الخميس، 29 مارس 2007

Home – Accueil الرئيسية

TUNISNEWS
7 ème année, N° 2502 du 29.03.2007
 archives : www.tunisnews.net


إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل: بــــيـــــان الشرق: لتحصينهم من مخاطر التيارات المتطرفة وتحفيزهم على الانضمام للأحزاب المدنية ….خطة حكومية للاهتمام بالشباب الجزيرة.نت :تونس تسعى لزيادة إنتاج النفط والغاز الصباح:بعد اختيار المستثمر التركي لبناء واستغلال مطار النفيضة:انطلاق أشغال المشروع في النصف الثاني لـ2007 رويترز:سمسار: « أدوية » التونسية تعتزم طرح 30 في المئة من أسهمها للاكتتاب   بي بي سي :الملولي يحقق أول ذهبية سباحة دولية في تاريخ تونس          صحيفة « الوحدة » :الأولياء حائرون والتعليم على محك جديد      محسن مزليني: تدهور القدرة الشرائيّة يسحب أفرادها إلى الفقر…والغنى ضربة حظ كاشف الغطاء: التطرف العلماني في حوار خديجة الشريف مع الموقف صـابر: الشرعية الشعبية فى تونس .. خارج حساب النظام عبد اللطيف الفراتي: عـودة الشيعة إلى تونس؟ راشد الغنوشي: منظوران للإصلاح مختلفان وإن تشابها   محمد العروسي الهاني: التاريخ لا يرحم أيها السادة وحوار قناة العربية هو جزء من بحر زاخر من التضحيات الجسام لرجل قاد امة نحو النصر والحرية ا ف ب: جمعيات فرنسية تلاحق قادة افارقة بتهمة اخفاء اموال مختلسة الحياة :ليبيا: وقف وزير الداخلية عن العمل على خلفية اعتداء على امرأتين القدس العربي: دراسة: مشاركة المرأة في الحكم بالبلدان المغاربية ضئيلة للغاية

رويترز:استقبال عربي فاتر للرئيس الموريتاني ا ف ب: كندا تشيد ومراقبون دوليون راضون عن سير الانتخابات الرئاسية بموريتانيا ا ف ب: تحديات إنسانية واقتصادية كبيرة تنتظر الرئيس الموريتاني الجديد توفيق المديني: ولد الشيخ عبدالله رئيساً مدنياً بعد عقود من الحكم العسكري … الحكم الديموقراطي الجديد في موريتانيا… تحديات وضمانات زهير الشرفي:  الحقيقة لا توصل إلى الإرهاب


(Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe Windows (

(To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic Windows  (


 

قناة الحوار تستضيف المعارض التونسي د. منصف المرزوقي في لقاء في لندن

 

يأتيكم يوم الجمعة الساعة الرابعة بتوقيت غرينيتش

يعاد بثه في الأوقات التالية:

الجمعة 21:00

السبت 02:00

السبت  12:30

الأحد  10:00


إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل

بــــيـــــان

                                                                                         تونس في 29/03/2007

            لم يعد يخفى على أحد، الوضعية التي يعاني منها أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل فبعد السنوات الطوال من التعب ودفع المال لجامعة شعارها التعليم المجاني يجد صاحب الشهادة نفسه ضحية لشعارات فضفاضة وقراءات واهية حول تشغيل أصحاب الشهادات ،وبملامستهم لواقعهم وسعيهم للبحث عن عمل يقيهم شر السؤال يكتشفون حقيقة ما أعلن ولا يزال حول طرح ما يسمى حلول وآليات إدماج ،وأنهم حقيقة كانوا ضحية لمشاريع تصاغ لخدمة فئة معينة مرتبطة أساسا بالسلطة السياسية والتوجهات الاقتصادية التابعة ..

ومن هذا المنطلق أي الوعي بحقيقة المشكل تأسست اللجان الجهوية وإتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل للتأكيد على أحقية المواطن في العمل وضمان مستقبله وكرامته،وانصبت أهدافها حول المطالبة بإلغاء آليات الانتداب المتبعة حاليا والبحث عن حلول جذرية لأزمة البطالة ومحاسبة كل المسيئين لأبناء الشعب عبر استغلال مناصبهم المتقدمة بالوزارات لخدمة مصالحهم الشخصية.

وقد أكدت هذه الحركات المطلبية مدى النضج الذي تتعامل به مع مؤسسات الدولة ومدى جديتها في فتح باب حوار مع كل المسؤولين المحليين والجهوين كالمعتمديات والولايات والوزارات من أجل مناقشة وضعية المعطلين عن العمل والمساهمة في طرح البدائل ،عبر قراءة نقدية وموضوعية للآليات والمشاريع المتبعة الآن.إلا أن الطرف المقابل تمسك بعقلية متحجرة في التعامل مع هذا المطلب بل تعداها إلى أكثر من ذلك حين فوض هذا الملف ومستقبل أجيال متعاقبة من شباب تونس إلى البوليس وأحاله من ملف ومطلب اجتماعي ملح يتطلب تكاثف الجهود إلى اعتداءات يومية وهرسلة وإيقافات وغيرها من الأساليب القمعية التي عمقت الأزمة وأثبتت مدى عجز سلط الإشراف على التعامل مع هذه الأزمة وافتقارها لعقلية التفتح والممارسة الديمقراطية الحق التي تجعل جميع مكونات المجتمع التونسي تلتقي على طاولة حوار تهتم بهذه الأزمة وتطرح لها الحلول  الجذرية والتي تقي شباب تونس من خطر التهميش والانحراف والتطرف وتساعد على بناء جيل واعي منتج يقدم الإضافة لمجتمعه وللوطن عموما.

وفي إطار مواصلة حركتهم الاحتجاجية التي أعلنت يوم 27/3/ 2007 اعتصم الزملاء أعضاء اللجنة المحلية بالرديف ولاية قفصة أمام معتمدية الجهة بعد أن استنفذوا كل أشكال النقاشات مع المعتمد الذي لم يقدم الإضافة ولم يتعامل مع مطالبهم بجدية وتعامل كغيره من المؤسسات بعقلية الحل الأمني واستدعاء البوليس والاعتداء على المعتصمين وإبعادهم من أمام المعتمدية بدعوى « مركز سيادة » أو ما شابه من الشعارات التي تجعلنا نتساءل سيادة من على من؟؟؟وما الجدوى من هذه المؤسسات    ما دامت تتعامل مع أبناء هذه الأرض بمنطق « رعايا » و « جاليات ».  

وعلى هذا الأساس يؤكد إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل على:

·  مساندته المطلقة للرفاق أعضاء اللجنة المحلية بالرديف.

·  تثمينه للحركة النضالية التي قاموا بها ويشد على أيادي كل المناضلين الصادقين الذين تبنوا قضية التشغيل وانتزاع الحقوق.

·      دعوة الرفاق أعضاء اللجنة الجهوية بقفصة وكل اللجان المحلية إلى مزيد النقاش حول مشروع « اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل »والعمل على توحيد الحركة والعمل على بناء المنظمة النقابية كمطلب ملح لحماية حقوقنا وانتزاعها.

 

إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل

التنسيقية الوطنية

المكلف بالإعلام

     الحسن رحيمي

    21918197

 


لتحصينهم من مخاطر التيارات المتطرفة وتحفيزهم على الانضمام للأحزاب المدنية …

خطة حكومية للاهتمام بالشباب

تونس – صالح عطية رفض وزير الشؤون الدينية التونسي، قبول بلاده « دروسا في الفقه الإسلامي، مهما كان مصدرها أو مأتاها ».. ودعا أبو بكر الأخزوري، الأئمة والخطباء في تونس، إلى المساهمة في تحصين الشباب مما وصفه بـ  » مخاطر التيارات الفكرية الهدامة والمتطرفة « … وجاءت كلمة وزير الشؤون الدينية، خلال ندوة دينية بمدينة قابس، في سياق حملة واضحة تشنها الحكومة التونسية منذ عدة أسابيع، للاهتمام بفئة الشباب التونسي، وسط معادلة حاولت أن تجمع بين تحصين الشباب من التطرف، وتحفيزه على الانضمام إلى الأحزاب السياسية المدنية.. لذلك، شدد الأخزوري، على ضرورة تجذير الهوية لدى الفئة الشبابية، وتحسيسها بل وإنارتها بخصوص المخاطر والإنزلاقات المتأتية من التيارات السلفية، « ذات النزعة الإرهابية المتسترة بالدين ». ويبرز وزير الشؤون الدينية في تونس، كأحد أبرز المناهضين لما يسميه  » التيارات الإرهابية والمتطرفة « ، على الرغم من الانتقادات التي توجه إليه، سواء من قبل التيارات الأصولية، أو حتى من قبل النخب والمثقفين، بشأن الطريقة ومضمون الردود التي يعتمدها على هذه التيارات. وقاد الوزير التونسي قبل فترة، حملة ضد الحجاب، لقيت انتقادات شديدة من المنظمات الحقوقية ومن الأوساط الدينية في تونس وخارجها.. وكان المستشار الخاص للرئيس التونسي، زين العابدين بن علي، دعا في وقت سابق إلى ضرورة تطوير الخطاب الديني وإثراء مضامينه،  » تجنّـبا لخطر التطّرف الذي بات يهدِّد دول المغرب العربي بشكل جدّي أكثر من أي وقت مضى ». وشدّد بن ضياء، المعروف بكونه أحد منظري القصر الرئاسي في تونس، على حاجة البلاد لتطوير الخطاب الديني لمواجهة الدور الخطير  » الذي تلعبه بعض القنوات التلفزيونية في التأثير على قناعات الشباب عبر خطابات مغلوطة وأفكار هدامة « . وتأتي حملة الحكومة التونسية المتعلقة بالشباب، مباشرة إثر المواجهة المسلحة التي شهدتها تونس مطلع العام الجاري بين قوات الأمن ومجموعة مسلحة، قيل إنها تابعة لتيار « السلفية الجهادية »، والتي انتهت بمصرع 12 فردا من عناصرها، واثنين من رجال الأمن، واعتقال 15 مسلحا من هذه المجموعة، بالإضافة إلى اعتقال مئات آخرين تم عرض ملفهم على الدوائر القضائية خلال الأسابيع القليلة الماضية.. وبدأت الحكومة منذ تلك الأحداث، حملة للعناية بالشباب من النواحي الدينية والسياسية والاجتماعية، بغاية تجنيبها الميل أو الانتماء للتيارات السلفية والأصولية، وسط تنامي إقبال الشباب التونسي على الفكر الديني، على الرغم من عدم وجود أحزاب أو تيارات إسلامية في البلاد، خصوصا بعد تفكيك النظام التونسي لحركة النهضة الإسلامية (المحظورة) منذ نحو العقدين من الزمن، ووجود ما يوصف بـ « الحصار الأمني الكبير » على الشباب المتدين، كما يوصف صلب المنظمات والهيئات الحقوقية في البلاد، ضمن ما تسميها الحكومة بـ « سياسة التوقي » التي تتوخاها. ويشكل الاهتمام بمشاغل الشبان من جهة أخرى، وبخاصة إيجاد فرصِ عملٍ لخرِّيجي الجامعات، أبرز التحديات التي تسعى الحكومة التونسية لمواجهتها، حيث يمثل خريجو الجامعات التونسية، الشريحة الأوسع في تونس بين أصناف العاطلين عن العمل، إذ يدخل سوق العمل كل عام، نحو 80 ألف شاب من هؤلاء الخريجين… ويتوقع المراقبون، أن تتكثف الحملة الحكومية خلال الفترة المقبلة، باتجاه جعل الشباب محورا رئيسيا ضمن تحركات السلطات ومقاربتها، وسط معلومات مؤكدة عن وجود خطة يجري الإعداد لها من قبل الدوائر المعنية، من أجل الحيلولة دون انخراط الشباب التونسي ضمن التيارات السلفية الجهادية، لاسيما وقد باتت تتحرك في المنطقة المغاربية في الآونة الأخيرة.. (المصدر: صحيفة « الشرق » (يومية – قطر) الصادرة يوم 29 مارس 2007)

تونس تسعى لزيادة إنتاج النفط والغاز

                   

قال رئيس المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (إيتاب) ومديرها العام خالد بالشيخ، إن تونس تهدف لزيادة إنتاجها من النفط والغاز بفضل اكتشافات جديدة ستساعد البلاد على الوفاء بالطلب المتزايد على الطاقة. وأضاف بالشيخ الذي كان يتحدث على هامش مؤتمر للطاقة في رافينا بإيطاليا أن إنتاج تونس من النفط تجاوز 90 ألف برميل يوميا العام الماضي ارتفاعا من 75 ألف برميل يوميا أنتجت عام 2005. وأشار إلى وجود اكتشافات جديدة قد تضيف أكثر من 20 ألف برميل يوميا في عام 2007. وأوضح أن مشروع الغاز الجديد في منطقة حاسدروبال الذي تطوره المؤسسة مع مجموعة بيجي البريطانية للطاقة، سيعزز إنتاج الغاز الطبيعي البالغ حاليا 1.5 مليار متر مكعب سنويا. وقد منح البنك الأفريقي للتنمية تونس قرضا بقيمة 100 مليون يورو (133 مليون دولار) للشركة التونسية المصرفية لمساعدتها في تمويل مؤسسات اقتصادية صغيرة ومتوسطة وسيساهم في تمويل مخطط الحكومة الإنمائي للأعوام من 2007 إلى 2011 والهادف لزيادة حصة القطاع الخاص من الاستثمارات في البلاد إلى 65%. (المصدر: موقع الجزيرة.نت بتاريخ 29 مارس 2007 نقلا عن وكالات)   


مجمع تونسي يفوز بصفقة احداث قطب تكنولوجي بمدغشقر في اطار الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص تمكن مجمع تونسي من الفوز بطلب عروض دولي يتعلق باحداث قطب تكنولوجي بمدغشقر ويتكون هذا المجمع من الشركة المركزية للتجهيز ومكتب خاص للدراسات متعدد الاختصاصات له صيت دولي ومجلس الاتصال والواب ومكتب دراسات مختص في الدراسات الاستراتيجية والقطاعية الى جانب قطب الغزالة لتكنولوجيات الاتصال. يوم للمؤسسات التربوية علمنا أنه يجري الاستعداد لتنظيم يوم للمؤسسات التربوية سوف يتم خلاله تنفيذ اعمال تطوعية من طرف التلاميذ ويقع الاهتمام خلاله بنظافة  المعاهد ومحيطها من الاعشاب الطفيلية وغيرها من رواسب الفضلات.  ويندرج هذا اليوم في اطار نشاط المجالس التربوية داخل الموسسات وذلك بالتعاون مع منظمة التربية والاسرة وادارات المعاهد. العلامات المرورية في بعض الشوارع والطرقات كثيرا ما تغيب العلامات المرورية  نتيجة تدلي اغصان بعض الاشجار المزروعة اما على الطريق او المتدلية  من حدائق المنازل، وهو ما يشكل خطرا في بعض الاحيان نتيجة التجاوزات التي تحصل جراء عدم ظهورهذه العلامات المرورية. فهال تتولى المصالح البلدية الاهتمام بهذا الجانب وتقليم الاشجار لابراز هذه العلامات ليتم اعتمادها من طرف المترجلين واصحاب السيارات؟ الاستئناس بتجارب الدول المنتجة للزيتون تم خلال المدة الاخيرة عقد ندوة بصفاقس خصصت لدراسة جملة من التجارب الخاصة بفواضل عصر الزيتون مثل  الفيتورة والمرجين على وجه الخصوص ..  وقد حضر هذه الندوة عديد الممثلين لدول متوسطية تنتج الزيت على غرار اسبانيا وايطاليا وسوريا . ويشار أن التجربة الاسبانية استعملت في هذا المجال قد كانت مثالا هاما في هذا المجال ، خاصة وانها هذه المواد أسمدة في القطاع الفلاحي. عائدات  التمور بلغت  الكميات  المصدرة  من التمور  الى  غاية 16 مارس  الجاري 25400  طن بعائدات  تقدر  بـــ74700  الف دينار  مقابل 21700 طن السنة  الفارطة  بارتفاع  ناهز 17% المنعرجات الخطيرة مازالت العديد من المنعرجات الخطيرة على الطرقات الوطنية تمثل نقاطا سوداء ومصدرا للعديد من حوادث المرور . وقد علمنا ان هذه المنعرجات تمثل حاليا اهتماما خاصا من طرف وزارتي الداخلية والتنمية المحلية والتجهيز والاسكان وذلك باستنباط علامات خاصة بها من شأنها ان تنبه مستعملي الطريق الى خطورتها .. صادرات ومخزونات جاء في تقرير المكتب التنفيذي للاتحاد الو طني الفلاحين والصيد البحري الصادر مؤخرا انه تم تصدير 8700 طن من البطاطا الفصلية وذلك الى غاية 15 مارس الجاري ، كما  تم التوصل من ناحية أخري الى تخزين 47 مليون لتر من الحليب وذلك بعد الانتعاشة التي شهدها القطيع التونسي من الابقار. تنمية نشاط صيد السمك الازرق يجري منذ السنة الفارطة تطبيق الخطة الخاصة بتنمية نشاط صيد السمك الازرق ويشار الى ان هذه الخطة تهدف الى ترفيع الانتاج من هذه المادة لبلوغ 58 الف طن . وعملا على تنفيذ الخطة وبلوغ الاهداف المحددة ينتظر اقتناء 100 وحدة عصرية لصيد السمك الازرق وتركيز 15 مشروعا لتصنيع الثلج وبعث 10 وحدات لتنظيف مستلزمات وسائل الانتاج وبعث 10 مصانع لتحويل وتجميد السمك الازرق. خط تمويل بـــ100 مليون أورو لدى الشركة التونسية للبنك صادق امس البنك الافريقي للتنمية على خط تمويل سيفتح لدى «الشركة التونسية للبنك» لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة التونسية بقيمة 100 مليون اورو اي ما يعادل 173 مليون دينار. وحسب البنك الافريقي للتنمية فان خط التمويل سيمكن المؤسسات من قروض طويلة المدى بكلفة تنافسية. هذا الخط يندرج في اطار استراتيجية التنمية للدولة الواردة بالمخطط الحادي عشر. الشروع في تنفيذ البرنامج الوطني للتنشيط المتنقل لفائدة الطفولة   انطلق تنفيذ البرنامج الوطني للتنشيط المتنقل لفائدة الطفولة الذي يندرج في اطار تجسيم التوجهات الرئاسية المتعلقة بالتركيز على تنشيط الاحياء ذات الكثافة السكانية العالية والمناطق الريفية بهدف مزيد الاحاطة بالشباب والطفولة وتنويع اليات الترفيه المتاحة لفائدتهم. وقد انطلق تجسيم هذا البرنامج الذى اعدته وزارة شؤون المراة والاسرة والطفولة والمسنين بالتنسيق مع الهياكل والجمعيات ومكونات المجتمع المدني المعنية مع بداية عطلة الربيع الحالية بالتركيز على ولايات تونس الكبرى في مرحلة اولى وبقية الولايات في مرحلة ثانية. (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 29 مارس 2007)  

بعد اختيار المستثمر التركي لبناء واستغلال مطار النفيضة:

انطلاق أشغال المشروع في النصف الثاني لـ2007

أعلنت وزارة النقل في بلاغ اصدرته أمس الاربعاء عن اختيار المستثمر التركي (ت ا ف اربورت هولدن كو) كمستلزم وقتي لبناء واحالة واستغلال المطار الجديد بالوسط الشرقي (النفيضة) واستغلال مطار المنستير مقابل معاليم استغلال يدفعها المستثمر سنويا. وقد تم اختيار المستلزم على اثر طلب عروض دولي انجز على مرحلتين تم خلال المرحلة الاولى انتقاء 7 مستثمرين ذوي قيمة وخبرة عالمية في مجال بناء واستغلال المطارات في حين اسفرت المرحلة الثانية عن قبول عرضي المجمع الالماني الكندي (س ن س لافالين وهوشتياف اربورت) والتركي (ت ا ف). وعلى اثر اختيار المستثمر من المنتظر ان تنطلق اشغال انجاز هذا المشروع الهام خلال السداسية الثانية من السنة الحالية. وتبلغ طاقة الاستيعاب السنوية للمطار الجديد بالوسط الشرقي 5 مليون مسافر عند الانطلاق وهو قابل للتوسعة على مراحل لتبلغ طاقة استيعابه القصوى على المدى الطويل  20مليون مسافر.  وسيساهم هذا المطار في تنمية النشاط السياحي والاقتصادي بالبلاد. وتجدر الاشارة من ناحية اخرى الى ان شركة (ت ا ف) تعتبر من ابرز مستغلي المطارات في العالم حيث تستغل عدة مطارات دولية في مناطق مختلفة من العالم تفوق طاقة استيعابها الجملية 45  مليون مسافر سنويا من اهمها مطار اسطمبول ومطار انقرة الدوليان. كما تتمتع هذه الشركة بخبرة عالمية في بناء المطارات حيث انجزت ما لا يقل عن 7 مطارات دولية بطاقة استيعاب جملية تفوق 75 مليون مسافر. (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 29 مارس 2007)  

الملولي يحقق أول ذهبية سباحة دولية في تاريخ تونس

حقق السباح أسامة الملولي أول ميدالية ذهبية في تاريخ بطولات العالم للسباحة لتونس بفوزه بسباق 800 متر حرة رجال الاربعاء في بطولة ملبورن باستراليا. وسجل الملولي زمنا قدره سبع دقائق و46.95 ثانية لينهي السباق في المركز الاول متقدما على منافسه البولندي برزيميلسلاف سانتزيتش، الذي جاء في المركز الثاني، وسجل زمنا قدره سبع دقائق و47.91 ثانية. واحتل الاسترالي كريج ستيفنز المركز الثالث بتحقيقه زمنا بلغ سبع دقائق و48.67 ثانية. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الملولي، ذو الـ23 عاما قوله  » انه أمر رائع أن أحرز الميدالية الذهبية هنا في استراليا لأن هذا البلد مولع بحب رياضة السباحة. أنا سعيد جدا لوجودي هنا وأتمنى أن أواصل النجاح في سباق 400 متر متنوعة ». وهذه هي الميدالية الثانية للملولي في هذه البطولة إذ سبق ان أحرز فضية سباق 400 متر حرة في اليوم الأول من البطولة متخلفا بفارق يقل عن ثانية واحدة عن الكوري الجنوبي بارك تاي هوان (3,44,30 د) ومتقدما على الاسترالي الشهير غرانت هاكيت حامل اللقب (3,4543 د) الذي سقط مجددا امام البطل التونسي ليفقد لقبه الثاني امام جمهوره. وفي مشاركتها الاولى ببطولة العالم حطمت السباحة الاميركية ليلى فازيري الرقم القياسي العالمي في سباق 50 متر ظهرا مسجلة 28.16 ثانية. وكان الرقم القياسي ومقداره 28.19 ثانية مسجلا باسم الالمانية جانين بيتش في برلين في 25 ايار/مايو عام 2005. وقالت فازيري: « لقد وضعت نصب عيني بلوغ هذا الوقت والاجواء كانت رائعة لتحقيق المطلوب » حسب الوكالة. (المصدر: موقع بي بي سي بالعربية (لندن – بريطانيا) بتاريخ 28 مارس 2007)  

سمسار: « أدوية » التونسية تعتزم طرح 30 في المئة من أسهمها للاكتتاب

تونس (رويترز) – قالت شركة سمسرة يوم الخميس إن شركة العقاقير التونسية أدوية تعتزم إدراج أسهمها في بورصة تونس الشهر القادم بعد طرح عام أولي يقدر قيمة الشركة بمبلغ 25.5 مليون دينار (19.60 مليون دولار). وقالت شركة أمين انفست على موقعها على شبكة الانترنت ان أدوية تسعى لبيع ثلاثة ملايين و320 سهما تمثل 30 في المئة من رأسمالها مقابل 2.55 دينار للسهم. وقال أحد المتعاملين ان البيع سيتم في ابريل نيسان. ولم يتسن الحصول على تعليق فوري من مسؤولين بالشركة. ويتوقع محللون أكثر من ست عمليات طرح عام أولي في بورصة تونس هذا العام وهو أعلى بكثير من المتوسط خلال السنوات السابقة حيث تشجع الاصلاحات الاقتصادية والتخفيضات الضريبية الشركات على طرح أسهمها للاكتتاب. (الدولار يساوي )1.301 ينار تونسي (المصدر: وكالة رويترز للأنباء بتاريخ 29 مارس 2007)
 

البيضة والدجاجة امتحان الرابعة أساسي تقرّر دون استشارة المربّين… وها هي الإدارة تشرح أسباب القرار بالبيان والتبيين. ممّا جعل زميلة تتساءل ربّما للترويح على النّفس… «هل أتت البيضة قبل الدجاجة أم العكس؟!». وأجيبها طبعا بعد إذنها (وهذا من حسن أخلاقي) الإدارة تبيض يا سيّدتي والمربّي يقاقي… محمد قلبي (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 29 مارس 2007)  


اختبار السّنة الرّابعة من التعليم الأساسي:

الأولياء حائرون والتعليم على محك جديد

أيمن فاجأت وزارة التربية والتكوين أولياء تلاميذ السّنة الرّابعة من التعليم الأساسي بإدراج مناظرة في آخر السّنة الدّراسيّة حيث أكد المنشور الخاص على إجراء اختبارات موحدّة بحيث لم يعد الارتقاء إلى السنّة الخامسة آليّا إنمّا بات يشترط النّجاح في هذه الاختبارات. وقد تمّ تنظيم عديد اللّقاءات الإخباريّة مع أولياء هؤلاء التلاميذ في المدارس الابتدائية لتفسير المنشور وتوضيح أهدافه وغاياته لكن الحيرة والقلق مازالتا تسيطران على أذهان الأولياء. ولا شكّ أنّ توقيت المنشور وغياب الاستعداد النفسي قد أوجدا حالة من عدم الرّضا ورفضا مبطنا من الأولياء لهذا التعديل في المسار الدراسيّ لاعتبارات عديدة..فقد استبطنت الأسر التونسيّة مقولة النجاح في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي وامّحت كلمة الرّسوب من ذهنها وأضحى حصول التلميذ على الامتياز أو عدم حصوله عليه هو الهاجس الأول لذلك خلق المنشور الجديد ارتباكا لديها وولّد فيها خوفا يبدو إلى حين مشروعا. ولأنّ المسألة على غاية من الأهّمية فثمة ملاحظات عديدة في هذا السيّاق وجب التأكيد عليها وتدارسها بكلّ موضوعيّة وجديّة بعيدا عن التشنج والانحياز لطرف على طرف. أولى هذه الملاحظات يتمثل في أنّ الوزارة لم تحسن تقدير توقيت الإعلان عن القرار الجديد حيث بدأت السّنة الدراسيّة على الانتهاء تقريبا إذ لم يبق سوى ثلاثي وحيد وهو ما جعل غالبية الناس تسأل عن سرّ هذا التوجه الجديد في هذا التوقيت بالذات وهو سؤال يبدو دون إجابة إلى حد الآن. وفي نفس السيّاق يبدو أنّ التصرف الأحادي لوزارة التربية والتكوين جعل من الموضوع قضية رأي عام فالمدرسون ليسوا مستعدين لمثل هذا الاختبار ولم يدركوا بعد ماذا سيفعلون والتلاميذ الذين فوجؤوا بهذا الاختبار سيطر عليهم الارتباك واستعدادهم في درجاته السفلى والأولياء وضعوا أمام الأمر الواقع والنقابة وهي الطرّف الشريك آخر من يعلم. أمّا الملاحظة الثّانية فهي في تقديرنا الأهم لأنها تضع مسألة وطنية على محك منظومة الشراكة الديمقراطيّة.فمسألة التعليم تظل قضية مشتركة بين كل السلطة والمعارضة لأنها تمسّ مستقبل البلاد وإذا كانت الأحزاب أكدت مرارا على أهمية إصلاح منظومة التعليم وإذا كانت النقابات هي شريك في عملية الإصلاح فلا نجد مبررا لانفراد وزارة التربية بإقرار اختبار وطني في توقيت سيء دون مشاركة أي طرف. فالواجب يقتضى حوارا بين السلطة وشركائها لأنّ المسألة تهم آلاف الأسر وتهم مستقبل الآلاف من أبنائنا. تساؤلات عديدة يضعها هذا الاختبار الجديد..لماذا الآن..وهل هو اعتراف ضمني بفشل منظومة الكفايات الأساسية..وهل هو إقرار غير صريح بوجود خلل في العملية التربويّة من جذورها..أسئلة عديدة تحتاج منّا إلى مصارحة دون تجميل للواقع ودون سهي إلى تحميل طرف دون آخر المسؤولية لأنّ المسؤوليّة مشتركة بين الجميع دون استثناء لأيّ كان. ولا شك أنّ العودة إلى التوضيحات التّي قدّمها المدير العام للمرحلة الأولى من التعليم الأساسي في وزارة التربية والتكوين في حوار أجرته معه إحدى الصّحف الوطنيّة من شأنها أن تفتح أمامنا مجالات أخرى للتساؤل ولمحاولة استقراء ما وقع بكل موضوعية. فمن وجهة النظر الرسميّة تتمثّل الغاية من هذا الاختبار في الرصد الموضوعي لمدى تملك تلاميذ السنة الرابعة من التعليم الأساسي للكفايات المقررة بالبرنامج في مستوى المواد الأساسيّة. إذا هذه الرغبة في إدراك حقيقة مكتسبات التلميذ في هذه المرحلة من التعليم تعيد إلى الأذهان تشكيات مدرسي المرحلة الثانية من التعليم الأساسي في المدارس الإعداديّة من ضعف مستوى أغلب التلاميذ الوافدين من المدارس الابتدائية وعدم تملك أغلبهم للمكتسبات الأساسية التي تمكنهم من مواصلة مسارهم الدراسي بسير باعتبار أن النجاح في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي آلي مهما كان مستوى التلميذ. ولعلّ هذا التساهل التقييمي والتعليمي هو الذي تسبب في تراجع مستوى غالبية التلاميذ بشكل جعل من نسب الارتقاء في السّنة السابعة من التعليم الأساسي دون ما هو مأمول. لقد كان بالإمكان إجراء حوار مع نقابة التعليم الابتدائي ومع مكونات المجتمع المدني قبل إصدار المنشور الوزاري ووضع الجميع أمام الأمر الواقع. وكان بالإمكان تأجيل الاختبار إلى السّنة القادمة بعد استشارة أهل الاختصاص والشركاء الطبيعيين لمزيد تنظيمه ورسم جدول زمني له لأنه ليس من المعقول أن نحّمل أطفالا صغارا تبعات قرار فجئي ونجعل أولياءهم في حالة قلق واضطراب. ونحن لا نختلف حول جدوى مثل هذه الاختبارات لأنها المقياس الحقيقي لمستوى التلاميذ ولا نختلف حول دورها الوظيفي في تحسين التعليم ولكنّنا نختلف حول الطريقة والأسلوب المعتمدة. فالتعليم هو مسؤولية وزارة التربية والتكوين لكن السياسة التعليمية هي مسؤولية كلّ الأطراف لأنّ الذي يتحمل نتائجها ليس الوزارة إنما المجتمع ككلّ. وهذه مسألة بديهية ولا تحتمل الخلاف..فما مستقبل التلاميذ الذين سيفشلون في هذا الاختبار لأكثر من مرّة..هل سترمى بهم المدرسة خارج أسوارها.. أم سيدرجون في صلب منظومة التكوين المهني.. لا شك أنّ مشروع إصلاح التعليم يمثّل في بعده العاّم إنجازا وطنيّا خاصة وأنّ تطوير مناهج والبرامج التعليميّة من شأنه المساهمة في خلق كفاءات مستقبلية قادرة على مواصلة مسيرة التنمية غير أنّ المشروع في ذاته ليس حكرا على جهة دون أخرى وما التعديلات التي تدرج بين الحين والحين سوى علامة على أنّ المشروع في انطلاقته لم يراعى عديد المسائل. لكن بالتوازي فنجاح هذا المشروع يقتضى أيضا إشراك ممثلي رجال التعليم لأنّ دورهم هام وجوهريّ فهم الطّرف المباشر والمدرك لحقيقة مستوى التلاميذ والقادرون على تبيّن مواطن الضعف والخلل. ويطرح ضعف نسبة غير هيّنة من تلاميذ المرحلة الإعداديّة أسئلة مقلقة حول ماهيّة التكوين في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي والإمكانات المتوفرّة لإنجاح المقاربة بالكفايات الأساسيّة لأنّ التلميذ في بداية تعليمه الابتدائي يكون قادرا على قراءة نصّ قراءة مستوفاة غير أنّه لا يفقه حرفا واحدا ممّا يقرأ ولا يعرف أغلب الكلمات التي يقرؤها إنما حفظ النصّ فقرأه وهي مسألة تدعو فعلا إلى الحيرة وقس على ذلك في بقيّة المواد ولا سيّما الأساسيّة. ولعلّ هذه الحقائق هي التّي استدعت إقرار اختبار السّنة الرّابعة من التعليم الأساسي لكن نعود دائما لنفس السّؤال:لماذا الآن..وما الغاية من ذلك.. (المصدر: صحيفة « الوحدة » (أسبوعية – تونس)، العدد 540 بتاريخ 24 مارس 2007)  


تدهور القدرة الشرائيّة يسحب أفرادها إلى الفقر…والغنى ضربة حظ

محسن مزليني يتزايد الحديث بين المدّة والأخرى عن الطبقة الوسطى سواء في إطار الدعاية الرسميّة التي تصوّرها غالبا على أنّها إحدى فتوحات « المعجزة التونسية »، أو في مدوّنات  الأحزاب وناشطي المجتمع المدني، حيث تغدو رافعة الحياة الديمقراطيّة والحاضن الاجتماعي الرئيسي لها، مثلما كانت الطبقة الشغيلة أو « البروليتاريا »، زمن الإيديولوجيات الاشتراكية الحالمة، أمل تحقيق مجتمع العدالة والوفرة. فماذا تعني الطبقة الوسطى؟ ولماذا تعاظم دورها ؟ وهل أنّ الاهتمام بها في الخطاب السياسي، رسميّه ومعارضه، يعكس حجما مهمّا يعطي الانطباع بإمكانية أن يصير لها تأثيرا حقيقيا في مجتمعنا؟
شريحتان
 يعتبر مصطلح الطبقة الوسطى مصطلحا غامضا وفضفاضا. تحدّثت الماركسية عن طبقتين ، إحداهما الطبقة الرأسمالية والثانية طبقة العمّال، وتحدّثت نظريات أخرى عن شرائح اجتماعية. وخلت النظريات من الحديث عن طبقة وسطى بشكل واضح وصريح منهجيا وعلميا وبقيت التناولات غائمة لهذه الفئة. كما شمل الالتباس أيضا تحديد الدور الذي تضطلع به. وبقيت كلّ معالجة لا تتجاوز مستوى الاجتهاد. ويرى بعض الباحثين أن هذه الطبقة تتألف في العالم العربي من شريحتين رئيسيتين هما: الشريحة القديمة، وتشمل أصحاب الملكيات والتجارة المتوسطة والصغيرة و أصحاب الصناعات، والحرفيين، وصغار رجال الأعمال و أصحاب الدكاكين وموظفي الدولة وضباط الجيش. أما الشريحة الجديدة، فتتكون من المثقفين والتقنيين وخريجي الجامعات والمهنيين من أطباء ومهندسين ومحامين و أصحاب الدخل المحدود من موظفي الدولة والشركات الصناعية والتجارية والمالية، فضلا عن أصحاب المشروعات الخاصة الصغيرة ورجال الأعمال الحرة. وهكذا يمكن اعتبار هذه الطبقة بمختلف شرائحها وفئاتها عماد الحياة الحديثة في كل مجال، والمسؤولة عن تقديم كل الخدمات تقريبا. مخفّفة للتطرّف
تسود بعض المجتمعات العربية نقاشات متعدّدة حول طبيعة هذه الطبقات وحقيقة دورها في عملية النهوض الاجتماعي. ينظر البعض إلى هذه الطبقة على أنّها رافعة للاقتصاد الوطني وعنصرا فاعلا في خفض معدلات الفقر نظرا إلى أنّها تضمّ الفئة النشيطة والمتعلّمة، ممّا يؤهلها لتشكل السد المنيع في وجه النوازع الراديكالية. ويردّ علماء الاجتماع هذه النزعة الواقعيّة إلى اعتبارات « أنّ من لا يملكون شيئا يسعون إلى تغيير كلّ شيء، ومن يملكون الكثير لا يريدون تغيير أيّ شيء. أمّا من هم في الوسط فيسعون دائما إلى تحسين ظروف المعيشة دون تنطّع وبذلك يشكّلون منطقة عازلة بين الاستقرار و الاضطراب ».   غير أنّ  هناك من يتساءل إذا كانت هذه الشريحة تشكل حقيقة اجتماعية أم أنها مجرد أداة للتعبئة السياسية خدمة لأنظمة وتصوّرات معيّنة.
وهنا يأتي السؤال : أين هي الطبقة الوسطى في بلادنا ? وما هو حالها وحدود دورها?‏
يتمّ تحديد هذه الطبقة في تونس  اعتمادا على نتائج المسح الوطني حول إنفاق واستهلاك الأسر الذي يتمّ إنجازه كلّ خمس سنوات، وتحديدا بالرجوع إلى شرائح الإنفاق للسكان. ففي مسح سنة 2000 مثلا،وضع في خانة الطبقة الوسطى السكّان الذين لهم حجم إنفاق سنوي للفرد يتراوح بين 400 دينارو 2400 دينارا(بأسعار سنة 2000). وتؤكّد الدعاية الرسميّة أنّ الدولة تهدف عبر استراتيجيّتها التنمويّة إلى توسيع قاعدة هذه الطبقة لتكون الغالبة على المشهد الاجتماعي ليرتسم في شكل معين ( Losange )،  محدود في حجم طرفيه العلوي (الغنى) والسفلي (الفقر) بينما تتوسّع مساحته الوسطى. و تقول الدوائر الرسميّة أنّها قطعت أشواطا كبيرة في تحقيق هذا الهدف إذ تقدّر المؤشّرات الإحصائية أنّ هذه الطبقة صارت تحتلّ نسبة 80 بالمائة من مجمل عدد السكّان، في حين لا تتجاوز في السويد 47 بالمائة، وفي النرويج 46 بالمائة وفي الولايات المتحدة 29 بالمائة. وتمّ ذلك، حسب نفس النظرة، بفضل سياسية اجتماعية تقوم على مراجعة الأجور في القطاعين العام والخاص بصفة مسترسلة. و من المتوقع أن يكون الدخل الفردي السنوي للمواطن وصل في تونس في نهاية سنة 2006 إلى أكثر من 4000 دينارا مقابل 2090 دينارا سنة 1996.كما حدّد منوال التنمية للعشرية 2007ـ2016 هدف مضاعفة الدخل الفردي للمواطن ليصل إلى حدود 8000 دينارا سنة 2016، ممّا ساهم حسب الرؤية الرسمية في تحسين القدرة الشرائية للأجراء بقرابة نقطتين سنويا.  وقد رافق تمدّد قاعدة الطبقة الوسطى في المجتمع ارتفاع ملحوظ بسبعة نقاط لنسبة السكان المنتمين إلى الفئة الأكثر رفاها، وهم الذين لهم إنفاق سنوي للفرد يتجاوز 2400 د، ومرّت نسبتهم من 4,2 % من مجموع السكان سنة 1980 إلى 11,2 % سنة 2000.  كما عرفت نسبة الذين يقلّ إنفاقهم السنوي عن 400 دينارا تراجعا واضحا حيث مرّت من 28,1 % سنة 1980 إلى 9,3 % سنة 2000.  
                             رهينة المحبسين
غير أنّ الكثير من الدارسين يعتبرون أنّ هذا الخطاب هو أقرب للأماني منه للواقع، إذ يؤّكد الباحث الاجتماعي عبد اللطيف الهرماسي أنّ موضوع الطبقة الوسطى أشدّ تعقيدا من تناول مبسّط بهذا الشكل. فهذا الأمر تعترضه صعوبتان: أوّلهما معرفيّة وتكمن في صعوبة التحديد الموضوعي لما نقصده عندما نتحدّث عن طبقة وسطى. فبعضهم يعتبر أنّ هناك طبقات وسطى وليس طبقة واحدة. وتكمن الصعوبة الثانية في غياب إحصائيّات دقيقة حول كثير من المؤشّرات المرتبطة بهذا الموضوع ومن أهمّها الأرقام المتعلّقة بدخل المهن الخاصة وما يترتّب عنه من جباية. لذلك يبقى اللبس يكتنف هذه القضيّة. كما أنّ اعتماد الدخل الفردي العام كمؤشّر وحيد، لا يساعد على دراسة دقيقة نظرا إلى أنّه لا يحظى بمصداقية في الدراسات الاجتماعية وإنّما هو وسيلة سياسية للتضليل، فقسمة الدخل العام على عدد السكان يخفي الكثير من الفروقات. أمّا اعتماد تطوّر الأجر الأدنى كمؤشّر على الارتقاء الاجتماعي ففيه مغالطة بنفس المستوى. ذلك أنّ هذه التناولات لا تتعرّض إلى علاقة هذا التطوّر بنسب التضخّم المالي وغلاء الأسعار، وهو ما يؤثّر سلبا على المقدرة الشرائيّة لـ « السميقار ». ففي دراسة له لهذه المسألة، يبيّن الخبير الاقتصادي جورج عدّة أنّ حساب دخل هذه الفئة بالدينار القار بيّن هبوطا بنسبة فاقت 24 بالمائة عمّا كانت عليه سنة 1983. وهو ما تتغافل عنه الدراسات الرسمية التي أشرنا إلى استنتاجاتها في أوّل المقال والتي تعتمد الحساب بالدينار الجاري من أجل الوصول إلى الصورة التي تودّ تمريرها، خاصّة وأنّ هذا التلاعب بتقنيات التقييم الإحصائي لا يدركه الكثير من المثقفين وناشطي الشأن العام فما بالك بالمواطن العادي. كذلك الشأن في اعتماد الإنفاق الفردي العام ومسألة ملكيّة ما كان يعتبر من الكماليات كالسيارة مثلا أو النسبة العالية للعائلات التي تمتلك المسكن الذي تقطنه، إذ يبيّن الباحث الاجتماعي المهدي المبروك أنّ هذه الاستنتاجات المُتسرّعة تغفل ربّما بقصد درجة المديونيّة العالية التي أنتجها هذا التوجّه الإستهلاكي لهذه العائلات. فتبدو وكأنّها « تشتري » هذا الموقع في الطبقة الوسطى وليس عبر ارتقاء اجتماعي طبيعي. ويشدّد على أنّ هذه الحالة تكبّل هذه الفئة « الغارقة » عن آداء أيّ دور في الشأن السياسي لأنّها رهينة وضعها وحالة المديونية المزمنة وطويلة المدى.
الصراع من أجل البقاء
تبيّن كلّ هذه المعطيات أنّ حالة هذه الطبقة في تونس ليست مطابقة لما يرسمه الخطاب الرسمي المغلّف بالأرقام المموّهة. فهي طبقة تحتاج إلى إثبات حجمها الحقيقي ودورها المتضائل الذي سيؤِثّر على مستقبل وجودها… مستقبل تهدّده  سياسات الدولة الجديدة في الترفيع المتزايد للأسعار ومضاعفة الضرائب التي تتقاضاها مقابل خدمات التأمين والصحّة والتعليم  والتي كانت في الستينات وحتّى السبعينات ممّا لا يمكن المساس به، لأنّها خدمات تطال على نحو أساسي الطبقات الوسطى والفقيرة في المجتمع وتساوي في هذا المستوى بينهم  وبين الأغنياء. وربما تكون هذه هي المساواة الوحيدة المطبقة. كما تستمرّ التغييرات التي تخصّ ضريبة الدخل لتطال شرائح جديدة من الطبقة الوسطى أو لزيادة العبء الضريبي عليها مع التوسع في إعفاء الأغنياء والشركات الكبرى. فقد بيّنت إحدى الدراسات أنّ معدّل الإخضاع الضريبي لبعض الشركات التي تصنّف ضمن النظام التقديري( وما أكثرها) هو 73 دينارا سنويا، في حين يدفع الأجراء 72 دينارا شهريا ! كما أنّ نسبة البطالة المرتفعة وخاصّة بين أصحاب الشهائد العليا تعطي صورة قاتمة عن مصير هذه الطبقة… وهو مصير يؤثّر في مستقبل البلاد عموما، فكما يقول الباحث هيرشمان « من الممكن للمجتمع أن يتسامح إزاء اللامساواة الإجتماعية بين الطبقات أو القطاعات أو الجهات في المراحل الأولى من تطوّر اقتصادي سريع، لكن هذا التسامح هو مثل الدين الذي يتطلّب سدادا في أجل معيّن. إنّه يمتدّ على أمل أن تخفّ الفوارق وإذا لم يتحقّق الأمل فإنّ الخيبة تكون في أساس حدوث قلاقل بل اهتزازات فعلية ».  

 

مضحكات مبكيات كاشف الغطاء (11)

 التطرف العلماني في حوار خديجة الشريف مع الموقف

إن الانطباع الذي يمكن إن يخرج به قارئ الحوار الذي اجراته صحيفة الموقف في  عدد 9 مارس 2007 مع خديجة الشريف رئيسة جمعية النساء الديمقراطيات يرسخ الفكرة التي أكدتها مسيرة هذه الجمعية خلال  محطاتها الاستعراضية و التي يحلو لها أن تسميها نضالية – وهى أنها جمعية فئوية ذات منطلقات حزبية  وإديولوجية ضيقة و تستهدف أساسا مواجهة شقيقاتها النساء اللاتي يختلفن معها في التوجه الفكري و العقائدي و ليس كما تدعي شعاراتها من الدفاع عن المرأة و حقوقها و حرية اختياراتها  و لا يزال ذلك البيان الفضيحة التي أصدرته الجمعية قبل انطلاق الحملة البوليسية على الحجاب و الذي تدعو فيه كل الأطراف بما فيها السلطة لاتخاذ الإجراءات اللازمة والصارمة  لمواجهة ما سمته بالمد الرجعي المتمثل في عودة المرأة التونسية للباس الإسلامي وهي لا تتهاون في كل بياناتها على التحقير من الشرع و أحكامه وتعتبره جهلا  منها محطة من قيمة المرأة كما يروج ذلك المستشرقون الحاقدون على الإسلام.

لقد كان الحوار فرصة لخديجة الشريف أن تصب جام حقدها و احتقارها على شقيقاتها من النساء اللاتي اخترن الالتزام بالمنهج الإسلامي فكرا و سلوكا و انضباطا، وقد وصل الحد إلى اتهامها لهن بالقصور و عدم الوعي ووقوفهن في خندق يهدد مكانة المرأة  و المشروع الحداثي الذي تبشر به خديجة الشريف و الذي يقوم كما ذكرت هي بنفسها على النضال ضد انتشار اللباس الإسلامي الذي اعتبرته يرمز إلى الخضوع ولا أدري ماذا تقصد هنا؟

         هل هو الخضوع إلى السلطة الذي تقف هي معها في مقاومة حق المرأة في اختبار حتى لباسها

          أو الخضوع  للزوج أو الضغط الاجتماعي و كان بالأحرى بجمعيتها أن تدرس الظاهرة علميا واجتماعيا لتتأكد أن الاختيار تلقائي و عادة ما يصطدم برفض الزوج و خاصة بسبب الخوف من تأثير ذلك واستهداف السلطة له كما أن التزامها هذا يسبب لها متاعب اجتماعية من قبيل الحرمان من الوظيفة ومن الخدمات الاجتماعية

          أو ربما تقصد – وهذا بيت القصيد – الخضوع إلى أمر رباني و الالتزام بأمر شرعي مجمع عليه وراسخ في الذهن المؤمن منذ 15 قرنا،  و هذا ما تعمل خديجة الشريف و رفقائها في الجمعية على ما يبدو على استئصاله من هذا المجتمع في إطار الدور الذي ووكل لهم ضمن المشروع المؤامراتي على هذا المجتمع المسكين والمكبل الذي كممت  أفواه كل من يريد أن يدافع عن عقيدته وحقه في الالتزام بدينه وشرعه في حين أطلق العنان للأقلام المأجورة فقط ويكفي أن تتصفح صحافة السلطة والمعارضة الكرتونية لتتأكد من ذلك.

بعد كل هذا تدعي الرفيقة أن الجمعية الناطقة باسمها تعمل من أجل أهداف وطنية -إن لم تستح فأصنع ما شئت- انه فعلا التطرف العلماني و ربما الإلحادي الذي يحرك سواكن البعض و يصقل مواقفهم التي لن ترى القبول في مجتمع مسلم معتز بعقيدته و عروبته رغم كيد المتآمرين وتكتل المناوئين لالتزامه وقد اثبت ذلك في معركته مع الاستعمار وهو يؤكدها اليوم في معركته مع الذين أوكل إليهم الاستعمار إتمام  مهمة التغريب و مسخ الهوية و سلخ الذات.

كاشف الغطاء المعري

مارس 2007


الشرعية الشعبية فى تونس .. خارج حساب النظام

صـابر – سويسـرا أبرق الرئيس التونسى (والخبر ورد على الصباح التونسية فى موقعها على الأنترنت) الجنرال بن على إلى الرئيس الموريتانى الجديد المنتخب ديمقراطيا يهنئه بنجاحه فى الإنتخابات الرئاسية التى جرت فى موريتانيا أخيرا وبهذه المناسبة يحق لنا أن نحاجج الرئيس التونسي ونظامه كمواطنين تونسيين حول مدى شرعيته فى حكم البلاد خلال العقدين الماضيين (والحبل على الجرارة) , وهل أنه طرح على نفسه شخصيا وعلى حزب الدستور (التجمع حاليا ) فعلا سؤال الشرعية الشعبية ؟؟؟!!!, أم أن شرعية القوة و(الإنقلاب الأبيض ) هى الشرعية , ولا شرعية سواها ما دامت تفرض على الشعب التونسي وكل فئاته حكم الأمر الواقع !!!؟؟؟ إن ما كتبه مواطنون تونسيون على صورة الرئيس الفعلي لتونس أخيرا والتى تضمن عبارة  » بن على عدو الشعب  » ( والخبر أوردته تونس نيوز فى عددها الأخير ليوم 28.03.2007 ) يستدعي أيضا طرح هذا السؤال حول مدى شرعية بن علي ونظامه فى حكم تونس , وإذا كان الجزء الأكبر من الشعب التونسي ونخبه السياسية يتابدر إلى أذهانهم هذا السؤال البديهي في كل مناسبة تنتهك فيها الحقوق والحرمات فى تونس أو بمناسبة حدوث إنتخابات نزيهة وشفافة كما حدث أخيرا فى موريتانيا – ذلك البلد الذي صحت فيه إرادة العسكر في رسم مسار جديد فى البلاد يقطع من العادة السيئة في فبركة وتزوير الإنتخابات وسيادة حكم الإنقلابات البيضاء والدموية – وفى مناسبات أخرى كثيرة , فإن الحكم فى تونس وعلى رأسه بن علي لا يبدو أنه قد طرح على نفسه يوما مسألة الشرعية الشعبية , وما هو مطروح لديه هو إستجماع كافة أسباب البقاء فى السلطة مهما كانت هذه الأسباب و أول تلك الأسباب هي تدجين الشعب وكل قواه الحية ووضعهم تحت طائلة القمع والإرهاب الرسمي المنظم حتى يقطع على الناس تفكيرهم فى الشأن العام ونقده والمطالبة بتغييره , بل إن الحكم يريد أن يغتصب قناعة الشعب التونسي بأن ما هو كائن في واقع تونس اليوم هو أفضل ما يمكن أن تكون عليه البلاد , وليس لأحد مهما كان أن يأتى بأفضل منه , بل إن الواقع الرديء اليوم فى تونس يصور على أنه إنجاز عظيم  » لعهد التغيير  » فتسوق الخيبات كإنجازات والإنتهاكات كقانون والمنجز العادي فى أي بلد فى العالم كأنه فتح مبين تحقق على يد العصى السحرية لسلطة سبعة نوفمبر المشؤومة إن مسألة الشرعية الشعبية هي السؤال الأكبر اليوم فى تونس , خاصة إذا كان الحكم قد إغتصب السلطة بقوة إنقلاب سُمي بإنقلابا أبيضا ما فتىء أن تحول إلى إنقلاب دموي أهدرت فيه كل حقوق ودماء وحريات الشعب التونسي , وأبّد الجنرال به حكمه للبلاد بتفويض أعطاه لنفسه على صك أبيض ولعب فيه وما يزال دور الخصم والحكم فى قضايا الشعب التونسي العامة والخاصة , وحتى فى ألصق حرياته الفردية . فحتى تحت طائلة الحكم الراشد الذى يتحرى العدل والمساواة وكل القيم المرادفة لذلك تطرح لديه مسألة الشرعية , فما بال الأمر لو تعلق بحكم ظالم لعل النظام فى تونس لا يكلف نفسه الجواب على سؤال الشرعية الشعبية التي ينتحلها , ولكن هذه الحقيقة هى اللعنة التي ستطارده , فقد إستعمل أدوات الديمقراطية كالإنتخابات مطايا لقيصرة مولود ديمقراطي مشوه , والمتابع لما يسمى بأشغال مجلس النواب التونسي صنيعة التزوير يخلص إلى أن الحكم فى البلاد كمن  » يغنى وجناحه يرد عليه  » , وهذه هي ديمقراطية الواجهة كما إكتشفها العالم خاصة منذ مؤتمر قمة مجتمع المعلومات , حتى أن الأوساط الشعبية التونسية تتندر بالإنتخابات المسرحية التى يجريها النظام فى كل مناسبة حتى قيل أن ما يفعله النظام بإعلان فوزه فى كل إنتخابات كمن يقوم بأي سباق منفردا , ليعلن أخيرا فوزه و حصوله على المرتبة الأولى !!! , وهذه قمة السخرية والإستخفاف بعقول الناس وذلك دأب النظام التونسي إن الشرعية الشعبية المهدورة فى تونس هي السؤال الأول المشروع الذى يجب أن يطرح بإلحاح على النظام التونسي قبل أسئلة أخرى كثيرة مشروعة متعلقة بحقوق الناس وبقضاياهم الحياتية اليومية والمستقبلية المصيرية , لأن المشروعية المزورة هي التي يبنى عليها النظام بقاءه وإستمراره في السلطة وهي التي بإسمهما تُدار البلاد بحكم دكتاتوري غير شرعي خالص  .. وتصبحون على نظام شرعي , لا يزور إرادة الشعب التونسي


عـودة الشيعة إلى تونس؟

عبد اللطيف الفراتي (*) سادت الشيعة الإسماعيلية في تونس زمن قيام الدولة الفاطمية في البلاد بين 909 و969 ميلادية قبل انتقال الخلافة التي تحمل نفس الاسم لتؤسس القاهرة وتقيم دولتها في مصر التي استمر عهدها حتى سنة 1171 وامتد نفوذها ولو اسميا من فاس إلى دمشق. وبعيد استقرار الشيعة الإسماعيلية في مصر تحت اسم ولواء الفاطميين ( يؤمنون بالأئمة الست الأوائل بعد علي بن أبي طالب بعكس الشيعة الإثني عشرية الذين يؤمنون باثني عشر إماما آخرهم الإمام المهدي المنتظر) تنكر لهم حكام تونس من الصنهاجيين أو الزيريين البربر الذين تركوهم وراءهم لحكم البلاد باسمهم وتحت لوائهم. وعاد الحكام الجدد في تونس الذين أعلنوا استقلالهم عن الخلافة الفاطمية، إلى المذهب السني المالكي الذي كان سائدا قبل تولي الفاطميين الشيعة حكم البلاد التونسية، وأمعنوا- أي الصنهاجيين- في مطاردة الشيعة الإسماعيلية وقضوا على هذا المذهب قضاء نهائيا منذ ذلك الحين، وغاب الحضور الشيعي تماما، إلى حد اعتبار العامة أنه لا إسلام إلا في ظل المذاهب السنية التي عرفت منها البلاد المذهب المالكي السائد والمذهب الحنفي الذي كان حضوره أقليا جدا لا يتجاوز أفراده ما بين 1 أو 2 في المائة من الأتراك وأتباعهم فيما بقي السكان الأصليون على مذهب أجدادهم المالكي. أما الشيعة الإثني عشرية السائدة في إيران والعراق وبعض الدول الخليجية ولبنان فإنها لم تعرف أي حضور لا في تونس ولا في شمال إفريقيا من مصر حتى موريتانيا ولا في إفريقيا جنوب الصحراء. وتدل الإحصائيات على إنه ومن بين مليار وحوالي 300 إلى 400 مليون مسلم عبر العالم من بين 6 مليارات من البشر أو يزيدون فإن 15 في المائة من المسلمين فقط هم من الشيعة غالبهم من الشيعة الإمامية الإثني عشرية فيما يوجد شيعة إسماعيلية وشيعة زيدية وشيعة علوية أو نصيرية ينتسب لها أهل الحكم في سوريا منذ منتصف الستينيات ويحتكرونه رغم أنهم لا يمثلون إلا 6 في المائة من مجموع سكان البلاد. ولقد عادت الشيعة إلى تونس هذه المرة تحت لواء مذهب الإمامية الإثني عشرية السائدة في العراق وإيران خاصة، والتي تضرب بجذورها بعيدا في أرض العراق ومنذ الصراع على الخلافة إثر مقتل عثمان بن عفان أو حتى قبله، والتي يعود ارتكازها في إيران إلى عهد عباس الثاني الصفوي الذي كان معاديا للقوة العثمانية الصاعدة خاصة بعد فتح القسطنطينية (إسطنبول) فقرر بعد سنيته التمذهب بالمذهب الشيعي الإمامي إمعانا في عدائه للعثمانيين السنة الحنفيين، ودعا سكان مملكته لاتباع طريقه إن باللين أو بالقوة. وقبل ربع قرن وقبل الثورة الإيرانية لم يكن هناك أي وجود للشيعة في تونس، أما اليوم فإن الأمر مختلف وهناك خلايا شيعية يقال إنها متعددة، وإذ لا توجد أي إحصائيات جديرة بالثقة حول هذا العدد فإن الدكتور محمد التيجاني السماوي أحد الدعاة الشيعة وأحد أقدم من انتقلوا من المالكية إلى التشيع وفقا لأقواله على موقع حوارات على الإنترنت في حديث أجرته معه ما تسمى بـ »إباء » الوكالة الشيعية للأنباء يعلن أن عدد الملتحقين بالمذهب الشيعي يعدون بالألوف، وأن السلطة التونسية تترك لهم حرية العقيدة، كما إنهم لا يتدخلون في الشأن السياسي، وعلى الموقع يظهر الدكتور السماوي في قمة الأناقة في زي تونسي تقليدي مما يلبسه رجال الدين التونسيين بالجبة المطرزة والشاشية الحمراء بالنوارة، وينسب الدكتور السماوي نفسه لأبناء الجنوب التونسي، ويقول: «لا يوجد في تونس أي تعصب سياسي أو ديني، لأن الدولة أعطت الحرية لكل إنسان بأن يكن شيعيا أو سنيا أو حتى شيوعيا». غير أن الدكتور السماوي لا يبدو معروفا في تونس، كالبعض غيره من رموز التيار الشيعي، ولا يبدو أن الأرقام التي يقدمها قابلة للتصديق بشأن عدد أفراد الشيعة في البلاد، رغم ما هو معروف من أن التشيع قد حاول إقامة تنظيم باسم جمعية آل البيت القافية لا تتمتع بأي وجود قانوني أو اعتراف رسمي، على أن ظاهرة التشيع في تونس سواء كان حجمها كبيرا أو صغيرا في حاجة إلى أن توضع تحت المجهر والمتابعة من قبل الجهات الثقافية والفكرية وحتى السياسية كظاهرة جديدة في مجتمع لم يتعود منذ أحد عشر قرنا من الإسلام إلا على المذاهب السنية أو على قلة قليلة من أتباع المذهب الخارجي الأباظي المنتشر على نطاق ضيق في جزيرة جربة. والبحث فيما إذا كانت هذه الظاهرة هي فقط ظاهرة مذهبية دينية أم إنها ناتجة عن مظهر يتسم بالتأثير القومي الفارسي المنافس والمناهض للتيار العروبي القومي، ويذكر عدد من المراقبين أن شخصية دبلوماسية إيرانية وفي محاضرة ألقتها بمناسبة افتتاح دروس للغة الفارسية نظمتها السفارة الإيرانية بتونس مجانا لحسابها، وفي أحد محلات واحدة من الجامعات الخاصة، قد ذكرت بأن الفرس كانوا وراء فتح إفريقية (تونس حسب التسمية القديمة) فيما يعرف أن الإسلام دخل تونس عن طريق عقبة بن نافع ثم موسى بن نصير، كما ذكرت تلك الشخصية أن اسم القيروان هو اسم فارسي وليس عربيا، وهي العاصمة التي تولى إقامتها العرب بعد فتح البلاد، وهي تأكيدات تخالف الواقع والحقيقة التاريخية. وإذ أكد الرئيس الإيراني الأسبق رفسنجاني في مناظرة على إحدى الشبكات التلفزيونية مع الشيخ يوسف القرضاوي أنه ليس هناك تبشير شيعي في بلاد الإسلام فإن دلائل كثيرة تؤكد أن ذلك التبشير الشيعي موجود بكثافة في عدد من أنحاء العالم الإسلامي، وأنه يزداد كثافة في ظل سياسات نشيطة نضالية ينجر لها الناس وتسحرهم بمحتواها الثوري، وهذه كلها دلائل تشير إلى احتمالات مواجهات شيعية سنية تبرز كأقوى ما تبرز اليوم في العراق وربما غدا في لبنان وهي مرشحة للانتشار في بلاد الإسلام الأخرى حيث توجد أقليات شيعية كبيرة أو حتى أغلبيات خارج الحكم والسلطة. (*) كاتب من تونس (المصدر: صحيفة « الشرق » (يومية – قطر) الصادرة يوم 4 مارس 2007)

منظوران للإصلاح مختلفان وإن تشابها

  

راشد الغنوشي (*) قد لا نختلف نحن النهضويين، بل قل ممثلي التيار العريض في الحركة الإسلامية (تيار الوسطية) عن أسلافنا الإصلاحيين منذ الأفغاني وعبده والكواكبي وخير الدين وبيرم الخامس والثعالبي والفاسي والبنا ومالك بنبي وابن عاشور.. في الإعجاب بالنموذج الديمقراطي الغربي باعتباره جملة من الترتيبات الحسنة لتطبيق الشورى الإسلامية وتحقيق مقاصد الإسلام في العدل والحرية، ومعالجة آفة استبداد الحكم التي سادت في تاريخنا وتاريخ كل الأمم وكانت العامل الرئيس في ما آل إليه أمر الاجتماع الإسلامي من الضعف والانحطاط بسبب إفراغ الشورى من مضمونها باعتبارها حكم الأمة المخاطبة بشرع الله. قال تعالى: « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط »، فلم يكن عجبا إذن أن يرى رجال الإصلاح منذ بدايات القرن التاسع عشر في النموذج الأوروبي للديمقراطية حلا لمعضلة الاستبداد وبالتالي حلا لأزمة الحضارة الإسلامية المتوقفة. وقد لا يبدو على هذا الصعيد اختلاف بين رجال الإصلاح الإسلامي هؤلاء عن خصومهم من قادة التغريب أمثال سلامة موسى ولطفي السيد وشبلي شميل وطه حسين ومصطفى كمال وبورقيبة والشرفي.. فضلا عن العروي وأمثاله، من حيث الإعجاب بالنموذج الديمقراطي الأوروبي والرغبة في « الاقتباس » عنه، بلغة خير الدين، سبيلا لإصلاح الاجتماع الإسلامي، إلا أن ذلك تشابه خادع. فرق بين من يقتبس مواد من بيئة أخرى لإصلاح بيته موقنا بأن هندسة البيت في أصلها جيدة ولاتزال تستجيب لحاجات أصحاب البيت وبين كاره لتلك الهندسة معتقد أنها لم تعد تلبي الحاجات، فلا مناص من نسف البيت جملة لإعادة بنائه وفق النموذج القيمي والثقافي الأوروبي. ولا مانع من أن تستبقى من النموذج المحلي « الإسلامي » بعض المواد القابلة لأن تسبك في البناء الجديد، ولكنه سيفقد بالضرورة صفته المرجعية، وهو ما يرفضه الإصلاحيون الإسلاميون الذين يصرون على أن الاقتباس من كل ما ثبت نفعه من التجارب البشرية يجب أن يتم في سياق خدمة الإسلام وبشروطه لتجديد آليات عمله وليس للحلول محله. هذا الفرق جلي في وثائق الإصلاحيين مثل « أقوم المسالك » للوزير خير الدين التونسي، في التعبير عن الثقة البالغة في الإسلام وشريعته وحضارته. يبرز ذلك في المشاريع الإصلاحية المنبثقة من هذا التصور مثل النص الرسمي المؤسس للمدرسة الصادقية في تونس التي طالما اعتبرت البوتقة الأساسية للتحديث في تونس، حيث يرد التأكيد على أن تعلم العلوم واللغات في هذه المدرسة إنما هو لتأكيد الثقة في القرآن ومحبة الله ورسوله. الإصلاح هنا وإن انبثق من الإعجاب بالنموذج الغربي فإنه يتعامل معه وفق توجيهات وضوابط مرجعية الإسلام ومقاصده، ولخدمتها بتمكينها من أدوات تفعيل لبعض قواها المعطلة. بينما الإصلاح في التصور الثاني ينطلق من تجاوز المرجعية الإسلامية القيمية والفلسفية والتشريعية، بل ينظر إليها في العمق باعتبارها عقبة في طريق الإصلاح المنشود، لا بد من التغلب عليها بضرب من ضروب « التأويل » أو « الاجتهاد » المدعى، دون أدنى انضباط بقواعد الأصوليين، من مثل أنه لا اجتهاد مع النص، وإذا تعذر « الاجتهاد » بسبب وضوح النص وقطعيته، فالعمليات الجراحية جاهزة، إذا لم يكن من الأمر بد. نحن مطمئنون لوجود توافق كبير جدا بين الآليات الأساسية للحكم الديمقراطي الحديث وبين قيم الإسلام في العدل والشورى والتكريم الإلهي لإنسانية الإنسان التي يعد حفظها مقصدا من مقاصد شريعة الإسلام (انظر مقاصد الشريعة لابن عاشور، ومقاصد الشريعة بأبعاد جديدة: لعبد المجيد النجار). ولا نرى علاقة حتمية بين هذا النموذج للحكم بما هو احتكام للشعب وفق الآليات المعروفة، وبين منظور فلسفي محدد مثل الفلسفة المادية اللبرالية وما انبثق عنها من قيم علمانية. فهذا النموذج يمكن أن يعمل بنجاح في سياق فلسفات متنوعة مختلفة سواء أكانت علمانية معتدلة أم متطرفة أم كانت دينية: مسيحية أو يهودية أو إسلامية أو بوذية أو هندوسية، وذلك إذا تم احترام كرامة الإنسان ومبدأ المواطنة أساسا لتوزيع الحقوق والواجبات في الدولة. والجدير بالملاحظة هنا أمران: الأول أن مشروع الحداثة القائم على الثقة المطلقة في العقل إلى حد تأليهه وما انبثق عنه من علوم وتقنيات أن ذلك كفيل بالإحاطة بقوانين الكون والمجتمعات وتسخيرها لصالح سعادة الإنسان، وذلك في استقلال كامل عن أي نور أو توجيه أو عون إلهي. إن رهان الحداثة هذا أو الدين الوضعي على ما حقق من إنجازات باهرة، قد انتهى إلى كوارث طامة غدت مصدر تهديد حقيقي للمصير البشري قاطبة، فمزقت الأنسجة المجتمعية التي كان الدين لحمتها وسداها، وأطلقت العنان لقوى السوق والنهب المستخدمة في يد القلة لامتصاص عرق الكثرة ولو بتدمير البيئة وإشعال نيران الحروب وفرض العزلة والاغتراب والقلق على الإنسان حتى درجة الانتحار. وهذا هو ما دفع العقل الغربي إلى القيام بمراجعات نقدية أساسية لمقولاته التأسيسية، بما اتجه إلى الحد من تقديس العقل إلى حد تأليهه، واتجه إلى إعادة الاعتبار في سياق فلسفات ما بعد الحداثة إلى قوى الإنسان الأخرى المعطلة كالوجدان والتجربة الروحية والدين الفردي، لما هو إنساني من أخلاق ودين.. بحثا عن اليقين في عالم قد اهتز فيه كل شيء وحد من تأليه العقل والعلم والتقنية. ثانيا إن هذا الاختلاف بين المنظورين للإصلاح أو للتحديث المتصارعين منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا، هذا الاختلاف يغلب عليه الطابع النظري، لأن مشكلنا نحن الإصلاحيين الإسلاميين ليس مع التطبيق الحرفي للنموذج الغربي للديمقراطية -ومع أنه سيئ، فياليته حدث- فهذا ما ظل التغريبيون العرب يتنكبون عنه، مصرين على فرض استعادة الأنماط التقليدية ما قبل الحداثية للحكم الفردي الإقطاعي مع صبغها بأصباغ حديثة. وفي هذا الصدد فإن بورقيبة مع شدة إعجابه بأتاتورك قد عاب عليه أمرا واحدا، أنه أعلن علمانية الدولة، بما ترك ثغرة لنشوء قطاع ديني مستقل عن الدولة. وكان عليه بحسب بورقيبة أن يعلنها دولة إسلامية ويجعلها في الواقع علمانية سدا للباب في وجه نشوء قطاع ديني مستقل عن الدولة حسب تصوره اليعقوبي الشمولي المؤله للدولة. كما ينقل عن بورقيبة أنه في أول يوم لانتصابه رئيسا رقص أمام المرآة مستحضرا والدته من قبرها « قومي يا فطومة ولدك أصبح بايا » (لقب حكام تونس السابقين)، إذ أنه قد اتخذ من الصلاحيات ما كان للبايات الذين لم يكن لهم سلطان ديني على تفسير نصوصه، فتلك مهمة العلماء. بينما ادعى بورقيبة الاجتهاد لدرجة دعوته شعبه إلى انتهاك حرمة الصوم بتعلة الجهاد ضد التخلف، كما أنه استولى على مؤسسة الوقف العتيدة، وأمم المساجد وأجهز على التعليم الديني مما لم يكن في وسع أي دكتاتور تقليدي غير حداثي أن يقدم عليه، ناهيك عن الغلو في انتهاك الحريات حتى أن السجون لم تعرف كما من زوارها السياسيين وعددا من ليالي الإقامة فيها وحجما من النكال، مماثلا في أي عهد سابق، بما جعل الوجه البارز للاستقلال هو تداول النخب على السجون وليس على السلطة. ولقد أبى إلا أن يماثل البايات في صفة الحكم مدى الحياة، وسار خليفته سيرته بل أفدح. مشكلنا مع هؤلاء لا يتمثل في أنهم حداثيون ديمقراطيون أكثر من اللازم بل في أنهم أكثر دكتاتورية من أي نموذج سابق، إذ تعاملوا مع النموذج الغربي بانتقائية شديدة، واستعاروا مسوحا من قيمه المادية، وبخاصة من النموذج الفرنسي والفاشي المتطرف، معرضين عن جوهر الحداثة: احترام كرامة الإنسان والمواطن والاحتكام للعقل وللمصلحة ولإرادة الشعب وتوزيع السلطات وتوازنها وتداول السلطة عبر انتخابات تعددية نزيهة، مما نطالب به نحن الإسلاميين ونرى فيه ترجمة جيدة لقيم الإسلام في الحكم. وهم من أجل ذلك يضطهدوننا ويقصوننا لأن وجودنا كفيل بأن ينقل الديكور الديمقراطي القائم حقيقة إلى ديمقراطية فعلية، تضع حدا لحكم الفرد ولمافيا الفساد. ومع ذلك لايزال في الغرب من هو مقتنع أو يزعم ذلك أن هؤلاء امتداد لنموذجه الديمقراطي! (*) كاتب تونسي (المصدر: ركن « المعرفة » بموقع الجزيرة.نت بتاريخ 27 مارس 2007)


 
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أفضل المرسلين تونس في: 28/03/2007 بقلم محمد العروسي الهاني مناضل دستوري رئيس شعبة الصحافة الحزبية سابقا الرسالة 213 على موقع الأنترنت تونس نيوز

التاريخ لا يرحم أيها السادة وحوار قناة العربية هو جزء من بحر زاخر من التضحيات الجسام لرجل قاد امة نحو النصر والحرية

أشكر من الأعماق قناة العربية التي خصصت مساء يوم الإثنين 19 مارس 2007 عشية عيد الاستقلال الوطني التونسي 20 مارس 1956 خصصت حصة ساعة كاملة حول مسيرة نضال زعيما كبيرا قائدا فذا إسمه الحبيب بورقيبة وقد شارك في الحوار ثلة من المناضلين الذين شرفهم الزعيم الحبيب بورقيبة بأمانة المسؤولية الوزارية وأحدهم تحمل خمس حقائب وزارية هو الأخ المناضل احمد بن صالح وأمين عام مساعد للحزب ومحمد الصياح ومحمد المصمودي وإدريس دقيقة ومصطفى الفيلالي والبشير بن سلامة والشيخ إرشيد ادريس كلهم كانوا في عهد بورقيبة وزراء وشاركوا في مسيرة الإنماء والتقدم في قافلة الخير والنماء والازدهار ومن شارك في صنع الاستقلال مع الزعيم المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة رحمه الله وفي الحوار حضر عدد من المؤرخين وهذا شيء هام لكن عند الحوار وتسليط الأضواء على المسيرة النضالية والكفاح الطويل والشاق والتضحيات الجسام التي لم يذق طعمها الأستاذ الحناشي ولا الأستاذ عميرة وحتى اخونا التميمي ولم يسجن احدهم ولو يوما واحدا من اجل القضية التونسية ولم يذق أحدهم مرارة الغربة وقساوة الاستعمار الفرنسي وظلم الاحتلال وحكم المحاكم العسكرية ونفي الزعيم إلى أماكن بعيدة وقاسية وشديدة الحر والبرد ولم يذق أحدهم فواجع القارب في رحلة طويلة إلى مصر يوم 26 مارس 1945 من اجل تونس والتعريف بالقضية الوطنية نعم إلى مصر ولم يذق الأخوة هذه المحن الكبرى ولكن تسمعهم اليوم وهم فرسان اليوم يقولون كلام خيالي كله نقد على مسيرة طويلة شاقة وشديدة وقاسية نعم الأخ الحناشي عقب وكأنه فارس والمثل يقول المتفرج فارس… وقال كلام خيالي لا يمت للواقع التاريخي بصلة المهم عنده الإثارة والخلاف لجب الأنظار حتى تحرير المرأة عام 1956 في 13 أوت 1956 عنده تفصيل خاص له ورؤية خاصة به. وإجتهادات خاصة وشرح من عنده والمقصود فعلا هم التقليل من قيمة بورقيبة وبعد نظره وشجاعته وإقدامه وجرأته ومغامرته التي لا يقدم عليها إلا زعيما شجاعا في حجمه والأخ عميرة أيضا أخذ طريق خالف تعرف عند الرأي العام وهو معروف بذلك والغاية من ذلك هو التهميش والتقليل من شأن الزعيم العملاق بورقيبة العظيم وقد تذكرت وأنا أشاهد الحوار التلفزي مساء يوم 19/03/2007 بالعربية مشكورة تذكرت الحوار التلفزي بقناة الجزيرة طيلة 8 أشهر مضت للأستاذ الصحفي القدير محمد حسنين هيكل المصري وهو يروي تاريخ الزعيم جمال عبد الناصر رحمه الله تذكرت دقة المحاور وصدق الرواية الصحفية وحسن الأداء وتسلسل الأحداث ودقة مراحل التاريخ ومراحل النضال وصدق اللهجة ونبرة الكلمات ووفاء الرجل لخط الزعيم عبد الناصر ولم أسمع يوما أن هناك مصري واحد من مصر أو من خارج مصر أخذ الهاتف وطلب من الجزيرة المشاركة في الحوار لتصحيح أقوال هيكل بل العكس كل المصريين يتابعون هذه الحصة ويتذوقون حلاوة التاريخ رغم ان الأستاذ محمد هيكل يقول كلام صريح ربما يحرج الآخرين لكن حرية التعبير مضمونة في مصر العربية والشعب واعي ووفي لمرحلة نضال جمال عبد الناظر رحمه الله نعم هيكل كان رمز الوفاء لعبد الناصر وقلت في نفسي لماذا نحن في تونس حتى إذا تكلم عاقل ووطني وفي لخط بورقيبة العظيم تقوم الدنيا ولو كان الكلام خارج الوطن وفعلا الحوار في قناة العربية في الخارج ورغم ذلك الإخوة تكلموا للتقليل من تاريخ ومواقف وشأن بورقيبة الزعيم وتغافلوا أن تدخلاتهم ومشاركتهم زادت الأحرار الأوفياء لخط بورقيبة ومهجه الصحيح زادتهم قوة وعزيمة وإيمان وإعتزاز بزعيمهم وقائدهم الأوحد المجاهد الحبيب بورقيبة وحتى تدخل زميلهم بعد 3 ايام في جريدة الصباح الذي عقبت على الحوار وشكك في المحطات التاريخية وسمحت له الجريدة بالنشر وخصصت له أعمدة كبيرة المهم الأعمدة مخصصة للنقد فقط ضد بورقيبة ولو كان مناضل مثلي أراد أن ينشر خواطر لدعم أقوال السادة أعضاء الحكومة في عهد بورقيبة الذين شاركوا في الحوار التلفزي خاصة شهادة الأستاذ محمد المصمودي وشهادة الأستاذ محمد الصياح مدير الحزب السابق وشهادة الأستاذ البشير بن سلامة وغيرهم لو كتبت مقالا حول هذا الموضوع ووجهته إلى صحيفة الصباح حالا لم ينشر ولم ير النور لأنه في اتجاه بورقيبة وفي خط التوجه البورقيبي هذا لا يساعد الجريدة ولا غيرها الجريدة تنشر النقد وكل قول يقلل من رصيد بورقيبة هذا هو اعتقادهم وهذا هو موقفهم من التاريخ وتجاهلوا أن تاريخ بورقيبة العظيم لا يستطيع أحد طمسه أو تهشيمه أو جحده ولا يفعل ذلك إلا جاحدا أو صاحب منافع أو له عقد عافانا الله من مرض العقد وعافانا الله وعافاكم من مرض التنكر وعافانا الله وعافاكم من أصحاب المصالح الشخصية وقلب الفيستة وكم من رجل قلب الفيستة وكم من مقال كتب في جريدة الصباح ذات البعد الآخر أو الوجه الآخر نعم كلمة الوجه الآخر ابلغ وأقوى نعم الوجه الآخر أصح من البعد الآخر أين هم اليوم هل بقو اليوم على الساحة يكتبون لا أم أن المصالح المادية هي السوق الرائجة والرابحة والمثل يقول ما يدوم في الوادي إلا حجره الصم القوي الصلب الطبيعي من الوادي أما المصالح الشخصية والمنافع فهي تزول فورا بزوال النعمة أو المنافع والمادة والحمد لله أحرار العهد البورقيبي أصماء صامدون لا تغيرهم المادة والمنافع والمصالح ويعلمون أن الزعيم بورقيبة مات منذ 7 أعوام وقبله مات عبد الناصر 37 عاما وبقي الأوفياء الصامدين الشامخين يدافعون ويكتبون ويناقشون ويذكرون ويتحمسون لزعيمهم الأوحد غير طامعين في منافع أو مناصب لأن الزعيم مات رحمه الله منذ أعوام ومات عبد الناصر أيضا وبقي وفاء هيكل لكن الأصالة والوفاء والمحبة والإحترام والإكبار والاعتراف بالجميل هم مربط الفرس والغاية والوسيلة والهدف الأسمى النبيل المقدس تلك هي قيم المناضلين وثوابت البورقيبيين لا يريدون علوا في الأرض ولا مكاسب كبرى ولا مناصب وضيعات وشركات كبرى ولا منافع يريدون فقط ذكر خصال ومناقب زعيمهم وحتى إذا كتب الله لهم عمرا طويلا فهم يريدون جمعية للوفاء تدافع وتحافظ على تراث زعيمهم الحبيب بورقيبة الخالد خلود المصلحين واليوم نحن نطالب بجمعية وطنية للدفاع عن الزعيم بورقيبة تكون لها التأشيرة القانونية على غرار ما حصل لجمعية باريس بفرنسا نعم هذا هو هدفنا واليوم رئيس الجمعية بباريس حضر الحوار التلفزي بقناة العربية وشارك في الحوار وأبرز بوضوح مناقب الزعيم التونسي نعم رئيس الجمعية هو من أصل فرنسي معجب ببورقيبة قال كلام وإدلاء بشهادة تاريخية كبرى والمثل يقول وشاهد شاهد من أهلها هل بعد هذه الشهادة كلام لمؤرخ جاء بعد الإستقلال وولد بعد الإستقلال فهل الفرنسي رئيس الجمعية أكثر وفاء من الإخوة التونسيين أم أن رئيس جمعية المحافظة على تراث بورقيبة هو فرنسي ولد في بيئة ديمقراطية وترعرع في جو ومناخ ديمقراطي أم ماذا يا ترى….؟ وبدون تعليق! وشكرا جزيلا للأخ الفرنسي صاحب القيم رئيس جمعية المحافظة على تراث الزعيم بورقيبة الذي أدهش الحاضرين وأفحم المشاركين الآخرين ودوخ المستمعين وأعجب بحواره المتفرجين وتذوق لتدخله الدستوريين وتحمس لكلامه البورقيبيين وأفاد بحواره التونسيين وأثلج بشهادته أحرار الدستوريين وفعلا نزل كلامه بردا وسلاما على قلوب الجماهير وهذا للتاريخ أسوقه للعاقلين وأسوقه أيضا للمتنكرين عسى أن يجد وفي هذه الشهادة المراجعة وتعديل ساعتهم على ساعة الحق واليقين ويكفوا على ذكر البعد الآخر أو الوجه الآخر ويتركوا نية التدبير مثل صاحبهم وجاء وقت اليقين.

قال الله تعالى: « فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض » صدق الله العظيم.

محمد العروسي الهاني


جمعيات فرنسية تلاحق قادة افارقة بتهمة اخفاء اموال مختلسة

باريس ـ ا ف ب: تقدمت ثلاث جمعيات في فرنسا الثلاثاء بشكوي ضد مجهول تستهدف قادة افارقة متهمين بامتلاك عقارات في فرنسا ممولة من اموال عامة مختلسة، علي ما اعلن الاربعاء المحامي وليام بوردون. وتم التقدم بهذه الشكوي ضد مجهول بتهمة اخفاء اموال عامة مختلسة لدي المدعي العام للجمهورية في باريس، بحسب المصدر الذي اكد معلومات كانت نشرتها صحيفة « لوموند الفرنسية. وتستهدف الشكوي خصوصا الرئيس عمر بانغو (الغابون) ودوني ساسو نغيسو (الكونغو ـ برازافيل) واسرهما الذين يملكون بحسب المشتكين العديد من العقارات الفخمة في فرنسا. واوضح المحامي ان مرتباتهم (الرئاسية) لا تفسر الموارد الكبيرة التي تطلبها امتلاك هذه العقارات .. واضاف ان هذا الوضع معروف منذ سنوات. وبفضل هذه الدعوي اتيحت فرصة الان امام فرنسا لاحترام مجمل التعهدات العامة والدولية بشأن مكافحة اختلاس الاموال العامة والفساد . (المصدر: صحيفة « القدس العربي » (يومية – لندن) الصادرة يوم 29 مارس 2007)  


ليبيا: وقف وزير الداخلية عن العمل على خلفية اعتداء على امرأتين

لندن – كميل الطويل     كشف مصدر ليبي رفيع أن وزير الأمن العام الليبي (وزير الداخلية) العميد صالح رجب المسماري أوقف عن عمله على خلفية تحقيق في اعتداء طاول إمرأتين وأثار جدلاً واسعاً في المجتمع الليبي الأسبوع الماضي. وذكر انه ليس للوزير علاقة بالحادث وانما الشبهة تتناول احد ابنائه. واوضح ان التحقيق يحاول معرفة مدى علاقة الوزارة بعرقلة سير العدالة وكشف المعتدين على الإمرأتين اللتين توفيت إحداهما في المستشفى. وقال المصدر لـ «الحياة» أن النائب العام الليبي «قرر وقف المسماري عن العمل، على خلفية الاعتداء الذي تمثّل بخطف فتاتين عربيتين ليلاً إلى مزرعة في ضواحي طرابلس». وفي حين استطاعت إحداهما الفرار وأبلغت الشرطة في منطقة تاجوراء بما حصل، تعرّضت الثانية لاعتداء وفارقت الحياة في مستشفى. واضاف أنه «على رغم تلقي السلطات الأمنية بلاغاً بما حصل، إلا أنها لم تتخذ الإجراءات الأمنية المعتادة في مثل هذه الأوضاع، ما أثّر في سير إجراءات جمع الأدلة وفي التحقيق نفسه، وما ساعد المتهمين في الفرار إلى خارج ليبيا على رغم صدور قرار من النيابة بتوقيفهم». وتبيّن أن أحد المشتبه فيهم في هذه القضية هو احد ابناء الوزير، وأن المزرعة التي وقع فيها الحادث تعود إلى صديق له. ويُعرف عن العميد المسماري أنه رجل أمني محترف، ولعب دوراً بارزاً في المواجهات التي شهدتها ليبيا في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي ضد الجماعات الإسلامية. وكان يرأس جهاز الأمن الداخلي قبل ترقيته ليصبح وزيراً للأمن العام. وتوقعت المصادر أن يعاود الوزير مهمات منصبه بعد انتهاء التحقيق في القضية وتأكيد عدم علاقته بها. (المصدر: صحيفة « الحياة » (يومية – لندن) الصادرة يوم 29 مارس 2007)  


 

دراسة: مشاركة المرأة في الحكم بالبلدان المغاربية ضئيلة للغاية

الرباط ـ القدس العربي : وصفت دراسة مقارنة في البلدان الثلاثة الجزائر وتونس والمغرب حول مشاركة المرأة المغاربية في قيادة بلدانها بأن هذه المشاركة ضئيلة للغاية وان حضورها في المؤسسات السياسية ضعيف حسبما كشفت عنه الدراسة التي أعدت تحت عنوان دراسة مقارنة حول تمثيل المرأة في المؤسسات السياسية للمغرب العربي .. وقالت الدراسة التي نشرت وكالة الانباء الجزائرية فقرات منها أنه بالرغم من التفتح السياسي لا زال تمثيل المرأة ضئيلا خلال العقود الأربعة الأخيرة بالجزائر وتونس والمغرب واصفة الأمر بـ ظاهرة هيكلية لهذه المجتمعات .. وجاء في الدراسة التي أعدها مركز الاعلام و التوثيق حول حقوق الطفل و المرأة في 2006 أنه ليس مبالغاً فيه القول أن المرأة مقصية من هيئات القيادة السياسية بالبلدان الثلاثة و أن تمثيلها يبقي رمزيا أكثر مما هو عليه في الواقع .. وأضافت أنه لا توجد أية امرأة علي رأس الهيئة التنفيذية بالبلدان الثلاثة وعددهن قليل كوزيرة كما أنها ممثلة بأقلية بغرف البرلمانات ولا تظهر باللجان المديرة للأحزاب السياسية بالاضافة الي أقلية الترشحات النسوية في الانتخابات. و أبرزت قراءة لتمثيل المرأة ببرلمانات بلدان المغرب العربي أن تونس و المغرب تعرف نسبة تفوق 10 بالمئة. وأفادت الوثيقة أن تمثيل المرأة بالجزائر يبقي جد ضئيل بـ2 ر6 بالمئة بالنسبة للمجلس الشعبي الوطني و8 ر2 بالمئة بالنسبة لمجلس الأمة. وعلي صعيد المقارنة بلغ المعدل العالمي للنساء الممثلات بالهيئات التشريعية 14.3 بالمئة 2002 و تقدر هذه النسبة بـ38.8 بالمئة ببلدان شمال أوروبا و4.4 بالبلدان العربية وبخصوص المجالس المحلية يسجل تمثيل المرأة نقصا فادحا . و أضافت الدراسة أن بالمغرب لا توجد أية امرأة في منصب الوالي أو المحافظ في حين تعد تونس امرأة واحدة محافظة متأسفة لكون عدد التعيينات النسوية في سلك الولاة و الأمناء العامين للولايات و رؤساء الدوائر غير كاف .. وبالنسبة لبلدان المغرب العربي يبقي الانضمام النسوي للاحزاب السياسية ضعيفا حيث تلاحظ الدراسة أنه قليلا ما نجد النساء ضمن الاجهزة المسيرة و يعتبر تأثيرهن خلال اعداد قوائم المترشحين ضعيفا اذ لا يشاركن في تصور البرامج و تثار داخل الاحزاب أحكاما مسبقة بشأنهن . و أضاف نفس المصدر أنه و ان بدأت بعض الاحزاب تتخذ اجراءات لرفع عدد النساء ضمن صفوف مناضليها قليلا ما يتم ادراجهن في القوائم الانتخابية بل هن ببساطة غائبات في هذه القوائم .. وأبرزت الدراسة أنه تم تسجيل تطور معتبر في القطاع الاقتصادي حيث شرع مركز الاعلام و التوثيق حول حقوق الطفل و المرأة في التفكير منذ سنة 2003 في ادماجهن في هذا القطاع مضيفة أنه مع ذلك قليلا ما تضطلع النساء بمهام قيادية. وأوضحت الدراسة أنه كلما تقدمنا في السلم التسلسلي المهني كلما قل عددهن .. وهناك عراقيل عديدة ومتنوعة تحول دون المشاركة السياسية للمرأة في المغرب العربي. يتعلق الامر حسب المركز بـ الدين و التقاليد المناهضة للنساء والتقليل من شأن المسألة عن طريق الخطاب السياسي .. وحسب الدراسة يزيد من تفاقم هذه العوامل نقص المصداقية وعدم فعالية الردود المؤسساتية علي طلبات التمثيل النسوي .. وأوضحت الدراسة أنه بالنسبة للبلدان الثلاثة تقوم الحكومات فقط بتعديلات متتالية لتصبح هذه الاجراءات مجرد مسكنات ذات طابع مؤسساتي و تشريعي ترمي الي التقليص من الفروقات الصارخة .. وأوصي أصحاب الدراسة مع ذلك أنه في البلدان الثلاثة تبين الاحصائيات أن وسائل الاعلام تعد اليوم 30 بالمئة من النساء. وسجلوا أنه علي النساء استغلال وسائل الاعلام في مطالبهن من أجل الوصول الي المؤسسات السياسية .. كما سجلوا أن تغطية الاحداث التي تخص النساء أو المنظمات النسوية بادية أكثر في البلدان الثلاثة كما زاد من دفع هذه الحركية بروز في المجال العمومي مجموعات مهنية نسائية: جمعيات نساء اطارات ونساء طبيبات ونساء رئيسات مؤسسات. (المصدر: صحيفة « القدس العربي » (يومية – لندن) الصادرة يوم 29 مارس 2007)


استقبال عربي فاتر للرئيس الموريتاني

 
الرياض (رويترز) – قال مسؤولون موريتانيون يوم الخميس ان القادة العرب المشاركين في القمة العربية كان استقبالهم فاترا لواحد من حفنة صغيرة من القادة العرب الذين وافقوا طواعية على التخلي عن منصبهم بعد انتخابات ديمقراطية.
 
وسلم ضباط عسكريون أطاحوا بالرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في انقلاب أبيض عام 2005 السلطة لقيادة مدنية انتخبت في وقت سابق هذا الشهر.
 
وحضر الرئيس العسكري المنتهية ولايته العقيد علي ولد محمد فال قمة القادة العرب الذين تزيد أعمار كثير منهم عن سبعين عاما. وكثير منهم موجود في السلطة منذ وقت طويل أو يمثلون أنظمة سلطوية لم تتغير على مدى عقود.
 
وقال عبد الله ولد محمدي عضو وفد فال انه لم يحصل على الترحيب اللائق برئيس نفذ وعوده وسلم السلطة لرئيس منتخب ديمقراطيا.
 
وكان فال وحيدا في حفل استقبال وعشاء للقادة العرب مساء يوم الاربعاء حيث شوهد زعماء مثل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والسوري بشار الاسد والمصري حسني مبارك يتبادلون أطراف الحديث والمزاح في أحاديث جانبية.
 
وقال مسؤولون موريتانون ان بعض المسؤولين العرب أبدوا تقديرهم لتحرك موريتانيا نحو الحكم الديمقراطي.
 
وشوهد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي أعيد انتخابه في عام 2006 بعد ان قال انه لن يعيد ترشيح نفسه ليضرب مثلا للاخرين في المنطقة وهو يستقبل فال في حفل افتتاح القمة يوم الثلاثاء.
 
ونسب مسؤول موريتاني الى صالح قوله « أهلا وسهلا بالولد الذي وفى« .
 
وشوهد الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى وهو يؤدي التحية لفال في الافتتاح.
 
وفي عام 1999 صارت موريتانيا ثالث دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل على الرغم من المعارضة الكبيرة.
 
من سهيل كرم
 
(المصدر: موقع سويس إنفو (سويسرا) بتاريخ 29 مارس 2007 نقلا عن وكالة رويترز للأنباء)
 
الرئيس بن علي يهنئ الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله بمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية
 
وجه الرئيس زين العابدين بن على برقية تهنئة الى الرئيس ولد سيدي الشيخ عبدالله بمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية ضمنها باسمه وباسم الحكومة والشعب التونسي أطيب التمنيات له بالتوفيق في مهامه السامية الجديدة .
 
وأعرب سيادة الرئيس في البرقية عن عميق الارتياح لما يجمع بين تونس وموريتانيا من علاقات الأخوة المتينة والتعاون المثمر مؤكدا اليقين بان هذه العلاقات ستزداد متانة ورسوخا بفضل ما يحدو الجميع من عزم على الارتقاء بها الى أعلى المراتب تجسيما لطموحات الشعبين الشقيقين الى مزيد التضامن والتكامل وبما يعزز الجهود المشتركة في بناء المغرب العربي .
 
(المصدر: موقع « أخبار تونس » (رسمي) بتاريخ 28 مارس 2007)


كندا تشيد ومراقبون دوليون راضون عن سير الانتخابات الرئاسية بموريتانيا

اوتاوا ـ نواكشوط ـ ا ف ب: رحبت كندا الثلاثاء بانتخاب سيدي ولد شيخ عبدالله رئيسا لموريتانيا ودعت البلدان العربية والافريقية الي سلوك طريق الحرية والديمقراطية . واعلن وزير الخارجية بيتر ماكاي في بيان ان تطور الديمقراطية في موريتانيا يشجع كندا كثيرا. وهي تهنيء الشعب الموريتاني علي اجراء انتخابات حرة ونزيهة تشكل لحظة مهمة في تاريخ هذا البلد . واضاف نأمل في ان يحض النجاح الذي احرزته العملية الانتخابية في موريتانيا البلدان العربية والافريقية الاخري علي سلوك طريق الحرية والديمقراطية .

كما اشاد مراقبو الانتخابات الموريتانية التابعون لكل من المنظمة الدولية للفرنكوفونية والاتحاد الافريقي وجامعة الدول العربية بالطريقة النظامية والشفافة التي جرت وفقها الانتخابات، وذلك في بيان مشترك اصدروه الثلاثاء في نواكشوط. واعتبر البيان الذي حصلت فرانس برس علي نسخة عنه ان الانتخابات الرئاسية التي جرت يومي 11 و25 اذار/مارس والتي شكلت المرحلة الاخيرة في عملية الانتقال الي الديمقراطية عقب الانقلاب الذي اطاح بنظام معاوية ولد طايع، جرت في جو من الهدوء والمسؤولية . واشار المراقبون الي التنظيم الجيد والسير المنتظم والشفاف لعمليات الاقتراع ، كما رحبوا بالتحسينات التي ادخلت علي مراحل العملية الانتخابية . وتابع الاعلان هذا يدل علي مصداقية اكبر للعملية الانتخابية والتي تترجم بالتالي حرية التعبير في الانتخابات العامة . واكد المراقبون تقديرهم ارادة السلطات الموريتانية والفرقاء السياسيين والمجتمع المدني الالتزام بمسيرة التغييرات الديمقراطية في موريتانيا.

وخلص البيان الي ان المشاركة الكثيفة في الانتخابات تعبر عن تصميم الشعب علي التعبير عن رأيه بكل حرية بالنسبة لاختيار قادته . وقام نحو 300 مراقب اجنبي والف موريتاني بمراقبة الانتخابات الرئاسية التي جرت الاحد في موريتانيا وفاز فيها سيدي ولد الشيخ عبد الله، اول رئيس ينتخب ديموقراطيا في موريتانيا. ومنذ 1960 تاريخ استقلال هذا البلد الذي يعد 3.1 مليون نسمة والصحراوي في قسمه الاكبر، كان رؤساء موريتانيا يصلون الي مناصبهم عبر انقلابات ينظمون اثرها انتخابات يشوبها التزوير ويفوزون فيها من الدورة الاولي. (المصدر: صحيفة « القدس العربي » (يومية – لندن) الصادرة يوم 29 مارس 2007)  


تحديات إنسانية واقتصادية كبيرة تنتظر الرئيس الموريتاني الجديد

نواكشوط ـ ا ف ب: تنتظر الرئيس الموريتاني الجديد الذي انتخب الاحد سيدي ولد الشيخ عبد الله، تحديات كبيرة في بلد لا يزال يعيش مخلفات الرقيق الذي الغي رسميا في 1981 والعنف العرقي لسنوات 1989 ـ 1991. والرئيس الموريتاني الجديد الوزير السابق المتحدر من الاغلبية العربية الذي عاد الي موريتانيا في 2003 بعد 14 عاما امضاها في النيجر حيث عمل مستشارا اقتصاديا، جعل علي رأس اولوياته اقامة دولة القانون. وهو يعد بترسيخ الوحدة الوطنية في بلاده المعرضة لمشاكل عرقية واخري من طبيعة اقتصادية واجتماعية. ووعد خصوصا بتثبيت حقوق مئات الزنوج الموريتانيين الذين عانوا من الاضطهاد والاف آخرين تم طردهم الي السنغال ومالي بين 1989 و1991. وتسكن الاقلية الزنجية خصوصا في جنوب موريتانيا قرب نهر السنغال حيث حل الرئيس الجديد في الطليعة في الاقتراع الرئاسي متقدما بشكل مريح علي منافسه في الدورة الثانية.

وكان تعهد قبل فوزه بتسوية مشكلة اللاجئين خلال عام وربما ستة اشهر .. وسيكون عليه ايضا ان يتصدي لمشكلة العبودية. وقد وعد باصدار عقوبات شديدة بحق حالات الرق التي لا تزال موجودة كما وعد باعتماد تشريع خاص باعتبار الرق جريمة ..

وقال ان العبيد السابقين الذين يعانون من فقر مدقع سيستفيدون من سياسة تمييز ايجابي تنص علي خطط اقتصادية خصوصية .. واشار المراقبون الي ان الدعم الحاسم الذي حصل عليه الرئيس الجديد من المرشح الوحيد المتحدر من الحراتيين (عبيد سابقين) مسعود ولد بلخير المعروف بنضاله من اجل هذه الجماعة، سيسهل مهمته. وعلاوة علي ملف الوحدة الوطنية الدقيق، تنتظر تحديات اخري الرئيس الجديد المعروف بالرجل المتكتم والمؤيد للاجماع .. وكتب محمد فال ولد عومير في افتتاحية صحيفة لا تريبون المستقلة ان هذه التحديات الكبري متعددة الاشكال وتفرض نفسها بالحاح حتي ان الرئيس الجديد سيكون عليه التعاطي معها علي الفور ..

واضاف سيكون عليه علي الفور تأكيد انه مستقل ويحترم تعهداته .. ويؤكد خصومه ان هامش المناورة سيتحدد بمدي دعم اعضاء المجلس العسكري الذي كان استولي علي السلطة في انقلاب عسكري في آب/اغسطس 2005، ودعم الاغلبية البرلمانية التي تنتمي في معظمها الي الاغلبية الرئاسية السابقة. لكنه نجح في حشد قسم من معارضي الرئيس السابق معاوية ولد طايع وبينهم خصوصا ولد بلخير. واضاف كاتب الافتتاحية سيكون عليه ان يشيع بسرعة الاطمئنان لابعاد الجيش عن السياسة وتسوية قضايا حقوق الانسان المطروحة وبدء اعادة تأسيس الدولة الواحد .. واعتبر احمد ولد داه الخبير الاقتصادي، من جانبه ان اكبر تحد يظل بالنسبة للرئيس الجديد، تحسين مستوي عيش السكان الذي يتدهور يوميا رغم النتائج الاقتصادية الكلية الاكيدة التي يتم احرازها. ويعيش مواطن من اثنين في موريتانيا الدولة التي تغلب علي اراضيها الصحراء ويقطنها 3.1 ملايين نسمة، تحت خط الفقر. ولم يغير استغلال النفط منذ نحو عام حتي الان المعطيات بشكل اساسي. واضاف المحلل الاقتصادي ان الاسر يجب ان تشعر باثر النفط وباقي ثروات البلاد في مطابخها والعامل في مستوي مرتبه والعاطل في مستوي تعدد فرص العمل في القطاعات الواعدة . (المصدر: صحيفة « القدس العربي » (يومية – لندن) الصادرة يوم 29 مارس 2007)


 

ولد الشيخ عبدالله رئيساً مدنياً بعد عقود من الحكم العسكري … الحكم الديموقراطي الجديد في موريتانيا… تحديات وضمانات

توفيق المديني  
يشكل فوز المرشح سيدي ولد شيخ عبد الله في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في موريتانيا،التي جرت يوم الحد 25 آذار/ مارس الجاري تتويجا لمسار ديمقراطي نموذجي  في العالم العربي و إفريقيا ، وقطيعة في الوقت عينه مع حقبة حكم العسكر الشمولي والانتخابات المزورة  ، عبر تسليم  السلطة إلى المدنيين  بعد الانقلاب العسكري الأبيض الذي أطاح بالنظام السابق للرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في العام 2005 .. واختار الشعب الموريتاني ، عبر انتخابات اتّسمت بالهدوء والنزاهة، خبيراً اقتصادياً هو سيدي ولد شيخ عبد الله أول رئيس مدني لموريتانيا، بحصوله على 52.85 في المئة من الأصوات، متقدماً على منافسه أحمد ولد داداه الذي حصل على 47.15 في المئة. وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 67.48 في المئة بتراجع طفيف عن المشاركة في الدورة الأولى التي جرت في 11 من الشهر الحالي (70 في المئة).وسيؤدي الرئيس الجديد اليمين الدستورية في 19 نيسان (ابريل) المقبل  ليخلف رئيس المجلس العسكري العقيد أعلي ولد محمد فال الذي لم يترشح للانتخابات بموجب التزاماته السابقة، وذلك لضمان حياد العملية الانتقالية الديموقراطية.
من الناحية الديمقراطية ، هناك إجماع دولي و عربي و إفريقي على أن الانتخابات الموريتانية كانت حرة ونزيهة بكل المعايير المتعارف عليها دوليا، وفي ظل حياد تام للسلطات الإدارية، بشهادة رئيسة بعثة المراقبة الأوروبية ماري آن ايسلر بيغان، التي أشادت  بنزاهة عمليات الاقتراع، حين قالت: « لم نسجل أي تجاوزات لا داخل مكاتب الاقتراع ولا في طوابير الانتظار »، و بإجماع المراقبين في موريتانيا على اختلاف مرجعياتهم الإيديولوجية و السياسية أن السلطات الانتقالية لم تترك الفرصة لأي صغيرة ولا شائبة يمكن أن تشوب نزاهة الانتخابات، باعتبار ذلك وحده الكفيل بترسيخ السلم في موريتانيا وقبول الأطراف المشاركة بالنتائج، بوصفهاحكما أصدره الشعب الموريتاني. ويعتبر ذلك تجاوزا مهما وأساسيا لنقطة الضعف الرئيسية في التجربة السياسية في عهد نظام الرئيس السابق معاوية ولد الطايع.
لا شك أن القوى السياسية التي أسهمت  إسهاما كبيرا في فوز الرئيس المنتخب سيدي ولد شيخ عبد الله متنوعة،ومتعددة.فقد  تلقى هذا الأخير قبيل خمسة أيام من الجولة الثانية ، دعما قويا من مسعود ولد أبو الخير رئيس حزب « التحالف الشعبي » والمرشح الرئاسي الذي احتل المرتبة الرابعة في الدورة الأولى بنسبة 80ر9% من الأصوات ..ويعتبر حزب التحالف من أشد معارضي نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع وأعداء الأغلبية الرئاسية السابقة، و المعروف عنه بخطابه السياسي المتطرف حتى ضد المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية (الحاكم) في الفترة الانتقالية. و شكل هذا الإلتحاق منعرجاً انتخابياً وسياسياً كبيراً، و هزة عميقة للمعارضة  و الشارع الموريتانيين، الأمر الذي جعل المراقبون  يعتبرون أن المعركة الرئاسية حسمت لصالح المرشح سيدي ولد الشيخ عبد الله. وتبلغ النسبة التي حصل عليها المرشحون الثمانية الذين ساندوا ولد الشيخ عبد الله في دورة الإعادة حتى الآن مجتمعين 92ر30%، مقابل 48ر12 حصيلة نسب خمسة مرشحين أعلنوا مساندتهم لولد داداه . كما تلقى ولد الشيخ عبد الله دعما أيضا من الأغلبية الرئاسية السابقة، نظرا لقربه من المؤسسة العسكرية.
الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله تكنوقراطي وخبير اقتصادي محنك عمل مع المؤسسات المالية الدولية، وهو على اطلاع جيد بنقاط ضعف وقوة اقتصادموريتانيا ، كما ظهر من خلال برنامجه وخطابه السياسي في الفترة الأخيرة ، الذي يتبنى مشروع مصالحة اجتماعية، ويتلمس داء المؤسسة الاجتماعية. وفي أول ظهور علني له أعلن ولد الشيخ عبد الله أنه سيكون رئيساً لكل الموريتانيين ولن يميز بينهم. وهو يريد أن يتميز عن منافسه أحمد ولد داداه، كونه ليس رجل قطيعة مع العهد السابق. فهولا ينوي أن ينقطع عن الأشخاص الذين خدموا النظام التسلطي  السابق برئاسة معاوية ولد طايعه (1984-2005)، بل على العكس من ذلك سيعمل على إعادة إدماجهم داخل الأغلبية الموسعة.ويؤكد الرجل القوي في موريتانيا : »أن التغيير في موريتانيا لا يمكن أن يأتي إلا من تجمع يضم الأغلبية السابقة،وسيكون شاملا وجذريا لكن بهدوء ومسؤولية » . وهو ينوي تشكيل حكومة « وحدة وطنية » تضم جميع القوى السياسية « لضمان مشاركة أوسع لتحقيق تغيير عميق » في موريتانيا ، مؤكداً أنه « سيركز على تعزيز الوحدة الوطنية.. وترسيخ الديموقراطية والنمو الاقتصادي » ،لكنه يظل عاما في ما يتعلق بالبرنامج.
و بالمقابل ،و على الرغم من هزيمة المرشح أحمد ولد داده، فإنه يظل زعيم المعارضة الموريتانية التقليدية،التي تضم في صفوفها أطيافا سياسية متنوعة في انتماءاتها، من التيار الإسلامي، واليسار،و تنظيم فرسان التغيير، وحركة الحر، إلى كتلة ولد داداه السياسية (التكتل) التي تضم حركات سياسية ومستقلين فكريا.  و قد أثبتت هذه المعارضة ، التي لعبت دورا سياسيا و تاريخيا في إسقاط  النظام السابق، أنها تمثل رقما صعبا  لا يمكن تجاوزه،بحصول مرشحها على 47% من أصوات الناخبين، على الرغم من فقدان التمويل ووسائل الاتصال بخريطة انتخابية مترامية على أكثر من مليون كيلومتر مربع، وما عانته من حرب إعلامية شرسة في الفترة الأخيرة. وترى شخصيات هذه المعارضة أن ولد الشيخ عبد الله ليس إلا حصان طروادة تمكن رجال الفساد من العودة إلى الحكم بواسطته.
المسألة الرئيسة التي ستواجه الرئيس المنتخب هي مسألة بناء الدولة المدنية، و علاقتها بالمؤسسة العسكرية.. فقد أثبتت تطورات الأحداث في موريتانيا  أن رئيس المجلس العسكري كان صادق الوعد وفياً، ويعني ما يقول فعلاً، وقادراً ليس فقط على الوفاء بما وعد بل وإنجازه أيضاً بكفاءة أكبر وفي وقت أقل مما كان مقدراً. هناك عوائق بنيوية ً تقف بين الدولة الموريتانية التي هيمن عليها العسكر لأكثر من أربعة عقود و انتصار الفكرة الديمقراطية و الحريات في بلد لا يزال يحبو على طريق الحداثة ، مثل موريتانيا ، الذي على الرغم من أنه عرف نموا ً كبيرا ً لحركات معارضة فإنها لم تستطع أن تكون مجتمعاً مدنيا ً قادرا ً على   الصمود أمام وطأة الدولة ، و على التفاوض مع هذه الدولة ، وبالتالي على تزويد المجتمع  السياسي باستقلاليته الفعلية. 
والحقيقة، أن الديمقراطية تبدأ بإرساء نظم علاقات ديمقراطية وممارستها مؤسساتيا كما تتطلب التغيير في العقليات والتكوين النفسي، لا بالشكل فحسب ولكن أيضا بالمضمون. ومن الأفضل للسلطة السياسية التي ترفع لواء الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان أن تبدأ بممارسة هذه القيم داخل أطرها المؤسساتية .. إن الديمقراطية الحقة هي تلك التي تقوم على اعتراف الحكومة الموريتانية التي سيشكلها الرئيس  الجديد  بضرورة إعادة النظر في بنية الدولة الأمنية السائدة حاليا ً ، لجهة بناء دولة المؤسسات ، دولة كل المواطنين، لا دولة أجهزةأمنية ،  وحزب واحد، أو دولة أفراد مهما كبرت أدوارهم التاريخية. ويتطلب بناء الدولة المدنية الحديثة،أن  تطلق الحكومة الجديدة  حواراً وطنياً واسعاً طال انتظاره حول قوانين الدولة الوطنية الحديثة، بدءاً من قانون الأحزاب والجمعيات إلى قانون المطبوعات إلى قانون الأسرة وغيره، فضلا عن بناء المؤسسات المجتمعية  المقتنعة  بالحريات الفردية و العامة، و ضمان ممارستها  في المجتمع ،وعدم كبحها .. و الحريات الفردية  و العامة لا يمكن أن يكون لها وجود عياني ملموس مالم يكن المحكومون قادرين على اختيار حكامهم  بملء إرادتهم ، و مالم يكن الشعب قادرا على المشاركة السياسية  في إيجاد المؤسسات السياسية و القانونية و المجتمعية ، و في تغييرها.
من وجهة نظر ديمقراطية محايدة، تعتبر الرقابة القضائية و سيلة أساسية لحماية « دولة القانون »، و ضمان تحققها. كما أن تقوية إستقلالية  السلطة القضائية  من شأنها صيانة « دولة القانون » و فرض احترامها. فالدستور، بما هو ضبط لقواعد ممارسة السلطة، يصبح ضامنا للحقوق والحريات، عبر إفراده أحكاما خاصة بها، وتنصيصه على الوسائل الكفيلة بصيانة ممارستها وجعلها في منأى عن تعسف السلطة وشطط ممارسيها، لاسيما لجهة تعديله. لذلك، لا تقاس ديمقراطية الدساتير بمدى إقرارها للحقوق والحريات فحسب، بل تتحدد أيضا بدرجة حرصها على تأكيد الشرعية الدستورية، أي جعل ما هو مدرج في باب الحقوق والحريات محترما على صعيد التطبيق والممارسة.
إن بناء الدولة المدنية الحديثة، يتطلب  صياغة دستور ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات و ينزلها منزلة الأحكام الخاصة بتنظيم السلطة و العلاقة بين المؤسسات.بيد أن  الدستور في ذاته لا يكفي لجعل الحقوق والحريات مضمونة ومصونة بل لا بد من مصاحبتها بضمانات تكفل لذويها القدرة على التمتع بها. و من  هذه الضمانات : 1-تكوين  المحكمة الدستورية التي تنظر في دستورية القوانين التي تعلنها الحكومة ،وتراقبها ، باعتبار ذلك شرطا ً  ضروريا ً لدولة القانون.ففي ظل تجربة ديمقراطية هشة ومراقبة  كما هوا لحال في واقع موريتانيا ، تلعب المحكمة الدستورية دورا ً مهما ً في إثراء النظام السياسي لجهة انتقاله من طابعه الشخصاني التسلطي إلى طابعه الديمقراطي القائم على احترام المؤسسات، من خلال انتهاج سياسة قضائية حقيقية مستقلة و متحررة من القيود  العديدة التي تحد من فعاليتها على صعيد الواقع،  تستهدف إستتباب « دولة القانون  » و انتظام عمل مؤسساتها.
2-استقلالية السلطة القضائية ، التي تفسح في المجال للقضاء الدستوري ليكون متمتعا ً كما هو الحال في الدول الديمقراطية العريقة، بمكانة مركزية ، ويسهم في ضمان « التوازات الدستورية »، و حماية الحقوق و الحريات،و حماية الدستور نفسه من التوظيف السياسي له من جانب السلطة التنفيذية و تجييره لخدمة أهدافها السياسية و الطبقيةالخ. ثم إن وجود قضاء مستقل ونزيه يحفظ للدستور علويته وسموه على النصوص الأخرى كلها، ويجعل أحكامه سارية على الأفراد والجماعات، و على رئيس السلطة التنفيذية ..
3-الإقرار بمبدأ التداول السلمي للسلطة ، تلك العملية التي تسمح للشيء بحلول بديل محله،ويجعل الشخص يعقب نظيره في المسؤولية، و الإدارة ، و القيادة.فمنطق التداول على السلطة يرفض الجمود ، و الديمومة ، و بالتالي الرئاسة مدى الحياة.و بالمقابل، فهو يحبذ ، التجديد، في الأشخاص ، و الأحزاب ، و الأفكار، و الممارسات السياسية. وهذا ما نلمسه بدقة في الدول الديمقراطية العريقة، التي تتمتع بثقافة تداول  عريقة ، أصبحت جزءا ً لا يتجزأ من النسيج المجتمعي و الثقافي للمجتمع. لذلك تأسست  ثقافة التداول في الدول التي تأصلت فيها الظاهرة، و استقرت ، و انتظمت في التجربة على قاعدة الاعتراف بشرعية الاختلاف، الذي يكفله وجود أغلبية و معارضة ،ويضمنه الحوار المتبادل، و تصونه إرادة المواطن الحرة و المسؤولة في حسم اختياره و الدفاع عن نتائجه، وتحمل تبعاته. فبمقدار ما للأغلبية من مشروعية التوجيه، و القيادة و الإدارة ،بالقدر نفسه للأقلّية حق المساهمة في الملاحظة، و النقد و التعبير عن  الرأي الحر… الذي أعطى للتداول السلمي على السلطة شرعية الوجود، و حتمية التحقيق و الإنجاز، كون الحوار بين الأغلبية والمعارضة موجودا ً، و مطلوبا ً، و مستندا ً على قواعد محددة لعب التاريخ و التسويات والتوافق دورا ً مركزيا ًفي إقرارها و تكريسها على صعيد الممارسة. 4-إن أحد ركائز وجود دولة الحق و القانون هو وجود تعددية سياسية حقيقية  مؤسسة على قيم الحوار، و التنافس الشريف، و الاعتراف المتبادل. إذا كانت هذه الضمانات تشكل مرجعية حقيقية لبناء دولة القانون،فهل سينجح حكام موريتانيا الجدد ورثة  الحكم العسكري في إرساء  هذه المرجعية الثقافية الديمقراطية والدستورية في بلادهم ؟
كاتب تونسي
 

(المصدر: صحيفة «  الحياة   » (يومية – لندن) الصادرة يوم 29 مارس 2007)


 

 

الحقيقة لا توصل إلى الإرهاب.

زهير الشرفي

        قد يكون من السهل اتهام الناس بتهم الإرهاب،  لكن لا يمكن إنكار صدق النوايا وصدق الإيمان عند العديد من المتهَمين الإسلاميين. لقد استعمل القادة والزعماء في الحركات الإسلامية الأصولية آيات قرآنية مع ما يختارونه من الأحاديث النبوية وسيرة السلف وفقه رجال الدين من أجل شحذ حماس المؤمنين وتوجيه طاقاتهم الإيمانية لإخضاع الآخر أو قتله وإحداث الدمار في بيته.

    لم تُنفَّذ كل سياسات الزعماء وبرامجهم  بأموال الحشيش الأفغاني والتبرعات الماليّة فقط كما يحاول الإعلام الأمريكي إظهاره، وإنما هناك أيضا  » إيمان خاص  » يرفع الآيات القرآنية من مثل :  » وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوّكم…  » ويعتمد عليها في حين يَخفض الآيات الأخرى من مثل »ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  » أو يتجاهلها. إنّه الخطاب الذي  يُؤكد صلاحية النوع الأول من الآيات لكل زمان ومكان ويرفض اختصاصها بأوضاع كانت قائمة عند نشر الدعوة في عصر النبي، في حين يَرفض صلاحية النوع الثاني من الآيات أو يعتبرها خاصة بالظرف الذي نزلت فيه أو يصل إلى حدّ اعتبارها « منسوخة ». وقد تكون عبارة « تُرهِبون » في الآية سابقة الذكر كافية وحدها، عند أصحاب ذلك الخطاب التقليدي لتبرير كل ما يقومون به من الأفعال التي تُنعت بالإرهاب.

      لا يتعلق المجال هنا بالتعرض لكل ما يرفَعه الأصوليون وما يخفضونه من آيات القرآن لكي يتمكّنوا من صُنع  » إسلام إرهابي  » أو إحياء « إسلام الحرب والغزو » ، وإنّما يتعلق الأمر بملاحظات  غايتها المساهمة في الحوار حول ما تأصّل من « فقه الحرب والغزو » في تراثنا وتقاليدنا وفي دعاية المعارضة الأصولية وكل من يمتنع عن قول الحقيقة حين يتعلق الأمر بتاريخ الإسلام وما حدث ويحدث من جدل حول الأفكار المنسوبة إليه.

      سأتعرض في هذا المقال إلى قضيّة الجماعة المحاربة وخصوصية دور النبي ثم قضايا فهم النص الديني ودور الأخلاق ومقام الحقيقة من الإيمان.

    الجماعة المحاربة:

   جاء في الموسوعة العلمية »إينيفرسليس 6″ في حديثها عن البداوة ما يلي:

« منذ تدجين الحصان والجمل أمكنت النشأة الواسعة، داخل سهوب و بوادي العالم القديم، لظاهرة  البداوة الرعوية العدوانية التي ترتكز على الغزو و الحرب مع الجيران من الحضر… « 

    أين تتموقع الجماعة المحاربة التي بعثها نبي الإسلام من هذه الظاهرة التي تميز عالم البداوة بصفة عامة ومجتمع البداوة في الجزيرة العربية؟

    بعث نبي الإسلام جماعته المحاربة إثر رفض قريش للديانة الجديدة. فكانت المعركة بادئ الأمر داخل قريش، وكان « الفتح » المقصود في النص القرآني ذاته هو فتح مكة.

    تسببت المعركة مع قريش في هجرة النبي إلى المدينة وفي قيام عدد من التحالفات القبلية الجديدة. فقد نتج عن المعارك من أجل فتح مكة تغيير في العلاقات القبلية: تحالفات وضغائن جديدة بين قبائل الجزيرة العربية نتجت عن تزايد نفوذ الجماعة المحاربة للدين الجديد.

    لا يجوز إنكار الدور الذي قام به قانون الكسب بالغزو، ذلك القانون الذي أشارت الموسوعة العلمية إلى ظهوره في مجتمعات البداوة، في انتصارات الجماعة المحاربة الجديدة، لكن الظاهرة التي تحدثت عنها الموسوعة لا تنطبق على فتح مكة بقدر ما تنسجم مع الغزوات اللاحقة التي انتشرت بها البداوة العربية في المجال الجغرافي للحضارات الفارسية والبيزنطية وغيرهما. لقد كان فتح مكة حدثا انتقاليا بين مرحلتين: مرحلة أولى دفاعية وصعبة من أجل حق الوجود للدين الجديد وأصحابه ومرحلة ثانية قد ينطبق عليها وصف الموسوعة العلمية لظاهرة البداوة الرعوية العدوانية التي ترتكز على الغزو والحرب مع الجيران من الحضر. ونتج عن الفرق بين المرحلتين تمييز بين المقاتلين في المرحلتين حيث جاء في الآية العاشرة من سورة الحديد: »…لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولائك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا… ».

   ليس المجال مخصصا هنا لاستعراض ما جمعه مقاتلو الجماعة الإسلامية المحاربة في غزوات القرن الأول للهجرة رغم ما لهذا الاستعراض من دلالة في موضوع الحال، ولكنني أكتفي هنا بعرض مشهد من مشاهد اقتسام مغانم إحدى الغزوات حتى تتّضح للقارئ إحدى جوانب الصورة الحقيقية للجماعة المحاربة ومقاتليها، فقد جاء في صحيح مسلم ما يلي: « حدثنا محمد بن أبي عمر المكّي، حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع ابن خديج؛ قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم، مائة من الإبل. وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس:

      أتجعل نهبي ونهب العبي—– د بين عيينة والأقرع؟

      فما كان بدر ولا حابس   —– يفوقان مرداس في المجمع

      وما كنتُ دون امرئ منهما —– ومن تخفض اليوم لا يرفع.

قال: فأتمّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة. »

    حين توفّي النبي اتَّفق الصحابة على استمرار قيام الجماعة المحاربة . فتواصلت الغزوات وحروب الدعوة إلى أن اتّسعت الإمبراطورية الإسلامية فثبتت الموارد والخيرات وبدأت الهزّات والمقاومات وتعدّدت الجماعة المحاربة فصارت جماعات.

    إن خصوصيّة أو « قداسة » دور النبي كانت تتطلّب زوال الجماعة المحاربة بمجرد وفاته وبانتهاء قيادته لها. إن احترام دور النبي كان يقتضي من أصحابه عدم وراثته في عزّته أو تصرّفاته وعدم التّماثل معه فيما اختص به من أمور الإدارة والتوجيه. ولكن عند وفاة النبي اختلط الأمر عند أصحابه:  ففي حين كانت تَلزَمهم دولة تحافظ على لمّ شملهم وإدارة شؤونهم وتتحمّل وزر أخطاءها وتُصارح بمقاصد أفعالها ، ذهبوا إلى إقامة خلافة تتماثل بدور النبي وتدّعي مواصلة ما كان بدَأه ، وهذا يعني أنّها أنكرت  الجانب الخصوصي والذاتي أو الرّسالي فيما كان يقوله ويفعله.

     لقد تواصلت المسيحية وانتشرت بعد ذهاب المسيح الذي لم تكن له ولا لأصحابه جماعة محاربة.  بل انتشرت المسيحية  بالجدل والحكمة والموعظة الحسنة التي قدّمها أصحابه إثر غيابه . فلماذا لم يسْلك أصحاب محمد أيضا نفْس المسلك ؟ لماذا تمسّكوا بسلوك الجماعة المحاربة؟ هل كان المبرّر دينيا أم كان سياسيا ومصلحيّا؟ لماذا يواصل  جلُّ فقهاء المسلمين إلى أيامنا  دفاعهم  على شرعية استمرار الجماعة المحاربة بعد وفاة النبي ؟  

     انطلقت الخلافة المحاربة في عملية التوظيف الديني،  فكيّفت كل شيء: كيفت القرآنَ نفسَه وأقوال النبي وكل تاريخه لمصالحها كما كيّفت الصلاة فحددت عدد الصلوات   وعدد الركعات وحتى نوع المنطوق فيها وأشكال النطق، وجعلت صلاة الجماعة فرضا والجهاد إجباريا.(1)

 الجماعة المحاربة والجهاد:

     لم يعتبر فقهاء الخلافة المحاربة نداء  الجهاد الذي ورد في القرآن، نداءا خصوصيا يرتبط

بوجود النبي رغم أن هذا الارتباط واضح ومتأكد بما كان يقوم به النبي من إدارة لكل شؤون الجهاد. فالنبي الذي كان ينادي إلى الجهاد في المكان المناسب وبالشكل المناسب، حسب ما كان يختص به من موقع النبوة لا يمكن أن يعوّضه، أي بشر آخر لا تتوفّر فيه نبوة أولا يوجّهه وحي!

   بل اعتبروا الجهاد أو الحرب المقدّسة واجبا قائما في كل زمان ومكان!…

     لقد حسَم الأمرَ، بهذا الشكل، كلٌّ من الخلافة المحاربة منذ القرن السابع، والدولة الدينية والجماعات الدينية المعارضة في أيامنا. حتى دُوَلُنا المعاصِرة وحركة النهضة في الفكر العربي والإسلامي التي حاولت تغيير معنى الجهاد من الحرب المقدسة إلى مقاومة المحتلّ ومجهود اللّحاق بالركب الحضاري… لم تستطع إيقاف المفهوم التقليدي لعبارة الجهاد أو تخصيص معناها بوجود النبي وبإدارته لشؤون الدعوة. بل نحن نشاهد في أيّّامنا عودة قويّة لذلك الفهم والاستعمال التقليديين.(2)

    هكذا إذا أعطت الخلافة المحاربة لعبارة « الجهاد » معنى مطلقا يخدم مصلحتها كجماعة محاربة تواصل الحرب والجهاد في الزمان والمكان. هذا بالرغم عن عدم ضرورة الحرب لانتشار الدعوة الدينية حسب ما يبيّنه المنطق وتجربة الديانات الأخرى وحتى تجربة الإسلام ذاته في عدد من مناطق آسيا، وأيضا حسب ما يُفهم من الآية القرآنية 125/16 « أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن… »

    إنه قد آن الأوان لكي يعود للنبي ما هو للنبي كما ينبغي أن يعود للتاريخ ما هو من التاريخ،فما كان يصدره النبي من توجيهات باسمه أو باسم القرآن إنما كان إجابة خاصة بالظرف والحدث ولا يمكن أن يحمل شيئا من الصلاحية عبر الزمان والمكان إلا بما كان فيه من مقاصد الخير: المقاصد تبقى والألفاظ لعصرها. سأتناول قضية « القبلة » كمثال أحاول عبره توضيح كيف كان النبي يقدم الأمر أو الموقف المناسب للوضع المناسب وكيف كانت الجماعة المحاربة تختار وترسّخ ما يتماشى مع مشروعها السياسي الخاص.

الجماعة المحاربة وقبلة المصلين:

    جاء في الآية 115 من سورة البقرة: « ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا وجوهكم فثمّ وجهُ الله… »

تبدو بوضوح إطلاقية هذه الآية وعموميتها. فهي لا تحتاج لتحديد في الزمان أو المكان لكي تُفهم. هذه الآية تستطيع أن تأخذ مقام « مبدأ » أو قاعدة أو « أصل ». هذه الآية تعطي الحرية وتترك الاختيار للجميع؛ إنها بهذا المعنى لا تترك مجالا للاختلاف حول وجهة القبلة.

    وجاء في الآية 143 من سورة البقرة ما يلي : »…وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه… »

    وجاء في الآية144 من نفس السورة: » قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره… »

   هكذا تتبين ثلاث تعليمات كان قرأها النبي لأتباعه. لا بدّ أن الانتقال من تعليم إلى آخر كان يُحدث التساؤل لدى أتباع النبي والحرجَ لديه وهو ما جعل النص القرآني يتحدث عن تقلّب وجهه في السّماء ويعلّل ما حصل من تغيير في التعليمات. لكن التّغيير في التعليمات كان الصحابة يعقلونه ويقبلونه ما دام يَظهر في إطار الدعوة القائمة ويَصدر عن نبي يوحَى إليه، أمّا بعد وفاته فإنّ الأمر صار يتطلّب مجهودا للفهم. إمّا أن يقع استخلاص مبدأ سلوكي من التعليمات الثلاث أو أن يقع تقليد وإقرار واحدة منها.

      يتميز سلوك عامة الناس بالسعي إلى تقليد ومواصلة آخر ما كان عليه أمرُهم. ويبدو أن هذا الدافع للتقليد توافَقَ مع مصلحة الجماعة المحاربة التي تسعى لبسط وتوسيع نفوذها ومع مصلحة الدولة العربية أو القريشية التي تسعى لإدامة التفاف قبائل الجزيرة العربية حول قبيلة قريش إثباتا لسيادتها وإدامة لمكاسبها، فاستمر العمل بالآية 144/2.

     لا أحد يستطيع إنكار القول بأن اتّخاذ المسجد الحرام قبلة للمصلين والحجيج يصلح لتحقيق ذلك الغرض. هكذا وقع التواصل بين ما تُوفّي عليه النبي من أشكال العبادة وبين ما استقرّ فصار طقوسا تعبّدية.

     وهكذا لم يقع استخلاص مبدأ من الآيات الثلاثة بل وقع إقرار أشكال العبادة التي تنسجم مع مشروع الخلافة المحاربة، فاعتُبرت الآية 115/2 منسوخة واعتُبرت الآية 144/2 ناسخة.

   قد لا يتمكن البعض من فهم الفرق بين المبدأ الذي يصلح لكل زمان ومكان وبين التكتيكي أو المرحلي الذي يختص بالمكان والزمان المحددين. لكن الأمر واضح في هذه الحالة فلو التزمنا باتخاذ المسجد الحرام قبلة وأخذنا في السير انطلاقا من المسجد وعلى طول الدائرة الموازية لخط الاستواء فإننا سنقوم بالصلاة في نفس الاتجاه كل يوم إلى أن نصل إلى المسجد نفسه فنكتشف أننا صرنا نصلي والمسجد خلف ظهورنا. فالآية 144/2 لا تخاطب إذا هذا المصلي المتنقل كما أنها لا تخاطب الناس الموجودين على خط الزوال ( ميريديان)  المقابل لخط الزوال عند المسجد الحرام لأن هذا المسجد يوجد على يمينهم كما يوجد على شمالهم وعلى نفس المسافة ويوجد في نفس الوقت على مشرق الشمس كما يوجد على مغربها.                            

     حين تتكوّن جماعة سياسية وبالأحرى إذا تكونت جماعة محاربة تََبرز وتتأكّد مع تقدّم صراعاتها وحروبها طقوسٌ وممارسات من أجل توحيد المشاعر والحركة ومن أجل شحذ العزائم والإمكانيات . هكذا تُفهم غاية و مبرّرات صلاة الجماعة و غاية ومبررات تحديد القبلة لدى الجماعة الإسلامية الأولى. و تبعا لهذا قد نستنتج أنه بعد انتهاء حرب الدعوة ووفاة النبي تنتهي الحاجة إلى الطقوس المكملة، فيصبح المبدأ موجِّها للسلوك ويتخلص المقصد من الشكل ومن الأوامر الظرفية والخاصة ونعود إلى اعتماد الآية « …فأينما تولول وجوهكم فثم وجه الله… » وإلى اعتماد الحكمة التي تقول:

« إن المسيح وضع حداً للعبادة وأحل الأخلاق محلّها »(3). لكن الذي حصل هو العكس تماما. الجماعة المحاربة تواصلت بعد وفاة النبي في شكل الخلافة المحاربة وفرضت كل رُآها على تراث النبي والدعوة. ومضى الفقهاء في عملية تطويع متواصلة لذلك التراث لصالح الجماعة المحاربة فقلبوا المعادلة رأسا على عقب وصاروا لا يقبلون أي اختلاف حول مثل هذه المسائل ومضوا يعتبرون من يترك صلاة الجماعة أو لا يتقيد بقبلة المسجد الحرام كافرا أو مرتدا بل عدوًّا لهم وعدوا لله. جعلوا الطقوس في مكان الأصل والمبدأ فافتقدوا معاني الآية 115/2، ومضوا يبحثون عن سبب نزول يقيّدونها به. وبعد أن اختلفوا بين وصلها بحادثة استنكار يهود المدينة لما قام به نبي الإسلام من أمر المصلين بتحويل وجهة القبلة من بيت المقدس نحو المسجد الحرام وبين وصلها بما سبق صلاة النبي باتجاه بيت المقدس، صار أغلبهم يقولون بنسخها أو بأنها خاصة بالصلاة في السفر أو بالإخبار بقبول الله لصلاة النجاشي الخ… ( أنظر تفسير الطبري للآية).

  الجماعة المحاربة والحوار الديني:

    يوجد داخل الخطاب الديني الأصلي حوار بين الله والإنسان. الحوار الديني هو تلك الأقوال التي يتبادل بها الله الحجة أو العهد مع الإنسان. سأقدم فيما يلي بعضا من الأمثلة على ما أسميته حوارا دينيا:

  * جاءت في النص القرآني عبارات « أفلا تعقلون » 13 مرة وهي تدلنا على وجود الحوار الديني بين الله والإنسان.

  * وفي القرآن أيضا عبارات تتحدث عن تبادل « العطاء » أو »القرض »..بين الله والإنسان: »من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ….. »(75/11). « يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم »(61/10). »يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم… »(2/40).

  * ومن الحوار ما يبدأ بالمساءلة: »قل هل عندكم منْ عِلم فتخرجوه لنا… »(6/148) « أَفَسحْر هذا أم أنتم لا تبصرون »(52/15) « …أفلا يرون أنّا نأتي الأرض  ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون » (21/44) « أو لم ير اللذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما… »(21/30) « أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين »(43/16) « أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج »(50/6)  » أو لم يروا إلى الطير صافّات ويقبضن ما يُمسكهن إلا الرحمان »(67/19) « ألم تر أن الله سخّر لكم ما في الأرض والفُلك تجري في البحر بأمره ويُمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه… »(22/65)  » ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله رُّكاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء… »(30/48) « ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه قبضا يسيرا »(25/45-46).

   * ومن الآيات القرآنية ما هو إجابة على تساؤلات الناس في عصر الدعوة: »ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فاتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما… »(18/85-86).

   * ومن الآيات أيضا ما يحتوي على طرفي السؤال والإجابة: »ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولن الله فأنّى يؤفكون »(29/61) « ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنّى يؤفكون »(43/87) « ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءا فأحيى به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون »(29/63) « ولئن سألتهم ليقولن إننا كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون »(9/65) « ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض لقالوا الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون »(39/38) « ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنّ ولنكوننّ من الصالحين 0فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون 0فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون 0ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب »(9/75-78) « فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين 0 أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون 0 أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون 0 أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون 0 أم لهم سُلّم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين 0 أم له البنات ولكم البنون »(52/34-39) ..

   هذه الآيات وغيرها تظهر ما كان للخطاب القرآني من إصرار على إقناع الناس بالحجة والحوار.

    إن كان أبناء قريش قد حاوروا واقتنعوا، إن كانوا قد تدبّروا القرآن ولم يجدوا فيه « اختلافا كثيرا » فهل يتوقف الحوار أو يُمنع على الأجيال والأقوام اللاحقة؟

    كان الناس يخاطبون آلهتهم ويحاورونها في كل الحضارات والأديان. ونفس الشيء كان يحصل عند وجود نبي الإسلام الذي كان يجيب على تساؤلات أبناء قومه. ولكن بعد موته قامت الخلافة المحاربة بتثبيت وتنميط الحوار الديني داخل الطقوس الدينية والمسلّمات التي نعرفها. الدولة الدينية والجماعات المحاربة بكل أشكالها هي التي تمنع اليوم حرية الحوار الديني بين المؤمن وربه، وهي التي تنتصب بفقهائها ومفتييها في موقع الوساطة المدجّجة بالسلاح بين المؤمن وإيمانه.

    حين يتطور الإنسان وتتطور حضارته يتطور ذلك الحوار الديني. هكذا خلّصت الحضارة المعاصرة الدين من معتقدات وطقوس العهود القديمة وصارت تفترض أن دور الدين يتمثل قبل كل شيء في نشر المحبة بين كل الناس ونشر قيم المفارقة للغاية المادية والأنانية من أجل توفير الجهد والذات لفعل الخير مع الجار في الحي والوطن والبسيطة. هذا ما حصل منذ صار المسيحيون يقولون بأن « المسيح وضع حدا للعبادة وأحل الأخلاق محلها ».( أنظر محاضرة البابا:  » إن الله لا يُسرّ بالدماء، وإن السلوك غير العقلاني يناقض طبيعة الله » ، النص  من الموقع الألكتروني « شفاف الشرق الأوسط »)

 الجماعة المحاربة بين الخصوصي والمطلق في قضية الشهادة:

     تعتمد الجماعات المحاربة ومفكروها حتى أيامنا هذه على توظيف النص القرآني لمصالحها الحربية والسياسية. فتطلق الخصوصي وتخوصص المطلق. تنسخ وترفض المبدأ العام وتأخذ بظاهر اللفظ حسب الحاجة.

    يبرز هذا المنهج مثلا في تعامل مفكريها مع الخطاب القرآني حول قضية الشهادة: » وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس… ».

      جاء في الصفحة 17 من كتاب السيد محمد الطالبي »أمة الإسلام »،مأخوذا من تفسير الرازي: « هناك من يرى« أن المخاطَبين بهذا الخطاب (المقصود هو نص الآية السابقة 143/2) هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية ، لأن الخطاب مع من لم يوجد محال «  »،

   حسب هذه العبارات الواضحة وضوح الشمس لا يبقى إشكال مع المسلم المتنقل على الدائرة الموازية لخط الاستواء والمارة بالمسجد الحرام ولا مع المسلمين الموجودين على خط الزوال المقابل لخط زوال المسجد لأن ألفاظ الآية حسب تلك العبارات إنما تعني فقط السامعين »الذين كانوا موجودين عند نزول الآية » والذين هم عند ذاك موجودون في محيط قريب من المسجد الحرام. وحسب تلك العبارات أيضا تُفهم الآيات التي تُنظم العلاقات الاجتماعية مع العبيد من عتق واستعباد ونكاح إلخ…إذ هي آيات تخاطب مجتمعا عبوديا ولا تخاطب مجتمعاتنا المعاصرة حيث ليس لدينا عبيد نعتقهم ولا جواري نتسرى أو نطوف عليهن.

    هذا الرأي الموجود داخل الفكر الإسلامي منذ قرون عديدة هو الذي يرفضه الأصوليون بشتى ألوانهم. ويرفضه محمد الطالبي ذاته. فعوضا عن فهم الآية »وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. » بمعنى أن الجماعة الحاضرة أمام النبي والسامعة لخطابه هي وحدها المعنية بالخطاب،  وعوضا عن التبصّر بموقع الوساطة الذي تتخذه تلك الجماعة بين النبي وأعدائه  كطرف ثالث ووسطي في الترتيب : النبي – المخاطَبون- الناس،عوضا عن مثل هذا الفهم ينطلق محمد الطالبي في صفحات عديدة من كتابه في التنظير لأمة إسلامية شاهدة على الناس في عصرنا الحاضر، فأمة الوسط الواردة في الآية تصبح عند محمد الطالبي مجموع المسلمين في عالمنا المعاصر.

   لم يقدم محمد الطالبي في هذه المسألة أي جديد يستحق عبارة « إسلام عصري » أو اجتهاد عقلي وإنما هو يردّد ما دأبت عليه الخلافة المحاربة وفقهاؤها، وما تروّجه الجماعات المحاربة وشتى منظريها من إطلاق ل »معاني » الآية سابقة الذكر وتوظيف لألفاظها لكي تشمل واقعنا الحاضر ولكي تساهم في عملية تجييش المؤمنين حول الخطاب الديني السلفي وحول الجماعات السلفية المحاربة ..

    اليوم في أمم الحداثة، في أمم أخرى غير أمة محمد الطالبي، توجد أكبر نسبة للتمدْرس وأكبر نسبة لتأليف الكتب وترجمتها وغالبية الأبحاث العلمية إن كان في مجالات العلوم التجريبية أو في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية وغالبية المؤسسات القانونية والدراسية والحقوقية ذات الطابع الكوني.. وفيها تُحفظ العديد من وثائق تاريخنا وتراثنا كي لا يَطالها الإتلاف أو الحرق.. فيها يُحاكَم رئيس الدولة كما يحاكَم المواطن العادي .. وفيها تَشهد المظاهرات الألفية على الظلم والعدوان الذي يحدُث عندنا وعلى أرضنا.. وفيها … وفيها ….وفيها… أليست هذه الأمم بما فيها من أصحاب علم وأحبّاء حق وحقيقة هي الشاهدة علينا ؟ بل عاش من عرف قدره…

     حين نعتبر أن « الخطاب مع من لم يوجد محال » نستخلص أن كل الأوامر القرآنية إنما صدرت أو أُحدثت لكي تختص بالظرف وبالناس الموجودين والمستمعين للخطاب القرآني؛ أما الناس والمؤمنون بعد نهاية الوحي فإنما يبقى لهم استخلاص العبر والقيم ومقاصد الخير من نصوصه.

    عوضا عن الأخذ بلفظ  خطاب موجه للسلف  قد تتمثل الحكمة والاستقامة إذا في الأخذ ببراهينه ومقاصده التي لا تختلف عن البراهين التي يرددها كل البشر ومقاصد الخير والمحبة والسلم والمساواة المُعلنة في كامل أنحاء المعمورة. أو نقول بشكل آخر أن ما يمكن أن يكون خطابا لمن لم يوجد عند نزول الآية إنما هو البراهين ومقاصد الخير وحدهما. تلك البراهين والمقاصد هي وحدها التي تصلح لكل مكان وزمان وهي وحدها التي توحّد ولا تفرّق وهي وحدها التي تدفعنا إلى الأمام وإلى الخلاص لا إلى الخلف و مزيد من الضعف والهوان.

   حول فهم النص الديني:

     إن أبْجديات الفهم السّليم للنص القرآني لا تسمح بحرمانه من ما هو حقّ لكل النصوص الموجَّهة للبشر. ذلك أنه ينبغي أن نبحث في كل نصّ عن المعنى الخاص بالحدث وبالمكان والزمان المحدَّدين وكذلك عن المعنى المطلق أو المبدأ العام…

  * الآية 125/16 كمثال أول:

     هكذا تُفهم الآية 125/16 « أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة … » على أنها خاصة بمعنى أنها حدثت لتوجيه سلوك أبناء قريش القائمين أمام النبي حول حادثة محددة تمثل » أسباب نزول الآية »، لكنها في نفس الوقت تحتوي على معنى ومبدأ سلوكي وخلقي كوْني  لا يرتبط بالزمان أو المكان ولا بمصلحة طرف دون آخر هو  مبدأ الحوار والجدل الحر، هذا المبدأ هو الذي نجده مضمونا داخل المبادئ الكونية حتى يومنا هذا . فأمم العالم وقوَانينُه ومواثيقُه تقول بحريّة التفكير والمعتقد وتعترف بحق التبشير الديني السلمي بواسطة الحكمة والموعظة الأحسن. هذا المبدأ يعبّر عن الحق والخير الذي يتّفق حوله الجميع، و »القائم بذاته » حسب عبارة الشهرستاني.

     * »خير أمة أخرجت للناس » كمثال ثاني:

     هكذا أيضا تُفهم الآية  » كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر… ».

فهي تُفهم من جهة أولى كخطاب خاصّ موجَّه للجماعة الماثلة أمام النبي والمتكوّنة من أتباعه المصدّقين لدعوته؛ فهي تُخبر بهذا الشكل بأن الجماعة الخاصّة المُلْتفّة حول النبي تمثّل خيرَ أمّة أُخرجت للناس. وهذا الاختصاص في الزمان والمكان والارتباط بوجود النبي هما اللّذان يجعلان عبارات الآية تنسجم مع عبارات « شعب الله المختار » التي كانت تعني بني إسرائيل مع النبي موسى في وضع خاصّ آخر. فكل من الجماعتين مختارة في ظرف وجودها الخاص وربما لأنها تحمّلت مهام الدعوة جنبا لجنب مع النبي.

      نفس الآية قد تعني من جهة ثانية التّخيير أو التّفضيل بين أمّة وأخرى بسبب الفعل. فالأفضل هي تلك التي تلتزم المعروف وتبتعد عن المنكر. وهذا مبدأ عام لم ينكره أحد في السابق ولا ينفيه أحد في الحاضر. فحتى في أيامنا هذه حين يتقابل المسلمون مع غيرهم من الأمم ليتسابقوا على الفضيلة والخير لن يتميز من بينهم سوى من كان أكثر انسجاما مع المعروف من الخير وأكثر ابتعادا عن المنكر من الشر.

   هكذا يبرز المعنيَان لنفس الآية، لكن الجماعات المحاربة رفضت وما زالت ترفض كلاّ من المعنيَين السابقين. فلفظة الأمّة المُختارة والمفضَّلة لا تخصّ حسب دعواهم الجماعة الملتفّة حول النبي وحدها؛ كما أن الآية ، حسب منظور نفس  الجماعات ، لا تعني الجماعة التي تدعو إلى المعروف من قواعد المحبّة بين الناس والتعايش السلمي والمساواة بين البشر، وإنما هي « الأمّة الإسلامية » وحدها : بتعريفها الشّمولي، أو هي الفئة الخاصة التي تدّعي لنفسها الأفضليّة من بين بقيّة الفئات الإسلامية  وغير الإسلامية.

    لقد قفز فقهاء الجماعة المحاربة بعبارة « أمّة » من معنى الجماعة الملتفّة حول النبي إلى المعنى العابر للمنطق وللتّاريخ والمتمثل بالجامعة الإسلامية متجاهلين ما حدث وما يحدث حتى أيامنا هذه من اختلافات وحروب بين المسلمين أذلّت ماضيهم وتُحطّم حاضرَهم.

   هل أذكّر الأستاذ محمد بما شاهده  تاريخُنا  من قسوة الحروب الدينية  ؟.. لن أفعل هنا، فقصص جرجي زيدان كانت كافية لكل من قرأها لكي يعْلم بشيء مما كان يجمع المسلمين داخل الأمة أو الجماعة الإسلامية من حروب وسفك للدماء.

   لكنه يقول في الصفحة 65 من كتابه »أمّة الوسط »:  » الإسلام، كما هو معلوم من الجميع أمّة ملتفّة حول الإيمان. فإلى حد اليوم ما زالت أقل العيون تبصُّرا تعرف كيف تميّز ملامح هذه الأمّة…لقد فَقد الإسلامُ من يُجسّدُه: الخليفة. في سنة 1923 قد قَََبرت جماعةُ الشبان الأتراك، في شخصه، ״الإنسانَ المريض״، واستبدلوا الطّربوش بالقبّعة. »

    حين كان الخليفة العثماني على رأس « الأمّة الإسلامية « حسب تعبير محمد الطالبي كان المسلمون منقسمين إلى جماعات محاربة عديدة، لم تكن الجماعة أو الخلافة في تركيا سوى واحدة منها، ولم تستطع الجماعة المركزية التّركية بسْط نفوذها على بقية الجماعات أو الدول الإسلامية إلا بالحرب.       الجامع الرّوحي الذي ينزع إلى لمّ شمل المسلمين، لم يوجد بدون الجامع الروحي الآخر الذي كان يوحّد كل واحد من شعوب المحيط في وجه الاستبداد والقهر الوافد عليه من مركز الخلافة. إنما كان الإسلام أو « الجامع  » الروحي متعددا: فباسم الإسلام كانت الجماعة المركزية تُخضع بقيّة الجماعات، وباسم الإسلام أيضا كانت كل واحدة من الجماعات المنفصلة تقاوم الإخضاع والضمّ.

    هذا هو تاريخُنا ، فكيف نُنكره أو نتجاهله أو نمتنع عن الاعتبار؟

    اليوم أيضا تقوم دول دينية وجماعات دينية متعدّدة يجمعها العداء والحروب في كثير من الأحيان ولا يوحدها دائما جامع روحي واحد. بل نحن أصبحنا في خوف من عودة الحرب بين الشيعة والسنة، بعد أن طُمس الطابع العصري عن دولنا أو استُبدِل بالطابع الديني والمذهبي الطائفي.

    هل نقارن تعايش اللغات والأديان والمذاهب في سويسرا بما يحصل في باكستان أو السودان أو العراق مثلا حتى نفهم ما يعنيه « الجامع الروحي » أو الالتفاف حول الإيمان ؟

    هذا هو واقعنا فكيف نُنكره أو نتجاهله أو نمتنع عن الاعتبار؟

    أليس محمد عبده أقرب إلى الحقيقة والصدق من عديد اللاهوتيين الجدد عندما وصف دعاة الجامعة الإسلامية بأنهم « مجانين »؟

    هل الإسلام يجمع أم يفرّق؟ وحدها مقاصد الخير والمساواة والسلم، التي توجد في التراث الإسلامي كما في كل التراث البشري والتي نجد لها اليوم تعبيرا واضحا في المواثيق الكونية، هي التي توحّد الأحاسيس داخل كل مجموعة بشرية وبين كل الناس في العالم من أجل الخير والحقيقة والحق.

    هل بعد هذا وذاك نحافظ على هَوَسنا منتظرين من الجماعات الدينية الأصولية ومن جامعاتها الإسلامية شكلا والطائفية مضمونا أن توصل شعوبنا إلى العزة والقوة؟ّّ!

    إن عبارة « أمّة » في القرآن لا تعني سوى « جماعة ». فقد وردت كلمة « أمّة » في كل مرة معبّرة عن جماعة محدّدة. لكن الجماعات الأصولية، لكي يتمكنوا من استعمالِ معاني التخيير على الآخر والشّهادة عليه وحتّى أمرِه ونهيِه، سَحبوا هذه المعاني على ما يُطلقون عليه في أيامنا تسمية « أمة إسلامية ». هم يسحبونها على الجماعة المسلمة الواسعة التي تشمل كل مسلمي العالم في مرحلة أولى من دعايتهم لكي يخصّوا بها طوائفهم المناسبة في مرحلة تالية .. هكذا صارت السُّنة طائفة حاكمة  في باكستان تُخضع الطائفة الشيعية وهكذا أيضا صار الشيعة حاكمين في إيران بواسطة فقههم الخاص إلخ… ما ينشرونه باستمرار في المرحلتين هو شعور الغرور والاستعلاء بين مناضليهم، ممّا يجعل هؤلاء المناضلين يظنّون بأنهم أحقّ بالشهادة على الغير أو أحقّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحق بإعلاء فقههم أو قانونهم الخاصّ ما يعني أنهم أحق بالحكم.

      نحن نرى ونلمس باستمرار أنه لا خير إلا في من قدّم الخير والمحبّة والسّلم لكلّ الناّس، ولا شهادة إلا لصاحب الحكمة والحقيقة والصّدق ولا يقدّم النصيحة بالمعروف إلا من يميّز بين المعروف والمنكر. 

  *  الأمر بالمعروف كمثال ثالث:

     وهكذا أيضا يُفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ففي حين أن عبارتي المعروف والمنكر تعنيان حين نَطق بهما النبي نمَطيْن من السّلوك والعُرف  خاصين ومحدَّديْن في عصره ، فإنّ في الأمر الديني نفسِه نداءا للفرد لكي يتقيّد بالاتفاق الجماعي وبالمصلحة الجماعية التي تعنيها عبارة المعروف؛ إن الالتزام بالمعروف أو الاتفاق الجماعي هو مبدأ وقيمة خُلقية سابقة لدعوة النبي وقائمة إلى يومنا في كامل أصقاع العالم. فالجماعة البشرية وكيانُها يقومان على اتفاق خُلقي وقانوني وسلوكي من قديم إلى يومنا هذا. وما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا تصريح بعددٍ من تلك المبادئ التي تمثّل المعروف الكوني وتمنع ما يُنكره الجميع في عصرنا الحاضر.

   إن التمييز بين المعنى الخاص المرتبط بالظّرف والحدث وبين المعنى العام الذي يصلح كقيمة أو مبدأ هو الذي جعل الطاهر الحداد كمُصلح ديني يتحدّّث عن فهم مقاصدي للدين. فالنص الديني الإسلامي ، حسب الفهم المقاصدي، يُؤخذ على ما فيه من مقاصد الخير للناس ولا يؤخذ على ما فيه من تعليمات خاصّة أُحدثت للآن والظرف وتختص به ولا يجوز العمل بها خارجه.

  ولا بد من التذكير هنا  أن القدرة على الأخذ بما في النص الإسلامي من مقاصد الخير وعلى التمييز بين المعنى الخصوصي والمقصد الخيري إنما تتوقف قبل كل شيء على الالتزام المطلق بالصّدق ومحبّة كل الناس وعلى الاعتناق  الصّادق والحقيقي لقيم الموضوعيّة العلمية وقيم التآخي والمساواة التامة بين كل الناس.

* « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم… » كمثال رابع:

    تمثل هذه الآية واحدة من أكبر المستندات الفكرية داخل إيديولوجيا الحركات الإرهابية والأصولية الإسلامية. هاته الإيديولوجية أو اللاهوت الإسلامي الأصولي لا تعتبر الآية إجابة بلفظ بشري على ما كان يتطلَّبَه وضع خاص ومحدد ينحصر في إشكاليات المعركة بين النبي وخصومه.

   أما المبدأ العام أو البرهان الكامن داخل الآية فهو واضح أيضا وهو يعني أن كل معركة تتطلب من كل طرف أن يعد ما استطاع من القوة.

   فقهاء الجماعة المحاربة لا يرفضون خصوصية الآية فقط بل أكثر من ذلك فهم يطلقون معنى عبارة « عدو الله » في المكان والزمان. فتلك العبارة لا تعني، في منظورهم، ما كان يعنيه النبي من حالة العداء بين الدعوة الدينية الجديدة ومن كانوا يحاربونها من أبناء قريش، وإنما لها معنى مستقل عن الوضع الخاص بالنبي وعابر للمكان والزمان حسب زعمهم. فقد يكفي أن تكون مسيحيا لكي ينعتونك بتلك العبارة، وقد يكفيهم بحثك عن الحقيقة أو سعيك للفهم لكي تصير عدوا لله في منظورهم.

    و »عدو الله » هذا الذي يوجد في كل مكان وكل زمان والذي لم يكلّ من معاداة الله يستحق كل ظُلم الدنيا وكل عذابات الآخرة!!

    إنك لكي تقبل بهذا الفهم لعبارة « عدو الله » يلزمك أن تكون أشعريا: فكما لله « عين بلا كيف و يد بلا كيف وعرش بلا كيف… » له أيضا عدو بلا كيف!

    وجد عديد المسلمين غرابة في أن يكون لله يد أو عين.. لذلك قال بعضهم بأن التعبير القرآني مجازي(محمد أركون) في مثل هذه الحالات وقال آخرون أن اللفظ القرآني بشري(ابن رشد) وقال غيرهم بالفهم المقاصدي (الطاهر الحداد) للنص القرآني ناهيك عما قاله المعتزلة في الموضوع الخ…  وعبارة « عدو الله » لا تقل غرابة، فكيف لمخلوق أن يقدر أو يتجرأ على معاداة خالقه؟!

    من أين يأتي العداء لله؟

    ثلاث أجوبة تبدو ممكنة، فإما أن يكون الله هو الذي خلق عدوا لذاته أو أن يكون المخلوق عدوا لله بمحض إرادته أو أن يكون طرف ثالث هو المصدر للحكم فيُصدر حكمه بأن هذا المخلوق عدو لهذا الخالق:

    – لا أظن أحدا يقول بأن الله هو الذي خلق العداء لذاته داخل عقول أو أنفس مخلوقاته ، لأن هذا يتنافى مع صفة الرحمة ومع منطق الابتلاء ومسؤولية المخلوق في ما يأتيه من ذنوب، كما يتنافى أيضا مع صفة الحكمة: فالله، وإن كان يفعل ما يريد، لم يتخذ ابنا لأن هذا يتنافى مع المعقول والحكمة حسب اللاهوت الإسلامي ذاته، فكيف يتخذ لذاته أعداء؟ أليس هذا أكثر غرابة وبعدا عن المعقول والحكمة ؟

    – هل يكون المخلوق بمحض إرادته هو الذي يعصي خالقه ويعاديه؟ لا يقل الجواب بالإيجاب غرابة عن القول السابق. فالمسيحي أو المُلحد أو البوذي… إنما لهم قناعات مختلفة كسبها كل واحد بما توفّر لديه من معارف ومن صدق وما يحيط به من ظروف وأفكار..، فكيف يمكن لنا أن نتصور مثلا أن من توصّل، في بحثه عن الحقيقة إلى أنه لا يوجد خالق لهذا الكون، كيف نتصور أنه يعادي بمحض إرادته وواضح نواياه إلها لا يعتقد في وجوده؟

    وحدهم الأصوليون الذين يكسبون اللفظ القرآني ويخسرون الحقيقة لا يجدون غرابة في الأمر .. وهم في الأثناء يرتلون قول الأشعري رمز الانحطاط الإسلامي: »له يد بلا كيف …له عين بلا كيف… »… وله عدو بلا كيف!

     – يبقى الجواب الثالث إذا وحده الممكن وهو أن الطرف الثالث هو الذي يتهم أعداءه هو بالعداء لله. هكذا كل الحركات الدينية تخلط بين الديني والسياسي وتوظف اللفظ القرآني في صراعاتها السياسية فتجعل من منافسيها أو أعدائها هي « أعداء » لله.

   « لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه… »كمثال خامس:

    جاء في سورة الأنعام: »ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نُردّ ولا نُكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين(27)بل بدا لهم ما كانوا يُخفون من قبلُ ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه… ».

   لو أخذنا هذا النص على ظاهر ألفاظه لذهب بنا القول أيضا إلى أنه زيادة على وجود أعداء لله يوجد عصاة متشبثون بعصيانهم إلى الحد الذي يجعلهم: »لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه… »

   كيف ولماذا اتّجه اللفظ القرآني هذا الاتجاه في الآيتين؟ مهما كانت الإجابة على هذا السؤال فإن ما يرفضه العقل ويعجز عليه التعقل هو القبول بأنه بإمكان المخلوق أن يعصي الخالق بكامل الوعي وسابق النيّة وبإصرار متكرر »لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ».

   هل يعقل أن هذا الكائن البشري الضعيف الذي يعيش حياة الذل والعبودية بأشكالها المتعددة اجتماعيا وسياسيا وفكريا وروحيا عبر كل تاريخنا السابق ومعاشنا الحاضر متمثلا ومطيعا لأدوات الردع البشرية، هل يعقل أنه بعد وقوفه على نار جهنم وبعد تذوق طعم أدوات العقاب الأخروية  في حضور الرب، سيعود لما نهي عنه؟!

    هل تعقل ألفاظ الآية بدون تخصيصها بوضعية الصراع والنزاع بين النبي وأعداءه؟

    هل نحمّل في مثل هذه الحالات النبي كمترجم للوحي، أو الصحابة كناقلين ومدونين للنص الديني مسؤولية هذا الظاهر اللامعقول أم نحمّل عقولنا وحياتنا كل الأوزار ونطلق القول بأنهم « لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه »؟

   إن غرابة ظاهر الآيتين لا تقل عن غرابة الآيات القائلة بانبساط الأرض. لكن رجال الدين الذين تفننوا في البحث عن تأويلات جديدة للآيات القائلة بانبساط شكل الأرض لم يروا غرابة في ظاهر الآيتين 27و28 من سورة الأنعام لأن ذلك الظاهر مازال حمّالا لمصالحهم السياسية وما يزال أيضا يمثل تعليلا وتبريرا لما يحملونه وينشرونه من حقد على الآخر ومن كراهية له وما يضمرونه من  التسلّط والاعتداء عليه.

    قد تكون الآيتان لعبتا فعلا دور التعبئة لأتباع النبي والتحريض على أعدائه، لكنهما اليوم بإطلاق معناهما الظاهر تصلحان فقط لتأجيج الخطاب الطائفي للحركات السلفية الإرهابية.

   رغم كل الاعتبارات يظهر معنى خصوصي للآيتين ومعنى عام: فالآيتان قد تكونان قصدتا الإخبار بأن شخصا أو أشخاصا محدَّدين هم المقصودين وأنه ينبغي عقابهم على جرائمهم عاجلا وبالحاضر وعدم تركهم إلى حساب مؤجل. ويظهر أيضا معنى عام وهو القائل بأن المجرمين والمذنبين في حق الغير لابد لهم من عقاب عاجل في الدنيا ولا ينبغي تركهم بلا عقاب.

   هذان المعنيان لا يعجبان زعماء الحركات السلفية وفقهاء الأصولية الإسلامية الذين يُعِدّون جيشا للحرب قوامه مسلمون يُؤدّون طقوس الطاعة ولا مانع عن إسلامهم حتى « إن زنوا وإن سرقوا » ولا داعي لعقابهم  على ما آتوه من المنكر فتوبتهم أو دخولهم للجماعة تكفي وكراهيتهم وشدّتهم وعدوانهم على الآخر هي الثمن!!

« إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون » كمثال سادس:

         يعيش المسلمون بصفة خاصة في علاقة متأزمة مع تراثهم بسبب الخلاف المتواصل بين تعقل ذلك التراث وتقديس ألفاظه. وهذه الأزمة تتعمق باستمرار عندنا منذ بدأ الارتداد الفكري عما أنجزته حركات الإصلاح وحركات التحرر في بلداننا. فبعدما كانوا يقولون في مدارسنا في الستينات أن نبي الإسلام يمتاز على غيره من الأنبياء بكونه لم يأت بمعجزات، صارت مدارسنا اليوم ورجال التعليم فيها يتفنّنون في تقديم « الإعجاز القرآني » كبديل عن الحجة العقلية وعن الحقيقة والصدق.

    إنه في حين تتبين الحاجة الماسّة لترك اللفظ القرآني من أجل الأخذ بمقاصد الخير وبراهين المنطق وعلامات الحقيقة يواصل الخطاب الرسمي مثل خطاب كل الأصوليين في الاعتماد على التفسير الموروث للآية « إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون » لكي يؤكدوا على الطابع الإلهي للّفظ القرآني جملة وتفصيلا فهل يمكن الأخذ بفهمهم لهاته الآية دون خروج عن إطار الحكمة و التعقل المطلوبين؟

    ذهب العديد من المفسرين منذ القرون الأولى للهجرة إلى نفس التفسير الذي تروّجه مؤسّسات التعليم والإعلام الرّسميين وكل الحركات الأصولية والذي يقول بأن كلمة « الذّكر » تعني الكتاب أو المنسوخة القرآنية الموجودة أمامنا، وأن هاته المنسوخة محفوظة من لدن الله بمعنى أنها تمثّل ألفاظا وأحرفا منزّلة لم يطلْها نقصان ولا زيادة ولا يطالها أي تغيير.

    لكن التعقل يحملنا إلى اعتبار آراء أخرى أكثر انسجاما مع التاريخ ومع المنطق ومع مجمل نص المنسوخة القرآنية التي بين أيدينا. يقول المفكر المنذر صفر عند تعرضه لمعنى الآية سالفة الذكر أن كلمة « الذكر » إنما جاءت لتقصد بالتحديد قصص الأولين مثل عاد وثمود الخ…تلك القصص أو تلك الذاكرة هي التي تبقى محفوظة عند الله في اللوح المحفوظ.

 ص16-17 ).   le coran est-il authentique ?(أنظر كتاب:   

   

 قد يكفينا أن نلاحظ  مع المنذر صفر كيف تعرّض النص القرآني إلى قصة شعيب في ثلاث مواقع مختلفة بأشكال مختلفة للبرهنة على خطأ المزاعم الأصولية في تفسير الآية، ولكن طوفان الإعلام الرسمي وحدّة الرقابة الرسمية يتكلفان بطمس كل الحقائق.

    إن كان اللاهوت الإسلامي يتحدث عن امتياز الإسلام بكونه لم يعتمد المعجزات، فقد انقلب الأمر في أيامنا وصار للإسلام معجزاته: كمعجزة الكتاب الذي لم تمسسْ ألفاظَه يد البشر.

    هل الإسلام في حاجة حقا لمثل هذه المعجزات؟ لا أظن ذلك … بل نداءات التعقل الواردة في النص القرآني هي التي تستحق الاحترام والاعتبار.

    إنه من المفيد بالعكس أن نتحدث عن عجز الفكر الأصولي الإسلامي على استعمال الحجة وتعقل ما يُعلنه من مسلّمات. إنهم يُعلنون صباح مساء أن الله حفظ ويحفظ النص القرآني ولا يرون أبسط الحقائق حول ما لحق به من إضرار بتغيير ترتيبه الأصلي: يُعلنون بالصوت العالي مثلا أن اللفظ الديني « …اليوم أكملت لكم دينكم… »قيل في آخر الدعوة ولا يرون حرجا في وجود هاته الألفاظ ضمن الآية الثالثة من السورة الخامسة في الترتيب عوضا عن أن تكون في آخر الكتاب.

    لو بحثنا بشكل آخر فيما تعنيه عبارة « الحفظ » لوجدنا أيضا أنها تختص بما كان يدور حوله الجدال مع النبي من نص قرآني وأن ذاك الجزء مازال محفوظا في حين أن أجزاء أخرى يصحّ عليها القول الآخر »ما ننْسخ من آية أو نُنْسها نأت بخير منها أو مثلها… ».

    أما إذا أردنا إخراج مبدإ عام أو برهان من الآية فلعلنا لا نخطئ حين نقول أنها تعلن أن ما ينزله الله لا يستطيع حفظه إلا هو وأنه مهما سعى النبي والناس من حوله للحفاظ على « الذكر » فإنه لن يحصل الحفاظ عليه إلا بالشكل والقدر الذي يريده هو. بهذا الشكل نتحصل على فهم متناسق للآيتين معا: آية الحفظ وآية النسخ. وهو الفهم المتناسق أيضا مع تاريخ الديانتين اليهودية والمسيحية حيث يعترف أتباع الديانات الثلاثة بتاريخية ما وصل لنا من خطابها الأصلي.

      لست منتجا لاهوتيا ولست أدّعي الوصول إلى التفسير الأدقّ والسليم لهذه الآيات  بقدر ما أردت التلميح إلى أن ما يدور في محيطنا الفكري من الأفهام والتفاسير للنص الديني الإسلامي الرافضة  لقيم الحداثة والحرية والمساواة والديمقراطية إنما هو مواصلة لما أنتجته الخلافة والجماعة المحاربة منذ وفاة النبي، وهو ما تريد تجسيده الجماعات المحاربة الجديدة تكريسا لمطامح زعماءها في التسلط وما تفرح وتسعد به القوى الاستعمارية طالما أنه يضمن دوام تخلفنا الفكري والاجتماعي والحضاري.

    إنه لا يخفى على أي نظر سليم أن تقديس اللفظ القرآني أو صنمية النص الديني هو الذي يمكّن عناصر الحركات الأصولية الإرهابية من سلب المقاصد والبراهين حقَّها في العُلوية ، وهو الذي يجعلهم يحملون وينشرون إسلاما طقوسيا تقليديا ويجعل منهم بالتالي جماعات محاربة تدّعي التقوى والانسجام مع إرادة الحق أو تعيش الهوس بهما لكنها لا تحقّق سوى الخراب والدمار للجميع في الحقيقة والواقع.

« ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون »(المائدة 44) كمثال سابع:

   يستعمل زعماء الحركات الأصولية هذه الآية ومثيلاتها لكي يكفّروا الحكم القائم وبقية المنافسين من الحركات السياسية. فالاختلاف حول عبارة « ما أنزل الله » لا يقف عند حدود الاختلاف بين اعتبار كلام الله متمثلا بألفاظ المنسوخة القرآنية وبين اعتباره متمثلا في المقاصد والبراهين التي يترجمها ويعبر عنها اللفظ، وإنما يتعداها إلى الاختلاف في تفسير وفهم أو تأويل اللفظ ذاته. والكل يعلم ما نتج وينتج عن الاختلاف حول معاني اللفظ من تعدد في المذاهب ومن صراعات وحروب طائفية.

    هذه الآية أيضا تفهم بالمعنيين: الخاص والعام. فهي في معناها الخاص تخاطب المؤمنين الذين كانوا موجودين أمام النبي عند نزولها. هم المعنيون والمخاطَبون. ووجود النبي بينهم هو الضامن للتطبيق السليم لذلك الآي ولنسخه والإتيان بمثله أو بأحسن منه.

    أما البراهين والنداءات لفعل الخير التي وجدت في الدين الإسلامي كما وجدت في كل الأديان والتي تمثل مبدأ الاستقامة في الحكم كما تمثل مصدر الإقناع والإيمان في كل الأديان، فهي التي تمثل بالتالي مقصد ومجال الآية في معناها العام والعابر للزمان والمكان. فالأمر بفعل الخير هو القائم والدائم والثابت، أما فعل الخير فيحصل حسب قواعد ومعارف وقناعات العصر وحسب معروفه  وأخلاقه الخاصين به. فإن كان الخير في القرن السابع مثلا يتحقق حين تعتق واحدا من عبيدك لكي يصبح من مواليك الذين تأمُرهم وتُمثّلهم وترثهم.. فإن الخير يتمثّل اليوم في المنع والتحريم الصريحين والكاملين لعبودية الإنسان لأخيه الإنسان.

    حول الأخلاق:

     الأخلاق هي أساسا كل ما هو معلوم من قواعد السلوك التي تتميز تاريخيا لكي تتحكم في تبادُل الكلمة والإحساس. الأخلاق هي قواعد سلوكية تعلو على كل القواعد الأخرى المتعلقة بالمعاملات المادية؛ فإنْ تحقّق المبدأ الأخلاقي لما بقينا في حاجة إلى القواعد والضوابط الأخرى الدينية أو القانونية: إنْ صار كلّ الناس يفعلون الخير ولا يُضمرون سوى المحبّة لما بقيَت حاجةٌ للضوابط  القانونية الأخرى. وبتعبير آخر فإنّ ما تُصلحه الأخلاق يُعفَى القانونُ من عناء تقويمه وإصلاحه. الأخلاق هي الأساس في هذا المنظور للبناء الجماعي .

     لقد  توصّلت الحكمة البشرية إلى الحديث عن وجوب انحسار الخطاب الديني في الخطاب الخُلُقي، وقد صار بالفعل غالب المُصلحين لأحوال الدين في العالم يطالبون  بإفراغ القلب من الحقد والكراهية وملئه بمحبة الناس، وإلى كفّ اليد عن إيذاء الغير وتوجيهها لفعل الخير مع الآخر ومع الجار. إلى أن قال الفيلسوف سبينوزا بأن التقوى إنما هي فعل الخير مع الجار، وإلى أن صار المسيحيون يقولون بأن « المسيح وضع حدا للعبادة وأحل الأخلاق محلها ».

     تنبغي، في هذا الإطار، مطالبةُ الأستاذ محمد الطالبي بمراجعة قوله في الصفحة 156 من كتابه »أمّة الوسط  » حيث جاء: »… وكذاك سلوك الذين يرفضون… ما ورد في الكتاب والسنّة من أوامر إلهية ونواهي وطقوس عبادة ، مردِّدين في غموض مقصود ولُُبْس مدروس أن الإسلام أخلاق ،وتأويل قولهم هذا ، الذي يشرحه سلوكهم ، أنه أخلاق فقط »؟

    إن مثل هذا الخطاب لمحمد الطّالبي، باتّهامه نوايا الغير وبتأويله لأقوال الغير اعتمادا على اتهامات لسلوكهم ، لا يمكن أن يُفسَّر إلا ببقاء صاحبه تحت تأثير إيديولوجيا الجماعات الإسلامية المحاربة التي تسعى بطبْعها لعسكرة حياة المؤمنين وتوحيد لباسهم وسلوكهم وحركتهم. إن دفاعه على ما يسميه طقوس عبادة مبالغ فيه؛ لأن القيام بأي واحدة من الطقوس الدينية بشكل مستمر أو ظرفيا  ينبغي، حسب رأيي، أن ينتج عن إحساس ورغبة حرة و ذاتية للفرد ولا عن إجبار أو واجب محدد بشكل صارم ونهائي. إنه يوجد فرق واضح بين التوجيه الصلب والمجيّش الذي تريده الحركات الأصولية المحاربة وبين التوجّه الإنساني الذي يريد أن يجعل من كل حركة للفرد عملا حرا  له ومعقولا لديه.

    هل أذكّر محمد الطالبي بالآية « …وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر… » حتى يوافقَ على أن الصلاة إنما هي وسيلة للابتعاد عن الفحشاء والمنكر؟

    لا بد دائما من التمييز بين المبدأ والدليل الرئيسي من جهة وبين التوجيهات التي قد لا تكون لها من غاية سوى تحقيق المبدأ وتطبيق قواعد الدليل من الجهة الأخرى.

    هكذا حين تعلم أن أخْذ الدواء يساعد طِفلك على الشّفاء فإنّك  ستأمُره بأخذه مرارا وتكرارا . وحين يسألُك طفلُك: لماذا تأمرني بأخذ الدواء؟ ستجيب بوضوح وتلقائية: خذ الدواء لأنه يساعد على الشّفاء؛ وقد تحذره أيضا من أن عدم أخذه لدواءه سينتج عليه استفحال المرض وعقابك المباشر له.

    ألا يكون الأمر بالصلاة في النص القرآني من نفس القبيل ما دمنا نرى أن اجتماع الأمر بالصلاة مع الأمر بالابتعاد عن المنكر في نفس الآية القرآنية قد جعل ترْكَ المنكر غاية والصلاةَ وسيلة؟

   أشكال الصلاة في العالم مختلفة باختلاف الظروف والغايات. فلا أحد يشكّ في أن صلاة الجماعة مثلا تصلح للمّ شمل الجماعة والتّمييز بين حدود الطوائف الدينية ولشحذ حماس الجماعة من أجل النضال الديني والحربي. وها نحن نشاهد اليوم  معركة المساجد  حيث صارت المساجد موقعا تسعى كل جماعة لكسْبه واستعماله من أجل إرسال خطابها الخاص وتنظيم صفوف مناضليها. لكن المبدأ أو الجوهر في الصلاة فإنما هو مُثولُ الإنسان من تلقاء ذاته أمام الحقّ لكي يحاسِب النّفس ويَطلب المغفرة والعون من أجل النجاة والخير. الصلاة هي قبل كل شيء تلك اللحظة التي يطلب الإنسان فيها حقّه في الحياة والسعادة من الطبيعة والآلهة وهي أيضا تلك اللحظة التي يُواجه فيها الإنسان ضميره لكي يعتذر عن كل زلّة أخرجتْه عن طريق الحقيقة أو الصدق أو فعل الخير. هكذا يتعبّد كل الناس قديما وحاضرا وحتّى النهاية.

    هذا الجوهر يأخذ أشكالا عديدة حسب الظّرف والحدث وتوظّفه الجماعات في الحقّ كما في الباطل. إنّه، عندما يصبح ممارسة جماعيّة، يتحجّر شكلُه ويصير تقليدا لا يُسمح بالحياد عنه. هكذا حركة الجماعة التي تبدأ دائما بالدّفاع عن الفرد تنتهي إلى أسْره.

    كل المنظومات الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي تنطلق وتبدأ بالنداء للخير والمصلحة الأعم تدفعها المصالح الفئوية المنتصرة لكي تصير مجرّد طقوس للتّكرار والتّقليد.

    حين صار الإسلام يُقاس بإلقاء الذّّقُون كان ردّ « المتنبّي » على أصحاب الذقون بالقول:

     أغايةُ الدّين أن تُعفوا شواربَكم          يا أمّة ضحكتْ من جهلها الأمم.

    وحين وَجَد أبو العلاء المعري حوله كثيرا من الإسلام الطُّقوسي قال أيضا:

    وقد فتّشت عن أصحاب دين           لهم نُسك وليس لهم رياء

    فألفيت البهائمَ لا عقولَ                 تُقيمُ لها الدليل ولا ضياء

 

    هل أذكّر الأستاذ الطّالبي بواحدة من أجمل وأروع أغاني « فيروز » التي تُردّد فيها نداءَ جبران خليل جبران ل »المحبة »:  » أنتَ.. أنتَ.. إذا أحببْتَ.. لا تقلْ اللهُ في قلبي.. لكن قلْ: أنا في قلب الله » ؟

    هل هناك أجمل وأروع من أن يكون قلبُ الله أو جوهرُ الحق حاضنا للمحبّة ولأهلها ؟ وهل هناك  أعظم من المحبّة التي تفتح قلبَك وعواطفك نحو الآخر الذي يوجد خارج طائفتك أو قناعاتك؟

    طبيعيّ جدا أن ترفض الجماعات الإسلامية المحاربة فهمَ الدين الإسلامي مثل غيره من الأديان على أنّه دينٌ للمحبّة والتّسامح والسّلم ودين لمفارقةِِ الحقّ الخاصّ من أجل الخير العام والمساواة بين الجميع ؛ لكن ما لا يُعقل هو أن يقدِّم محمد الطالبي رأيَه واتّهاماته باسم الإصلاح الديني أو باسم « إسلام عصري أو حديث ».

       إنه قد مضى الوقت الّذي كان يُعتبر فيه الدين كمجموعة من الطّقوس والأوامر للتّقليد والإطاعة. ولن يَقبل العالََم باستمرارِ العديد من رجال الدين المسلمين في رفضهم لإعلاء أخلاق وقيم المحبّة والخير بين الناس. وسيجيءُ الوقت الذي تُعلن فيه قيادات المؤسّسات الدينية الإسلامية، عاليا وبكل وضوح، أنّه لا مجال لإطلاق معنى الآية  » محمد رسول الله ومن معه أشدّاء على الكفار رُحماء بينهم… » أو رفض اختصاصها بالنبي وبأحداث ذلك العصر. وهذا يعني أنّ المسلمين أيضا عليهم أن يحترموا الآخر وأن يُسابِقوه إلى فعل الخير وإظهار معالم المحبّة.

     سيجيء اليوم الذي نرى فيه أُناسا مسلمين بصدق يقفون أمام جرّافات القهْر وينتصبون كالجدران في وجه الظّلم المسلَّط على بني الإنسان الآخر مسيحيا كان أو بوذيا أو ملحدا… ذاك الإنسان الآخر الذي سبقنا إلى قِمم العطاء أمام جرّافات الصّهاينة في الضّفة الغربية المحتلّة وأمام طائرات المحتلّ في العراق وفي مظاهرات الملايين في شوارع مدريد وروما و لندن الخ… نعم سيجيء يوم يَفهم الجميع فيه أن الحقّ له لغة واحدة هي لغة المحبّة وفعل الخير مع كل الناس من كل الأديان والمذاهب.

    محمد الطالبي حرٌّ في أن يفهم الدين الإسلامي كما يشاء وهو حرّ في أن يحمل نفس الفهم الموروث والرّسمي، ولكن عليه أن يتْرك الحقّ لغيره أيضا في حرّية الفهم فلا يتّهمه مجانا بغموض القصْد ولا بنِّية اللُّبس أو سوء السلوك ، فهذا من أبجديات قواعد الاحترام للْغيْر ولِفكْر الآخر.

     غموض القصد ونوايا اللبس إنما يختفيان وراء السّعي لحرمان المواطن من التعرّف على الحقائق التاريخية ووراء السّعْي إلى تلقينه أفكارا لاهوتية مُنذ نعومة أظفاره عِوضا عن مساعدته على خوض غمار البحث العقلي وعلى ولوج عالم الحقيقة والصّدق.

     حول الحقيقة والإيمان:

         ما هي العلاقة بين الحقيقة والإيمان؟ أو بين الحقيقة الدنيوية وعالم الغيب؟

     الحقيقة الحاضرة بين أيدينا هي التي نستطيع ملامستها وفهمها واكتشافها وتجربتها… كل الآلهة حين، تعرّفنا بنفسها، إنما تقدم لنا أجوبة على تساؤلاتنا الفلسفية والحياتية في محيطنا الاجتماعي وكوننا المادي: تقدم لنا من موقعها الغائب والماورائي إعلانا للحقيقة والحق فهي تقدم ذاتها كالرمز الغائب للحقيقة والحق. بهذا المنظور يكون التعبد والإيمان أو الانسجام مع الله، رمز الحقيقة والحق، بانسجام أفعال المؤمن وأحاسيسه مع الحقيقة الدنيوية والكونية الملموسة.

    بتعبير آخر أقول إنه ما دام الله يعرّف نفسه بمجموع إجاباته على تساؤلاتنا حول الحقيقة والحق فإنه لا ينبغي بأية حال من الأحوال أن ننسى الأصل أو نقبل بضمور بحثنا فيه والتزامنا به.

    الحقيقة تظهر وتتمايز من قديم إلى يومنا هذا من ضمن كل الإنتاج الفكري البشري. وإن كنا نجد انعكاسا لها في كل التّراث البشري وفي النصّ الديني الإسلامي أيضا فإنها غاية الإنسان وغاية أرقى أبحاثه، كما أنها تمثل أقدس ما يتواصل ويثبُت من معارفه. وينقسم الناس في غمرة الكدّ والبحث والتطور البشري إلى صنفين : صنف يُطيع ويُردّد كلاما وأوامر صادرة من خارج عقله وضميره ويصدّق الرواية أو الأسطورة والإشاعة، وصنف آخر يُحقِّق ويفكّر ويجرّب ضِِمْن سعيِه المبدئي  والدّؤوب للانسجام مع الحقيقة.

    مهما شكّك المشكّكون في مقدرتنا على بلوغ الحقيقة فإنه لن يَقبل منّا ضميرٌ أو عقلٌ ولن تَقبل منّا الأرضُ ولا السّماء أن لا نكون من الصنف الثاني.

      في الفلسفة تمثّل الحقيقة غاية أو جسرا بل طريقا واحدا نحو الحرية. فكيف لا تمثل الحقيقة في الفكر الديني جسرا وطريقا إلى الإيمان ؟ هل يَقبل الله أي سعي نحوه عبر طريق آخر غير طريق الحقيقة والحق؟ هل يعني الإيمان بأي دين أو مذهب أن نسْلك أيَّ طريق آخر غير طريق الحقيقة؟

    لا أحدا  يصرّح بذلك. كلّ الناس يقولون بانسجام مواقفهم مع الحقيقة ، لكنهم مختلفون في الفلسفة ومختلفون في الدين. فهل الحقيقة حقائق؟ أم هي واحدة يختلف الناس فيختلفون فيها؟

     الحقيقة واحدة حين تكون التزاما وهي تتعدّد بعد البحث.

     إنّنا نكون كلُّنا متماثلين و متّحدين حين نلتزم بالحقيقة فلماذا نختلف في أثناء البحث عنها ؟ إنّما يحصل الاختلاف لأن الالتزام يضعف عند أحدنا نتيجة تأثير الدوافع الثقافية ودوافع العادة والتعوّد، كما قد يحصل بدوافع الخوف وعوامل المغالطة المسلَّطة على الفرد من محيطه الخارجي.

     إنُنا نكون كلنا صادقين متماثلين أنقياء حين نلتزم بالبحث عن الحقيقة ويصل بعضنا إلى الإلحاد والبعض إلى إيمان مسيحي وآخر إلى إيمان إسلامي إلخ… ينتج الاختلاف عادة عن الدوافع الخارجية: إنّه الضغط المادي والفكري المسلَّط على الفرد من طرف الأمر السائد والفكر السائد والتقليد والدعاية… ذلك الضغط الذي يتعاظم كلّما ابتعدت الدولة عن التزام الحياد.

     نكون كلنا صادقين أنقياء في لحْظة الوفاء للحقيقة ويبدأ الخطأ عند من تَزلّ قدمُه عن ذلك الالتزام  وعند من يُحرم أو يحرم نفسه من حرية الإطلاع وحرية البحث : إنّها لحظة بداية الاختلاف إنّها لحظة الخروج عن الصّدق والابتعاد عن الحقيقة. عند هاته اللّحظة تتعدّد الحقيقة فتصير حقائق. في هاته اللّحظة يختلف الناس فيختلف الإلحاد عن الإسلام وعن البوذية… كل المذاهب والأديان التي هي في الأصل إعلان باسم الحقيقة تتخالف وتختلف في لحظة سُقوط  ذلك الإعلان. المُسْلم كالمُلحد والمسيحي والبوذي.. كلّهم صادقون ومؤمنون يستحقون قبول الأرض والسماء ما داموا يبحثون عن الحقيقة ؟ أما التقليد والطاعة العمياء فهما شيء آخر..

     هل تكون الطاعة العمياء طريقا إلى الإيمان؟ هل يكون الإيمان طاعة لطقوس نجهل الحقيقة حولها؟

     حتى يزول « الغموضُ المقصود واللّبس المدروس » سأتعرّض، كمثال، لعلاقة المسلم بسورة الفاتحة.

     مَنْ مِن المصلّين اليوم لا يتلو واحدة من المعوّذتين مع الفاتحة في صلاته؟ مَنْ منهم يحمل فهْما

وموقفا سليما ومتناسقا من الخلاف التاريخي حول انتساب الفاتحة والمعوّذتين إلى القرآن الأصلي الذي قرأه النّبي أمام أصحابه؟ سأقدّم هنا موقفَ وقول واحد من المؤمنين المصلين و الفقهاء في الدين هو فخر الدين الرازي. يقول الرازي في « تفسير مفاتيح الغيب » : » جاء في كتب القدماء أن ابن مسعود أنكر أن الفاتحة تشكّل جزءا من القرآن. وأنكر أيضا أن المعوّذتين تشكّلان جزءا منه. إعْلم أنه توجد هنا صعوبة كبيرة. فإذا ما قلنا بأن التواتر كان قد حدث في زمن الصّحابة وفيه أن القرآن يشتمل على الفاتحة، فإن ذلك يعني أن ابن مسعود كان على علم بذلك. وبالتالي فإن إنكاره يعني الكفر أو النقص العقلي. وإذا ما قلنا بأن التواتر بالمعنى المشار إليه لم يحصل في ذلك الزمن، فإن ذلك يرغمنا على القول بأن نقل القرآن لم يحصل عن طريق التواتر في البداية، وبالتالي فإنه يكف عن كونه برهانا موثوقا. وهكذا نميل إلى الاعتقاد بأن نقل هذا الموقف عن طريق ابن مسعود كاذب وخاطئ . وعلى هذا النحو يمكننا حل هذا الإشكال أو تجاوزه »(عن محمد اركون هامش الصفحة 118من كتابه « القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني »)

    لا أحد يجهل مرتبة الرازي الفقهية والنّقدية. لكنّه في تحليله، بعد اعترافه بالصعوبة الكبيرة التي تصاحب الحُكم في الأمر، نراه يَحلّ الإشكال ب »سهولة » أو تساهل وتسرّع كبيرين. فحسب رأيه ما دامت المنْسوخة القرآنية الموجودة بين يديْه بُرهانا موثوقا ، فإن  » نقْل هذا الموقف عن طريق ابن مسعود كاذب وخاطئ. » . ابن مسعود هو واحد من العشرة المبشَّرين بالجنة في ما وصل إلينا من أخبار وهو سادس المصدِّقين. والنّاقِلُون لأخبار القرآن هم من الفقهاء واللاهوتيين الصادِقين حسب ما تعوّدنا على سماعِه، والسّلطات الدينية القائمة لم تكن تسمح البتّة بالكذب أو الخطأ بهذا الشّكل؛  فكيف حصَل النقل الكاذب  والخاطئ عن ابن مسعود ؟ مْن بالتحديد، من بين الفقهاء ،هو الذي كان  كذب أو أخطأ بهذا الحجم؟ ومتى حصل ذلك بالتحديد؟ من هي السلطة التي سمحت بذلك حتى يتجول الخبر في « كتب القدماء »؟ الرازي لا يجيب على مثل هذه التساؤلات.

       نحن نعْلم أن جمع القرآن وإثبات نصوصه وقع على مراحل، وأنه إن لم يقع الاختلاف لما انتهى الأمر إلى حرق وإتلاف ( انظر كتاب:

 وكتاب:

« Aux origines du Coran » Alfred- Louis de Premare.

)

« Le Coran est-il authentique ? »  Mondher Sfar

 لكن الرازي لم يأخذ هذا الأمر بالاعتبار. كأنه تسرَّع فقفز إلى الله وإلى الإيمان متجاوزا أو متجاهلا الجسر والطريق: جسر الحقيقة وطريق المنطق.

    هكذا كان ارتباك الرازي وهكذا كان حسمُه للإشكال بين الحقيقة من جهة وبين الإذعان للأمر القائم والحكم القائل بأن المصحف الموجود بين يديه يجب أن يُعتبر برهانا موثوقا.

    فخر الدين الرازي، هذا المفكر العظيم باتّفاق الجميع وهذا الفقيه المفسِّر ، بعد إقراره بوجود  إشكال ذي »صعوبة كبيرة » ينهار في دفعة واحدة أمام سلطة الطقوس و طقوس السلطة فهو لا يمضي في تِبْيان ما كان يَلزم تِبيانُه  من تحديد للمسؤولية عن الخطأ، ذلك الخطأ  الذي يمثل   تعدّيا على الحقيقة وتعديا على التراث في نفس الوقت.

    فخر الدين الرازي لم يُنكر وجود مصحف ابن مسعود ولا غيرَه من المصاحف. وسائرُ الفقهاء لا يُنكرون ذلك ، ولا ينكرون حدوثَ عمليات الإتلاف والحرق لنصوص قرآنية متعددة المراجع ، لكن لا أحد منهم يحتسب تلك العمليات والحوادث أو يُدخل نتائجها وتبعاتها في اعتباراته. لو كان الخليفة عثمان مثلا حافَظ على كل ما كان يُنسب إلى القرآن إلى جانب مصحفه الذي اصطفاه ، لكانت لدينا مادّة تراثية أوسع وأكمل، ولكان بإمكاننا كشف العديد من الحقائق.

    « يطالب الناس بإلحاح، في العالم الإسلامي، بدولة الحقيقة والحق المثالية لكنهم يتعوّدون على طاعة دولة القوّة الحقيقية. » (ماكسيم رودنسون- صفحة 117 من كتابه- الاسلام : سياسة واعتقادات- طبعة آڨورا-1995 )

    يصلح بنا الآن المقارنة بين موقف فخر الدين الرازي الفقيه  وموقف هؤلاء المحاربين البُسطاء ضمن الجماعات المحاربة المعاصرة التي توصف بالإرهاب ..

   الفرق واضح بين الفريقين . فالرازي كغيره من فقهاء السّلف اتّصل بمادّة تاريخية واسعة تُمكّنه من

الوصول إلى الحقيقة لكنّه بعد التعبير عن الاختلاف وبعد التردد أقرّ بالأمر الواقع طمعا أو خوفا ، فهو يقفز فوق الجسر ولا يسلك طريق الحقيقة في مسيرته نحو الله والإيمان؛ أما الإرهابيّ المناضل داخل واحدة من الجماعات المحاربة الإسلامية المعاصرة فإنه لا يقفز فوق الجسر ولا يقفز فوق الحقيقة ما دام لم يتصل بشيء من المادة التاريخية التي اتصل بها فريق الفقهاء. هو صادق وموقفه منسجم مع الحقيقة الوحيدة التي يقدر على إدراكها في دولة الاستبداد والتوجيه اللاهوتي. تلك الحقيقة الوحيدة التي لقّنوه إياها منذ نعومة أظفاره في المدرسة وفي كل أبواق الإعلام المسموع والمرئي، هي التي تحمله على الانتحار وقتل الآخرين. يكمن منبع الإرهاب إذا في المدرسة وفي الإعلام الرسميين الذين لا يقدّمان مختلف الآراء الفلسفية في الدين والحياة ولا يقدّمان تاريخ الدين ومختلف المذاهب والتأويلات الدينية.

      ثلاثة عناصر فاعلة تُمثل المسؤول المباشر داخل كل بلد على انتشار الفكر والسلوك الإرهابيّيْن.  إنه ثُلاثي « الحقيقة الدينية القائمة » الذي يشمل الدولة صاحبة الخطاب الأصولي في المدرسة والمسجد وأجهزة الإعلام الأخرى كطرف رئيسي إلى جانب الفقيه والإرث الفقهي الأصولي كعنصر ثان ثم زعماء الجماعات الأصولية الذين يقومون بتفعيل الفقه الأصولي ولعب الدور الرئيسي  في مسرحية المعارضة. هذا الثلاثي هو الصانع والحامي للحقيقة الأصولية التي تُمسك بعقول وضمائر البسطاء من مناضلي الجماعات الأصولية المحاربة. والدولة تحمل قسط الأسد من المسؤولية في هذا الثلاثي ، لأنها هي التي تعيد إنتاج أغلبية مقولات الفقه القديم وتحرم أبناءنا ومواطنينا من أنوار الفلسفة والفكر العلمي والعقلاني الحرّ ولا تلتزم الحياد بين مكونات الفكر البشري ولا تُعْلي من شأن الحقيقة بل لا تعتبرها طريقا للحرية و الإيمان.

    حول الحقيقة النسبية وصنمية اللاهوت:

    كثر الحديث عن الحقيقة النسبية حتى صار العديد من مفكري الظلام وأعداء الحداثة والحضارة يعمدون إلى إنكار وجود الحقيقة وفائدة البحث عنها بتلويحهم بالقول: « الحقيقة نسبية ».

  الحقيقة التي نراها ونلمسها ونعيشها يرفضونها أو يرسلونها للغيب لكي تصير من كائنات الميتافيزيقا التي لا ينبغي البحث فيها! ألم يرسل شكسبير كل وجودنا إلى الغيب حين قال: »نكون أو لا نكون، هذا هو السؤال  » لكي يجيب ديكارت « أنا أفكر إذا أنا موجود »؟

    لا يُستثنى من هذا المسعى فقهاء ومفكرو الحركات الأصولية الذين يقولون بأن العلم متردد ويناقض ذاته أو أن نتائج البحث البشري عن الحقيقة خاطئة أو نسبية في أحسن الحالات؛ أما ما تقدمه الرواية الدينية فهو يمثل الحقيقة المطلقة! هم يرفضون عبارة « الرواية الدينية » لكي يؤكدوا على انه « الوحي ». لم يوحى إلى أي واحد منهم بطبيعة الحال ولم يعرّج أي واحد منهم إلى السماء وإنما نبي الإسلام هو الذي روى ما وصله من وحي وما عاشه من تجربة الإسراء والمعراج؛ فحين يكون الوحي الديني حقيقة بالنسبة لنبي الإسلام أحسّ بها وعايشها فهذا يجعلنا نقول بأنه صادِق و لم يكذب على أصحابه لكن ما يُقنع الناس اليوم هو تلك البراهين الواضحة والحقائق الكونية التي تتأصل في كل أنحاء الدنيا وبين كل الشعوب. هكذا حين يسمع صيني أو ياباني أو مكسيكي بكلام القرآن حول الإسراء والمعراج والقول »إذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت » سيصنف كلام الإسراء والمعراج على أنه رواية دينية محضة لا يفهم شيئا فيها في حين أنه سيوقّع بإبهامه على صحة ومنطقية آية الموؤودة.

    تظهر كل الأفكار منسوبة لشخص أو لمجموعة بشرية أو لعصر من العصور. فهي بهذا المعنى  تمثل حقائق نسبية. الفكرة تصدر دائما عن لسان ينطق أو قلم يكتب فلا بد لها من التأثر بمعطيات اللسان والقلم والعقل، وهي بالتالي حقيقته النسبية التي تتحدد بتوجهات ذلك العقل ومعطيات عصره ومكانه.

   كل تلك الحقائق النسبية لا تنفي وجود حقائق بالمعنى العام. فمن الحقائق الثابتة والكونية ما اكتشفه أجدادنا من أساليب إشعال النار ومنها نظريات جاذبية المادة وتماثل المادة بالطاقة… الحقيقة هي ذلك الهيكل الكوني الذي يجمع كل تلك الحقائق والذي يشارك في بناءه وصقله باستمرار كل الجهد البشري عبر المكان والزمان… نظرية أينشتاين ليست حقيقة مطلقة، هي فقط آخر صقل في عهده لجزء محدد من جسم ذلك الهيكل…

   أمضى علماء وفلاسفة أعمارهم في بناء ذلك الهيكل الكوني العظيم الذي أسميتُه « الحقيقة » في حين يشتغل أناس آخرون بهدمه أو إخفاء نوره وبريقه. تلك هي الحقيقة التي لن يُكمل الإنسان اكتشافها أو بناءها، بل بالعكس، أطرافُها المتعددة آخذة في الاتساع والتكاثر. ورغم ذلك فقد ارتبط مصير الإنسان دائما بالسعي نحوها. حياتُه سعيٌ لكسبها، وسعادتُه في ملامسة بعضها، وحرّيتُه في تطابق وانسجام أفعاله معها.

   إن كان البعض ينكرون السعي البشري لبناء هذا الهيكل ، فهل  سينكرون أيضا كل تلك الحقائق الجزئية التي تتواجد داخل الحوار البشري كالعُقد التي تربط خيوطه العنكبوتية… تلك الحقائق التي نسميها منطقا أو براهين أو استدلالات والتي يتفق حولها كل البشر ولا يستطيع أحد إنكارها؟

   هل ينكرون حقيقة أن الأوكسيجين مع الهيدروجين يعطيان ماءا في عالمنا؟ هل ينكرون أن إرادة الكائن الحي هي شكل لوجوده ولا يمكن لها أن تسبقه؟ هل ينكرون أن موت أي إنسان يتلو ولادته ولا يسبقها؟ أليس في معارفنا كثير من البراهين والحقائق من هذا النوع؟ حقائق مطلقة بمعنى أنه لا يمكن لأحد إنكارها رغم كونها جزئية ومرتبطة بجزء من الكون وبموقع فيه.

   الحقيقة في التعريف العام هي ذلك المجهول اللامتناهي الذي  كلما ينكشف جزء منه للإنسان إلا وانفتح مجال أوسع لمزيد البحث ومتعة الاكتشاف.

    الحقيقة هي ما تسْعَد باكتشافه ويتسارع الصادقون والأذكياء للأخذ به في حين يتجاهله الحمقى والجبناء ويتجاهلونك بسببه.

    إن كانت الحقيقة بحجم البحر والمحيط فإن مَنْ يكسب نقطة واحدة منها يكسب سعادة بحجم المحيط ويستحق احتراما بحجمه أيضا.

   إن كانت المحبّة لا تعطي إلا ذاتها ولا تأخذ إلا من ذاتها حسب عبارات جبران خليل جبران فإن الحقيقة كذالك لا تعطي إلا ذاتها ولا تأخذ إلا من ذاتها.

   الحقيقة إلتزام وبحث متواصل في الكون ثم التزام وبحث جديد في معارفنا عن الكون.. هي التزام وبحث متواصل في المتحرك والثابت، في البرهان وفي الرواية، في الفلسفة في العلم وفي الدين.

 

    فقهاء الإسلام الذين يرفضون البحث في حقيقة الدين واللاهوت هم الذين تخلفوا وحدهم عن فهم واستيعاب التطور الديني الأخير: التطور الذي أخرج الدين من الصنمية.

    بعد الانحناء أمام الأوثان الحجرية التي كانت تمثل آلهة اليونان انقطعت الرموز الحجرية في مرحلة ثانية من التطور الديني عن أداء دورها فصار الإله في « السماء » أو »الغيب ». بعدما كان ممثَّلا بالأصنام صار ممثلا أو متمثّلا بمجموعة من الأقوال والقراءات: هكذا كانت الأديان السماوية.

    هذه الأقوال والقراءات بفعل سلطان العادة والتقليد عند الكائن البشري وبفعل نفوذ المستفيدين من مذبح الحرية والتطور والعقل، صارت أصناما بدورها في منظور المؤمنين البسطاء إلى أن ظهر  التطور الديني الأخير أو »التديّن الثالث » كانتفاضة على صنمية النص والقراءات القروسطية، فقال هيڤل أن الرب هو العقل المطلق وصار المؤمنون يقولون أن السلوك غير العقلاني يناقض طبيعة الله. هكذا صار الله عند غيرنا ملهِِما للتفكير والبحث عن الحقيقة ولم يعد يُقبل كعائق للعقل أو مقيد للحرية.

خاتمة

   لو أردنا في هذه الخاتمة أن نعرف كلمة « أصولية » لقلنا أنها تعني الامتناع عن تعقل النص القرآني

نكرانا أو خفضا لمقصد عبارات »أفلا تعقلون » و »أفلا يتدبرون القرآن… » رغم كل ما تعلنه من التقديس للنص والانضباط  له. وتعني الأصولية أيضا ذلك العمل السياسي الذي يعتمد على الإحساس بالغلبة والقهر لدى الإنسان في البلاد المتخلفة والإسلامية لإحداث المزيد من التخلف والقهر في نفس تلك البلاد. وإن كان هذا المشروع يتحقق أحيانا ب »انتفاضة  » الإنسان المسلم فلأن هذا الإنسان يعيش وينمو وسط طوفان من الأفكار الأصولية التي لا علاقة لها بأي فهم تاريخي ومتعقل للتراث والتي  تنكر وتجهل حقيقة الكون وحقيقة الدين معا في حين أنها تحظى بالدعم والحماية المتواصلة من طرف كل المؤسسات الرسمية والإسلامية الدولية والإدارات الاستعمارية الجديدة أيضا. هذا المشروع الذي يتحقق بيد الإنسان المسلم وبدمائه إنما يتحقق بعقل الهيمنة الاستعمارية التي حذقت ترجمة فصول برنامجها إلى لغة وألفاظ التراث الإسلامي الأصولي وإلى لغة الصراع الديني والطائفي المتوالد منه، تلك الهيمنة التي تقطف وحدها ثمار تخلفنا الثقافي والعلمي والتقني . وتبقى الحقيقة بل حبّكَ للحقيقة وجدّ ك وصدقكَ في البحث عنها هو الطريق للخلاص من الإرهاب الأصولي ومن كل أشكال التخلف.

 (1) فإن كانت صلاة الجماعة تمثل بالنسبة للنبي وأصحابه الشكل التنظيمي لجمع الشمل وشحذ العزائم والتهيئة للدفاع وكسب الشرعية للدين الجديد، فهي بالتالي جزء من تلك الحركة الدفاعية قبل فتح مكة حيث كانت تفهم المساهمة فيها كحاجة وضرورة من أجل بقاء الدين الجديد وأصحابه  وإطارا أيضا لسماع توجيهاته من خلال وجوده المباشر أو من خلال الأئمة الذين يختارهم ويراقبهم ؛ فكيف ستفهم شرعية صلاة الجماعة بعد وفاة النبي وضمن الشروط اللاحقة التي تتميز بتسلط الجماعات المحاربة على المادي والروحاني أو حين يرفض أئمتُها قيَم العصر من مثل قيم المساواة بين البشر أوحين يرفضون التوقّف عن نشر الكراهية ضد الآخر والمختلف وتمتنع أفئدتهم عن حمل المحبّة لكل الناس؟

    صلاة الجماعة عند وجود النبي كانت جزءا من دعوته الدينية، أما بعد وفاته فهي جزء من منهجية ومشروع الداعين لها ونتيجة لفهمهم وتأويلهم الخاص للدين. وهي مثل الجهاد تستمد شرعيتها من الوجود الشخصي لنبي الإسلام ومن قيادته وتوجيهاته المباشرة.

   (2)     هناك طبعا، وراء هذه العودة، دوافع مصلحيّة: من بينها تلك الدوافع السياسية-الاقتصادية التي تريد لنا التخلف وتريد لطاقاتنا الاقتصادية والبشرية الدّمار عبْر قيام الحروب الطائفية وعبر تكريس العقلية الطّائفية للاحتراب والغزو في ربوع بلداننا المتخلفة. ولا بد من التنبيه إلى التواطؤ، الذي تُظهره كل الأنظمة في عالمنا المتخلف كما في بلدان المركز المهيمِنة، مع ما تُرسله قيادات الأصولية الإسلامية من فتاوى للقتل والجريمة: يقول سلمان رشدي حول فتوى الخميني لقتله : « كانت الرغبة، لإرضاء الحساسيات الدينية، كبيرة إلى الحد الذي، رغم مقتل مترجم في اليابان وجرح ناشر للكتاب بطلق ناري في النرويج، جعل الجميع يقبل بهاته النظرة المقلوبة. ورغم كل النداءات من الرأي العام لإيقاف العنف، لم يقع اعتقال أو اتهام أي شخص في المملكة المتحدة ولا في أي مكان آخر »            ؛ويمتنع نجيب محفوظ عن نشر أحد( Courrier international :1-7 Décembre  (2005

 كتبه بسبب تعرضه لطعن بسكين إثر فتوى أحد شيوخ الأزهر الذي قال: لو قتلنا نجيب محفوظ لما ظهر سلمان رشدي، في حين لم يحاكم الشيخ المدبّر للجريمة حتى يومنا هذا. هل أثمر التواطؤ الرسمي مع هذه الفتاوى غير الإرهاب والطائفية؟ 

   وهناك أيضا دافع فكري- ثقافي ناتج عن فشل كل من حركة النهضة والإصلاح الديني وفشل دولنا المعاصرة في إقامة البناء الفكري – الحضاري القادر على حماية حاضرنا ومستقبلنا.

  (3) هذه الحكمة من أهم ركائز الإصلاح الديني عند المسيحيين

تحت عنوان البداوة

  C’est à partir de la domestication du cheval et du dromadaire qu’a pu se constituer à une grande échelle, dans les déserts et steppes de l’Ancien Monde, un nomadisme pastoral agressif, fondé sur la razzia et l’affrontement belliqueux avec les sédentaires voisins, et comportant, en outre, des migrations à longue distance et des déplacements rapides. On peut le qualifier de nomadisme de type bédouin (du terme Badw employé dans le désert arabe). Le cheval, domestiqué dans les steppes continentales de l’Eurasie au IIIe millénaire av. J.-C., sera attelé au char de combat, puis monté, au IIe millénaire av. J.-C. dans le Proche-Orient.

منذ تدجين الحصان والجمل أمكنت النشأة الواسعة، داخل سهوب و بوادي العالم القديم، لظاهرة  البداوة الرعوية العدوانية التي ترتكز على الغزو و الحرب مع الجيران من الحضر

   Plus productif que l’agriculture à travail humain égal, le nomadisme pastoral exige des surfaces considérables et ne permet que des densités humaines limitées (env. 1 hab./km2, dans le milieu relativement favorable de la Mongolie, peut-être 3 ou 4, au plus, en milieu montagnard méditerranéen, comme le Zagros iranien qui représente un optimum).

Dans ces conditions, la société nomade a dû s’organiser en fonction d’un état de crise permanente, d’un déséquilibre toujours menaçant entre les ressources du pâturage et une population rapidement croissante. C’est l’explication fondamentale de son agressivité

Celle-ci se manifeste d’abord à l’intérieur de la société nomade elle-même. Les Bédouins sont en lutte perpétuelle entre eux. Il s’agit d’une société éminemment instable, qui se remodèle constamment en fonction des ressources disponibles et du nombre des parties prenantes par des mécanismes de redistribution du bétail (razzia) et des hommes (tribus extrêmement instables et éphémères, groupées en fonction du dynamisme individuel des chefs, et dissimulant leur hétérogénéité sous des généalogies patrilinéaires orgueilleusement affirmées). Cette société est essentiellement virile, fondée sur des liens agnatiques. Elle exprime par toutes ses structures la saturation du milieu géographique, avec la concurrence vitale qui en découle.

Il existe une autre réponse à l’excédent humain permanent des nomades: c’est l’expansion aux dépens des sociétés sédentaires voisines. Elle a conduit le nomadisme pastoral à s’étendre géographiquement très au-delà des steppes et déserts qui constituent son domaine propre, soit par infiltrations lentes, continues, au sein des sociétés paysannes, soit par invasions brutales, qui peuvent résulter du dynamisme personnel de chefs prestigieux (Gengis-khan), correspondre à des phases de dessèchement du milieu désertique, ou exprimer, après la fin d’un premier cycle de conquêtes nomades, l’affranchissement des tribus demeurées dans le désert à l’égard de la dynastie sédentarisée. Dans leur progression, les nomades assimilent des nombreuses populations paysannes, qui, dans le contexte d’insécurité ainsi créé, à la suite de la destruction de leurs villages ou de leurs travaux d’irrigation, passent au nomadisme.


Home – Accueil الرئيسية

Lire aussi ces articles

15 février 2003

Accueil TUNISNEWS 3ème année, N° 1002 du 15.02.2003 http://site.voila.fr/archivtn https://www.tunisnews.net   SOLIDARITE TUNISIENNE 40, rue du Landy – 93300

En savoir plus +

23 février 2006

Home – Accueil – الرئيسية TUNISNEWS 6 ème année, N° 2103 du 23.02.2006  archives : www.tunisnews.net Vérité-Action: Rassemblement pour exiger le

En savoir plus +

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.