلال والقهر، في مخاطبة الآخرين، أو في السعي لاصطناع احتشاد إلى جانبها يستبعد المخالفين رغم أهمية دورهم في المشهد الراهن. لكل هذه الأسباب فأننا لا نستطيع ان نعول بأي قدر ولا ان نثق بأي شكل في اية مساعي تبذلها واشنطن للتعامل مع الأزمة الراهنة، لأننا نعلم مسبقا ان تلك المساعي ـ وبينها مؤتمر روما الذي ينعقد اليوم ـ لن يكون سوى خطوة أخرى للتمكين لإسرائيل سياسيا، بعدما وفرت لها واشنطن كل فرص واستحقاقات التمكين عسكريا. ان الحق العربي لن يسترده ولن يحميه سوى الإرادة العربية، لذلك فأنني أتمني ألا ننشغل بالسؤال ماذا سيفعلون في واشنطن أو روما لان السؤال الأهم الذي ينبغي ان نلح في الإجابة عليه هو أين الإرادة العربية التي لا نكاد نرى لها حضورا أو تأثيرا؟ (*) كاتب ومفكر من مصر (المصدر: صحيفة الشرق الأوسط الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

مفهوم السوق الاجتماعي: الصين أنموذجاً (1 من 2)

توفيق المديني (*)  تبدلت الرأسمالية في عصرالنيوليبرالية “الليبرالية الجديدة”، التي تتيح للرأسمالية جمع الأموال بواسطة المال، وبالتالي توليد الإفقار الراهن في مراكز النظام ومحيطاته. فالليبرالية المتوحشة هي إمكان الرأسمالية أن تفعل ما تشاء، حين تشاء، وكما تشاء، بلا أخلاق، وبلا سلطة مناقضة لسلطتها.  ومع تجذر الثورة النيوليبرالية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، بدأ العديد من المنظرين الاشتراكيين يطرحون الأسئلة المحيرة “هل للاشتراكية من معنى”؟ وكيف يمكن للطبقة العاملة، والنقابات، والأحزاب الاشتراكية أن تواجه مثلا رأسمالا معولما ينقل رساميله من طرف محدد على الأرض إلى طرف آخر؟ وهل من الواقعية الادعاء بتحديد حركة رأس المال في هذه السوق؟ وهل من معنى للحركات الاجتماعية، في ظل عولمة الاقتصاد اليوم على مستوى عالمي؟ وعلى الرغم من أن التاريخ لم ينته، وأن التناقضات الرأسمالية المرتكزة على الأجور والمنافسة تتطلب مواجهتها بتنظيم واع قادر على مركزة فوائد العمل، إلا أنه في ظل تبني معظم الاشتراكيين على اختلاف درجة راديكاليتهم السياسية، لمنطق السوق، وعقدهم اتفاقا تاريخيا مع “سلطة” رأس المال، وتخليهم عن تصحيح مساوىء الرأسمالية، وتحولهم الزائد نحو “الليبرالية الاجتماعية” أو “اقتصاد السوق الاجتماعي” والاعتدال، ازدادت سيطرة أفكار الخصم من النيوليبراليين المتطرفين، وتفوق “نظامهم الإيديولوجي” بشكل قوي، وأضحت النقابات العمالية في البلدان الرأسمالية والبلدان النامية على حد سواء، الهدف الذي يجب تصفيته من قبل الثورة النيوليبرالية، فالنقابات العريقة لا تزال في اللعبة وتطرح كقوة طبيعية للبديل الحكومي في ظل عدم وجود بديل يساري. ويعتبرذلك مؤشرا إلى التبعية المتزايدة للاشتراكية، أمام إغواءات النيوليبرالية. وفي ظل تبعية أو سقوط وإنهيار معظم الأحزاب الاشتراكية، وأمام سيطرة ايديولوجيا النيوليبرالية، بات على النقابات العمالية القيام بالجمع بين ثلاث مصالح متناقضة: المصلحة “القطاعية” للطبقة العاملة، ومصلحة رأس المال لنمو من دون عقبات، ومصلحة “ الجماعة الوطنية” من أجل خير معمم، ثم إن إزالة الحدود الوطنية من طريق التجارة الدولية، وتدمير النقابات العمالية قد “قضينا على كل الروادع”. وأمام تحدي الثورة النيوليبرالية وهجومها الكاسح على جبهة العمل، ضعفت القدرة النضالية للعديد من النقابات الشهيرة عالميا في الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وايطاليا، وتونس، والجزائر، والمغرب.  وتحولت هذه النقابات المنهكة ايديولوجيا، والضعيفة اجتماعيا، إلى عبارة عن تشكيلات شعبية تسيطر على أجهزتها “أرستقراطيتها” والطبقات الوسطى، حتى وإن ظلت مرتبطة بالعمال والفئات الشعبية، مع الإشارة إلى دورها الطبقي عبر التاريخ في لحظات معينة، إلا أنها حاليا في ظل هزيمتها أمام النيوليبرالية لم تعد تشكل أطرا طبقية، بسبب ضعف الرابط الذي يشد العمال إلى الاشتراكية الديمقراطية، وعدم تحسس النقابات للمطالب الشعبية مع انتشار الفقر والبطالة، وضعف مقاومة المجتمع والحركة النقابية لتأثيرات السياسات النيوليبرالية المتبعة. وكانت الصين، البلد الاشتراكي الوحيد الذي عرف تبدلات قل نظيرها في بلدان ما كان يسمى “المعسكر الاشتراكي”.  إنها التبدلات التي فعلت فعلها في المسار السياسي الاقتصادي والاجتماعي لصين اليوم.  ففي غضون عشرين عاما، انتقلت الصين من الثورة الاشتراكية، إلى الانفتاح على العالم الرأسمالي، والقيام بالاصلاح الاقتصادي الليبرالي تحت راية “اقتصاد السوق الاجتماعي”، غير أن متطلبات هذه الإصلاحات لبناء “اقتصاد السوق الاجتماعي” في بلد فلاحي متخلف، يقطنه أكثر من مليار من البشر، فرضت من دون شك إعادة النظر في المبادىء الاشتراكية، لاسيما عندما أدخلت وطبقت قوانين السوق الرأسمالية. إذن كيف تبلور مفهوم السوق الاجتماعي في الصين؟ أولاً: لقد كان حجر الزاوية في التحديثات الاقتصادية التي نظر وطبقها دنغ سياوبنغ، بداية من عام 1978، هو تفكيك الكومونات الشعبية، في الريف، التي أطلق عملية بنائها ماوتسي تونج، عقب القفزة الكبرى إلى الأمام عام 1958، وهكذا عاد الريف الصيني إلى الزراعة الخاصة، ووجد نفسه مع بداية الثمانينات خارج إطار النمط الاشتراكي التعاوني في الزراعة، ومنفلتا  أكثر فأكثر عن سيطرة السلطة المركزية.  ولقد فرض الاصلاح الاقتصادي من أجل تحديث وتثوير الزراعة إحلال الرأسمالية في الريف، فتم تعميم الملكية الخاصة في الأرض، وقد نجمت عن هذا الوضع، زيادة كبيرة في معدل الإنتاج الزراعي بنحو % 10 ,8 كل عام، ما بين 1980 و 1985، وبداية تمركز في الإنتاج والملكية الرأسمالية للأرض، فمن جهة هناك العديد من الملاك الجدد الذين بدأوا يراكمون رأس المال والأرض، وانتقلوا إلى عمليات الاستثمار الرأسمالي في مختلف المجالات الزراعية والعقارية والصناعية الخفيفة، وهناك من جهة أخرى بداية نزع ملكية الأرض لقسم من الفلاحين، وبالتالي عملية إفقار للفلاحين، تشهد على ذلك الهجرة المكثفة من الريف إلى المدن الرئيسية، لا سيما بكين وشنغهاي. ثانياً: من المعلوم أن الإصلاح الاقتصادي جاء تحت عنوان “التطوير الدائم لقوى الإنتاج لتتلاءم مع علاقات الإنتاج” وفي ضوء “ان التناقض الرئيسي هو بين قوى الإنتاج المتخلفة وعلاقات الإنتاج الاشتراكية”، وبناء على التقييم النقدي للسياسات الاقتصادية التي أدت إلى الركود الاقتصادي فإن “التأميم الاشتراكي الكامل لوسائل الإنتاج، ونهج الاعتماد على القدرات الذاتية لم يدفعا إلى تطوير القوى المنتجة من جهة، بل قضيا على روح المنافسة الاقتصادية من جهة ثانية، ما أدى إلى تدني الإنتاجية ونوعية المنتجات”. (*) كاتب اقتصادي (المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية الصادرة يوم 27 جويلية 2006)

بعثة تونسية إلى ألمانيا في القرن التاسع عشر برئاسة المصلح خير الدين:

قارة تتخبط في الظلمات

 
بقلم: منير الفندري (*)    الوزير والمصلح التونسي خير الدين قام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بزيارات متعددة إلى أوربا تمخض عنها مؤلفه الشهير « أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ».   من بين أعلام فكر الإصلاح في العالم الإسلامي في القرن 19 يحتل الوزير التونسي خيرالدين مكانة متميزة. أتى في سن مبكرة إلى تونس فنشأ في بلاط البايات الحسينيين وكلف بمهام إدارية ودبلوماسية شتى فسافر إلى العديد من البلدان الأوروبية. وأتيحت له بذلك فرص الاطلاع على هذه البلدان ولمس الفارق الحضاري الذي أضحت عليه مقارنة بأوضاع العالم الإسلامي آنذاك.   وتمعن في أسباب التفاوت الحاصل وفيما جعل البلدان الإسلامية في موقف ضعف إزاء القوى الأوروبية وهدفا استعماريا لها. وتعمّق في البحث عن سبل التدارك إلى أن تمخض عن ذلك مؤلفه الذي اشتهر به والذي صدر سنة 1868 بعنوان « أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ».   إعجاب مستشرق ألماني   وقد صادف عند صدوره أن كان المستشرق الألماني والرحالة المعروف هاينريش فون مالتزان في زيارة بتونس فاسترعاه العمل وشدّ انتباهه كثيرا، ولاسيما مقدمته التي ترجمت في نفس الفترة إلى الفرنسية والتي بسط فيها خيرالدين أسس مشروعه الإصلاحي وحلل منهجه فيه، فاستحسنها فون مالتزان ورجّح أن تكون « أهمّ ما ألفّ في الشرق في عصرنا هذا » . ثم استطرد يقول، بعد أن قارن خيرالدين بغيره من رواد الإصلاح آنذاك:   « أما خيرالدين فقد انتهج منهجا مغايرا تماما. انه تفادى اتخاذ وجهة النظر الأوروبية وتبنى منذ البداية التصوّر الإسلامي. ومن هذا المنظور الذي لا أمل بدونه أن يلقى المشروع لدى أبناء قومه المتمسكين بعقيدتهم أدنى صدى، وبالرجوع أولا إلى الماضي، تفحص خيرالدين المستوى الحضاري الرفيع والمكانة المرموقة اللذين كانت بلاد الإسلام عليهما يوم كانت أوروبا لا تزال غارقة في ظلمات القرون الوسطى »   « وقد عزا خيرالدين الانحطاط الذي آلت إليه الحضارة الإسلامية خصوصا إلى نظام الحكم المطلق الذي توخته الدول الإسلامية على الإجمال منذ القرون الوسطى معتبرا هذا النظام غريبا عن الإسلام في أصوله… إثر هذا يعكف المؤلف على تحليل الأسباب التي انجرت عنها في أوروبا نتائج مغايرة تماما وجعلت هذه القارة، وهي التي كانت تتخبط في الظلمات حين كانت حضارة الشرق في أوج الازدهار، تصبح اليوم مجموعة من الدول الأكثر تحضرا، في حين نرى الممالك الإسلامية تعاني الانحطاط. »   التعريف بالجانب الحضاري   ولم يغب عن الرّحالة الألماني فضل الرحلات التي أداها خيرالدين إلى أوروبا في تفتح بصيرته ودفعه إلى التوعية والدعوة إلى الإصلاح. وكانت فرنسا أهمّ مقاصده من حيث عدد الزيارات وطول الإقامة، ناهيك أنه تعلم الفرنسية وثابر على استشفاف حضارتها بالمطالعة والملاحظة. لكنه زار أيضا جلّ الأقطار الأوروبية الأخرى، بما فيها ألمانيا. ويحتل هذا البلد، بل، وقبل أن يستكمل وحدته في مطلع 1871، أجزاء منه، كـبروسيا وبافاريا وبادن، قسطا وافرا من مؤلف خيرالدين، حيث أنه عكف على تقديم هذه البلدان والتعريف بها، لا من جانبها « السياحي » بل من حيث تطورها التاريخي نحو الرقي وبالتركيز على منشآتها الدستورية وأسسها الحضارية.   جاءت زيارة خيرالدين إلى ألمانيا في مناسبتين اثنتين عيّن فيهما لأداء مأمورية لدى الحكومة البروسية. كانت الأولى في صائفة 1861 والثانية في ربيع 1863. وكان الداعي إلى كليهما رغبة السلط التونسية في ربط علاقات رسمية مع الدولة الألمانية، علما أنه لم تعقد إلى حد ذلك الحين روابط وثيقة بين تونس وأية دولة ألمانية، بصرف النظر عن النمسا.   لقاء الملك البروسي   في ربيع 1861، وعلى إثر إصدار دستور تونسي عصري، كلف خيرالدين بالتحول على رأس بعثة ديبلوماسية إلى بلاطات أوروبية شتى لإبلاغ ملوكها تشكرات الحكومة التونسية على تهانيهم وتسليمهم الأوسمة الشرفية. ولم تكن برلين أو أية عاصمة ألمانية في الحسبان. لكن لما كانت البعثة بالعاصمة السويدية بلغ رئيسها الأمر بالسعي إلى ملاقاة العاهل البروسي وإبلاغ رغبة السلط التونسية في توطيد العلاقات كما ذكرنا. وتمّ اللقاء في نهاية الأمر لكن في بادن بادن بجنوب غربي ألمانيا، حيث كان الملك يقيم زائرا للنقاهة والاستجمام، وليس في برلين كما كان يرجى.   ونورد فيما يلي مقاطع من رسائل عن هذه البعثة عثرنا عليها في أرشيف الدولة بتونس، نسوقها للتعريف بهذه الزيارة لا بوصفها مرجعا من مراجع المخطط الإصلاحي لخيرالدين فحسب بل كذلك من حيث إنها حدث طريف يندرج في تاريخ العلاقات بين العالم العربي وألمانيا، وهو تاريخ مازال ينتظر الاستقصاء الجدي والبحث العميق.   اخترقت البعثة التونسية التراب الألماني مرة أولى على متن القطار قادمة من فرنسا صوب ميناء شتيتين [Stettin] في أقصى الشمال الشرقي للإبحار إلى السويد. وفي العودة نزل خيرالدين ورفقاؤه بميناء لوبيك [Lübeck] من أين وجه رسالة إلى تونس جاء فيها:   « انا وصلنا ساعة التاريخ إلى بلد لبيـك من أعمال ألمانيا […] ويوم التاريخ نتوجه إلى بلد بادن باد [Baden Baden] لمقابلة راي البروسيه بها لأنه بلغنا انه توجه لها بقصد تبديل الهواء والظاهر أن سفرنا منها بعد قضاء مأموريتنا يكون إلى بلد البلجك […] وكـتب في لبيك في الساعة الثامنة من يوم الخميس 18 محرم سنة 1278. »   وبعد مضي ستة أيام كـتب السكرتير المرافق لخيرالدين من باريس ما يلي: « وفي اليوم الذي كـتبنا من لـبيك سافرنا منها لبلد هامبور [ Hamburg ] إحدى قاعدات ممالك ألمانيه المستقلة في نفسها وبتنا بها ليلتين وسافرنا منها في الساعة السادسة من صبيحة يوم السبت لبلد كاسيل [ Kassel ] وبتنا بها ليلة واحدة وسافرنا منها صبيحة اليوم المذكور إلى بلد فرانكفورت [Frankfurt] وهي قاعدة مستقـلة في نفسها أيضا إذ هي محل اجتماع العصبة الجرمانية [der Deutsche Bund] وبتنا بها ليلة وسافرنا منها صبيحة يوم الاثنين إلى بلد ماينس [Mainz] ومكثنا بها بضع ساعات ثم سافرنا منها لباريس حيث لم يتيسر التوجه لبادن باد ».   عقد أواصر المودة   وبعد أخذ ورد تمت الاستجابة لطلب المبعوث التونسي مقابلة الملك البروسي فلهالم الأول Wilhelm I. ، الذي سيتبوأ فيما بين 1871 و 1888 كرسي عرش الإمبراطورية الألمانية. وسرد خيرالدين تفاصيل هذا اللقاء في رسالة بتاريخ 28 محرم 1278، الموافق ليوم السبت 3 أوت 1861:   « سافرنا صبيحة أمس التاريخ من باريس الى بادن باد ووصلنا لها في الساعة التاسعة بعد الزوال فكاتبت صبيحة يوم التاريخ وزير البروسيه نعلمه بقدومي لمقابلة الراي فأجابني في الحين بأنا نقابل الراي الماضي ساعتين من الزوال يوم التاريخ فتوجهنا في الوقت المذكور لمقابلته فاستقـبلنا بسرور ثم خاطبته مشافهة […] وهنيته بالعافـية مما وقع له قـبل التاريخ من الرجل الذي رام قـتله [ تعرض فلهانم الأول في منتصف جويلية 1861 إلى محاولة اغتيال نفـذها شاب عاب على العاهل البروسي قـلة تحمسه للمطمح القـومي آنذاك أي الوحدة الألمانية التي سيحققها الوزير بزمارك بعد عشر سنوات]…   فأجابني بأنه يشكر لطف مولانا دام علاه على التهنيه الذاتيه أولا ثم على مراده في عقد الخلطة والموده بين الدولتين وانه سيكلف وزيره في الخارجيه بأن يكون واسطة في عقد الخلطة والموده بين دولته ودولة مولانا ويومل انها تنتهي على أحسن حال ثم أطال في الكلام معنا بما محصله السوال عن سفرنا وقدومنا اليه بكلمات وجيزة وحسنة وبعد ذلك رجعنا من عنده ويظهر لجنابكم السامي من تعجيل قبولنا وحسن القبول مع كونه في غير مملكته وليس معنا مكتوب مولانا له الذي يقتضي التعريف بوجهتنا انا لا نومل أحسن مما وقع منه في حسن القبول ».   ولم تسفر هذه المبادرة على ما كان يترجاه الجانب التونسي، لاسيما لاحتجاج الدولة العثمانية لدى الحكومة البروسية على إثر المقابلة المذكورة، بدعوى خضوع باي تونس إلى سيادتها.   زيارة أخرى   وفي أفريل 1863 رأت السلط التونسية أن تعيد الكرة فأرسلت خيرالدين ثانية لتجديد الرغبة في تمتين الصلة. لكنه لاقى معارضة الوزير الأول بزمارك وتصديه لما جاء به المبعوث التونسي. ولئن لم تفصح لنا الوثائق المعتمدة بالسبب الحقيقي لموقف بزمارك السلبي فإننا نرجّح ارتباطه بالمخطط الذي كان يخامره من يومها لتحقـيق الوحدة الألمانية، فكان عليه تفادي استفزاز فرنسا وإثارة ظنونها بالنفوذ إلى تونس، البلد المجاورة للجزائر، الذي كان لفرنسا من مناطق نفوذها.   ومهما كان الأمر فقد مكنت هذه الزيارة الثانية خيرالدين من تعميق معرفته بألمانيا والوقوف على جوانب من حضارتها. فلا غرابة أن نجد في عمله المذكور، « أقوم المسالك » صدى ملموسا لإعجابه بما شاهد واستنبط في البلاد الألمانية، لا من حيث المعالم الظاهرة فحسب بل وكذلك من حيث أساليب العيش ونظم السياسة. فنراه مثلا ينوه بتقيد ملوك بروسيا بالعدل واحترام الملكية الخاصة ويستشهد بتصرّف فريدريش الثاني حيال صاحب الطاحونة الذي أبى التخلي عنها، لما استوجب بناء قصر الملك بضواحي برلين التوسع في أرضها، وأمام إصرار الطحان على التمسك بحقه تراجع الملك ولم يتعسف.   « فبقيت الطاحون على حالها إلى اليوم بجانب القصر »، هكذا عقـب خيرالدين مضيفا: « وهي باقـية شاهدة على عدل ذلك الملك يقصدها المسافرون إلى يومنا هذا وقد شاهدناها. »   (*) منير الفندري، أستاذ في جامعة تونس، قدم رسالة دكتوراه في الأدب الألماني حول « هينريش هاينه والشرق الإسلامي » (همبورغ/دوسلدورف 1980) وهو أول باحث تناول هذا الجانب في شموليته وأعماقـه بالتحليل والنقد وسلط عليه الأضواء بما يستحق. منحته هيئة التبادل الأكاديمي عام 2006 على جائزة غريم لأعماله المتميزة في مجال الأدب الألماني.   (المصدر: موقع قنطرة الألماني بتاريخ 25 جويلية 2006) الرابط: http://www.qantara.de/webcom/show_article.php/_c-590/_nr-17/i.html


بلال ريبيري في حوار لـ »الخبر » الجزائرية

أصبحت مسلما عن قناعة منذ عدة سنوات وأصلي وأصوم مثلكم

حاوره بباريس عدلان حميدشي                  * تسافر إلى الجزائر لأول مرة أليس كذلك؟
* صحيح، لقد إخترت قضاء ما تبقى من عطلتي بالجزائر نزولا عند طلب زوجتي وهيبة، حيث سنزور جدتها التي أحبها كثيرا كوني تعرفت عليها قبل سنوات بفرنسا، وهي متقدمة في السن، ولا يمكنها أن تسافر الآن لذلك فضلنا قضاء العطلة معها بهذا البلد الذي أحبه كثيرا ولدي أصدقاء كثيرون من أصول مغاربية· ثم أنني لم أر الجزائر من قبل وها هي الفرصة تتاح، ولم أتردد في تلبية رغبة زوجتي خاصة وأن كل عائلتها في الجزائر حاليا·
*  الزيارة ستكون عائلية فقط؟
* طبعا، أريد أن أستريح وأنعم بهذه العطلة لأن موعد العودة للتدريبات سيكون يوم 29 جويلية وبالتالي لم يبق لي سوى بضعة أيام بعيدا عن الضغط وجو التحضيرات· * الظاهر أنك ارتبطت بالجزائر وبالإسلام منذ زواجك بوهيبة؟
* ليس هذا فقط، فقد كانت علاقتي مع المغاربة جيدة وسهلت انتسابي إلى الإسلام الذي اقتنعت به، ولا يمكنني أن أنكر دور زوجتي في حبي للجزائر واعتناق هذا الدين العظيم·
* هل كان اعتناقك الإسلام قبيل المونديال أم خلاله؟
* لا، لا، قبل كأس العالم بكثير، فقد اعتنقت هذه الديانة منذ عدة سنوات ·
* تصلي وتصوم مثل المسلمين؟
* طبعا عندما أقدر على الصيام أصوم وأصلي مثلكم· وتعلمون بأن مهنتنا صعبة، وأعلم بأن هناك ترخيصا يسمح لنا بعدم الصيام خلال المنافسة أين نحتاج لكميات كبيرة من الغذاء، ولا أخفي عليكم بأن الصيام فيه أيام سهلة وأخرى صعبة· لكن على العموم أمارس الشعائر الدينية مثل كل المسلمين·
* ما هو إحساسك الداخلي وأنت مسلم؟
* الأهم بالنسبة لي هو الله، وأنا مقتنع بوحدانيته 100 بالمائة، وعند ممارستي الشعائر الإسلامية أحس بالراحة التامة·
* حاليا صورة الإسلام في الغرب شوهت واقترنت بالإرهاب؟
* هذا خياري الشخصي ولا يمكن لما يقدم حاليا من صور عن الإسلام والمسلمين أن تغير قناعتي الشخصية النابعة من داخلي·
* من علمك الشعائر الدينية؟
* الشقيق الأكبر لزوجتي البالغ 26 سنة، حيث تكفل بتعليمي كل الشعائر بالتدرج وساعدني في اعتناق الدين الإسلامي ببساطة·
* يبدو أنك تعودت على التقاليد الجزائرية من لباس وأكل؟
* بطبيعة الحال، عندما تتزوج بجزائرية وتعتنق الإسلام وتعيش مع العرب تصبح مثلهم في عدة أمور، لكنني أفرق الأمور ولا أخلط طريقة التعامل بين محيطي الذي أصبح مسلما ومحيطي العملي الذي يجب أن أبقى محترفا في أدائي معه·
* المنتخب الفرنسي أصبح يضم عددا من المسلمين، فهل هناك نقاش داخل المنتخب حول الإسلام والديانات؟
* بتواجد زيدان وهنري وآخرين يمكن القول بأن المنتخب الفرنسي بدأ يسلم، وهذا أمر جميل ونتمنى أن يخدم الإسلام ويحسن صورته، لكن بصراحة هذا الموضوع لم يطرح في النقاش بيننا كلاعبين للمنتخب، وبقيت الأمور الدينية خاصة جدا وشخصية، ولا يتدخل أي واحد فيها·
* لم تعرفوا زيدان سوى قبيل المونديال لكن التفاهم بدا بينكما كبيرا، فهل ذلك مرتبط بالإسلام وارتباطك بالجزائر؟
* في الحقيقة زيدان سعيد جدا بي وهو إنسان رائع وساهم كثيرا في اندماجي مع المنتخب الفرنسي وفي رفع مردودي، كما أن زيدان لاعب خارق للعائدة وأسعد جماهير عدة في العالم وسيبقى أسطورة ليس فقط للفرنسيين بل للجزائريين كذلك ومن حق الجزائريين الافتخار به، وعندما اقتربت منه في المونديال تأكدت بأنه شخص ممتاز في المعاملة وفوق الميدان·
* رأسية زيدان ضد ماتيراتزي تحولت إلى لقطة إيجابية في الجزائري فما قولكم؟
* زيدان شرح موقفه من قضية ماتيراتزي وأنا أفضل عدم إضافة أشياء عن الرأسية لكنني أفضل الحديث عن زيدان الفنان الذي يبقى حالة خاصة في عالم الكرة·
* سبق وأن لعبتم مع جزائريين خاصة في ميتز فكيف كانت العلاقة معهم؟
* صحيح أنني لعبت مع عدة جزائريين لا سيما وضاح ومنيري في نادي ميتز وغيرهما، وكنت دوما أنساق نحوهم لأن ميولاتي نحو الجزائريين كانت واضحة بحكم أن زوجتي جزائرية وبالمناسبة، أقول بأن اللاعب وضاح لاعب ممتاز وكان بإمكانه تقديم الكثير للمنتخب الجزائري·
* قيل بأنك قد تستثمر في أمور خيرية بالجزائر مثل زيدان فهل هذا صحيح؟
* (يصمت هنيهة) لحد الآن لا يمكنني قول أي شيء عن مشاريعي المستقبلية وأفضل تركها في سرية·
* ستنهي عطلتك بالجزائر وتعود للتدريبات، لكن أين؟
* سأعود مباشرة إلى مارسيليا يوم 29 جويلية وبعدها أرى· (المصدر: صحيفة « الخبر » الجزائرية الصادرة يوم 25 جويلية 2006) الرابط:  http://elkhabar.com/dossiersp/lire.php?ida=37999&idc=45


Home – Accueil الرئيسية

 

Lire aussi ces articles

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.