الاثنين، 18 أغسطس 2008

Home – Accueil

فيكليوم،نساهم بجهدنا فيتقديمإعلام أفضل وأرقى عنبلدنا،تونس

Un effort quotidien pour une information de qualité sur notre pays, la Tunisie.

Everyday, we contribute to abetter information about our country, Tunisia


TUNISNEWS
8 ème année,N°3009 du 18.08.2008
 archives : www.tunisnews.net 

حــرية و إنـصاف: عشرات سجناء الرأي يواصلون إضرابهم الجماعي عن الطعام للمطالبة باستقلال القضاء

بدر السلام الطرابلسي: رسالة للرأي العام

النفطي حولة :  تعددت اضرابات الجوع والسبب واحد

   

محمد النوري: بنك الزيتونة الإسلامي بتونس: بادرة جديدة تستحق التنويه 

اسلام اولاين: رفيق عبد السلام: المشاريع المجتمعية لا تصنعها نخب الصالونات (2)

الصباح الأسبوعي:كلمة : مسكين «بو العيلة»

مراد رقية: هل تحولت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الى شركة مناولة تابعة للتجمع الدستوري

سليم الكراي: خطوة فى اتجاه طريق تونس- رأس اجدير

طارق عمارة : طرب من وحي الشعراء في اختتام مهرجان قرطاج

الصباح الأسبوعي:الصديقان اللّدودان أولاد أحمد والمزغني يصدران كتابا مشتركا
 

فاضل السالك « عاشق البحر » : غريب المدينة

الصباح الأسبوعي :مـن إيطاليـا: كومو: وفاة طفلة تونسية في حادث سيـر

الصباح الأسبوعي :لمبدوزا: حجز شباك بلانصي على متنه 18 تونسيا وايقاف احدهم

  

الصباح الأسبوعي :ايطاليا: إيقاف شبكة مخدرات تضم 11 تونسيا

الحوار.نت: المرأة التونسية ضحية مرتين : مرة لبورقيبة ومرة للغراب الأسود الذي خلفه

‘المرصد الديمقراطي’ نشرة دورية يصدرها مركز دراسة الإسلام والديمقراطية واشنطن

خالد الطراولي: الحركة الإسلامية وإشكالية التموقع التاريخي والجغرافي

 خالد العمراوي:الخلافة : خيال عند الإعلاميين العرب حقيقة عند ساسة الغرب
 

نور الدين العويديدي: مشاهدات سائح اسطنبول.. تمتد على قارتين وتتجاذبها ثقافتان إسلامية وأوروبية

المنتصر بالله: ردا على ما يسمى « مبادرة الحوار القومي  » التي أعلن جهاز الإتحاد الديموقراطي الوحدوي.   

منير شفيق  : الحرب الجورجية – الروسية.. من المعتدي؟

عثمان المختار  : فتوى عراقية «تحرم» شراء البضائع والسلع الإيرانية

هيثم مناع : هل بدأت نهاية القطب الواحد؟

   

صبحي حديدي : تَعدّد الجلادون والضحية واحدة  

رويترز: تفاهم بين حزب الله الشيعي وتيارات سلفية سنية لمنع الفتنة

  

جمال باروت : ابن باديس وأتاتورك  


(Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe Windows (

(To readarabic text click on the View then Encoding then Arabic Windows)


أسماء السادة المساجين السياسيين من حركة النهضة الذين تتواصل معاناتهم ومآسي عائلاتهم وأقربهم منذ ما يقارب العشرين عاما بدون انقطاع. نسأل الله لهم  وللمئات من الشبان الذين تتواصل حملات إيقافهم منذ أكثر العامين الماضيين فرجا قريبا عاجلا- آمين 


حــرية و إنـصاف 33 نهج المختار عطية 1001 تونس الهاتف / الفاكس : 71.340.860 البريد الإلكتروني :liberte.equite@gmail.com تونس في 18/08/2008 الموافق لـ 16 شعبان 1429

عشرات سجناء الرأي يواصلون إضرابهم الجماعي عن الطعام للمطالبة باستقلال القضاء

 

علمت حرية وإنصاف أن عشرات سجناء الرأي المحكومين بمقتضى ما يسمى »قانون مكافحة الإرهاب السيء الذكر » والمودعين في أسوء الظروف في غياهب السجون التونسية يواصلون إضرابهم الجماعي عن الطعام الذي كانوا شرعوا فيه منذ 15 أوت الجاري وذلك: – للمطالبة بقضاء مستقل في بلدهم تونس حيث حرموا مثل غيرهم من السجناء من ظروف محاكمة عادلة. -واحتجاجا على ظروفهم السجنية الصعبة وعن المعاملة السيئة التي تتنافى مع الشروط الدنيا لحقوق السجين وتتعارض مع مقتضيات الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي وقعت عليها تونس. – وحرية وإنصاف: 1-) تعبر عن انشغالها للوضع الصحي لهؤلاء السجناء المضربين عن الطعام وتدعو إلى الكف عن إساءة معاملتهم داخل السجن وإلى احترام حرماتهم الجسدية والنفسية. 2-) تعلن تضامنها الكامل مع هؤلاء السجناء في مطالبهم الشرعية وتناشد كافة الضمائر الحرة في المجتمع الوطني والدولي إلى مساندة هؤلاء الضحايا من أجل تحقيق مطالبهم المشروعة. 3-) تطالب السلطة برفع يدها عن القضاء واستقلاليته والتوقف عن تحويل وضيفته من قضاء لإنصاف الناس إلى قضاء للتنكيل بالخصوم وتسليط سيف التشفي منهم. عن عضو مكتبها التنفيذي المكلف باستقلالية القضاء الاستاذ عبد الرؤوف العيادي


رسالة للرأي العام

قام مركز الأمن بمدينة منزل تميم باستدعائي يوم الاثنين 11/08/2008  لاستجوابي حول شكاية تقدم بها مواطن بداية سنة 2006 حول تحرك طلابي تجسد في اعتصام  نظمه المكتب الفدرالي لمعهد الصحافة أمام المعهد وقد اتهمت فيه بأنني  » منعت حركة الجولان وعطلتها « ، حسب ما أعلمني به المحقق، إضافة  » لقذف سيارة مواطن بالحجارة » (دونا عن كل الطلبة)، والتي قدرت الأضرار التي لحقتها بــ1400 دينار. وبعد انتهائه من سرد سلسلة التهم والادعاءات وأخذ أقوالي في قضية الحال طلب مني الإمضاء على المحضر وحينما طلبت منه الاطلاع عليه قبل الإمضاء رفض واعتبر أن ذلك مخالف للقانون وقال لي بأنه سيتلوه علي وحينما تمسكت بموقفي أعلمني بأنه سيقوم بإتلاف المحضر وإعلام المحكمة الابتدائية بمنوبة بأنني لم أحضر وفقا للاستدعاء ولم أقم بالاستجواب وعليه فإنني          (استغرب إثارة هذه القضية في هذا التوقيت بالذات خاصة بعد مرور سنتين على تقديم الشكاية، إضافة إلى تزامنها مع انجاز مؤتمر اتحاد الطلبة الموحد والعراقيل التي اعترضته (وزارة التعليم العالي               أحتج بشدة على أساليب التحقيق الكلاسيكية للأمن التونسي حيث يدفع  فيها المتهم بالإمضاء على أقوال لم يطلع عليها رغم أنه لم يحدث معي في قضية الحال بما أنني تمسكت برفض الإمضاء على المحضر، إلا أنني منعت من الاطلاع على فحواه وهو مخالف للقانون على حد علمي                     أعتبر أن القضية التي رفعت ضدي في هذا التوقيت بالذات باطلة والاتهامات الواردة فيها اتهامات لا أساس لها من الصحة خاصة وأن المسؤوليات النقابية التي كنت أشغلها في تلك الفترة تجعلني أبعد ما يكون على القيام بسلوكات من هذا النوع .                     أرى أن إثارة السلطات الرسمية لهذه القضية في هذا التوقيت بالذات هو بغاية الضغط والتخويف على اعتبار ما اكتبه على المواقع الالكترونية والصحف الورقية التونسية أو العربية وذلك في إطار التدوين أوالنشاط الصحافي وذلك بهدف تقييد الكلمة الحرة وطمس الحقائق عن الشعب، التي حاولت وأحاول صحبة زملائي إيصالها لجمهور القراء                                                                  
بدر السلام الطرابلسي           
كاتب عام مساعد سابق بالمعهد الفيدرالي بمعهد الصحافة            صحفي مستقل               

تعددت اضرابات الجوع والسبب واحد

بقلم النفطي حولة : توالت اضرابات الجوع والاحتجاجات الاجتماعية من اجل الحق في الشغل فمن تونس  الى المغرب  الى الجزائر  مرورا بموريطلنيا واليمن وصولا الى مصر ودول الخليج . ففي تونس تبنت النقابة العامة للتعليم الثانوي اضراب الجوع الذي خاضه الاخوة الاساتذة  محمد المومني ومعز الزغلامي وعلي الجلولي والذي دام 33 يوما بين شهري نوفمبر وديسمبر من سنة 2006  الا ان السلطة لم تستجب لمطلب النقابيين والقوى الحية في البلاد التي ساندته بقوة منقطعة النظير . ولا يزال الاخوة يعانون من جحيم البطالة  ولعلها مناسبة لاحياء هذا المطلب الشرعي من طرف الاتحاد والقوى التقدمية .  وها هم في الجزائر الحبيب 50 من الاساتذة المتعاقدين يخوضون اضرابا عن الطعام  منذ 32 يومامن اجل تعيينهم في خطتهم الوظيفية كاساتذة مترسميين  وقد بدا الاعياء  والتعب الشديد عليهم  بل لعل اكثر من عشرة ومنهم نساء   مضربات  يكادون يشرفون على الهلاك المحت. فهل طالبوا بالمستحيل لا قدر الله؟ اننا نضم  صوتنا كنقابيين ونشطاء في المجتمع المدني من اجل رفع هذه المظلمة  ويرجع الحق لاصحابه .فبلاد المليون ونصف شهيد ليس عزيزا عليها ان تنصف ابناءها الذين ضحوا في سبيل حرية الجزائر.   فكما طالب ابناء تونس البررة في بلدات الحوض المنجمي  وفي الرديف خاصة في الجنوب الغربي لتونس العاصمة بحقهم في الشغل والحياة الكريمة وتعرضوا للمحاكمات الجائرة والقتل العمد فاخوانهم بالمغرب ايضا رفعوا نفس المطالب  وتعرضوا للقمع البوليسي   بمدينة ايفني بالجنوب . اما في مصر فمعركة رغيفا الخبز خلفت عشرة شهداء وعديد المصابين  وكالعادة تتدخل السلطة لقمع التحركات الشرعية . وفي موريطانيا واليمن نزلت الجماهير الى الشارع لتطالب بتخفيض سعر الطاقة والمواد الاساسية  فنكلت بها قوات القمع  حوكمت  وصودر حقها في الحياة الكريمة  . وفي دول الخليج نادى اصحاب الشهائد المعطلين عن العمل بحقهم في الشغل  ورفعوا اللافتات  معرفين بمظلمتهم . الا انهم ووجهوا بنفس الطريقة المنتهجة من طرف الانظمة العربية الرجعية التي  لاتستجيب لطموحات الجماهير العربية في الحياة الكريمة في الشغل والكرامة والحرية. وهكذا نلا حظ ان معانات الجماهير العربية واحدة من المحيط الى الخليج  وصرختها واحدة    وان تعددت الانظمة الاقليمية  والاساليب القمعية . فاختيار الانظمة هو اختيار صندوق النقد الدولي الذي يدعو الى اقتصاد السوق واعادة تاهيله وفقا للاصلاحات الهيكلية التي تفرضها السوق العالمية  .وهكذا تكون الاختيارات خارجة عن ارادة الجماهير العربية  وبالتالي فهي لا تتحمل تبعاتها في فشلها في التنمية  وبالتالي لا تتحمل مسؤوليالتها في تفقيرها وتجويعها . وهذا ما يفرض عليها التحرك والاحتجاج السلمي المدني ضد هذه السياسات الظالمة حتى تحقق مطالبها في الشغل والكرامة   18 اوت -اغسطس 2008


 بنك الزيتونة الإسلامي بتونس: بادرة جديدة تستحق التنويه

 

محمد النوري ـ باريس
أضحت مسألة التمويل بالأسلوب الإسلامي عبر البنوك الإسلامية أو النوافذ الشرعية في البنوك التقليدية، ظاهرة تستقطب اهتماما واسع النطاق على أكثر من صعيد وخاصة على الصعيد الدولي حيث تأكدت الحاجة إلى نظام بديل وآليات جديدة لتصحيح الأخلال المتفاقمة للنظام الرأسمالي المترهل الذي يشهد اضطرابات تتسع أخطارها يوما بعد يوم،لعل أكثرها خطورة وكارثية ما أصبح يهدد العالم من أزمة غذائية واسعة النطاق تنذر بعواقب وخيمة على مستقبل البشرية برمتها . ويعود هذا الاهتمام العالمي الواسع بظاهرة الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية لما حققته من نجاحات متسارعة باعتبارها إحدى الآليات الجديدة التي تتميز بأكثر ديناميكية وكفاءة وفعالية بالإضافة إلى جانب الربحية والمردودية الذي يعود إلى طبيعة الاستثمارات الحقيقية التي توفرها هذه البنوك مقابل المضاربات الوهمية التي تطغى على نشاطات البنوك والمصارف التقليدية. والملفت للانتباه في هذا الصدد، أن الإقبال المتزايد على النظام المالي الإسلامي ومنتجات البنوك الإسلامية لم يعد حكرا على البلدان الإسلامية الصاعدة في جنوب شرق آسيا بوجه خاص والخليجية تحديدا التي تشهد طفرة نفطية متواصلة بل سجل هذا الإقبال نموا هائلا في الغرب تقوم عليه مؤسسات وبنوك غربية ذات مصداقية من الوزن الكبير في إطار الحرص على التكيف مع الظواهر والتطورات واستيعاب المستجدات. لقد تنامت هذه الظاهرة التي تحترم ضوابط الشريعة الإسلامية بشكل ملحوظ في الأسواق الدولية وانتبهت البنوك الغربية الكبرى لها مبكرا وتسابقت على الانخراط في سياقها والاستفادة منها ومن آلياتها رغم أنها لا تستند إلى منظومتها الفكرية الرأسمالية، هذه الآليات التي أثبتت فعالية وكفاءة قياسية من حيث المردودية والنجاعة وإعادة الاستقرار والشفافية للمعاملات المالية التي أصابها كثير من الفوضى والاضطراب من جراء هيمنة المضاربات غير المشروعة والإفراط في الائتمان السلبي والصفقات الوهمية التي لا تمت للإنتاج الحقيقي والزيادة الفعلية للثروات  بأي قرابة أو ارتباط! إن إدراك الفرق الهام بين التمويل بالطريقة الإسلامية والطريقة الرأسمالية التقليدية المعمول بها حاليا أي الفرق بين البنك الإسلامي أو الذي يتعامل طبقا لتعاليم الشريعة الإسلامية والبنك التقليدي الربوي، من شانه استكشاف العوامل التي تقف وراء هذا النجاح الهائل الذي حققته البنوك الإسلامية في ظرف وجيز من الزمن وأدى إلى انتشار التجربة عالميا على نطاق واسع وتنافس بريطاني وأمريكي وأوروبي وياباني ملحوظ على احتضانها واستثمار عوائدها. ويتمثل هذا الفرق باختصار شديد في سمتين أساسيتين : ـ  المشاركة في تحمل المخاطر مقابل الاقتصار على الحصول على الفائدة أي الاعتماد على معدل الفائدة(الربا) كمحرك أساسي للاقتصاد من قبل البنك التقليدي والعمل على إلغاء الربا كليا من التعامل بالنسبة للبنك الإسلامي أو الذي يتعامل بالطريقة الإسلامية. ـ الصفة التجارية للبنك الإسلامي الذي يتصرف بصفته تاجرا لا وسيطا بين المدخرين والمستثمرين.وبالتالي يكون حرصه اشد على النجاعة والمردودية عند المشاركة والتمويل. لذلك يوجد اليوم ما يزيد عن 300 بنك ومؤسسة إسلامية تتعامل وفق أحكام الشريعة في أكثر من 80 بلد في العالم، وتدير ما بين 500 و 800 مليار دولار وتستقطب اهتمام العديد من البنوك التقليدية الكبرى ،حيث اضطرت هذه البنوك أمام النتائج الباهرة التي حققتها البنوك الإسلامية، إلى مواكبة التيار وامتطاء القطار والسعي إلى مسك مقوده والتحكم في مسيرته! وأمام هذه المستجدات الهامة، لم يعد بالتالي تدخل الدين في الاقتصاد والمال من المسائل المحظورة المثيرة للتساؤل والاستغراب مثلما كان الأمر في العشريات الماضية الذي كان الحديث فيها عن مقولة الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية مرفوضا بشدة بل مدعاة للسخرية والتندر من قبل بعض الأطراف العلمانية المهيمنة على دوائر القرار والنفوذ في اغلب البلدان والمجتمعات شرقا وغربا على حد سواء. وتعتبر فرنسا مثلا، وهي معقل العلمانية المتشددة المناهضة للدين، من آخر الملتحقين بقطار المالية الإسلامية مقارنة ببعض البلدان الأوروبية الأخرى التي كانت سباقة في التقاط الفرصة واحتضان التجربة سواء داخل تلك البلدان مثل بريطانيا وسويسرا وألمانيا والسويد وأمريكا وألمانيا وهولندا والليكسومبرج وحتى اليابان أو عبر بعث فروع رئيسية لمؤسساتها المالية والمصرفية خارج حدودها الجغرافية. فقد أقدمت السلطات الفرنسية أخيرا على الترحيب والسماح بدخول البنوك الإسلامية تعبيرا عن رغبة واضحة في تدارك هذا التخلف وامتطاء القطار قبل فوات الأوان! وشرعت معظم البنوك الفرنسية في التعاطي مع أدوات الصناعة المصرفية الإسلامية والصناديق وخلاف ذلك من الأدوات المالية  في نشاطاتها الكبرى الغير موجهة لعموم الجمهور داخل فرنسا، و هي تتولى تامين محافظ استثمارية إسلامية في فروعها الرئيسية بالخارج وخصوصا في البحرين وما قام به بنك« BNP Parisbas» في الخليج تسعى للقيام  به بنوك فرنسة أخرى. وقد سمحت هيئة الرقابة المالية الفرنسية أواخر العام الماضي بالسماح لأول صندوق استثماري إسلامي داخل السوق الفرنسية( opcvm) في مجال القطاع العقاري على طريقة المرابحة الشرعية. كما سبق وان أطلق بنك التسليف الزراعي (Crédit Agricole) منذ عام 1993 أول صندوق إسلامي بالخارج اختار له من الأسماء  ً صندوق ابن بطوطة ً. لقد فرضت البنوك الإسلامية،بهذا الحضور الواسع، واقعاً جديداً على السوق المصرفية العالمية، و اقتحمت مصطلحات المرابحة والمضاربة والمشاركة والإجارة والاستصناع والصكوك والتكافل قواميس البنوك الغربية والساحات المالية ، واستطاعت البنوك الإسلامية أن تطرح مفهوماً جديداً في التعاملات المصرفية، وليس أدل على ذلك من سعي العديد من البنوك العالمية لإنشاء أقسام إسلامية أو نوافذ شرعية لتلبية الطلب المتزايد لعملائها المسلمين على الخدمات البنكية التي تتوافق وتعاليم الشريعة الإسلامية، وحتى غير المسلمين الذين يتطلعون إلى معاملات أخلاقية ومسئولة اجتماعيا،واستثمارات تحترم الإنسان والبيئة وتستجيب للمقتضيات الحقيقية للتنمية المستديمة. وتساوقا مع هذا التوجه العالمي أضحت تونس من الأقطار العربية غير الخليجية الأكثر اهتماما بالبنوك الإسلامية وتزايد الإقبال عليها في السنوات القليلة الماضية نظرا لما تتمتع به من بنية تحتية متطورة وكفاءة إدارية وقطاع خدماتي ناجع وتحديث اقتصادي ملحوظ. وفي هذا الإطار، يعد الإعلان عن إنشاء بنك الزيتونة الإسلامي بمبادرة من رجل الأعمال وصهر رئيس الدولة السيد صخر الماطري، حدثا ذا أهمية  ودلالة بارزة يعبر عن إرادة رسمية واضحة في التعامل الواقعي مع المستجدات على الساحتين المحلية والدولية بما في ذلك التعاطي الايجابي مع إفرازات الصحوة الإسلامية العالمية المتنامية ،ومن ضمنها ظاهرة البنوك الإسلامية التي لا تفصل بين الدين والاقتصاد وبين  المال ومقتضيات الشريعة الإسلامية. وهو سلوك جديد يقطع مع الحساسية المفرطة التي طبعت العشريتين الماضيتين مع كل ما يرتبط بالسلوك الديني من ظواهر مختلفة بدءا بالتدخل في اللباس والالتزام الديني فضلا عن الاهتمام بالجانب السياسي . ولئن كانت هذه الحساسية لا تزال قائمة في بعض جوانبها إلا أنها تختلف بشكل واضح عما كان سائدا في الماضي القريب من حيث الخلط بين الالتزام الديني والممارسة السياسية. إن ما يحدث اليوم يختلف كليا عما ساد بالأمس. لقد أدركت السلطةـ أو على الأقل بدأت في الإدراك  ـ انه آن الأوان لوضع حد لهذا التنافر الخاطئ  بين التمسك بالثوابت الدينية التي تعتنقها الغالبية العظمى في المجتمع، وبين العمل السياسي الذي يجعل من تلك الثوابت مرجعيته الفكرية والعملية وهو اجتهاد موضع خلاف طبيعي في كل المجتمعات. وقد خسرت البلاد من جراء ذلك التنافر والتصادم في الأفهام كثيرا من الجهود والأوقات والثروات كانت يمكن أن تتجه إلى تذليل المصاعب والمعيقات لمسار التنمية ومشروع الإقلاع. ولكنه حصل بفعل عوامل موضوعية عدة لا تمت بالتأكيد لمصلحة البلاد بصلة وساهمت في تغذيته بعض الظروف والأحداث الإقليمية والدولية التي حدثت في تلك المرحلة حتى أصبح ارتياد المساجد أو إعلان الالتزام بالشعائر التعبدية في بعض الحالات سببا في التتبعات والمحاصرة ناهيك عن المطالبة بإذاعة للقران الكريم أو قناة دينية متخصصة أو بنك ذو لافتة إسلامية! يبدو إن القائمين على شؤون البلاد اليوم انتبهوا إلى أن الاستمرار في مثل هذه السياسات يضر بسمعة تونس وصورتها وتراثها الإسلامي المشرق بل وبإمكانيات نموها الاقتصادي ورغبتها في التحول إلى ساحة مالية إقليمية جذابة وناشطة وهو انتباه جدير بالمساندة والتنويه ويستحق كل دعم من قبل أنصار الهوية والمنافحين عن الثوابت الإسلامية والمتصدين لكل محاولات الانسلاخ الثقافي والاغتراب الفكري والانبتات الحضاري والحريصين على تعزيز القدرات التنموية للبلاد.. لقد بدأ التدين والإلتزام به يتحول إلى ظاهرة طبيعية في المجتمع والى سلوك عادي غير مرتبط بأي نزعة سياسية أو ملتصق بتيار سياسي بعينه وبدأت الأمور تعود إلى نصابها التي يجب أن تكون حتى يظل الإسلام قاسما مشتركا للجميع من أحزاب وهيئات ومؤسسات في شتى المجالات والقطاعات دون حساسية أو شبهة فئوية أو سياسية.وتوالت البوادر في اتجاه التصالح مع الدين وإزالة ذلك التنافر شيئا فشيئا حتى أن الحزب الحاكم  خصص في مؤتمره الأخير هيئة للتاطير والتثقيف الديني مواكبة للتحولات الملحوظة التي يشهدها المجتمع التونسي في علاقة بالدين والظواهر الدينية. بيد أن أهمية هذا المشروع الريادي الأول من نوعه في تاريخ البلاد(من حيث كونه أول بنك إسلامي تونسي صرف) لا تكمن في مجرد ارتباطه بدوائر القرار وتوجهات الدولة ذات العلاقة بالجانب الديني والاقتصادي فحسب، بل في كونه يعبر عن ملامح التوجهات الإستراتيجية للدولة في المراحل القادمة من حيث قابليتها للتكيف مع المستجدات الإقليمية والدولية فيما يتعلق بظاهرة الاهتمام بالاقتصاد الإسلامي ومنتجاته المالية والاقتصادية وفي مقدمتها البنوك الإسلامية واحتضان هذه الظاهرة المتنامية والاستفادة من ايجابياتها لمصلحة البلاد وخدمة مجتمعها. ومما لاشك فيه أن هذا التوجه في المجال الاقتصادي سوف تنجم عنه فوائد هامة في المستقبل المنظور وسوف يساهم دون ريب في مواجهة المصاعب الاقتصادية التي تستنفر لها الدولة في هذه الأيام كل الجهود وتعبئ من اجلها كل الطاقات. فقد أثبتت التجربة العملية أن نظام التمويل الإسلامي أدى في الكثير من الحالات التي طبق فيها بشكل جيد إلى إنعاش الاقتصاد وتحفيز الاستثمار وتقليص البطالة وتشجيع المبادرة وتدوير رأس المال وتحريك الإنتاج وتنمية المشاريع . ويؤكد الكثيرون من رجال الاقتصاد والباحثين، أن البنوك الإسلامية ساهمت وتساهم بشكل مباشر في انتعاش الاقتصاد العربي والعالمي؛ إذ إن البنك الإسلامي هو بالأساس شركة استثمار حقيقي، وليس مضاربا مالياً، ومن ثم فعمليات البنك الإسلامي هي الدخول في إنشاء مشروعات استثمارية وفقاً للأولويات الإنمائية للبلد الذي يوجد فيه البنك الإسلامي؛ حيث يساهم البنك في المشروعات الصناعية والمشروعات الزراعية، ومشروعات الخدمات من صحة، وتعليم، وتدريب إلى آخره، ومن ثم يدخل في كافة المشروعات الاقتصادية التي تعمل على تنمية القدرة الإنتاجية للمجتمع ،ويساهم بشكل فعال في تعبئة المدخرات وتوزيع المتاح من الموارد النقدية على أفضل الاستخدامات لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية . كما أظهرت الممارسات العملية للبنوك الإسلامية كما تدل على ذلك الدراسات والأبحاث التي اهتمت بها، سواء من المدافعين أو المعارضين لها أن هذه البنوك تمكنت من اختراق أسوار النشاط المصرفي التقليدي، واستطاعت بآلياتها وأدواتها المستحدثة أن تدخل في دائرة هذا النشاط فئات من المدخرين وأصحاب المشروعات لم يكن لها نصيب فيه قبل ذلك، مثل فئة المدخرين الذين كانوا يرفضون التعامل بالفوائد، ولا يجدون مبررات لفتح حسابات بالبنوك التقليدية لذلك، خاصة إذا كانت مدخراتهم هذه متوسطة الحجم أو صغيرة. من جهة أخرى أتاحت البنوك الإسلامية أدوات تمويلية مبتكرة لم تكن متاحة من قبل لأصحاب المشروعات الصغيرة والذين كانوا دائما  يعتمدون على مدخراتهم الخاصة والعائلية، ومدخرات الأقارب والجيران، وهي فئة تتسع دائرتها باطراد في كل المجتمعات العربية والإسلامية ومن ضمنها المجتمع التونسي. إن تونس بحاجة كبيرة للبنوك الإسلامية ولمثل هذا المشروع الريادي لأسباب متعددة ليس بالضرورة ما يتعلق بحاجتها لمزيد من الاستثمار فحسب، فهذا أمر طبيعي ومطلوب،في ظرف اقتصادي واجتماعي حساس،وإنما لما تحتله من موقع استراتيجي هام وما تصبو إليه من دور اقتصادي تنموي في المستقبل، حتى تتحول إلى مركز مالي إقليمي جذاب تتمحور حوله اقتصاديات المنطقة والقارة الإفريقية برمتها.لم لا يكون ذلك وقد سبقت دولة أوروبية مثل بريطانيا لتقوم بهذا الدور في النطاق الأوروبي تستقطب الرساميل الإسلامية وتحث على انتشار البنوك الإسلامية وتبشر بالازدهار في ظل النظام المالي الإسلامي ولا ترى حرجا في ذلك ما دامت هنالك مصلحة قطعية لخدمة مجتمعها ومواطنيها. فتونس مؤهلة كل التأهيل للقيام بمثل هذا الدور ولبلوغ هذا الهدف إذا خلصت النوايا وتوفرت الإرادات. فهل تكون هذه البادرة الايجابية خطوة إضافية في اتجاه التصالح الشامل من بلد الزيتونة مع كل جوانب الصحوة الإسلامية التي تشهدها البلاد وتحتاج إلى كثير من الحكمة والرعاية والترشيد؟وهل يتحول الدين من معضلة تؤرق البعض ومصدر من مصادر القلق الاجتماعي والسياسي إلى معين يرتوي منه الجميع ويتنافسون على خدمته والارتقاء بمكانته دون وصاية أو احتكار من أحد؟ هذا ما يأمله كل وطني صادق حريص على مصلحة تونس ومستقبلها


 

 

الباحث والمحاضر في جامعة وسيمنستر البريطانية

              

رفيق عبد السلام: المشاريع المجتمعية لا تصنعها نخب الصالونات (2)

 

حوار – مصطفى عاشور

 
 
 
في هذا الجزء الثاني من الحوار مع الباحث والمحاضر في جامعة وسيمنستر البريطانية الدكتور « رفيق عبد السلام » يتناول عدة قضايا وإشكاليات كبرى ترتبط بالعلاقة بين الأديان وبين العلمانيات، وأكد أن العلم أصبح أكثر تواضعا من ذي قبل، ومعترفا بمحدودية أجوبته، كما أن العالم يشهد اهتزاز في اليقينيات الكبرى التي روجت لها الحداثة، مشيرا إلى أن هناك استدعاء للأديان في الكثير من مناطق العالم ولكن بدرجات متفاوتة.

وأكد الدكتور رفيق أن العلمانية كانت في الحقيقة استجابة لحاجة عملية وتاريخية أكثر مما هي نتيجة مقولات دينية أو مطالب فلسفية؛ لأن المشاريع المجتمعية والسياسية الكبرى لا تصنعها النخب الثقافية في الصالونات المغلقة، ولكن هذه المشاريع هي تعبير عن حاجات مجتمعية حقيقية؛ فالنظم السياسة والاجتماعية لا تبنى في بطون الكتب والمدونات، بل تستمد شروطها ومشروعيتها مما تقدمه من إجابات على تساؤلات المجتمع وحاجات الناس، وآلامهم وأوجاعهم.

عودة الأديان

* التنافس بين الأديان وبين العلمانية أصبح أكثر تجليا ووضوحا هذه الفترة؛ فهل ترون أن التطور العلمي واحتكاك العلم بالمجهول قد أوجد حاجة للدين أو ربما لليقين.. والسؤال هنا تحديدا: هل هذه العودة للأديان ستكون على الشرط العلماني كما يردد البعض ذلك؟

– ثمة ظاهرتان كبيرتان تطبعان عصرنا الراهن لا تخطئهما العين؛ أولهما: تراجع النزعة العلمية التي طغت على المشهد الفكري والثقافي الغربي إلى غاية بدايات القرن العشرين؛ فقد بات العلم اليوم أكثر تواضعا واعترافا بمحدودية الأجوبة التي يقدمها من ذي قبل، واختفت بالتبعية تلك الهالة السحرية والخارقة التي كانت تمنح له وترتفع به إلى مصاف الدين المزاحم للعقائد والأديان، وربما يعود ذلك إلى تعثر مسار الحضارة الغربية الحديثة التي قامت في بعد من أبعادها الأساسية على الاعتقاد في قدرة العلوم والتقنيات على حل مشكلات المصير الكبرى.

العلوم اليوم ما عادت تجلب السعادة وتوسع فضاء الحرية على نحو ما كان يبشر بذلك فلاسفة وعلماء الأنوار، بل هي بقدر ما سجلت من منجزات وفتوحات غير مسبوقة، بقدر ما جلبت معها من مخاطر وأزمات نالت الإنسان ومحيطه الكوني الأوسع.

* لقد بات العلم اليوم أكثر تواضعا من ذي قبل، مثلما بات يسلم بوجود أقوال وأنماط معرفية أخرى قد تختلف عنه من جهة اللغة وأدوات البحث، ولكنها لا تقل عنه أهمية ومشروعية؛ مثل الفلسفة، والدين، والفن، والتجارب الروحية، وغيرها، ولم يعد يدعي احتكار القول القاطع أو الانفراد بكشف الأسرار الكونية على أنقاض الأساطير والأديان على نحو ما كان ينظر فلاسفة الأنوار مثلا، بل ثمة شعور آخذ في التنامي اليوم مفاده حاجة العلوم إلى نوع من التسديد الأخلاقي، وعدم الإذعان لمنطقها الداخلي المجرد خاصة بعد تحولها إلى تقنيات بالغة الدمار والفتك من بعض الوجوه.

– ربما تقدم لنا وضعية الفيلسوف النمساوي-البريطاني فيتجنشتاين حالة ملخصة للمشهد الثقافي الغربي الراهن؛ فقد بدأ الرجل حياته وضعيا صارما لا يقيم وزنا لكل ما يقع خارج « اللغة الوضعية العلمية »، ولكن انتهى به المطاف إلى ما يشبه المتصوف المنعزل.

أما الظاهرة الثانية التي يمكن التوقف عندها، والتي لا تقل جلاء عن الأولى، فهي اهتزاز اليقين في مجمل القيم الكبرى والمفاهيم المؤسسة لعصر الحداثة، أو ما أسماه الفيلسوف الفرنسي جون فرنسوا ليوتار: « نهاية السرديات الكبرى »، من العقلانية إلى فلسفة الذاتية المتحررة، ومن أيديولوجيا التقدم إلى الثقة في التاريخ.

كان من بين النتائج المصاحبة لذلك شيوع ثقافة السيولة المطلقة، أو بتعبير الفيلسوف الألماني نيتشه « المنظورية الكاملة »؛ حيث أضحى كل شيء عرضة للتبدل والتغير السريعين: من البيت إلى الوظيفة، ومن الصاحبة إلى العائلة والولد، بيت الإنسان مثلا لم يعد مأوى يركن إليه طلبا للاستقرار ودفء الرحم العائلي، بل قيمة ربحية يمكن تغييره وعرضه للبيع في أي وقت من الأوقات بحسب سوق العرض والطلب، ووظيفة الإنسان ومهنته ليست شيئا مستقرا وثابتا إلى غاية تقاعده أو ربما وفاته، بل هي عقد مؤقت وخاضع لحاجة سوق الشغل وأرباب العمل.

وما هو أشد خطورة من كل ذلك تمدد هذه السيولة إلى صعيد الثقافة والقيم العامة، أي إلى نظام المعاني والقيم، بسبب افتقادها لعنصري الثبات والاستقرار، وتحولها إلى لعبة تأويل أو استدلال لغوي غير متناهية، وهي لعبة بات يتحكم فيها الأقوياء، أي طبقة الساسة المتمرسين على ألاعيب الخطابة والتضليل، ومراكز التحكم المالي والإعلامي، وخاصة ما يسمى اليد الخفية للسوق.

كثيرًا ما ينزع علماء الاجتماع للتخفيف من وطأة هذه الظواهر على مسامع الناس، إلى استخدام مصطلحات مهذبة بعض الشيء، من قبيل ما يسمونه بالتشظي الاجتماعي، والديناميكية الاجتماعية، ومرونة السوق، وما شابه ذلك.

وأخيرًا وليس آخرًا ما أطلق عليه عالم الاجتماع البريطاني أنطوني جدنز: « تزايد معدلات المجازفة في المجتمعات الصناعية المتقدمة »، وهي كلها مصطلحات تكتفي في الغالب الأعم بتوصيف الظواهر من دون بيان مخاطرها وتداعياتها العامة.

في مثل هذه الأجواء الصاخبة تبدو حياة الإنسان الحديث مفقرة إلى حد بعيد، بل هي بالغة السطحية وافتقاد الأعماق، حياته تتمركز حول عالمه الخاص، أو ما يمكن تسميته بروايته الخاصة والصغرى، التي لا تتعدى القرض البنكي، والبيت والسيارة، وكيف يقضي عطلته السنوية، والخليلة التي يتخذها، وليس أكثر!.

فعلا يبدو الإنسان الحديث اليوم بالغ الذكاء والدقة والنجاعة من وجوه كثيرة، ولكنه من الجهة الأخرى بالغ السطحية وافتقاد الرؤية الشمولية، ولعل هذا الجدب الروحي والفراغ المجتمعي هما من بين الأسباب التي تغذي الحاجة إلى الدين مجددا عنده، أو ما أسماه كلاوسكي بانفجار المقدس، بدافع إطفاء جوعة الضمير، وترميم الأعطاب الداخلية في روح الإنسان الحديث المنهكة.

هناك عودة للأديان

نعم هناك عودة إلى الأديان في مختلف قارات العالم وسائر الثقافات تقريبا، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة ومختلفة من مجتمع إلى آخر، ومن فضاء حضاري وديني إلى آخر، مع ضرورة أخذ كلمة عودة بشيء من التحفظ هنا؛ لأن الدين أو الأديان لم تختف بإطلاق، وفي كل مناطق العالم حتى يقال إنها عائدة اليوم.

لا شك أن هناك ميلا متزايدا نحو استدعاء الأديان والعقائد بأشكال مختلفة، سواء في العالم الإسلامي، وفي أمريكا الجنوبية، وفي الهند، وآسيا البعيدة، وغيرها، وحتى في القارة الأوروبية التي تراجعت فيها حظوظ الدين بشكل ملموس خلال القرنين الأخيرين فإنها تشهد بعضا من مظاهر الاستفاقة الروحية، ومع ذلك لست متأكدًا بأن هذه العودة ستكون على الشرط العلماني بإطلاق، وعلى نفس المنوال في كل الفضاءات الحضارية الكبرى.

في أوروبا التي ضمر فيها تأثير الدين إلى حد بعيد، وبقي عبارة عن مختزنات شعورية وثقافية عامة يبدو من الصعب الارتداد عن موجة العلمنة، أو أن يكون الدين مزاحما قويا ومعاندا صلبا لحركة العلمنة، فإذا استثنينا التيارات اليمينية الصاعدة التي تمزج بين شعور مرضي بالهوية الدينية والتطرف القومي وعداء الآخرين، وخصوصا المسلمين، فإن السمت الغالب على هذه العودة يأخذ شكل البحث عن المعنى الفردي في عالم أصبح مشحونا بالقلق وزلزلة الضمير.

إن حركة الرأسمالية الجامحة التي تؤدي إلى تبخر وتليين كل ما هو صلب، كما يقول ماركس، ربما تغذي حاجة الإنسان إلى البحث عن دفء الأديان والعقائد، بما في ذلك التعبيرات الأرواحية والباطنية، مثل البوذية، والهندوسية، والتصوف الإسلامي.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية ما زال الدين -بما في ذلك في شكله المؤسسي- يتمتع بحضور قوي، سواء في الحياة الخاصة أو في الفضاء العام؛ حيث تقترب معدلات ارتياد الكنائس إلى ما يقرب من 50% تقريبا، إلا أنه يتوجب التنبه هنا إلى أن الدين والتدين في هذا البلد يبدوان متوائمين ومتصاهرين مع ضرب من العلمانية الحيادية وغير العقائدية، ولذلك إذا نظرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية من زاوية أولى تبدو لك بالغة العلمنة والنفعية الاقتصادية، ولكن إذا نظرت إليها من زاوية أخرى تبدو لك بالغة التدين.

إن العلمانية في الولايات المتحدة الأمريكية ليست منظومة عقائدية مزاحمة للدين أو طاردة له، بل هي أقرب ما يكون إلى علمانية براجماتية تتأسس في بعد من أبعادها الأساسية على جعل الفضاء العام مفتوحا أمام مختلف التعبيرات الدينية والعقائدية بصورة متكافئة، وبدون تحيزات دينية أو مذهبية، وذلك خلافا للعلمانية الفرنسية مثلا التي تنشد تطهير المجال العام من كل أثر من آثار الدين أو الأديان جملة، ولعل هذا ما يفسر كثرة الضجيج والمشكلات التي تثار حول قضية الحجاب الإسلامي والرموز الدينية في هذا البلد أكثر من غيره من بقية المواطن الأوروبية.

أما في العالم الإسلامي، وبرغم أنه من غير الدقيق الحديث عن عودة؛ لأن الإسلام لم يغب عن ساحات الحياة العامة في المجتمعات الإسلامية أصلا، إلا أن ظاهرة الأسلمة (واستخدم كلمة أسلمة بين ظفرين؛ لأنني لم أجد بديلا أكثر دقة عنها) ومن دون شك في طريقها إلى أن تترك بصمتها في مختلف مناحي المجتمعات الإسلامية، ربما لعقود كثيرة قادمة، وخصوصا بين القطاعات المثقفة والحديثة التي تبدو أكثر استجابة للتوجهات الإسلامية من غيرها بما يبين فعلا أنه لا يوجد تساوق حتمي وتلازمي بين التحديث والعلمنة في هذه المنطقة من العالم على الأقل.

حصيلة القول إن الحداثة تمثل فعلا ضغطا على الأديان، ولكن هذه الأخيرة ليست دائما في وضع المتلقي السلبي، بل تمارس هي بدورها نوعا من الضغط والتوجيه الخفيين والظاهرين لمسار الحداثة، وكذا لنوعية الوجهة التي يمكن أن تتخذها، من هنا يمكننا القول بأن الحداثة تغير فعلا أنماط التعبير الديني، ولكنها لا تلغيها أو تضعفها ضرورة على نحو ما تصور نظريات العلمنة.

لا شك أن إسلام الشاب المصري أو التركي أو المغربي الذي يعيش في قلب القاهرة وإستانبول والرباط يختلف عن إسلام والديه اللذين يعيشان في الريف أو البادية، وعديمي الحظ من ناحية التعليم، ولكن ذلك لا يعني أنه سيكون علمانيا أو لا دينيا على نحو ما تبشر بذلك نظريات العلمنة غالبا.

الديمقراطية الإجرائية

* في كتابكم « في العلمانية والدين والديمقراطية » قمتم بعملية تفكيكية واسعة لمفهوم العلمانية، وأثبتم أنه لا يمكن فصله عن مجموع القيم المسيحية وخبرة التاريخ الأوروبي، وبرغم هذا تبنيتم رؤية توفيقية بين الإسلام ونوع من العلمانية أسميتموه « العلمانية الإجرائية ».. نريد توضيحا لفكرتكم تلك..

– لا شك أن العلمانية إذا تناولتها من الجانب الدلالي والنظري فإنك تجدها تحمل مؤثرات مسيحية غائرة، وربما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الميراث الروماني والإغريقي، ولكن مسار هذا المفهوم ليس تواصليا وخطيا على نحو ما يتصور الكثير، وهذا يبين خطأ القول بأن الغرب الحديث قد أصبح علمانيا بمجرد وجود مصطلح العلمانية في الميراث المسيحي، أو لمجرد وجود مقطع إنجيلي يحض على إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر.

العلمانية كانت في الحقيقة استجابة لحاجة عملية وتاريخية أكثر مما هي نتيجة مقولات دينية أو مطالب فلسفية، وحتى كلمة علماني نفسها شهدت تحولات دلالية واسعة من الاستخدام المسيحي القديم إلى الاستخدام الحديث، فقد كانت هذه الكلمة تحمل بعدا قدحيا في السياق المسيحي الوسيط، ولكن الأمر تغير بما يشبه الانقلاب الكامل في العصر الحديث، فالرجل العلماني لم يعد يحيل إلى تلك الطبقة الدنيا من رجال الدين قليلة الحظ من ناحية المعارف اللاهوتية، والتي تقوم على خدمة العامة، بل أصبحت تدل على طبقة المستنيرين والمتشبعين بالقيم الدنيوية المدنية وهكذا.

أنا ممن يقولون بأن أغلب المفاهيم الحديثة المستخدمة، والتي شاع استخدامها من عصر التنوير الغربي، والتي اكتسبت طابع الكونية هي في جوهرها مفاهيم مسيحية مباشرة أو معلمنة، ولك أن تقول هي لاهوت مسيحي مقلوب على ما ذكر عالم الاجتماع الألماني كارل لويث، ولكن بشرط أن نفهم الطابع المركب لمسار هذه المفاهيم، وما شهدته من انتقال وتعديل كبيرين.

أما فيما يخص سؤالك عن المنحى التوفيقي لعملي، فالحقيقة أنه لم يكن غرضي من البحث القيام بعملية توفيق أو توليف، ولا إثبات التعارض والتناقض الأزلي بين الإسلام والعلمانية، على نحو ما نبهت إلى ذلك في فاتحة الكتاب، إنما كانت منهجيتي تقوم أساسا على التنقيب في أعماق المفاهيم، ثم مسايرة هذه المفاهيم إلى نهاياتها من غير أن أعبأ كثيرا ما إذا كانت تودي إلى الالتقاء أو التعارض فيما بينها، وللتدقيق فقد تحدثت في كتابي عن الديمقراطية الإجرائية، ولم أتحدث عن العلمانية الإجرائية؛ لأنني مقتنع بأن العلمانية أوسع من أن يتم إرجاعها، أو اختزالها في الجانب الإجرائي أو السياسي.

ما أكدت عليه فعلا هو ضرورة تجريد العلمانية من الادعاءات النظرية الكبرى التي تلبست بها من قبيل إدعاء العقلانية، والتساوق الحتمي مع الديمقراطية والتسامح، مع التشديد على ضرورة النظر إليها من زاوية اشتغالها التاريخي، وما يطبعها من تعدد وتنوع بالغين، وفي هذا السياق ذكرت بأن الكثير من الجوانب التي تدعيها العلمانيات هي أصلا إما موجودة في الإسلام، وإن لم تتسم باسمها، أو أن بعضها يمكن استيعابه ضمن الوعاء الإسلامي الواسع، فلا يحتاج المرء ضرورة أن يكون علمانيا مثلا حتى يكون متسامحا إزاء المغاير في الدين أو اللون والمذهب، بل يمكن أن يكون منفتح العقل، ومتسع القلب بدافع الدين أصلا.

المشكلة أن كلمة علمانية ومرادفاتها لم تعد تحيل إلى الدلالة اللغوية الأصلية، مثل الدنيوي أو الزمني أو النسبي على نحو ما كان عليه أمر الاستخدام المسيحي الوسيط مثلا، بل استحال أمرها إلى نظريات صلبة لها مسلماتها ومقدماتها الصلبة، بما يشبه العقائد المغلقة، وبذلك غدا من الصعب فصل كلمة علمانية عن ادعاءات العلمانيين الفكرية والسياسية، ولعل هذه إحدى التعقيدات المصاحبة لهذا المفهوم ليس عندنا في العالم الإسلامي فحسب، بل حتى في البلدان الغربية نفسها.

* لكن دكتور رفيق تبرز هنا عدة تساؤلات حول مصطلحكم « العلمانية الإجرائية » منها إذا كان هذا جائزا لماذا نسميها « علمانية » لماذا لا نستخدم مصطلحا آخر يحمل بعضا من خصوصياتنا التاريخية؟

– لعلمك أخي الكريم أنني نبهت فعلا إلى ضرورة التخلي عن استخدام هذا المصطلح ما أمكن في عالمنا العربي والإسلامي بحكم ما أحاط ويحيط به من التباس، وما يصاحبه من استقطاب، ولولا استقرار هذا المصطلح في الخطاب العام، وغياب مصطلحات أخرى بديلة توفي بالغرض لقلت إنه يتوجب الاستغناء عنه جملة؛ ولذا أنا أميل إلى تفكيك هذا المصطلح « الشمولي » إلى عناصر أولية، أو مفردات جزئية يمكن التحاور بشأنها، والتعاطي معها قبولا أم رفضا، بدل التمترس خلف مصطلح بالغ الإشكال والغموض من قبيل التسامح، والتعدد الديني والعرقي والديمقراطية والدولة وما شابه ذلك.

ليس مضطرا أن يكون المرء علمانيا خالصا ونقيا، حتى يكون منافحا عن التعددية والديمقراطية والمساواة والسماحة، هذه كذبة كبيرة يروج لها بعض العلمانيين العرب لتأكيد احتكار جملة من القيم السياسية ونزعها عمن يخالفونهم الرؤية والتوجه، العلمانية شأنها في ذلك شأن الدين، أو الأديان ويمكنها أن تكون متعصبة أو منفتحة، استيعابية أو استبعادية، ديمقراطية أو استبدادية.

وفعلا إن استخدام هذا المصطلح قد لا يساعد على بناء جسور الحوار والتواصل، بل ربما يكون مسمما للأجواء ومفسدا لنسيج العلاقات العامة في مجتمعاتنا، فحينما نحول النقاش بين خندق العلمانيين الخلص من جهة، وخندق المعادين للعلمانية أو المؤمنين، مثلا سنجد أنفسنا إزاء كتل صلبة تتراشق بالأوصاف والنعوت من دون أن نصل إلى نتيجة تذكر، في حين أنه حينما تم طرح قضايا أكثر انضباطا ودقة فإنه يمكن وقتها تحديد مساحات الالتقاء والاختلاف بين المتحاورين بصورة أوضح وأفضل.

وأذكر هنا أن الكثير من المثقفين والسياسيين العرب الذين لهم اجتهاداتهم ورؤاهم الخاصة في شئون السياسة والدين يرفضون أن يوسموا بالعلمانيين أصلا، وما دام الأمر على هذا النحو فيجب احترام مطلبهم، والاقتصاد ما أمكن في استخدام هذا المصطلح، اللهم إلا من رغب في الانتساب إليه أو الاتصاف به، فهذا شأنه واختياره.

أزمة البديل

* دكتور رفيق ألا تظن أن طرحنا لمفهوم « العلمانية الإجرائية »، أو حتى « العلمانية الجزئية » يعبر عن أزمة ثقافية نعاني منها فنحن نكيل للعلمانية الاتهام والإدانة بأنها وثيقة الصلة بالمجتمع الغربي، ولكننا لا نملك بديلا سوى البديل العلماني، وهو ما يعكس أزمة عدم وجود بديل حضاري يحمل سمات وخصائص الحضارة الإسلامية؟

– لقد نحت أستاذي المفكر عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- عن مصطلح العلمانية الجزئية مقابل ما أسماه بالعلمانية الشاملة، لتأكيد التمايز الوظيفي في مجال إدارة شئون الحكم بين رجال الدولة وخبرائها، وبين أهل الفقه، والعلم الديني الذين لا علاقة لهم بشأن إدارة الحكم، وهو تقسيم وجيه من هذه الناحية على الأقل.

إذن ليس أمرا مطلوبا ولا مستساغا أن يتولى المشايخ والمعممين إدارة شئون الدولة، حتى يقال هذا هو الحكم الإسلامي الصحيح المقابل للحكم العلماني أو اللاديني، وإن كنت شخصيا لا أميل إلى استخدام هذا النموذج النظري بحكم ما يحيط بكلمة علمانية من غموض وتشويش كثير على ما ذكرت سابقًا، بل الفكرة التي أتبناها وأطرحها بكل تواضع على زملائي من المعنيين بشئون الفكر والسياسة في مجتمعاتنا هي: فكرة حيادية الدولة إزاء شئون الدين والثقافة، بمعنى ألا تكون الدولة تدخلية سواء باسم العلمنة أو الأسلمة، فتفرض على الناس ما يعتقدون وما لا يعتقدون، أو ما يلبسون وما لا يلبسون، وما يستمعون وما لا يستمعون.

لقد أكدت أغلب الدول العربية مثلا بأن الإسلام هو مصدر التشريع أو المصدر الرئيس للتشريع، إلى جانب الإقرار بكون العربية هي اللغة الرسمية للبلد، وهذان المبدآن كفيلان بتنظيم حياة سياسية واجتماعية مستقرة ومرضية للإسلاميين والعلمانيين على السواء.

يجب أن نتخلى عن فكرة وجود البدائل الجاهزة سواء كانت موصوفة بالعلمانية أو الإسلامية، أو سواء كانت مجلوبة من الخارج، أو منحدرة من ميراث التاريخ، ولعلنا نحتاج كمسلمين إلى شيء من التواضع والابتعاد عن ادعاء امتلاك البدائل الجاهزة وذات العلامات المسجلة تحت عنوان « البديل الحضاري ».

النظم السياسة والاجتماعية لا تبنى في بطون الكتب والمدونات، بل تستمد شروطها ومشروعيتها مما تقدمه من إجابات على تساؤلات المجتمع وحاجات الناس، وآلامهم وأوجاعهم.

والمشكلة عندنا هي أن الكثير من الأسئلة المطروحة في الساحة العربية والإسلامية عامة، إما أنها أسئلة مزيفة وفاقدة للمعنى أصلا، أو أنها توضع في المرتبة التي لا تستحقها، ومن ذلك كثرة السجال الذي يدور عندنا حول قضية العلمانية وفصل السياسة عن الدين، وكأن المشايخ والمعممين هم من يتحكم في شئون الحكم، أو هم أصحاب الحل والعقد، بينما كان من الأحرى والأولى المطالبة بتحرير الدين من قبضة الدولة، التي هي متحررة في أصلها من كل شيء.

البديل الحضاري الذي ذكرته أخي الكريم في سؤالك لن يكون مدونة جاهزة وناجزة نضع عليه البصمة الإسلامية أو العلامة الإسلامية المسجلة، بل هو مسار بالغ التركيب والتعرج قد يستغرق أجيالا كاملة وعقودا متتالية، وربما أكثر من ذلك.

المشاريع المجتمعية أو السياسية لا تصنعها النخب في صالونات النقاش، بل تشتقها المجتمعات في أجواء أزماتها وأوجاعها، كما لا تمليها رغبات وأهواء النخب أو اشتراطاتها، بل حاجات المجتمع وأولوياته العامة، فحينما تكون العلمانية تعبيرًا عن مطلب مجتمعي وحاجة فعلية فلن يحول دونها حاجب أو مانع.

ولذلك أقول: إن مجتمعاتنا هي اليوم في أمس الحاجة إلى تنشيط شرايينها المتصلبة نتيجة طغيان مناخ التسلط السياسي وضيق مساحات الحرية، وذلك عبر فتح قنوات الحوار والتداول العام لتحديد خياراتها المجتمعية والثقافية التي تبتغيها بعيدا عما نرغب فيه وما لا نرغب فيه، وبمنأى عما نحبه أو نكرهه نحن كنخب.

وهنا أقول إن أي مشروع مستقبلي للعالم الإسلامي لا بد أن يكون ضاربا بجذوره في الأرض التي يقف عليها، ومتأملا في أفق الحداثة بعاهاتها ومكتسباتها في نفس الوقت، بلغة أخرى نحن في حاجة إلى اجتهاد مضاعف في الدين والحداثة على السواء؛ لأن كل منهما يمثل ضرورة وحاجة لا يمكن تجاهلها.

شرعية الإنجاز

* دكتور.. يطرح نجاحات العلمانية تحديا أمام أهل الأديان وهو أن العلمانية استطاعت تسويق نفسها معالديمقراطية والحداثة.. فهل ترون أن ذلك منحها شرعية إنجاز مقابل الأديان؟

– فعلا بعض النجاحات التي أنجزتها العلمانية، أو بالأحرى بعض العلمانيات تسجل لصالحها من دون شك، فمن دون الحل العلماني ما كان من الممكن بلوغ حالة الوفاق المدني وطرد شبح الحروب الدينية والأهلية التي كانت تهز عرى الاستقرار، وتدمر أسس العيش المشترك في المجتمعات الأوروبية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر مثلا، وما كان من الممكن بلوغ حالة الوفاق الأهلي وتطور العمران.

بيد أن هذا الحكم  يحتاج بدوره إلى شيء من التواضع والتنسيب أيضا، فقد كان من بين النتائج الخطيرة لتفكك النظام الكنسي والإقطاعي القديم ظهور الممالك الدنيوية المطلقة التي عملت على ملء الفراغ المؤسسي الذي تركته الكنيسة والقوى المرتبطة بها بقوة السيف والبطش، أي ظهور الدولة التنين التي تحدث عنها هوبز في القرن السابع عشر التي تؤسس شرعيتها بقوة الاستحواذ ولجم الخصوم وقهرهم.

كما أنه يمكن مواجهة هذه الحجة بالقول أيضا إن أشد  أنواع الإرهاب التي شهدها عصرنا الراهن قد تخلّقت في أحشاء العلمانيات أيضا، من البشاعات النازية والفاشية إلى الجولاج الستاليني إلى حروب التطهير القومي والعرقي، كما أن حالة الدمار وإفساد البيئة التي يتعرض لها كوكبنا، فضلا عن طغيان نزعات الهيمنة واستعلاء الأقوياء على الضعفاء هي في بعد من أبعادها منتج الرؤية الذرائعية العلمانية التي لا تعبأ بغير القوة والمصالح.

ولذلك أقول إنه لا توجد علمانية بإطلاق، مثلما لا توجد أديان أو دين بإطلاق، بل هنالك تجارب علمانية وتجارب دينية مختلفة بعضها قد يأخذ طابعا أخلاقيا وإنسانيا وبعضها الآخر قد يأخذ طابعا عنفيا وقهريا.

ولعل إحدى التحديات الكبرى التحدي المطروح راهنا ومستقبلا على العالم الإسلامي، ويتمثل في كيفية تأسيس اجتماع سياسي تعددي ومنفتح في إطار الشرعية الدينية، بما من شأنه أن يتفوق ويضيف إلى ما تعتبره العلمانيات مكاسب خاصة بها من قبيل الاعتراف بالتعدد الديني والعرقي وتجذير التسامح المدني، وما دمنا لا نستطيع أن نثبت ذلك واقعا، وليس مجرد ادعاء، فإننا لا نستطيع تحدي الحل العلماني.

إن ما يثير حفيظة المسلمين عامة -وأنا واحد منهم- هو أن العلمانية تتأسس في بعد من أبعادها الأساسية على نظرة دهرية للعالم وشروط الوجود الإنساني أو ما يمكن تسميته بإحلال المرجعية الدنيوية المحايثة immanence  محل المرجعية الروحية المتعالية، ولكن يبقى التحدي المطروح علينا كمسلمين اليوم في كيفية استيعاب وتجاوز ما تعتبره الحداثة مكاسب ومنجزات خاصة بها، ضمن وعاء أخلاقي وروحي، في مثل هذا العصر الذي لم يعد يعير اهتماما بالروحانيات والقيم الكونية.

فلن ينفع كثيرًا أن نلعن العلمانية والعلمانيين حينما تكون نيران الطوائف مستعرة في أرضنا وتمزق أوطاننا مثلا، أو حينما يضيق صدرنا من مجرد صدور مقالة أو كتاب لا يعجبنا مثلا.

العلمانية ليست بديلا مريحا

* في المقابل يطرح البعض أن العلمانية وما تحمله من قيم مادية لم تكن بديلا مريحا للبشرية، فالحروب الكبرى عالميا جرت بين علمانيات، كما أن غالبية الأقليات عانت من العلمانيات التينشأت في ظل الدولة القومية في منطقتنا.. فكيف نخرج من أسر هذه الثنائية؟

– مثلت العلمانية في وجه من وجوهها حلا واستجابة لحاجات عملية فيالغرب الحديث، على ما بين العلمانيات الغربية من اختلاف وتباين؛ لأنه كما ذكرت سابقا لم يكن ممكنا إعادة تأسيس الانسجام الاجتماعي والاستقرار السياسي تحت وعاء الكنيسة بعدما أصبحت مصدرا للانقسام والتنازع الطائفي والديني، وحينما يعجز الدين عن تأسيس شروط الوحدة العامة ويتحول إلى كتل مذهبية أو طائفية منغلقة على نفسها، فإنه هو قبل غيره من يؤسس مشروعية تجاوزه باتجاه الحل العلماني.

ولذلك أقول إن الجماعات الدينية المتشددة عندنا والتي تسعى إلى تحويل الإسلام إلى كتل طائفية متنازعة، وتغذي عوامل الفرقة والتنازع المذهبي والديني هي أول من يجلب الحل العلماني قبل غيرها.

بيد أن ما لا يمكن إنكاره من الجهة الأخرى ما صاحب العلمانيات من أزمات وأمراض نالت عالم البشر والحجر على السواء، بسبب ضمور الموجهات الأخلاقية والروحية لصالح النظرة الذرائعية التي أفقرت الوجود وعالم البشر، هذه النظرة التي لا تنظر إلى العالم إلا من خلال عقلية الدقة الحسابية وإرادة التوظيف والسيطرة على نحو ما ذكرنا بذلك عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.

لكن مع ذلك يبدو لي أنه ما عاد من الممكن، في الغرب الحديث على الأقل، إرجاع عقارب الساعة إلى الخلف أو نقض العلمانية إلى ما قبلها، بل ما عاد ممكنا الهروب مما سماه المفكر البريطاني جون جراي بالمصيدة النيتشوية قاصدا بذلك تمدد النزعة العدمية، بل ربما كل ما يطمح إليه هو أن يتم التخفف من غلواء التطرف العلماني، لصالح علمانية إنسانية، ومتسامحة ومنفتحة على سائر الأديان والتوجهات الفكرية والعقدية.

* يبدو الجدل الدائر اليوم حول العلمانية بمثابة « حرب استباقية » يقوم بها بعض العلمانيين؛ نظرا لهشاشة الأسس الفكرية وضعف القاعدة الاجتماعية التي ينحدر منها العلمانيون العرب؛ فما هو مستقبل المشروع العلماني في العالم الإسلامي في ظل تلك الاعتبارات؟

– يبدو أن العلمانية لا تمثل فعلا أفقا مستقبليا في العالم الإسلامي، ليس لكون المسلمين يمانعون في دخول بوابة الحداثة وقبول ما يسمى بالقيم العصرية على ما يروج في الكثير من الأدبيات الغربية والعربية على السواء، بل للاعتبارات التي ذكرتم بعضها في نص السؤال، ومن ذلك ضعف القاعدة الاجتماعية والقوى الحاملة لحركة العلمنة، ويمكن أن أضيف إلى ذلك شعور المسلمين بأن العلمانية كانت قرينة الخضوع للأجنبي وفساد النخب وانفصامها من عرى الدين والأخلاق، ولكن مع ذلك هناك تيار علماني موجود في الساحة ولا بد من التعامل معه واحترام مطالبه إذا أردنا أن نبني أسس التعايش والاستقرار في مجتمعاتنا، كما أن هنالك تيارات إسلامية فاعلة ونشيطة لابد من الاعتراف بها والتعايش معها.

لا توجد حرب مقدسة بين الإسلام والعلمانية ولا بين العلمانيين والإسلاميين في منطقتنا، بل هنالك اختلافات فكرية وسياسية يمكن حلها عبر التداول الحواري والتدافع السلمي فيما بينها إلى غاية أن تستقر معالم المشروع المجتمعي والسياسي المطلوب بعيدا عن إملاءات وأحلام العلمانيين أو الإسلاميين.

وأرجح هنا أن يكون الحل محصلة حركة وفاق ومساومات تفرضها ضرورات الواقع على جميع القوى الفكرية والسياسية الفاعلة في الساحة، بما من شأنه أن يحفظ استقرار مجتمعاتنا ويعيد إليها شيئا من التوازن المفقود.

لقد بينت تجارب الواقع في منطقتنا أن خيار العلمنة الفوقية والقهرية بقوة الدولة كما الشأن في تركيا الكمالية، وكذا خيار الأسلمة الفوقية عبر فرض خيارات وأنماط حياة معينة، كما هو الأمر في إيران لا يقدم الحل بل يعمق الانقسام الاجتماعي والثقافي، وربما يكون أفضل البدائل المتاحة في مرحلتنا الراهنة تجنب الحلول الجذرية وتحييد الدولة عن الخيارات الثقافية والأيديولوجية القاطعة والمرهقة لمجتمعاتنا، خاصة في ظل هذه الظروف الدولية شديدة الاختلال لصالح قوى الهيمنة.

(المصدر: موقع إسلام أونلاين نت (الدوحة – القاهرة) بتاريخ 17 أوت   2008) 

كلمة : مسكين «بو العيلة»

   

قلّما تتحالف الظروف على «بو العيلة» بحدّة مثلما  تعدّ للتحالف عليه خلال الأيام القادمة.. فالمسكين ما إن يودّع فصل العطل السنوية والاعراس حتى يستقبل حدثين لا يقلّ أحدهما أهميّة وثقلا عن الآخر. فشهر رمضان الذي هو كالعادة شهر الانفاق بامتياز وشهر الدفع بلا حساب سيتزامن إستقباله مع الاستعداد للعودة المدرسيّة وما يكلّفه التلميذ الواحد من مصاريف تتجاوز بسهولة المائتي دينار.. وكأن ذلك لا يكفي إذ لا يمرّ أسبوع واحد عن العودة المدرسية حتى ينطلق الاعداد لعيد الفطر وما يتطلّبه من صنع الحلويات واقتناء الملابس. يحدث كل هذا بعد أن أتى «لهب» أسعار البترول على بقية أسعار المواد الاساسية والكمالية وعلى أسعار الخدمات والنقل فأشعلها إشتعالا.. بحيث قلّ وندر أن تجد بضاعة أو خدمة لم يشهد سعرها إرتفاعا.. في المقابل لاتزال المفاوضات الاجتماعية تراوح مكانها رغم ما شهدته الأشهر المنقضية من جهود لتحريكها بما يرضي الطرفين. إذا والحال على ما هي عليه فإن «بو العيلة» لا يختلف حاله عن حال من يحاول التصدّي لوحش بعود ثقاب ظانا أنه يمسك رمحا.. فهل سيكسب الجولة؟ المؤكد أنه سيخرج منها حيّا لكن في أيّ حال وبأي جهد يا ترى..؟ ذلك ما سيؤكده شهر أكتوبر القادم الذي نجزم أنه سيكون شهر الركود الاقتصادي بأتمّ معنى الكلمة. ثم وكأن ما سيحصل لا يكفي ليهدّ جهد «بو العيلة» إذ مع تفاعل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية بحكم حلول شهر رمضان في فترة قيظ التي تحالفت ضدّه جاء إعتماد التوقيت الصيفي ليزيد طينه وطين كل التونسيين بلّة.. فبحكم تقديم التوقيت بساعة سيجد الجميع أنفسهم مجبرين على الصيام الى ما يناهز الثامنة مساء حيث سيمضون وقتا أكثر تحت لهب الشمس اللافحة أو عليهم اللجوء الى المكيّفات ـ إن هم إستطاعوا إليها سبيلا ـ مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع كلفة استهلاك الطاقة على الدولة وعلى المواطن في نفس الوقت. ولئن قنع «بو العيلة» بحاله واستسلم لهذه الظروف برمي المنديل فإن ذلك لا يمنع أن يوليه أولو الأمر لفتة تخفف من معاناته.. لفتة تسرّع في غلق ملف المفاوضات الاجتماعية.. وتعلّق خلال رمضان العمل بالتوقيت الصيفي التي يثقل كاهل الجميع.. لفتة تشعر التونسي بأن هناك من «يفكّرون فيه» كما يحب هو أن «يفكّروا فيه».   حافظ الغريبي   (المصدر: جريدة الصباح الأسبوعي (تونس) بتاريخ 18 أوت 2008)


 

هل تحولت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الى شركة مناولة تابعة للتجمع الدستوري الديمقراطي؟؟؟

 

مراد رقية
ان لمن علامات قيام الساعة على الساحة السياسية التونسية حاليا معاينة برمجة وتنفيذ عديد المهازل التي ترى النور بموازاة مع تحركات الحوض المنجمي بقفصة وما اقترن بها من مضايقات لمنظمات المجتمع المدني وللمناضلين الحقوقيين التونسيين الشرفاء ولعل أبرزها فجاجة ووقاحة مهزلة انعقاد أشغال المؤتمر الأخير لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين؟؟؟ وكنت قد تناولت منذ مدة وجيزة وفي مقالة سابقة تحمل عنوان »المعارضة الدكاكينية ومسؤوليتها في تردي الأوضاع التونسية » كيف أن تنظيمات المعارضة التونسية الممثلة داخل مجلس النواب وغير الممثلة عوض توجيه جهودها نحو تكوين »جبهة للقوى الديمقراطية » اللائكية منها وغير اللائكية احترفت اصدار البيانات والمناشدات وتوقيع العرائض وتحليل الأوضاع في السودان وموريتانيا وتركيا وايران مما يكشف عن ضحالتها وعن تآمرها بامتياز من أجل الحيلولة دون فرض المسار الديمقراطي بالبلاد فتحولت التنظيمات وكبار لزامتها الى مكاتب علاقات عامة تحرص على مصالح »الشلة »أكثر من حرصها على مستقبل التنظيمات وصولا الى تكريس ديمقراطيتها ولعل آخر نموذج على هذا التراجع الماسخ والقبيح ما شهدته أشغال مؤتمر حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي اعتمدت الضحك على الذقون والشوارب وسلطة الأمر الواقع سبيلا الى فرض وجهة نظر »عصابة الأربعة » عبر الاجتماع  داخل احدى غرف النزل تكريسا للديمقرطية والاشتراكية المغيّبتين فكان « انقلابا موريتانيا »على شرعية القواعد التي أريد لها رغما عن أنفها أن تكون شاهد زور على مهزلة المؤتمر فبقدر مارفع مؤتمر التجمع رفع شعار التحدي جعلت عصابة الأربعة شعارها التعدي وما أدراك ما التعدي؟؟؟ ولعل الديناصورين مواعدة وبولحية وخاصة الأول الذي ضمن الدخول الى مجلس المستشارين معيّنا من رئيس الدولة شكرا على خدمات سابقة ولاحقة،تحمّل بصفته »منسقا عاما »أو مصفّيا عاما »لهذه الحركة العريقة رافعا شعار الوفاق وأي وفاق هذا ،يتحمل مسؤولية خطيرة ومباشرة في نكبة الحركة بعد تحوله من معارض ومناضل حقوقي وسجين رأي سابق الى مقاول ومصفي تركة يحترف الضحك المتميز على الذقون.ولعل في انعقاد المؤتمر مباشرة بعد مؤتمر التحدي للتجمع الاشتراكي الدستوري خير دليل على الطابع التآمري للديناصورين ولعصابة الأربعة،هذه القيادات التي أصبحت تحتقر القواعد ولا تحتكم لصندوق الاقتراع مما حوّلها الة »مقصورات »أو »ملحقات » للتجمع الدستوري الديمقراطي؟؟؟ » وكان من المفترض على القيادات الشابة »غير المتآمرة »أن تنتفض وتسحب البساط من تحت أقدام « ديناصورات الحركة »المتآمرين بامتياز على القواعد الراغبين الحجر على الحركة والاقدام على صفقة مع التجمع الدستوري قبل استحقاقات2009و2010،انتفضوا أيها المناضلون واسترجعوا قراركم من ديناصورات الحركة المكلفين بمهام رسمية في تصفية الحركة وتحويل أوراقها الى المفتي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 
 

سليم الكراي خطوة فى اتجاه طريق تونس- رأس اجدير

   

سليم الكراي   تواصلت سلسلة الزيارات الميدانية التى يقوم بها الرئيس التونسى زين العابدين بن على إلى مختلف جهات البلاد للإطلاع على معالم النهضة بها، وليزيد فى دعم المجهودات المبذولة والمخصصة للتنمية الجهوية بصفتها العمود الفقرى للتنمية المستديمة فى البلاد.. وبعد زيارته إلى كل من محافظة قفصة بالجنوب الغربي، ومحافظة القصرين وقبلهما العديد من المحافظات الأخرى زار فى نهاية الأسبوع محافظة صفاقس فى الجنوب الشرقى للبلاد، حيث دشن الطريق السيارة التى تربط المدينة بالعاصمة لتمتد من العاصمة مرورا بسوسة وصولا إلى صفاقس ولتمتد مستقبلا إلى كل من قابس ورأس اجدير الحدودية مع الشقيقة ليبيا.. وتعتبر هذه الطريق جزءا من المشروع الضخم الذى يربط تونس العاصمة بصفاقس على مسافة 240 كلم فى مرحلة أولى.. وتتضمن هذه الطريق فى جزءيها وهى الرابطة بين مساكن وصفاقس خمسة محولات وعدة منشآت فتية منها 54 ممرا علويا و3 ممرات سفلية إضافة إلى 5 جسور كبرى على الأودية و92 من المنشآت المائية.. وتربط هذه الطريق قطبين اقتصاديين هامين هما تونس العاصمة فى الشمال وصفاقس فى الجنوب الشرقي، وهى تشكل همزة وصل أساسية بين تونس وليبيا ويتطلع المسافرون إلى الإسراع فى الربط بين صفاقس ورأس اجدير حتى تستكمل حلقة الربط بين القطرين الشقيقين وحتى تكتمل سلسلة انجازات البنية التحتية التى برزت معالمها أيضا فى التحسينات المدخلة على نقطة العبور برأس اجدير والتى تم تدشينها مؤخرا من قبل وزير السياحة التونسي.. إن الطريق تمثل شريان الاقتصاد الأول فعبرها يتحرك البشر، وعبرها يتم نقل السلع فى كل الاتجاهات، وفى الطريق ترسم ملامح التنمية المستديمة لأنه عندما تكون الطريق آمنة وسليمة ومجهزة بأحدث التجهيزات وأدقها يكون مردود العملية الاقتصادية مضمونا.. وأثبتت التجربة أنه كلما كان الربط بالطرقات سليما وسريعا وآمنا انعكس ذلك على عملية التنمية، وازدادت قدرة المؤسسات على مضاعفة إنتاجها وتحقيق أفضل النتائج من حيث الإنتاجية نوعيا وكميا.. وبما أن الخط تونس- رأس اجدير يمثل محورا أساسيا فى التنمية المتكاملة ليس داخل تونس فقط عبر محورها الساحلى الهام، بل أيضا على مستوى العلاقة مع الشقيقة ليبيا التى بها منشآت طرقية هامة وعصرية، ولها علاقات اقتصادية متطورة مع تونس عبر هذا الخط الطرقى الهام والمحوري.. فإن كل عملية تحسين فى هذه الطريق سوف تنعكس على الحركة الاقتصادية بين البلدين، وسوف تكون نتائجها ملموسة ومباشرة ليس على مستوى حركة البشر فقط بل أيضا على مستوى المبادلات التجارية التى سوف تزداد وتتطور وربما تتضاعف لأننا نرى كل يوم كيف أن تشابك المصالح بين الشعبين والبلدين تونس وليبيا يتطور مع تطور البنية التحتية ومع تطور طموحات الشعبين.. إن هذه الطريق تمثل خطوة جديدة على درب استكمال التعاون الثنائى بين البلدين الذى ما انفك يتدعم ويتطور، وهى مرحلة لا بد منها للوصول إلى الربط المباشر بين تونس ورأس اجدير عبر طريق سيارة فيها كل المرافق وتضمن السلامة المرورية للجميع..   slim@alarab.co.uk   (المصدر: جريدة العرب (يومية – بريطانيا) بتاريخ 18 أوت 2008)


طرب من وحي الشعراء في اختتام مهرجان قرطاج

 

 
ميدل ايست اونلاين تونس – من طارق عمارة   أطفأت الليلة الماضية شموع الدورة 44 من مهرجان قرطج الدولي أحد أبرز المهرجانات العربية بعرض موسيقي « ياليل يا قمر » خصص لتكريم الشعر والشعراء من بينهم محمود درويش واحمد فؤاد نجم ومنصور الرحباني. وطيلة العرض الذي استمر زهاء ساعتين ونصف الساعة غنى صلاح مصباح ونور الدين الباجي وأماني السويسي ودرصاف الحمداني من تونس عددا من اشهر القصائد للشاعر الفلسطيني الذي توفي الاسبوع الماضي محمود درويش اضافة لقصائد للتونسي ابو القاسم الشابي وغيرهما. وبدأ الحفل الذي حضره وزير الثقافة التونسي محمد العزيز بن عاشور بمعزوفة « قرطاج » قبل ان يشترك نور الدين الباجي ودرصاف الحمداني في اداء أغنية ياليل يا قمر من اشعار التونسي عبد الحميد خريف بمشاركة أكثر من ثلاثين عازفا. وقال محمد القرفي قائد الفرقة ومنتج عرض ياليل يا قمر ان هذا العرض « لتكريم الشعر والشعراء من عبد الحميد خريف الى الشابي واحمد فؤاد نجم ومنصور الرحباني وسعيد عقل الى محمود درويش ». واضاف انه يهدف الى تقديم لون موسيقي متميز بتطويع قصائد أبرز الشعراء العرب الى مقطوعات موسيقية متميزة تبهر الجمهور. وشدت أماني السويسي بأغنية « بيروت » لمنصور الرحباني قبل ان تردد رائعة فيروز « زهرة المدائن ». اما صلاح مصباح فغنى « غزة في قلب العرب » لاحمد فؤاد نجم و »وطني جبينك » لدوريش بينما كانت شاشة عملاقة تعرض صوره. وتوفي درويش الاسبوع الماضي عقب جراحة في القلب بمستشفى في ولاية تكساس الاميركية. لكن الجمهور الذي تجاوز عدده سبعة آلاف في بداية العرض لم يبق منه سوى الفين مع نهاية السهرة بسبب الملل الذي انتابه. وقالت الشاعرة حياة الرايس « اعتقد ان الجمهور مل نفس الايقاع رغم ان القصائد المختارة متميزة.. كان يمكن اختيار قصائد تتلائم اكثر مع مزاج جمهور قرطاج ». وفي نهاية الحفل اشترك الباجي والحمداني ومصباح والسويسي في اداء أغنية نشيد الحياة لابو القاسم الشابي الملقب « بشاعر تونس الخالد » قبل ان يختتم العرض باغنية « وطني الاكبر » للموسيقار محمد عبد الوهاب اداها المغنون بشكل جماعي. واجتذبت انشطة الدورة الحالية من المهرجان جماهير كبيرة في أغلب العروض بعد ان تعهد منظموها بمنع فناني الاثارة من اعتلاء خشبة مسرح قرطاج في مسعى لاستعادة هيبة فقدها المهرجان في الاعوام الاخيرة. وشارك في عروض هذا العام عدة نجوم من بينهم اللبنانية ماجدة الرومي والمصريان هاني شاكر وانغام والعراقي كاظم الساهر والتونسيان صابر الرباعي وأمينة فاخت اضافة لتشين بول من جمايكا.   (المصدر: موقع ميدل إيست أون لاين بتاريخ 18 أوت 2008)

شعر: لأول مرة ورغم ما يتردّد عن العلاقة المتوتّرة بينهما    الصديقان اللّدودان أولاد أحمد والمزغني يصدران كتابا مشتركا

 

في لقاء خاطف مع الشاعر الصغير أولاد احمد أعلمنا انه بصدد الإعداد لكتاب مشترك مع صديقه اللّدود المنصف المزغني  وهو ما أكده لنا هذا الأخير في اتصال هاتفي .و«كتاب شعر» هو العنوان الذي اختاره الشاعران لكتابهما المشترك والذي سيكون مناصفة في كل فقراته.  وسيتضمن هذا الكتاب نصا مشتركا بإمضاء أولاد احمد والمزغني معا  ونصوص أخرى شعرية ونثرية بالتساوي إلى جانب الحوارات الصحفية لكليهما. وهو كتاب يمتد زمنيا من 1982 إلى 2008  وسيكون في المكتبات والأكشاك في الأيام القادمة.وللتذكير فان المشترك بين المزغني و أولاد احمد ليس فقط هذا الكتاب وإنما أشياء أخرى مثل فضاء بيت الشعر فبعد أن كان الصغير أولاد احمد المدير الأول لبيت الشعر بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة كان فيما بعد المنصف  المزغني خلفا له وما يزال إلى اليوم يدير بيت الشعر. كما يشترك الاثنان في صفة النجم فشهرتهما في تونس وربما في الوطن العربي تضاهي أو تفوق نجوم الأغنية والتمثيل ولا يعود هذا فقط لقيمة أشعارهما التي لاشك ولا اختلاف في تميزها بل كذلك لطرافة كل واحد منهما. التي تتجلّى في تعليقاتهما وحديثهما اليومي وحضورهما التلفزي والإذاعي إذ يتفوقان في الطرافة حتى على نجوم التمثيل عندنا. وبسبب هذه والتفرد تميّزت شخصيتا أولاد أحمد والمزغني على آلاف الشعراء في تونس. ولا تستغربوا من العدد فهو كذلك لان هذا الإحصاء يجمع بين كتاب الشعر وكتاب «الشعير».   وتعود شهرة هذين الكاتبين كذلك إلى تنوع تجربتهما فالمزغني جرب الغناء على طريقته وأولاد احمد تعامل مع فنانين معروفين مثل صوفية صادق و أمينة فاخت كما في أغنية «أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد».   وهذا العزم في إصدار بيت شعر مشترك بعد تجربة أولى مشابهة يفند ما يروج عن العلاقة المتوترة بين الشاعرين بسبب فضاء بيت الشعر.كما سيمثل حدثا ثقافيا في الموسم الجديد بناء على الأسباب التي أتينا عليها سلفا.   وحيد عبد الله   (المصدر: الصباح الأسبوعي( تونس ) بتاريخ 18 أوت 2008)


غريب المدينة   ويمرّ في المدينة … وحيدا يحمل الأحلام بين الأضلع … يحمل النجم وليدا ترقبه عيون الليل … تفتش قلبه تمنعه من دخول مدينته الحزينة تصفعه صفعا جديدا يأخذون شعلة النور … من صدره  يسقط بصره في الوحل يمرّ بين النساء … عبيدا مدينته لا يعرفها فقد غيروها منذ سنوات الغيبة الطويلة  منبر عقبة قد بات كرسي الوالي الجديد كما كانت قرطاج قديما يجول ببصره في وجه المدينة الجديدة تسقطه الأسوار القديمة الشعراء … يتركون المدينة كان آخرهم … ألقى نظرته الأخيرة ألقى ما بقي من حبها … وسقطت دمعة حزينة قيروان الأليمة … سلاما إليك قبل المدينة ووقفت الكلاب دونهما لا تسقط دمعتك فهي ما كانت قتيلة « قرطاج » عروس البحر! ألا ترى الأنوار تعتلي رأس المدينة ؟ تأملها … شاحبة الوجه حزينة رحلة أبا ذرّ كانت طويلة أحزان بين الصمت والمدينة لا تبكي أبا ذرّ … الشعراء بعدك يبكون وكلهم عشاق المدينة يفيق من الماضي البعيد أين أبا ذرّ؟ فقد أضاعته المدينة وشعراء الثورة باتوا جوقة الوالي الجديد كلهم يتداولون على اغتصاب المدينة يأخذ بقايا قلب هدته أحزان المدينة ليرحل من أرض الأيام الجميلة يصفعه صدى الأصوات الحزينة لا ترحل يا حزن الأيام الطويلة لا ترحل … فخلفك قبر وأمامك قبر والقلب وردة أصيلة يغيب صوت المدينة … ويرحل إلى أوهام جديدة … تكبر فيه آلام المدينة يحاول العودة إليها … وأبو ذرّ ينذر بالشؤم ويندب خديه لحال المدينة … فالوالي أخذ رخصة من ملك الموت كي يبني أسوار المدينة                                                           فاضل السالك « عاشق البحر »                                                         Fadhal.salek@Gmail.com
 

مـن إيطاليـا كومو: وفاة طفلة تونسية في حادث سيـر

 

لقيت طفلة تونسية في السادسة من عمرها تدعى خولة علي حتفها منذ أيام في حادث سير جد قرب مدينة كومو  وكانت الطفلة في سيارة عائلتها عندما انفلقت احدى العجلات وهو ما تسبب في انقلاب السيارة وإصابة أفراد العائلة بجروح متفاوتة فيما توفيت الطفلة بعد دقائق قليلة من زمن وقوع الحادث حسب ما ورد بإحدى الصحف الإيطالية. (المصدر: جريدة الصباح الأسبوعي (تونس) بتاريخ 18 أوت 2008)

لمبدوزا: حجز شباك بلانصي على متنه 18 تونسيا وايقاف احدهم

     

أفادت صحف إيطالية أن أعوان دورية لحرس الحدود الايطالي قاموا بإيقاف مركب صيد تونسي من نوع بلانصي اسمه «نصر الله» على متنه 18 بحارا تونسيا جنوب جزيرة لمبدوزا بأقصى الجنوب الايطالي قبل أن يحجزوا حوالي 600 متر من الشباك التي كانت على متنه ويوقفون أحد البحارة (25 سنة) بتعلة الصيد في المياه الإقليمية الايطالية
(المصدر: جريدة الصباح الأسبوعي (تونس) بتاريخ 18 أوت 2008)  

إيقاف شبكة مخدرات تضم 11 تونسيا

          

 
 أطاح أعوان الأمن بسان ريمو خلال الاسبوع الفارط بشبكة لترويج المخدرات ألقوا إثرها القبض على 11 مهاجرا تونسيا تتراوح أعمارهم بين 19 و33 سنة وأشارت وسائل الإعلام الإيطالية إلى أن الشبكة تضم صغار المروجين بأحياء سان ريمو وقد ظل أعوان مكافحة المخدرات أكثر من أسبوعين يراقبون تحركات المشبوه فيهم. (المصدر: جريدة الصباح الأسبوعي (تونس) بتاريخ 18 أوت 2008)


المرأة التونسية ضحية مرتين : مرة لبورقيبة ومرة للغراب الأسود الذي خلفه

13 أوت 1956 .. عيد المرأة مجلة الأحوال الشخصية في تونس أصلها إسلامي قح من إنجاز المرحوم جعيط ولكن إلتوى عليها بورقيبة المدعوم بقوة من فرنسا لتصفية كل نفس إسلامي عربي قومي وبذلك لوثها بلوثات غربية شائنة لن تزال عارا وشنارا في وجه تونس حتى تراجع هذه المجلة وتتوب إلى الله سبحانه وتفيئ إلى الإسلام جملة وتفصيلا .. المرأة في العهد البورقيبي هي المظلوم الأكبر. 1 ــ أبشع ظلم تعرضت له المرأة التونسية هو إكراهها على التخلي عن جزء من دينها ترغيبا وترهيبا في الآن نفسه وذلك من خلال فرض نظام غربي في البلاد ثقافيا وتربويا وتعليميا وإعلاميا وإعلان الحرب على المقدسات الإسلامية المعلومة من الدين بالضرورة من لدن بورقيبة من مثل نزعه بيده الخمار في الشارع من فوق رؤوس النساء كما تثبت له كثير من الصور التي ما تزال مرفوعة في البلاد وفي مخازن وثائقها وذاكرتها المثبتة ماديا ثم تطور الأمر بعد ظهور حركة الإتجاه الإسلامي إلى العلن عام 1981 إلى سن قانون رسمي يحظر إرتداء الخمار في العام ذاته .. 2 ــ لا يشفع لبورقيبة أنه رجل التعليم الأول في العالم الإسلامي كله فضلا عن العالم العربي وهو القطاع الذي عول عليه في مشروعه التغييري ولا يشفع له أنه جعل من التونسية إمرأة متعلمة مثقفة منفتحة على محيطها الدولي .. لا يشفع له كل ذلك رغم أهمية كل ذلك في التعليم والصحة والسكن لأن أصل المشروع البورقيبي هو اللحاق بركب الأمم المتقدمة المتحضرة كما يقول هو دوما والمقصود بتلك الأمم هي الأمم الأوروبية والمقصود باللحاق هو فسخ الهوية العربية الإسلامية للبلاد على خلفية فكرية خاطئة لحمتها هي أن سبب تخلف العرب والمسلمين هو لسانهم العربي ودينهم الإسلامي .. ذاك أمر يصرح به بورقيبة بعظمة لسانه مرات ومرات على مدى عقود ولا يختلف فيه رجلان أبدا وإذا كان ذلك كذلك فإننا نحفظ لبورقيبة حظه الأكبر وكسبه الأوفر في بناء تونس الحديثة من زوايا كثيرة مهمة ولكنه بناء على رمال متحركة أو حرث في البحر كما يقولون لأن الجريمة الثقافية أكبر بكثير من إنجازات الكسب البورقيبي وكل معالجة للتراث البورقيبي خارج هذه المقاربة هو تمحل وتردد فيه من الطغيان أو الإخسار ما فيه .. أما في ‘ العهد الجديد ‘ فإن المرأة إزدادت قهرا على قهر. 1 ــ حاول ‘ العهد الجديد ‘ بناء مشروعيته التي لم يكن لها أي وجود قبل الإنقلاب ضد بورقيبة على تراث بورقيبة ولكنه فشل فشلا ذريعا بسبب أن بورقيبة كان يمزج بين الترغيب والترهيب أو بين الجزرة والعصا ومهما إختلفنا في شأنه فهو من نتاج الحركة الوطنية لمقاومة الإحتلال أو في علاقة معه بوجه من وجوه العلاقة وهو رجل مثقف صاحب مشروع فكري كبير ويمكن أن تقول أن له وعليه في الآن ذاته رغم أن ما كان عليه أكبر بكثير مما كان له كما قدمنا آنفا. لكن ‘ العهد الجديد ‘ الذي بنى مشروعه على عصا غليظة يضرب بها طولا وعرضا وشمالا ويمينا فشل في الإستفادة من الإرث البورقيبي في قضية المرأة بما سلط من عائلته وملإه على أموال الناس يتقاسم معهم عرق جبينهم بسيف القانون الذي يطوعونه لرغباتهم كما يشاؤون وليس بخاف على الباحث المنصف بأن بورقيبة إستفاد كثيرا من عدم نهمه على ثروات الناس وشرهه على أموالهم وبذلك بث في الناس أنه صاحب مشروع ثقافي ‘ إصلاحي ‘ ولم يأت جشعا يسرق عرق جبينهم ورغم ذلك فإن الناس تململوا مرات ومرات بسبب شره ونهم أعوانه من الوزراء ودفة الحكم في البلاد .. 2 ــ نفضت المرأة التونسية يدها بسرعة من ‘ العهد الجديد ‘ بسبب أنه عول على العصا الغليظة أداة لحسم الإختلاف الفكري بين الناس وبذلك لم تسلم منه إسلامية حتى بسبب قطعة قماش فوق رأسها وهو الأمر الذي كان كفيلا بالسجن وعلى إمتداد هذا ‘ العهد الجديد ‘ وليس على إمتداد عام منه أو عامين أو أكثر من ذلك أو أقل ولم تسلم منه شيوعية ولا لبرالية ولا عالمانية ولا حتى إمرأة تونسية ليس لها أي إنتماء من مثل التلميذات والطالبات اللاتي يلاحقن اليوم من زبانية هذا العهد الجديد بسبب إرتدائهن للخمار وليس أكثر من ذلك بل لم تسلم منه حتى عجوز قاربت الثمانين من عمرها تأبى عليها تقاليدها الدينية أن تعري شعر رأسها فلا تتمكن من إستخراج بطاقة هوية دون تعرية شعر رأسها .. 3 ــ وكلما تقدم هذا ‘ العهد الجديد ‘ في العمر برز جنوحه إلى الهيمنة المطلقة بشكل لا يكاد يصدق حتى يحفر قبره بأسنانه ويؤدي بنفسه في عزلة عربية ودولية بسبب تطرفه في الإستبداد لأتفه الأسباب وها هو اليوم يحاكم إمرأة تونسية هي زكية الضيفاوي وهي مناضلة حقوقية في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ومناضلة سياسية في حزب التكتل الديمقراطي وثائرة من ثائرات الحوض المنجمي تذود عن مالها ومال أهلها وإخوانها هناك ولا تكاد تجد اليوم في تونس ولا خارجها إمرأة تونسية واحدة مهتمة بالشأن العام لا تعارض هذا ‘ العهد الجديد ‘ ومن غير الإسلاميات بما يفجر الحقيقة الناصعة في أن السياسة المنتهجة من السلطة سياسة إستبداد ضد الكل لأسباب سياسية لا تخص الإسلاميين وحدهم وإن كان لهؤلاء نصيبهم الخاص من آلة القمع بسبب تقدمهم لقوى المعارضة في البلاد كما وعددا وتأثيرا في صفوف الشعب ولك أن تحصي من أولئك راضية النصراوي وسهام بن سدرين وسهير بلحسن ومية الجريبي ومئات من النساء المثقفات من غير الإسلاميات .. أنى لهذا ‘ العهد الجديد ‘ إذن أن يفتخر بحقوق المرأة وتلك هي الحصيلة في إقتضاب كبير لا يتسع له مثل هذا المجال لضيقه؟ وما هي الصلة بين المرحوم بن يوسف والمرأة التونسية. هي صلة إفتراضية مبناها أن المرأة التونسية بصفة خاصة والتونسي بصفة عامة إنما أكل أكلا ماديا ومعنويا يوم نجح بورقيبة في الإنقلاب ـ بدهاء كبير يفتقده المرحوم الثعالبي ـ على توجه الحزب الحر الدستوري في مؤتمر قصر هلال عام 1934 وهو الإنقلاب الذي مهد الجو سانحا لإنقلاب آخر حاسم هذه المرة ضد المرحوم بن يوسف في مؤتمر صفاقس عام 1955 وبذلك فرض بورقيبة ـ بمساعدة فرنسية واضحة ـ على تونس منهج حياة جديد صنعه صنعا وأحكم صياغته قوليا وعمليا إحكاما ولما ظلت البلاد على تلك الحال عقودا طويلة ليس فيها أي ذكر لأي معارضة داخلية لا يوسفية ولا زيتونية على نحو يبعث أملا في إحياء الهوية العربية الإسلامية في نفوس الناس بما يجعل من تلك الهوية حبل معارضة سياسية وإقتصادية وإجتماعية وليس مجرد حياة شخصية يعيشها راعي الأغنام في سفوح بعض الجبال .. لما ظلت البلاد على ذلك النحو تتنفس برئة بورقيبة الذي قمع بعد ذلك بقوة وقسوة معارضات يسارية ونقابية وإسلامية ونجح في ذلك نجاحا كبيرا .. لما ظلت البلاد على ذلك النحو نجح المشروع البورقيبي في تونس ولم يصطدم إلا بالمشروع الإسلامي الذي قادته حركة الإتجاه الإسلامي ولكن شاءت الأقدار أن ينقذ بورقيبة من بورقيبة نفسه ويتجند لتونس من توجهه طغمة يسارية شديدة الحنق على الإسلام مبنى ومعنى وظروف دولية وعربية مواتية فيخضد المشروع الإسلامي الذي إصطدم به بورقيبة وتخضد معه حركة الإتجاه الإسلامي راعية ذلك المشروع وتدخل البلاد في أزمة خانقة تخلف آثارا سياسية وإجتماعية وإقتصادية وقومية وثقافية غائرة لن تمحوها مجاهدات سنوات طويلة سنة الله في خلقه .. هي صلة إفتراضية مفادها أن المرأة التونسية فقدت نصيرا قوميا عروبيا مخلصا هو المرحوم بن يوسف الذي مهما ضغطت عليه ظروف دولية إشتراكية أو رأسمالية خارجية أو عربية فإنه لن يقطع بالتأكيد مع حبال الهوية العربية الإسلامية قطعا مشينا .. ولكن شاءت أقدار الرحمان سبحانه غير ذلك وإنفردت البورقيبية ثم ما تلاها من وحشية ظلامية غشومة بالمرأة التونسية فلا هي سعدت بالعيش وفق ما تقتضيه شريعتها التي إختارتها دينا ومنهج حياة في أمن وسلام ولا هي سعدت بثروات بلادها التي تسلطت عليها لصوص القصر المنيف فأستأثرت بها ولأهل الرديف البارود الحامي والسجن والتعذيب .. وأخيــــــــــرا .. ذلك هو المصير عندما يتخلى الناس عن مناصرة من يحملون همومهم خوفا أو طمعا وتلك هي السنة الماضية لا تحابي ولا تجامل .. هو درس معروض أمام الشعوب والأمم ومنها شعب تونس فإما أن يحك جلده بظفره ويحك في المنطقة التي تؤلمه ويتحمل العذاب مضحيا على درب التحرر حتى تبرغ شمس الحرية يوما إن شاء الله وإما أن يوكل من شاء من أظفار غيره لحك جلده وعندها فإن هؤلاء إما أن يحكوا الجلد في المواضع التي لا تؤلم فيكون من ذا ألم أو أن يحكوا الجلد ثم يسرقوا الثمرة كما سرقت من قبل. فلا شيء في هذه الدنيا يؤتى بالمجان ولكن لكل شيء ثمنه المناسب ولا تؤخذ الدنيا إلا غلابا كما قال المرحوم أحمد شوقي أما الأماني وأحلام اليقظة في هبة من هذا الحاكم أو عفو من ذاك أو أعطية من تلك فهي أمنية بأمنية وكلام بكلام وحلم بحلم .. (المصدر: ‘كلمة حرة’ بموقع الحوار.نت (ألمانيا) بتاريخ 18 أوت 2008)


‘المرصد الديمقراطي’

نشرة دورية يصدرها مركز دراسة الإسلام والديمقراطية واشنطن السنة الثالثة، العدد الخامس، أغسطس 2008

 

 

السنة الثالثة، العدد الخامس، أغسطس 2008

في هذا العدد :

– كلمة المحرر:الحراك الديمقراطي يتراجع عربيا – صلاح الدين الجورشي

– شبكة للدفاع عن التسامح في العالم العربي

– تونس: ملفات الحريات المؤجلة في تونس – لطفي حجي

– المغرب: اعترافات بلعيرج تقلب الملف رأسا على عقب

– الجزيرة: برنامج جديد خاص بالحريات وحقوق الإنسان

– للسنّة والشيعة

– سوريا: علي العبد الله في زنزانته الانفرادية.. ليس وحيداً

– سوريا: وداعا لمرحلة العزل والضغوط، ووداعا للديمقراطية

– المغرب: المؤتمر السادس لحزب العدالة والتنمية: رهانات الديمقراطية الداخلية وأوليات النضال الديمقراطي

– فلسطين: تراجع الديمقراطية في الأراضي الفلسطينية: ضرورة امتزاج التوافق السياسي بالمراجعة الشاملة

– موريتانيا: أزمة ولكن الديمقراطية لا تزال قائمة

– السودان: أزمة دارفور تهدد حياة ( رجل أفريقيا المريض )

– الأزمة التركية حالة صحية

(المصدر: نشرية ‘المرصد الديمقراطي’ (واشنطن)، السنة الثالثة، العدد الخامس، أوت 2008)

الرابط: http://www.csidonline.org/arabic/images/stories//18-08-08-dw.pdf


 الحركة الإسلامية وإشكالية التموقع التاريخي والجغرافي
   خالد الطراولي (*) ليست الحركة الإسلامية روبنسون كريزوي في جزيرته النائية، ولا نجما طارقا يعبر عباب السماء، ولكنها وليدة تاريخ وجغرافيا، تعيش أطوار مجتمعاتها، وتسعى جاهدة إلى خلاصها، تسكن بيوتهم وتمشي في أسواقهم، وتحاول الإجابة على إشكاليات هذا الواقع المتجدد والمتحدي على أكثر من باب، عبر قراءات ومقاربات وأطروحات من أجل الصالح العام. وفي هذه المسيرة التي بدأتها الحركة الإسلامية المعاصرة في بداية القرن الماضي، تخللتها هنات واعترضت طريقها تضاريس وحواجز، ظل المسار متعثرا ولكنه قائما، وتواصل التواجد بين الكهوف تارة، وتحت الشمس تارة أخرى، مما عجل فتح باب التقويم والتقييم والمراجعات ولو بصعوبة أحيانا وبخطى بطيئة أحيانا أخرى. الإشكاليات عديدة ولا شك، ومواطن المراجعة ليست قليلة، والواقع يتقدم بخطى حثيثة مما يعظم مسؤولية البناء ومن ورائه الإبداع والمساهمة في بناء الأوطان، والحركة الإسلامية الإصلاحية لا تزال تمثل رقما أساسيا في إصلاح مجتمعاتها واستقرارها رغم العنت وصعوبة الفعل والتفاعل، ومن هذا الباب تسعى هذه الورقة إلى الوقوف بكثير من التواضع حول إشكاليتين نراهما أساسيتين لفهم المسار وتفهم المسيرة والسعي إلى التجاوز والبناء: إشكاليتا التاريخ والجغرافيا. معضلة التموقع التاريخي إن التاريخ ليس قصصا وروايات تستقرأ، ولكنه مسار أحداث ومواقف تربطها مناهج وآليات وأهداف، والتاريخ لا ينتهي ولا يغلق كتابه حين نصل إلى صفحته الأخيرة، ولكنه حاضر متجدد يستدعي دمج الاستقراء مع الاستشراف حتى لا يضيع الحاضر في البكاء على الأطلال، ويغيب المستقبل بين دفتي الندم والإقصاء والقراءات المغشوشة والمقاربات المهزوزة. لقد جاءت الحركة الإسلامية المعاصرة كأحد تعبيرات الحركة الإصلاحية، وهي تمثل عند البعض إحدى إفرازات الفكر النهضوي ولو بمرجعيات مختلفة ومنهجية مغايرة، وكان البحث عن النموذج التاريخي والقدوة المرجع إحدى مفاصل الحركة الإسلامية الذي جعلها ترتبط بالتاريخ أكثر من ارتباطها بواقعها وبحاضرها المتحدي على أكثر من باب، والسريع تجددا وتجديدا. فكانت العودة إلى الماضي سبيلا لتأكيد شرعيتها وجلب مصداقية لها في محيطها، وإعطاء فرادة لطرحها لم يستطع غيرها التفطن إليه، فكانت سباقة إلى اكتشاف هذه العلاقة المنسية أو المغيبة أو المتجنبة مع الماضي، واستثارتها وتوظيفها من أجل بناء مشروع هداية ودعوة، أو مشروع نهضة وتنمية، أو مشروع سلطة وحكم. لم تكن دعوة الماضي سهلة وإن كانت تبدو كذلك في ظاهرها، فلم يكن هذا الماضي صافيا جليا ولكنه كان يتراوح بين مقدس وتراث، بين اجتهادات وتوقيفات، بين ظني ومحكم، بين تنزيل وتأويل، اعتراه في الكثير من محطاته عمل الرجال ورؤاهم، وتركوا بصماتهم عليه فتنوعت بين بياض ناصع وظلمة الدهاليز. وجاء هذا الماضي يزحف بكل ثقله، بكل تأويلاته بكل شموسه وكهوفه، وتنزّل على واقع وعقليات وثقافات ودرجات علم غير متكافئة ومستويات فقه ووعي متعددة، فكانت معضلة القراءة والتأويل والمقاربة وفقه الواقع وأولويات المرحلة، ونتج عنه في بعض الثنايا خلط بين المقدس والبشري، وبين الخاص والعام، وبين الفردي والجماعي، وظل الحسم غائبا، لتعدد أدوات التأصيل ورواياته ومسانيده والمراجع والقراءات. أيّ تاريخ يجب أن يكون المرجع والقدوة المباشرة والنموذج الأصيل؟ أي دولة يجب رفع شعارها؟ دولة الخلافة!، وأي خلافة؟، خلافة الراشدين! وأي الراشدين؟ لعل بعضهم سوف يبادرنا بالإجابة التي يعلوها كثير من الاستغراب والدهشة وهو يتحدث عن أدبيات الحركات الإسلامية وهي تتحرك في إطار من التمجيد والذكر الحسن لعديد من المواقف والرجال الذين امتلأت بهم كتبنا القديمة ومراجعنا، غير أن ما يقع استغفاله هو هذه العلاقة المفقودة أو الهشة والضعيفة بين استدعاء الأمجاد وتفعيل تراث الأجداد. لا يكفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبناء دولة عمرية، ولا يكفي استدعاء مواقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لبناء سلطة عادلة ومجتمع مكتف مادة وروحا. بين الفكرة والخطة خنادق ومسيرات، وبين الفكرة والخطة منهجية عمل وتعامل مع الواقع، وبين الفكرة والخطة تشكُّلُ عقلية وبناء ثقافة. إن استدعاء الماضي بقدر ما ساعد الحركة ‘الإسلامية’ ولا يزال في تمددها وسعة جماهيريتها، بقدر ما أخر بناءها وهمّش طرحها وغيّب خطة عملها، لقلة الزاد العلمي والشرعي وغياب المنهجية الناقدة والمُمَحّصة. فرغم ثراء هذا التراث وتنوع تنزيلاته وتعدد تجاربه، فإن الحركة ‘الإسلامية’ بقيت منكمشة في محطة الطرح العام والحديث الجامد والسرد المتكرر، فخيّمت على وجودها هيمنة الشعارات الفضفاضة من مثل ‘الإسلام هو الحل’ ولم تستطع في أكثر من موقع أن توجد تلك العجينة المثالية بين الثوابت والمصلحة، والتي على أكتافها تُبنى الخطط وبرامج العمل. فالرجوع إلى الماضي لا يعني مرافقته في أمسه والمبيت داخل خيمته والمراهنة على الانتظار، انتظار مهدي من السماء أو يد سحرية تخرج من الأرض فتخدم الناس. ولكنه اصطحاب هذا الماضي إلينا وتحت خيمة حاضرنا في ظل عمل مؤسساتي ممنهج جريء وحر وجاد، لأن بناء العصر الذهبي ليس في الكتب الصفراء واتباع الهوامش والكتابة بين الأسطر أو بالحبر السري وداخل الكهوف، ولكن على أرض الحاضر، وتحت أشعة الشمس، وبكثير من الجرأة والشجاعة، وفي إطار صعب من التحديات والعقبات الداخلية والخارجية. إن المصالحة كمنهجية تعامل ومقاربة علمية ومشروع تغيير كما عنيناه في كتابات سابقة يجب أن يمثل التاريخ عنوانا بارزا في ثناياه، والمصالحة مع التاريخ تعني إدماجه أولا في مشروع النهضة والإصلاح من منطلق الاستقراء والاستشراف، واعتماده ثانيا كمرجعية متحركة ومتطورة تسعى إلى انتقاء جريء وشجاع لعناصر الإيجاب والدفع، وتنحية عناصر الجمود والمغالاة والتقوقع. وهذه المصالحة مع التاريخ تستوجب مصالحة مع المعرفة والفكر بما يستوجبه هذا اللقاء من تمكن وتخصص وتكوين العقلية الناقدة والواعية والمبدعة والجريئة، حتى لا يكون البناء هشا ينطوي على أسس فضفاضة وعلم يسير وكفاءة متواضعة، فيكثر اللغط والشطط وفتاوى الأزمات والفقه الطفولي الذي كثيرا ما نخر جسد الخطاب وعمّق أزمته. معضلة التموقع الجغرافي ليست الجغرافيا كرة أرضية بحالها ولا غصن شجرة مقطوعا مرميا في فلاة، ولكنها قرية كونية حالمة لمن أرادها كذلك، وكابوس نصف الليل الأخير لمن سعى إليها غاصبا، وبين هذا وذاك تستقر الواقعية والبراغماتية التي لا تنبذ المصلحة ولا تدوس على المبادئ، ولكنها تسعى إلى تقاسم عادل لثرواتها. لعلنا في قراءتنا لأدبيات الحركة الإسلامية الإصلاحية يستوقفنا هذا الزخم من الكتابات حول دور الأمة، والعلاقة بالأمة، وأهداف الأمة، وبرامج الأمة، ويختفي أو يكاد البعد الوطني وحتى اٌلإقليمي في رؤى الحركة، فلم تستطع الحركة تجذير فقه الأولويات وفقه المرحلة في خطابها وممارستها لتستبين موقعها الجغرافي. ولذلك تكاد تتناغم المقاربات والتنظيرات بين الحركات الإسلامية الإصلاحية بين المغرب والمشرق، ولم تترك الجغرافيا وعامل الوطن بصمات عميقة وكاشفة في أطروحاتها. إن قضية الهوية الوطنية والانتماء القطري تبدو مهزوزة في الخطاب الإسلامي الحركي حيث اعتُقِد خطأ بأن الانتساب للوطن والرجوع إلى القطر، يضعف الانتماء للأمة ويهدد كيانها، وبالتالي يضمر الانتماء للإسلام ويساهم في إضعافه. فعالمية الدين تتجاوز الحدود والأقطار والأفراد والمجموعات. وهذه كلمة حق لم يرد بها حقا، فعالمية الإسلام لا تتنافس مع خصوصية الواقع المحيط وعلى الإطار الماسك، فلكل درجته ومستواه وإطاره. إن إشكالية الخصوصية والعالمية لا تزال قابعة على صدر الحركة الإسلامية ولم تستطع تجاوزها أو حسمها بسهولة، لاختلاط العقائدي مع المدني، وعدم الحسم في دور الحركة ‘الإسلامية’ بين هدف دعوي أو سياسي، بين الفكر الشمولي الذي ينتسب إلى مشروع هداية، وفكر نسبي يمثل نواة برنامج سياسي وطني تحمله حركة سياسية مدنية. لقد تضخم الانتماء للأمة على حساب الانتماء للوطن، والعيب ليس في الانتماء، فهذه مرجعية التاريخ والحاضر والمستقبل، ولكن العيب في التضخم النسبي، وفقدان المعادلة السليمة التي لا تلغي ولا تتطرف، فانجر عنه تفاعل بطيء أو مغيب مع تحديات الواقع المحيط وظل البناء هامشيا ويعيش على الشعارات البراقة والكلمات الجوفاء وغاب عالم الأرقام وهيمنت لغة الإنشاء. ولقد أدى هذا التفاعل المتضخم مع الأمة على عملية البناء التنظيري، حيث تضخمت مرحلة الطرح العمومي وتجاوزت مجالها في اعتبارها محطة في مسار، يبتدئ في الكتابة العامة ليلامس بعدها محطات الاختصاص والخصوصيات. ولذلك ترى في الكثير من الثنايا هيمنة الكتابة العامة وتكرارها في كل تنظيرات الحركة الإسلامية غرّبت أو شرّقت أوطانها، ولم تستطع، إلا القليل منها، في إيجاد الخصوصيات والجزئيات التي تفرض ملامسة الواقع عن قرب، وإعطاء أجوبة وحلول دقيقة لتحدياته ومطالبه. ولقد كانت بعض أجوبة الحركة الإسلامية في هذا المجال غير مقنعة من مثل نحن في المعارضة ولسنا مطالبين بطرح البرامج والخطط ولم يحن الموعد مع مرحلة التمكين. وهو فهم خاطئ لدور المعارضة في اقتصارها على أنها مشروع حكم وسلطة وليس مشروع تغيير، وبين المقولتين تختلف المنهجية والوسائل والأهداف. ولذلك يسترعي انتباه المتابع لأدبيات الحركة ‘الإسلامية’ ضمور أو غياب البعد الاقتصادي في تصوراتها، وكثيرا ما بقي الطرح يحوم حول شعارات ومبادئ عامة لا تغوص في عمق الأزمات التي تعيشها شعوبها، وصعوبة الحلول المرجوة والتي يتشابك فيها أكثر من عنصر داخلي وخارجي شديدي المراس. ولعل المتابع لنتاج الحركة الإسلامية في هذا المجال يسترعي انتباهه القوقعة الاقتصادية في هذا المجال، فمنذ الاجتهادات المبكرة لحسن البنا رحمه الله في تصوره للنظام الاقتصادي التي لخصها في عشر قواعد وهي: اعتبار المال الصالح قوام الحياة، وإيجاب العمل والكسب، والاستفادة من الثروات، وتحريم الكسب الخبيث، والتقريب بين الطبقات، والضمان الاجتماعي لكل مواطن، والحث على الإنفاق، واحترام الملكية، وعدالة المعاملات المالية، ومسؤولية الدولة [‘رسائل الإمام’ المؤسسة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1979 ص:340.]. ومنذ ذلك الحين وعلى مدى أكثر من نصف قرن لم يتبلور تنظير حركي إسلامي اقتصادي معتبر، يتجاوز مرحلة العموم إلى الجزئية الملاصقة دوما لفهم أكبر للمحيط الضيق الذي تعيشه الحركة من وطن وجهة وإقليم، ويطرح برنامجا بديلا متميزا وجديا. ولقد مثلت التجربة التركية نشازا في هذا المجال وتأكيدا على سلامة هذا الطرح في تمكنها من إعطاء حلول وأجوبة ومقاربات وخطط اقتصادية وهي في المعارضة قبل أن تنجح وتؤكدها في مرحلة الدولة والتمكين. فكان المناصرون للحركة الإسلامية التركية مناصرين أيضا لحلولها الاقتصادية ورؤيتها في إخراج البلاد من أزمتها المتعددة الأبعاد، فكان الانتماء للحركة الإسلامية انتماء عقل وعاطفة وليس انتماء عاطفة ووجدان فقط. ليست الخصوصية نقيضا للعالمية، ولكنها محطة ضرورية وغير نهائية للانطلاق نحو الأوسع والأشمل والأرحب، وكثيرا ما كان الاحتماء بالأمة والعالمية تعبيرا عن فراغ البناء الداخلي وهيمنة الشعارات عليه. والتجربة التركية الحالية في هذا المجال، قد استطاعت تجاوز هذا الإشكال وحسمت أمرها تجاه التصاقها العضوي مع القطر دون التخلي عن توجهها الأوروبي الذي شكل مفتاح حماية وأمان لها من صولات الجيش وتوجهه العلماني المتطرف. فكان البعد الاقتصادي الباب الكبير الذي دخلت منه التجربة إلى قلوب الكثير وإلى جيوبهم واستطاعت أن تستميل عديد المترددين والخائفين من مرجعياتها وتاريخها ورجالها. ورغم الهنات الجوهرية العميقة التي تحملها التجربة الإسلامية التركية الحالية والتي نخالها بوابة سقوط واهتزاز وهو ليس مجال هذه الورقة ولعلنا نتطرق إليها في بحث قادم، فرغم هذه الهنات استطاعت التجربة أن تؤسس لهذا المكون الأساسي في التوفيق بين الخاص والعام. إن المصالحة مع الجغرافيا تعني للحركة الإسلامية عدم التقوقع والانزواء ولا التمترس داخل الانتماء للأمة وترك أوطانها، ولكنها مصالحة مع واقعها الذي تعيش فيه أولا، عبر استبعاد مقاربات وتنظيرات التجهيل والتكفير لمجتمعاتها، ولا تبنّي منطق الأستاذية والعصمة والقدسية لآرائها وتصوراتها. وثانيا، فهي وليدة مجتمع بثقافته وهويته وتقاليده وتجاوزاته وهناته وحضارته الإسلامية التي عبرت واحات وصحاري، وإلى هذا المجتمع المتنوع الذي يسعى للنجاة، تتنزل هذه المصالحة معه في إطار مشروع للتغيير والإصلاح. إن الحركة الإسلامية الإصلاحية المعاصرة وهي تعبر منطقة عاصفة وحساسة لمجتمعاتها يتخللها تطرف ومغالاة في أوطانها تجذبه قراءات مسقطة على واقعها، وتشدد أنظمتها وتدافع عصيب كثيرا ما أدى إلى مآس، دفعت الحركة الإسلامية ثمنه باهظا، وخارج متوجس لا يعمل في الكثير من الثنايا على تفهم تصوراتها والقبول بدورها. في ظل هذه المنطقة التي تحمل كثيرا من الضباب والمكابح والفخاخ يجب على الحركة الإسلامية استنهاض تاريخ قومها الذي بنى مرجعيتها وهويتها وتفعيله إيجابا بتحريره من شوائب الانتقاء المسقط وتثوير عقلية أفرادها نحو البناء بالالتصاق بمواطنها دون التنكر لعامل الجغرافيا الذي لا يبعدها عن أمتها. (*) كاتب تونسي (المصدر: ركن المعرفة بموقع الجزيرة.نت (الدوحة – قطر) بتاريخ 17 أوت 2008)  

بسم الله الرحمن الرحيم

الخلافة : خيال عند الإعلاميين العرب حقيقة عند ساسة الغرب

   

لقد تعودنا منذ فترة على سماع نفس التعليقات المتكررة والمستهجنة لفكرة الخلافة من قبل القنوات الفضائية المختصة في البرامج الحوارية. حيث يقوم منشطو الحوار بمقاطعة المداخل بمجرد ذكره للخلافة ثم يعقبون عليه بشيء من التهكم والسخرية، معتبرين أن الفكرة في حد ذاتها وهم وخيال وحلم يحلم به كل من انسلخ عن الواقع وحلق بخياله في سماء الأوهام. نعم بهذا الشكل وبهذا الأسلوب وبهذا الغمز المبطن يستهزأ منشطو الحوارات من فكرة الخلافة ومن الداعين لها. ونحن وإن كنا ندرك حقيقة هذه الوسائل الإعلامية والدور الذي تقوم به والجهات التي تمولها وتقف وراءها، فإننا في الوقت نفسه ندرك كذلك خلفية هذه البرامج الحوارية وأبعاد خطتها المعتمدة في فتح هذا المجال أمام تصادم الآراء واختلافها مع بعضها والسماح للمشاهدين بالمشاركة فيها إما بالتأييد لبعض الحلول والآراء والدفاع عن رموزها وأصحابها، أو بالاعتراض عليها وإظهار الغضب والسخط على أصحابها، سواء كانوا من الحكام والمسؤولين أو من المفكرين والسياسيين. إذ هذه الخطة تحمل في طياتها أكثر من دهاء. فهي من ناحية أولى تحدث تشوشا في الأفكار والمفاهيم فتلتبس القضايا على العامة فلا يدرون أين الحق وأين الباطل، وأين الصواب وأين الخطأ. ومن ناحية ثانية هي متنفس للشعوب الغاضبة بحيث تمكنهم في ساعة الغليان من فرصة التعبير عما يجيش في صدورهم من حقد وكراهية للأنظمة العميلة. ومن ناحية ثالثة هي مرآة تعكس ما يرغب في معرفته المسؤولون والمتابعون لحركة الشعوب من خلال تلك المداخلات والمشاركات لأخذ التدابير اللازمة في ذلك. وبمعنى آخر هي عملية جس لنبض الأمة واستكشاف درجة الوعي الفكري والسياسي فيها. فإن كانت المداخلات من جنس الأفكار والمشاريع المطبقة حاليا وتتجه بشكل عام في نفس اتجاه الأنظمة فذاك يعني أن الأمة لازالت آمالها معلقة بحكامها، وأنها لازالت تطمع في شيء ما منهم، مما يفيد أن هذه الأنظمة لازالت في حالة من الآمان. أما إن كانت المداخلات تتجه في اتجاه معاكس للأفكار والمشاريع والأنظمة المطبقة، وتتجه بشكل واضح نحو الحل الجذري لقضية الأمة فذاك نذير خطر يهدد الأنظمة والحكام، مما يفيد أن هناك بديلا آخر يلوح في الأفق. ولذلك كانت التدابير والتعليمات تقتضي محاصرة هذا الفكر والتعتيم عليه إعلاميا. ومن هنا نفهم لماذا يقوم هؤلاء المنشطون بصد المداخل ومقاطعته عن مواصلة الكلام ثم إقفال الخط عليه بمجرد ذكره لهذا البديل، وذلك لكي لا يصل كلامه وفكره ورأيه للمشاهد.   فلو كانت هذه البرامج بالفعل هي برامج جدية وهادفة، وتبحث عن الرأي الصواب والحل الأنجع لما كانت لتتعامل مع المداخلات والمشاركات بمعيارين مختلفين، بحيث تعطي المجال الأوسع والوقت الأطول للمداخلات التي لا قيمة لها وتضيق المجال وتختصر الوقت وتغلق الخط في وجه من يحاول أن يعالج المسألة من جذورها. وللتحقق مما نقول والتأكد منه يكفي أن تتابعوا بانتباه وتدبر تلك البرامج الحوارية، وتدققوا في نوعية الموضوعات المطروحة للنقاش والبحث، والأوقات التي تفتح فيها تلك المنابر المجال لاستقطاب الآراء والتعليقات على الأحداث الساخنة في الساحة العربية أو الإسلامية، وأن تركزوا على نوعية المداخلات والمشاركات. وانتبهوا جيدا للكيفية التي يتعامل بها المنشطون مع المداخلين. فسترون بأنفسكم كيف تجري عمليات تهميش القضايا وتشتيت الأفكار. وسترون كذلك كيف يسمح للغاضبين والمتشنجين أن يعبروا عن غضبهم وكيف يحرم الآخرون من تقديم حلولهم. فمثلا لما تكون هناك هجمة شرسة من قبل يهود على الشعب المسلم الأسير في فلسطين وتصل الأخبار والصور عبر البث الحي أو المنقول إلى الناس وترى الأمة تلك المشاهد المفزعة والمرعبة لحالات القتل والدمار والخراب تطل علينا في حينها وسائل الإعلام بتلك المنابر المفتوحة ليتصل المشاهدون بالقناة ويعبّروا عن درجة غليان الدماء في عروقهم ويبصقوا على الأنظمة المتخاذلة وعلى المغتصب الغاشم كما يقولون، وبهذا الشكل يكونون قد نفسوا عن المرجل الذي يغلي وامتصوا مشاعر الغضب وأخمدوا النيران التي في الصدور وأنقذوا الأنظمة من ثورة محتملة. وكذلك الحال حينما تكون هنانك هجمة من قبل الغرب على الإسلام ورسول الإسلام تبادر تلك القنوات الفضائية بفتح هذا المجال لمتابعة ردات فعل المسلمين عن الحدث. ومن ثمة تبدأ المغالطات وتهميش الحدث بعرض جملة من الحلول السخيفة في محاولة لإقناعهم بفاعليتها وإيجابيتها، من مثل مقاطعة البضائع أو تشكيل لجان وفرق للحوار مع المسؤولين الغربيين أو مطالبتهم بتقديم اعتذارهم للأمة. ولما تحدث هزات في الأسواق المالية أو غلاء في المعيشة أو تحرك لبعض مسؤولي الدول الغربية في المنطقة أو تحضير لمؤتمر أو اجتماع قمة عربية أو إسلامية أو انتخابات في بلد من البلدان تقوم هذه الوسائل بأخذ ما يمكن أخذه من الآراء لجس نبض الأمة ومعرفة نسبة الوعي الفكري والسياسي فيها. فإذا كانت المداخلات تردد الشعارات والمصطلحات نفسها التي تستخدمها الأنظمة ووسائل إعلامها من مثل الهدنة والتطبيع والحوار مع العدو والديمقراطية والواقعية وما إلى ذلك تُرِِكَ المجال واسعا أمام المداخل ليكمل طرحه حتى وإن كان طرحا ساذجا وسخيفا، أما إذا كان المداخل من لون آخر وانهال على أصل الفكرة يفككها ويبين فسادها وفساد الحلول الجزئية والترقيعية وأعطى حله وعلاجه الشامل والكامل للقضية وذكر دولة الخلافة هنا يتمعر وجه مدير الحوار ويقاطعه ثم يعقب عليه بتهكم وسخرية بقوله مثلا  » أليس لكم من حل إلا الخلافة  » أو  » أعطونا الحل الآني ودعونا من الحلول الوهمية  » أو  » أنتم لازلتم تسبحون في عالم الأحلام  » أو  » الخلافة حلم جميل ولكننا الآن على أرض الواقع ونعيش في القرن الحادي والعشرين » وهكذا كلما ذكرت الخلافة إلا وجاء تعليق المنشط عليها بكلام يفهم منه استهجانه للفكرة. والعجيب أننا لم نسمع في المقابل ولو تعليقا واحدا من هذا العيار على وهم الديمقراطية التي لازال يحلم بها الكثيرون ومنهم هؤلاء المنشطون.   إن فكرة الخلافة التي يتهكم عليها هؤلاء الذين نحسبهم منا وينتمون بهويتهم إلى هذه الأمة هي من صميم أفكار الإسلام وليست فكرة دخيلة عليه كالفكرة الرأسمالية والديمقراطية والاشتراكية. بل هي من أمهات أفكاره وهي نظام حكمه. وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – تبين ذلك منها ما روي  » عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏ »‏ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ ‏ »‏ ‏.‏ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ ‏ »‏ فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ‏ »‏. [رواه مسلم والبخاري وابن ماجة وأحمد]‏.‏ كما أنه عليه الصلاة والسلام بشر بعودتها من جديد  » فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَقَالَ يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمَرَاءِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ « . [رواه أحمد].   إذن من استهزأ بالخلافة أو تهكم عليها أو اعتبرها وهما وخيالا وحلما لكأنما سفّه هذه الأحاديث واستنقص من شخص الرسول، سواء أدرك ذلك أو لم يدركه، لأن فكرة الخلافة ونظام الخلافة ليس من اختلاق المتحدث ولم ( يفبركها ) من عنده بل أخذها كغيره من المسلمين من الإسلام ومن الأدلة الشرعية التي جاءت تبين ذلك. ولهذا كان الاعتراض على هذه الفكرة أو الاستنقاص منها جرما عظيما. وسيحاسب كل متهكم أو ساخر على ما تلفظ به من كلام في حقها وحق من يدعو إليها. قال تعالى : ( وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُ ۥ‌ۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ * إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ۬ * مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ۬ )[ق: 16/18].   ثم لماذا لم يوجه هؤلاء الإعلاميون وهم أصحاب هذه الصناعة انتقاداتهم إلى المفكرين والسياسيين وأصحاب القرار في العالم الغربي، ولم يتهكموا عليهم أو يسخروا منهم مثل ما يفعلون مع أبناء الأمة حينما يسمعونهم يتحدثون عن الخلافة ويحذرون الشعوب والأمم من قرب شبحها. لماذا لم يسفهوهم ويقولوا لهم دعوكم من هذه الأوهام التافهة، فأنتم القادة والسادة لهذا العالم ولا يليق بكم مثل هذا الكلام؟ إنهم في الحقيقة لا يستطيعون فعل ذلك ولا قول ذلك لسبب واحد ألا وهو أن قادة العالم الغربي والمفكرين السياسيين والباحثين الاستراتيجيين لا ينظرون للعالم بالمنظار نفسه الذي ينظر به هؤلاء الإعلاميون. أي لا ينظرون إليه بأعين هؤلاء الذين يعيشون خلف حركة التاريخ. ولذا لا قيمة لهم ولا وزن لأرائهم وأقوالهم. لأن قادة الغرب هم الذين يقودون العالم اليوم وهم الذين يراقبون كل كبيرة وصغيرة فيه ويترصدون حركة الشعوب والأمم ولا يُغفلون شيئا ولا يتجاهلون أي أمر. ولذا هم على نقيض هؤلاء الأتباع النائمين والغافلين، وهم في حالة قصوى من الفزع والخوف والحذر من عودة الخلافة إلى المحفل الدولي. وإليكم بعضا من الصور والأمثلة التي تبين لكم الفارق بين الباحثين والإعلاميين العرب والساسة والقادة والمفكرين والباحثين الغربيين، وتفاوت نسبة الوعي والنضج الفكري والسياسي بينهما، واختلاف نظرتهما للواقع واستقراء المؤشرات والتسطيح والتعمق في دراسة حركة الشعوب والأمم.   ففي مقال نشرته ( سويس إنفو   swissinfoبتاريخ 13 ديسمبر 2006 نقلا عن وكالة رويترز للأنباء- الرياض) لـ  » اندرو هاموند  » تحت عنوان :  » خبراء: الخلافة الإسلامية حلم لا حقيقة  » يقول :  » شكلت إقامة خلافة أو إمبراطورية إسلامية جزءا من رؤية تنظيم القاعدة للعالم.. وهي رؤية سببت فيما يبدو حالة من القلق لواشنطن. لكن خبراء [ يقصد الخبراء العرب] يقولون إنها ستظل مجرد حلم للمتشددين ».. ثم ينقل لنا آراءهم في المسألة.   فالمحلل السعودي  » فارس بن حزام » يقول :  » القاعدة قد تستطيع إقامة دولة إسلامية في غرب العراق إذا لم يكن هناك جيش أمريكي. لكن سيكون من الصعوبة بمكان بالنسبة لهم أن يخترقوا أي دولة أخرى حيث يوجد جيش وجهاز للدولة. » ثم يضيف  » حلمهم الكبير هو إقامة دولة إسلامية لكن ليس هناك ما يشير إلى أن هذا قد يحدث…. ومن بين المشاكل التي سيواجهونها ذلك التنوع الهائل في الأنظمة الدينية والسياسية في الشرق الأوسط اليوم وليس أقلها الخلاف بين السنة والشيعة الذين يدور بينهم جدل مرير بشأن الخلفاء الأربعة للرسول محمد ».   وأما  » مضاوي الرشيد » المتخصصة في العلوم الإنسانية والمقيمة في لندن فقد قالت « أستطيع أن أرى العالم العربي بأسره ينزلق إلى العنف الطائفي لهذا لا أرى إمكانية قيام هذه الخلافة ». ومضت تقول  » اليوم في القرن الحادي والعشرين هذا حلم للنشطاء المسلمين. » وأضافت « هذا مجرد جزء من حرب الشعارات (التي يشنها تنظيم القاعدة). » ويقول المؤرخ اللبناني  » كمال صليبي » :  » إن المنطقة فشلت في التوحد تحت لواء القومية العربية بعد الحرب العالمية الثانية. وأضاف  » لم تنجح (فكرة التوحيد) مع القومية العربية ونجاحها مع الوحدة الإسلامية أقل… احتمال أن تتخلى الدول عن سيادتها أصبح الآن أبعد من أي وقت مضى. »   وٍأما  » اسعد أبو خليل  » وهو لبناني يقوم بتدريس العلوم السياسة في جامعة ولاية كاليفورنيا  فإنه يقول :  » بالنسبة لمعظم الأحزاب السياسية التي تتبع الإسلام السياسي سواء من التيار السائد أو من التيار الأقل درجة منه فإن حدود الدولة المعاصرة تم قبولها. » وأضاف  » ليس هناك أي مصداقية على الإطلاق لفكرة أن السعي إلى الخلافة هو الهدف الأكبر للحركة الإسلامية في المنطقة. » .   هذه هي أراء بعض الخبراء العرب حول إمكانية عودة الخلافة إلى المنطقة، وهي أراء تدل على السطحية في التفكير وعدم النضج السياسي وقصور النظر. وذلك واضح في عدة نقاط أثاروها:   أولها : قولهم إن ثمة مشكلة طائفية في المنطقة تتمثل في النزاعات القائمة بين السنة والشيعة وهذه النزاعات هي العائق الأكبر، حسب تخمينهم، أمام قيام الخلافة التي من المؤكد أنها سوف لن يرضى عنها الطرفان المتنازعان والمتناقضان في الرؤية والتصور لشكل الحكم. حيث لن يقبل أهل السنة بالانضواء تحت راية الشيعة ولا الشيعة سيرضون بالدخول تحت مظلة الخليفة السني. وهذا الكلام محض افتراء وكذب وإثارة للفتنة بين المسلمين، إذ التنوع في الأفكار كان موجودا وسيبقى قائما ما دام هناك أتباع لهذه المدارس الفكرية، ولكن هذا التنوع لا يمثل عائقا ولا عقبة أمام قيام الخلافة. كما أنه لم يكن في الماضي سببا في سقوط دولة الخلافة، وإنما العائق والعقبة أمام قيامها هم الحكام والأنظمة العميلة، كما أن سقوطها في الماضي كان على يد خونة العرب والترك.   ثانيها : قولهم بأن القومية العربية فشلت في تحقيق الوحدة العربية وبالتالي لن تنجح الفكرة الإسلامية في توحيد شعوب المنطقة. وهذا الرأي واضح فيه الخلط بين نقيضين وقياس المعدوم على المعلوم. لأن الفكر القومي هو الذي سبّب الفرقة بين المسلمين وهو الذي أوجد النعرات والصراعات والحروب بينهم، وهو الذي قسّم الأمة إلى عرب وترك وكرد وفرس وبربر. أما الإسلام فإنه الفكر الوحيد الذي يقضي على هذه النعرات ويصهر جميع الشعوب والقوميات في بوتقته، ويشكلهم جميعا في قالب واحد ألا وهو الإسلام. هذا من ناحية التناقض بين الفكرتين، أي الفكرة التي تفرق ولن توحد والفكرة التي توحد ولا تفرق. أما من حيث القياس فإنهم ذهبوا في ذلك إلى قياس مشروع معدوم لم يتحقق ولن يتحقق، ألا وهو مشروع الوحدة العربية، على المشروع الإسلامي الذي وحد العالم الإسلامي سابقا وبإمكانه أن يوحده مجددا. فالعودة بالعالم الإسلامي إلى هذه الوحدة أقرب إلى التصور من إمكانية توحيده على أساس فكرة وهمية لم يتحقق لها النجاح كالوحدة العربية، مع أن الداعين لها لازالوا في الحكم.   ثالثها : مسألة السيادة والحدود، إذ يعتبرون أن الدول القائمة في المنطقة صارت لها سيادة واستقلال وأن الحدود الحالية أصبحت أمرا مقبولا. فلا يمكن أن تفرط في هذه السيادة ولا يمكن أن تتخلى عن حدودها. وهنا نتساءل من الذي يتمسك بهذه السيادة المزعومة والحدود المصطنعة، أهي الأنظمة والبيادق الذين يحكموننا أم الأمة التي لا ترضى إلا بسيادة الإسلام وتسعى لإلغاء هذه الحدود لتتوحد في كيان واحد متمثل في دولة الخلافة؟ نظن أن الجواب واضح. إن الأمة هي التي تسعى اليوم لإبطال هذه السيادة الزائفة وكسر هذه الحدود المصطنعة التي أقامها الكافر المستعمر ليفصل الأمة عن بعضها.   رابعها : قولهم بأن هذه الفكرة لا تزيد عن كونها حرب شعارات، وأن إمكانية تحقيق هذا المشروع في القرن الحادي والعشرين هو ضرب من ضروب الخيال، وهذا الرأي مستوحى من سياسة الشعارات التي تستخدمها الأنظمة لتستهوي بها العقول الساذجة، إذ الخلافة ليست شعارا وإنما حقيقة. أما استهجانهم لقيامها في القرن الحادي والعشرين فهو استهجان يعكس حقيقتهم، أي يعكس الانهزامية واستحقار الذات. لأنهم يرون أنفسهم جزءا من العالم الثالث المتخلف الذي لا يقوى على الصمود أمام دول العالم المتقدم الذي يملك القوة والتكنولوجيا والعلوم، وبحوزته القوة المادية والعسكرية. ولهذا هم في شك من نجاح هذا المشروع لاعتقادهم المبني على الظن بأن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا سوف تتصدى لهذا المشروع، وتتحرك في اللحظة الحاسمة وتتدخل بقواتها في المنطقة لقلب الأوضاع. وبالتالي ستحسم الأمر لصالحها ولن تسمح للمتطرفين أن يقيموا مشروعهم المتمثل في دولة الخلافة. هذا هو اعتقادهم وهذا هو وهمهم. وهنا لا نريد أن نتولى نحن الرد عن هذا الاحتمال الذي يوحي بالسطحية وقصور النظر، وإنما سنترك الإجابة لقادة الغرب وساسته ومفكريه وخبرائه ليردوا عليهم ويعلموهم بعض الشيء في دراسة الواقع واستشراف المستقبل من خلال تنافس الإيديولوجيات وصراع الحضارات كما توحي به مؤشرات الأحداث وليس كما يتوهمون هم.   ففي المنتدى الذي عقد في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، تحت عنوان « الحرب على الإرهاب »، أكد الجنرال الأمريكي  » ويسلي كلارك » القائد السابق لقوات حلف شمالي الأطلسي « الناتو »، أن المعركة التي تقودها الولايات المتحدة ضد ما تسميه بـ »جماعات الإرهاب في العراق »، لن يتم حسمها من خلال المواجهات العسكرية. كما دعا في الجلسة العامة للمنتدى الاستراتيجي العربي، وفق ما نقلته CNN, إلى تطوير سياسة بلاده تجاه المنطقة، عبر الدفع باتجاه تطوير العملية التفاوضية مع دول الجوار. ثم وجه انتقاداته اللاذعة لأداء الجيش الأمريكي بالعراق، كما أنه دعا إلى تغيير كامل في الإستراتيجية الأمريكية تجاه العراق والمنطقة بشكل عام، مؤكدًا أن الحرب يجب أن تخاض على مستوى « الأفكار » بالدرجة الأولى. وفي النهاية وضع تصوره لما يجب أن يكون واختتم قائلا :  » إن الفوز لا يكون عبر فوهات البنادق، بل عبر كسب قلوب وعقول الناس. » إلا أنه حذر في المقابل، من اعتماد « التنظيمات الجهادية » لأسلوب عمل جديد، يقوم على « اجتذاب الأمريكيين إلى التدخل في نقاط ما، ثم ضربهم واستنزافهم، وهدم المؤسسات القائمة، وإحلال الفوضى، كي يتمكنوا لاحقًا من ملء الفراغ الموجود بنظام الخلافة الذي يريدون فرضه », على حد قوله. ( منقول مع بعض الاختصار عن – مفكرة الإسلام- بتاريخ : 18 من ذو القعدة1427هـ 8-12-2006م).   فهذا الجنرال الأمريكي صاحب الخبرة والتجربة، والذي ينتمي إلى أقوى دولة حاليا، وبيده التكنولوجيا الحديثة والقوة العسكرية، وكان في السابق قائدا لحلف شمالي الأطلسي، يعترف بأن الفكر أقوى من الأسلحة والتقنية. بل ينصح بلده والعالم بأسره بعدم استعمال القوة المادية لأنها لا تحقق الأهداف وإنما عليهم أن يتحولوا ومن ألآن إلى المعركة الفكرية ويتخلوا عن المعارك العسكرية. فهل هذا الرجل الذي يتحدث بهذا الكلام غبي وتلف عقله فعاد لا يدري ما يقول أم أن خبراءنا هم الذين تلفت عقولهم فلا يدرون ما يفعلون أو ما يقولون؟. ثم لماذا استوعب هؤلاء الخبراء والمحللون والمفكرون والسياسيون العرب دروس الغرب وأخذوا عنه أفكاره وقلدوه في كل شيء إلا في هذه النقطة بالتحديد لم يأخذوا برأيه فيها مأخذ الجد؟.   وهذا رجل آخر من الساسة المعروفين، وصديق لحكام العرب وهو  » دونالد رامسفيلد » الوزير السابق للدفاع الأمريكي يقول في تعليق له حول مستقبل العراق، وكان ذلك في جامعة  » جون هوبكنز » بتاريخ 5/12/2005 يقول: ( ستكون العراق بمثابة القاعدة للخلافة الإسلامية الجديدة التي ستمتد لتشمل الشرق الأوسط وتهدد الحكومات الشرعية في أوروبا وأفريقيا وآسيا وهذا هو مخططهم لقد صرحوا بذلك وسنقترف خطأ مروعاً إذا فشلنا في أن نستمع ونتعلم ). أنظر لهذه العبارة وتأمل فيها جيدا ( سنقترف خطأ مروعا إذا فشلنا في أن نستمع ونتعلم) فالرجل يحذر العالم تحذيرا شديدا من تجاهل هذا الأمر والغفلة عنه. ويعتبر أن أي استخفاف أو عدم الاستماع والتعلم سيؤدي بهم إلى اقتراف أعظم خطأ في التاريخ. فلماذا يا ترى هذا الوزير صاحب هذا المنصب المرموق في حينه لم يسخر من هذه الفكرة ولم يستهجنها كما يستهجنها أصحابنا، ولم يعقب عليها قائلا دعونا من هذا الكلام التافه ولنكن جديين ولا نتفاعل مع الأوهام والخرافات؟ نرجوا أن نسمع منكم الإجابة أيها الإعلاميون الأفذاذ.   ولعل ما سبق غير كاف ولا يعتبر استقراءا سليما للواقع وأنهم، أي الخبراء والإعلاميون العرب أعلى درجة في استقراء حركة المجتمعات والشعوب ويفهمون مؤشرات التغيير أحسن منهم فنظيف إليكم التالي :   يقول الـ  » د. أحمد القديدي  » وهو تونسي مقيم في الخارج في مقال نشر له في صحيفة الشرق القطرية الصادرة يوم 17 ماي 2006) تحت عنوان  » العلماء الأمريكان يتوقعون عودة الخلافة عام 2020″ يقول :  » في الصفحة 83 من التقرير الخطير الصادر هذه الأيام عن مؤسسة  » روبير لافون » للنشر الباريسية بعنوان: كيف ترى المخابرات الأمريكية العالم عام 2020 ؟ نقرأ الفقرة التالية:  » سوف يتمتع الإسلام السياسي من هنا إلى عام 2020 بانتشار واسع على الصعيد العالمي، ونتوقع أن ترتبط الحركات الإسلامية العرقية والوطنية ببعضها البعض و تسعى ربما إلى تأسيس سلطة تتجاوز الحدود القومية ». ويتابع فيقول :  » هذا بالضبط ما يتوقعه علماء أمريكيون وأشهرهم على الإطلاق عالم الاجتماع وأكبر خبراء استشراف المستقبل  » ألفين توفلر » صاحب كتاب – صدمة المستقبل- و العالم  » تيد غوردن » أكبر خبراء المشروع : ميلينيوم بروجكت الذي أنجزته منظمة الأمم المتحدة، و العالم  » جيم ديوار » من مؤسسة راند كوربوريشن والعالم  » جاد ديفيس » المخطط لكل برامج شركة شال البترولية و غير هؤلاء من الأعلام الذين لا يشق لهم غبار في علوم استشراف المصير ». ويضيف :  » وبالطبع فان هذه الكوكبة من الأساتذة الجهابذة عملوا لمدة عامين لفائدة الوكالة المركزية للمخابرات بواشنطن وخرجوا بتقرير خطير وأمين يرسم ملامح العالم بعد 15 سنة من اليوم كما يرونه و من خلال المؤشرات التي بين أيديهم. » انتهى كلامه.   ولا ندري لماذا هذه الجهود التي تهدر وهذه الأموال التي تنفق وهذه الأبحاث التي تنشر في شأن قضية وهمية يعتبرها البعض حلما وخيالا؟.   أما جريدة  » مليات » التركية فقد ذكرت في 13/12/2005م نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز أن «أصحاب الصلاحية في إدارة بوش باتوا يتداولون كلمة «الخلافة» في الآونة الأخيرة كالعلكة. لقد باتت إدارة بوش تستخدم وصف الخلافة قاصدةً به الإمبراطورية الإسلامية، التي كانت في القرن السابع تمتد من الشرق الأوسط وحتى آسيا الجنوبية، ومن شمال أفريقيا إلى إسبانيا…». وكتب المعلق الأميركي  » كارل فيك » في صحيفة الواشنطن بوست، في 14/1/2006م، تقريراً مطولاً ذكر فيه أن «إعادة إحياء الخلافة الإسلامية، الذي يهاجمه الرئيس الأميركي جورج بوش، يتردد في أوساط السواد الأعظم من المسلمين»، وذكر أن «المسلمين يعتبرون أنفسهم جزءاً من «الأمة» التي تشكل قلب الإسلام، كما ينظرون إلى الخليفة كشخص جدير بالاحترام». وأشار هذا المعلق إلى أن «حزب التحرير، الذي ينشط في عدد من البلدان عبر العالم، يصرح بأن هدفه هو إعادة الخلافة لسابق عهدها».    وفي 5/9/2006 عاد جورج بوش ليتحدث عن الخلافة فقال : (إنهم يسعون إلى إقامة دولتهم الفاضلة الخلافة الإسلامية، حيث يُحكم الجميع من خلال هذه الإيديولوجية البغيضة ويشتمل نظام الخلافة على جميع الأراضي الإسلامية الحالية)   وفي 11/10/2006 أكد بوش 3 مرات أثناء مؤتمر صحفي مطول في البيت الأبيض أن وجود أمريكا في العراق هو لمنع إقامة دولة الخلافة التي ستتمكن من بناء دولة قوية تهدد مصالح الغرب وتهدد أمريكا في عقر دارها.   وأكد أن المتطرفين المسلمين يريدون نشر إيديولوجية الخلافة التي لا تعترف بالليبرالية ولا بالحريات ولهذا يريدون لنا أن نرحل ولكننا باقون حتى لا نندم وليعلم الشعب الأمريكي حينئذ أن وجودنا في العراق كان يستحق المغامرة والرهان. هؤلاء المتطرفون يريدون إرهاب العقلاء والمعتدلين وقلب أنظمة حكمهم وإقامة دولة الخلافة. إن مغامرة الرحيل عن العراق خطرة جداً، إنها تعني التخلي عن جزء من المنطقة للمتطرفين والراديكاليين الذين سيمجدون النصر على الولايات المتحدة وستمنحهم هذه المنطقة التي نخليها الفرصة للتآمر والتخطيط ومهاجمة أمريكا واستغلال الموارد التي ستمكنهم من توسيع رقعة دولة الخلافة.   وفي خطاب لبوش بتاريخ 25-10-2006 قال : إن الفشل في إقامة دولة في العراق سيمكّن « المتطرفين من استغلال البلاد لإقامة إمبراطورية متشددة من اسبانيا إلى اندونيسيا ».   وأما رئيس الوزراء الأسبق  » توني بلير » فإنه قال في المؤتمر العام لحزب العمال بتاريخ 16/7/2005 حول تفجيرات لندن في 7/7/2005 : ( إننا نجابه حركة تسعى إلى إزالة دولة إسرائيل وإلى إخراج الغرب من العالم الإسلامي وإلى إقامة دولة إسلامية واحدة تُحكِّم الشريعة في العالم الإسلامي عن طريق إقامة الخلافة لكل الأمة الإسلامية ) وقال وزير الداخلية البريطاني  » تشارلز كلارك » في كلمة له في معهد هيرتيج في 6/10/2005 ( لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات حول إعادة دولة الخلافة ولا مجال للنقاش حول تطبيق الشريعة الإسلامية ).   وفي الحقيقة هناك عدة أبحاث ودراسات مطولة حول هذه القضية التي تؤكد على قرب انتصار الإسلام وقيام دولة الخلافة، لكننا نكتفي هنا بما نقلناه. المهم أن هؤلاء الذين يتحدثون بجد عن الخلافة ويرون عودتها ممكنة هم كفار، ولا يؤمنون بالله ولا بالقرآن ولا يعتقدون بأحاديث رسول الإسلام محمد– صلى الله عليه وسلم – لكن رغم ذلك لم يتعاملوا مع فكرة الخلافة بالكيفية نفسها التي يتعامل بها هؤلاء الإعلاميون والمفكرون العرب، ولم يستخفوا بها ولم يعلقوا عليها بمثل أقوالهم.   فمالكم أيها المسلمون انحدرتم إلى هذا المستوى وتخاذلتم وانتكستم واستسلمتم للواقع ولا تريدون لأنفسكم حياة أفضل ولا تسعون لطلب العزة، فإن كنتم عاجزين عن التغيير ولا تريدون تحمل أعباء هذه المسؤولية فدعوا غيركم يعمل ويجتهد ليغير حال هذه الأمة ولا تكونوا عقبة ولا حجر عثرة في طريقهم. واعلموا أن الله لا يغير حالنا بحال أفضل إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا هذا هو شرط الله علينا فلا تتمسكوا بالأفكار الدخيلة التي غزت عقولكم ولا تعظوا عليها بالنواجذ فهي سبب شقاءكم وتعاستكم فاجتهدوا لتتحرروا منها وعودوا إلى الإسلام ولا تتنكروا لأفكاره فهو المخرج من هذا الذل وهو العزة والسعادة في الدارين، قال تعالى : ( إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِہِمۡ‌ۗ )[الرعد: 11]. فاتقوا الله وراقبوا أقوالكم وأفعالكم من قبل أن تحاسبوا. (وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْ‌ۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِينُ)[المائدة: 92].  بقلم : خالد العمراوي – سويسرا- في: الاثنين 18/6/1429 هـ الموافق 23/6/2008 م  

 

مشاهدات سائح اسطنبول.. تمتد على قارتين وتتجاذبها ثقافتان إسلامية وأوروبية

   

نور الدين العويديدي (*)    على قارتين تمتد اسطنبول.. وبين ثقافتين ونمطي حياة يتوزع أهلها. إنها مدينة تتربع على برزخ بين آسيا وأوروبا، ومن ثقافتي القارتين معا ينهل أهل اسطنبول، أو قل إنهم بينهما ينشطرون. كانت تسمى «إسلامبول» أي مدينة الإسلام، وكانت أحد مظاهر عظمة هذا الدين على امتداد أربعة قرون، ثم صارت تسمى اسطنبول، ومع الدولة التركية الحديثة هُجرت كعاصمة لتحتل أنقرة مكانها ومكانتها. «جميل.. جميل.. أنتم تمشون في أحضان التاريخ وتتنقلون بين جنباته».. هكذا قال لنا بلغة عربية جميلة، وطريقة نطق تدفع إلى الضحك، الشاب هاشم، دليلنا في مدينة اسطنبول، وهو شاب تركي تعلم العربية في جامعة المدينة، على يد امرئ القيس ومن فم المتنبي، كما قال لنا. وبالفعل لقد صدق هاشم، فمدينة اسطنبول مدينة عريقة، ضاربة في عمق الزمن، تفوح بعبق التاريخ. لكن التاريخ ليس وحده ما ميز مدينة «الإسلام» العظمى.. فالجغرافيا جادت عليها بكرم هائل، وحبتها موقعا متميزا، جعل منها مدينة تتربع على قارتين، وتستلقي واثقة من نفسها على شاطئي بحرين، هما بحر مرمرة والبحر الأسود، يربط بينهما مضيق له شهرة عالمية هو مضيق البسفور. رذاذ المياه يتطاير على الوجوه في رفق ساحر من العبّارات وهي تمخر مياه البوسفور، محمّلة بالركاب والسيارات والحافلات.. وجسران عظيمان يربطان بين الشطرين الآسيوي والأوروبي للمدينة. ومن أي موقع في اسطنبول تشاهد المآذن الشاهقة والمساجد البديعة. وحين يؤذن للصلاة تصمت المدينة إجلالا، ولا يعلو فوق التكبير والتهليل صوت. «آيا صوفيا» واحد من معالم المدينة الشهيرة.. كان كنيسة ثم صار مسجدا، ومع الدولة التركية الحديثة أضحى متحفا. لكن آيا صوفيا ليس الآية الوحيدة في قلب المدينة الأشهر في تركيا.. فالجامع الأزرق، أو جامع السلطان أحمد، ذو الصوامع الستة المبهرة يجاور آيا صوفيا، ويقف في وجهها متحديا، باعتباره معلما خالصا للإسلام.. كذلك جامع السليمانية الذي بناه المعماري الأشهر في العهد العثماني سنان.. وحول سنان تنتشر قصص كثيرة بين الأتراك هي للأسطورة أقرب منها للحقيقة والواقع. يمكن تعريف اسطنبول بوصفها مدينة المساجد.. ففي المدينة أكثر من 2500 مسجد. وتعجب حين ترى في أطراف ساحة متوسطة الحجم ثلاثة أو أربعة مساجد عظيمة الجرم، تتقابل في ود وشموخ، لتلقي بظلالها على تلك الساحة.. ويقال إن مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، قد هجر اسطنبول عمدا، وأقام مدينة جديدة، عاصمة لتركيا العلمانية، لاقتناعه بأنه أعجز من أن يهضم اسطنبول، أو أن يلبسها بلبوس يمكّنه من فرض نموذجه الجديد، طالما ظل النموذج العثماني ماثلا أمامه في تحد وشموخ.. فكان لا بد لأتاتورك من مدينة جديدة، يحقق من خلالها نموذجه الخاص. أهل اسطنبول مثل مدينتهم، يعيشون موزعين روحيا وثقافيا بين آسيا وأوروبا.. شكل الملابس ينبئك بأن الطريقة الأوروبية في اللبس هي الغالبة. لكن الحجاب يسجل حضوره في الشارع الاسطنبولي بشكل لا لبس فيه. في بعض شوارع المدينة تشعر وكأنك في باريس أو لندن أو أي مدينة أوروبية أخرى، حيث من المعتاد أن ترى شابا يقبّل صديقته أو حبيبته على مرأى من الناس ومسمع. أما إذا دخلت مسجدا، والمساجد كثيرة متكاثرة، فتشعر أنك في مدينة آسيوية أو إفريقية، وكأنك في دمشق أو القاهرة أو الدوحة أو مراكش.. حيث الشباب أكثر المصلين، وحيث تسجل اللغة العربية حضورا بارزا من خلال آيات الذكر الحكيم وتراتيل الابتهالات وألوان الأدعية. معالم اسطنبول السياحية يعود معظمها إلى العصر العثماني، ويعود بعضها إلى عهود أبعد مثل العهد البيزنطي أو الروماني أو حتى الإغريقي، لكن معالم الجمهورية الحديثة قليلة أو نادرة، والأدلاء السياحيون لا يكادون يذكرون معلما مميزا لتركيا الجديدة، وسائر الرحلات السياحية تنظم زيارات لضيوف المدينة إلى قصور السلاطين العثمانيين، مثل قصر «دلمه بهجت»، الذي كان مقر إقامة الخلفاء العثمانيين المتأخرين، أو قصر «توب كابي»، الذي أسسه السلطان محمد الفاتح، فاتح اسطنبول، واستمر مقرا لحكم الإمبراطورية العثمانية لأكثر من ثلاثة قرون، وتداول عليه نحو عشرين من سلاطين العثمانية. قصر «توب كابي» من أعظم معالم اسطنبول السياحية، وفي القصر أجنحة عديدة، تكشف عظمة السلطنة العثمانية. ففي القصر هدايا من مختلف بلاد العالم، من الصين والهند وفارس القديمة وسائر بلاد أوروبا، ومن أعظم موجودات القصر عرش ملك هندي، آية في الجمال، جاء هدية من ملك صفوي أراد أن يأمن جانب السلاطين العثمانيين فأهداهم ذاك العرش. وفي القصر ركن يسميه الأتراك «الركن المقدس»، ويضم بردة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وأثرا لقدمه الشريفة في طين متحجر، وسيوفا لصحابة أجلاء، منها سيف خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب والزبير بن العوام وسيوف صحابة آخرين، وفي الركن أيضا بقايا يد محنطة، مغلفة بالمعدن إلا قليلا، يُزعم أنها لنبي الله يحيى عليه السلام، وعمامة بيضاء يزعم أنها للنبي يوسف عليه السلام، كما توجد عصا يزعم أيضا أنها عصا سيدنا موسى عليه السلام، التي استحالت حية تسعى، وهي آثار يغلب الشك عليها، ولا يمكن الاطمئنان إلى أنها تعود لأولئك الأنبياء الأجلاء عليهم السلام. مقام الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري، المدفون رفاته تحت أسوار اسطنبول، والمعروف محليا باسم «سلطان أيوب»، لم نتمكن من زيارته في رحلتنا «الاسطنبولية»، لكننا علمنا أن الأتراك يجلون هذا المقام إجلالا عظيما، وقال لنا دليلنا السياحي إن مئات الأتراك يأتونه من مدن مختلفة ليؤدوا فيه صلاة الصبح، فلا تجد في المسجد- المقام موضعا ليس فيه راكع أو ساجد، بحسب ما علمنا. إنها اسطنبول.. مدينة تجمع عالمين.. وتختصر قارتين، وهي اليوم متأرجحة بين هويتين وثقافتين.. بين هوية حديثة تغلب عليها الروح الأوروبية، وهوية موروثة تغلب عليها الروح الإسلامية.. والشباب الأتراك موزعون بين توجهين.. بين من تراه في الشارع لاهٍ متغزّل بالنساء فلا تكاد تميزه عن أي شاب غربي، وبين شاب تراه في مسجد راكعا أو ساجدا، أو تراه عند قبر سلطان عثماني يتلو فاتحة الكتاب، أو تراه يبكي طلبا للصفح، أو حنينا إلى ماض أُريد له أن يخلد إلى قبر لا يقوم منه، لكنه يأبى أن يموت أو تطوى صفحته، وكل شيء في اسطنبول يذكّر سكان المدينة وزائريها به.. إنها مدينة بقدر ما تجني ثروة مالية هائلة من معالمها العثمانية ومن جمالها البارع ومن موقعها المميز بين آسيا وأوروبا، تجد نفسها مشتتة ممزقة بين عالمين لم يعرفا تصالحا بعد.. عالمان يختصرهما صراع الجيش مع الحجاب، وقصة حزب حاكم يحظى بأغلبية شعبية كبيرة، يواجه محكمة دستورية قد تنقضّ عليه في أية لحظة فتحيله عدما.. إنها قصة معاناة جيل لا يكاد السائح العابر يرى منها سوى وجهها الجميل.. وخلف الجمال الظاهر تكمن حقائق لا يعرفها سوى أهل المدينة أو من أطال المقام فيها، ولم نكن، لحظنا العاثر، من هؤلاء ولا من أولئك.   (*) كاتب صحافي من تونس مقيم في الدوحة   (المصدر: جريدة العرب (يومية – قطر) بتاريخ 17 أوت 2008)  


ردا على ما يسمى « مبادرة الحوار القومي  » التي أعلن جهاز الإتحاد الديموقراطي الوحدوي.
سدنة ضرار مرة أخرى المنتصر بالله    تونس المحروسة في 17أوت /أغسطس 2008 الأخ محمد المسليني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته     ها أنا أعود لمحاورتك عبر المواقع الإلكترونية بعدما رفضت إدارة نشريتكم نشر مراسلتي السابقة لك، فقد بعثتها بالبريد الالكتروني قبل إرسالها لموقع أنصار، لكن لا حياة لمن تنادي. وما دمت قد اخترت الرد عن طريق منبر أنصار فهذا جيد لأنه اعتراف ضمني منك بعدم صلاحية مسجد ضرار ونشريته فضاء للحوار كما أكدت لك ذلك الأخت فائزة منذ البداية، فلا بأس من أن نصبر على بعضنا كما طلبت. فأنا ما كنت لأكتب لك ثانية لولا جملة المسائل التي اعتبرتها تهما وكذبا موصوفا وتطلب مني بيّنة على ما أقول.. رغم أنه كان حريّا بك أن تردّ على كل ما ورد في مراسلتي، لا أن تنتقي بعض النقاط وتطلب توضيحا وبيّنة في شأنها. لذلك سأعتبر أن النقاط التي سكتّ عنها موافقة ضمنية منك على ما جاء فيها، وهو مؤشر يشجّع على مواصلة الحديث معك لأكشف لك المزيد من فساد إخوتك الذين تفاخر بهم الأمم. 1.    بادئ ذي بدء من اتهمك في عرضك وأخلاقك، بالعكس فقد قلت أنا أربأ بك عن كل ما يمسّ أخلاقك وزهدك، لكن على ما أعلم فان نقد سلوكك السياسي لا يدخل تحت طائلة الثلب والتشهير حتى تقول “حسبي الله ونعم الوكيل”! وأعلمك أنك من ناقض نفسه عندما قطعت عهدا ألا ترد شتيمة تأسّيا بأخلاق رسول الله، لكنك سرعان ما عدت إلى السب، أما أنا فلن أعدك بالكف عن الجهر بالسوء من القول الذي أباحه الباري جلّ وعلا كلما اقتضى الظرف وتوفرت الشروط (الظلم)، دون أن يجعلني ذلك في تناقض مع أخلاق رسول الله (ص). 2.    أما بخصوص مطالبتك ببيان علاقة مناجاتك لروح جمال عبد الناصر بما يأتيه روّاد الزوايا واستنجادك بما يفعله الشعراء والمنشدين في أعمالهم الفنية. أقول لك إن ما كتبته ليس أحاسيس شاعر ولا مناجاة متعبّد، وإنما هو حديث سياسي يصدر عن فاعل سياسي ينشد التقدم إلى الأمام ويحاول الإجابة عن سؤال أدمى و يدمي قلوب كل القوميين، وهو “ما العمل” لبناء أداتهم التنظيمية . لكنك عوض الاجتهاد الذي طالبت به محمد و صفوت وحبيب، نكصت إلى ما يأتيه روّاد الزوايا الذي يطلبون عونا موهوما، لأنّ الموتى يستمدّون التقدير الذي يصل حد “ التقديس ” نتاجا لأفعالهم عندما كانوا أحياء وليس لخوارق و كرامات يأتونها بعد موتهم! في حين أنك تقول في رسالتك له – وأنت واقع تحت تأثير حالة من الوجد الروحاني التي تتلبس بالمجذوبين- أنك تريد أن “ تهتدي منه بفكرة أو رأي حصيف ” رغم علمك أنه حسم المسألة سنة 63 من القرن الماضي مانعا نفسه عن بنائها لقيود الحكم، أم أنك تطلب مشورته باعتباره الآن خارج قيودها؟ حتى أنك تعتذر له عن اقتحام عالمه دون استئذان ، يا الهي! هل منّ عليك الله سبحانه وتعالى بما خصّ به نبيه محمد (ص) عندما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعروجه إلى السماء لملاقاة الأنبياء، متى أسري بك لملاقاة روح جمال عبد الناصر؟ على أية حال فما فعلته لسنتين على التوالي يندرج ضمن طقوس الزوايا التي يسمّيها المختصّون الإسلام الشعبي ، وهذا لا يليق بمناضل يحمل مشروعا تنويريا عقلانيا! 3- أما بخصوص الملف المالي لجماعة ضرار فأنت تقول “ البيّنة على من ادعى ” وأنا أقول على نفسها جنت براقش، واليك التفاصيل :     أجبني عمّا وقع في لقاء المجلس الوطني بالحمامات من إنفاق سفيه وإصرار وحدويّي ضرار على اصطحاب خليلاتهم معهم!      أجبني عن العدل منفذ الذي كلفه مالك مقر جامعة القصرين باستخلاص المعيّنات الشهرية لعام كامل استولى عليها “مناضل” من ضرار !      أجبني عن “ الكاشيات الوحدوية ” التي يقبضها الجميع (اسأل عرفك فملفاتهم عنده) !     أجبني عن تمرّد وحدويّي ضرار ورفضهم عقد اللقاء المبرمج هذا الصيف بالمقر وإصرارهم على نزل فاخر على البحر، هل يدخل ذلك في إطار الإنفاق السفيه وتبذير المال العام أم في إطار أما بنعمة ربك فحدث؟ أما بخصوص تعفف إخوتك “التقدميين” الذين تباهي بهم:      أجبني عن سرّ الدورات البرلمانية المتعددة لأحد إخوتك بعدد من الأصوات لا يتجاوز العشرات؟ أكيد أنك تعرف أن المكافآت في أحزاب المعاضدة تؤول لمن يقدم خدمات أكثر ويتعاون أكثر !      أجبني عن سر الصراع بين “مناضلين” من إخوتك الذين تنزههم، كل منهما يروم ترؤس قائمة إحدى ولايات الجنوب في الإنتخابات القادمة ممّا أجّل تأسيس جامعة حتى ينجلي الموقف، فلماذا الصراع ماداما مناضلين أم أن مقعدا في البرلمان يسيل اللعاب؟ ولولا الأخلاق الإسلامية التي تحرّم التمثيل بالجثث لكشفت الحقيقة أكثر، لكن يكفي الآن فالقبّرة لا تستحقّ الرصاص فخّ يكفيها  !   أما أنت فإن كنت عالما بما كنت أذكر فأنت شريك وان كنت غافلا أو “راقد على وذنك” فأنت لا وزن لك كما قلت لك في المرة الفارطة! 4 – أما بخصوص رأيي فيما تكتبه أنت وجماعتك في نشرية ضرار الذي اعتبرته يصدر عن غير مختص، طيب فأنا أحيلك إلى ما ورد في  تقرير نقابة الصحفيين بخصوص نشريتكم، فهو تقييم صحفيين مقتدرين ومستقلين. وأؤكد لك أنني مازلت مقتنعا أنّ ما تنشرونه فهو إما متهافت لا يفرّق بين المقال الصحفي والمقال الأيديولوجي الثقيل الذي يذكّرنا بكتابات البرافدا ورفيقاتها من صحف النهج الستاليني البائد. وإما مسروق من مواقع الكترونية، لذلك تدرجونه غير موقع وتحجمون عن نشره في مدونتكم الالكترونية. لأنه يضعكم في موقف أخلاقي وقانوني محرج، لذلك لا تتضمن مدونتكم إلا تصريحات الأمين العام وحواراته! وأؤكد لك أن العمل الصحفي الناجح يتطلب معرفة ولو متوسطة بشروط هذا النوع من الكتابة، وأن يستمد الصحفي شرفه من القضية التي يخدمها، وهو لا يكون شريفا إلا إذا كان قد اختار قضية عن وعي و إرادة حرة.. وبالتالي فلا محلّ لشرف الصحفي أو لشرف الصحافة عندما تكون محل إحتواء أو توجيه أو رقابة ! أما عمّن طلب الكتابة المشروطة فهما اثنين من إخوتك قالا لي بالحرف الواحد:            “ أكتب اللّي تحب في الشأن القومي أما بخصوص الشأن الوطني أكتب نص نص فأنت تعرف علاقاتنا ولا نريد الإحراج، فنحن لسنا معارضة و إنما إصلاحيين نطالب بحكومة   وفاقية ” . وأرجو أن تضمّن مقالك القادم عند عودة النشرية من عطلتها عنوانك الالكتروني لأمكّنك من إسمي أخويك الرقيبين والأخطاء الواردة في مقالك الأخير فقد تجاوزت 20 خطأ في النحو والصرف وليست أخطاء مطبعية. 5- أما بخصوص التحية التي وجهتها لصحيفتي الموقف ومواطنون فاتخذت منها مطية لتشويه موقفي بإعتباري “ أصبحت أتخذ ممن يحجّون إلى السفارات ويتمسحون على أعتاب الدوائر المشبوهة مثلا عليا وقدوة حسنة ”. أقول لك لو كانت لديك شجاعة المناضل حقا وكلفت نفسك مشقة الإطلاع على مضامين هاتين الصحيفتين لتبيّن لك أن أكثر من  90 بالمائة ممّا يكتب فيهما لا علاقة له بالمواقف الخطية للحزبين اللذين يصدران هاتين الصحيفتين، بل بالعكس هما منبر من لا منبر له في هذه البلاد من المناضلين والمظلومين. وهو ما عرّضهما للحرمان من الإشهار العمومي والدّعم عقابا لهما على إنفتاحهما على المتضررين من الإستبداد بعكس نشريتكم التافهة التي تمثل شاهد زور. أما عن السلوك السياسي لمديري الصحف الذين إتهمتني بإتخاذهم مثلا عليا أعلمك أن موقفي منهم وإختلافي معهم لا يكون بترديد كلام المخابرات وإعتبارهم “ خونة متمسّحين بأعتاب الدوائر الامبريالية ” كما تفعل أنت وأمثالك من المعاضدين .    لأنهم لو كانوا فعلا كذلك لوقعوا تحت طائلة المس بسلامة أمن وسيادة بلادنا ولتتبعهم القانون عقابا لهم على ما إقترفوه،  كذلك يمكن اعتبار هذا النوع من التّهم يفتقد شروطه المتمثلة في وجود نظام وطني يتخذ من الإشتراكية خيارا للتنمية المستقلة فيكون سلوك هؤلاء مشبوه فعلا. أما ترديد هذه التهم في ظل نظام يطبق إقتصاد السوق ويفتح أبواب البلاد أمام الرساميل الأجنبية مما يجعل كل مظاهر السيادة الوطنية في مهب الريح، يصبح ترديد هذه الإسطوانة من قبيل المضحكات لأن ما يفعله هؤلاء هو التحرك ضمن المجال الذي إتخذته السلطة فضاء للشراكة وتبادل المصالح والسعي لدى شركائها لإلزامها بالإيفاء بكل بنود الشراكة التي تشترط ترافق لبررة الحياة السياسية والاقتصادية. وهو ما يجعلهم لا يختلفون عن السلطة كثيرا في الإختيارات الليبرالية .. وإختلافي معهم يكون على قاعدة هذه الإختيارات التي عزلتهم عن القاعدة الجماهيرية العريضة التي مازالت في حاجة إلى تدخل الدولة، وبالتالي فإن مشكلة الديمقراطية بالنسبة إليها تتلخص بشكل عام في كيف يكون جهاز الحكم في خدمة مصالحهم الحياتية وليست فقط حرية الكتابة والخطابة والصحافة والإنتخابات، فهنا يكمن مقتل هذه المعارضة النخبوية. أما عن تفاخركم بالمحافظة على عذريتكم السياسية تجاه الخارج يصبح لا معنى له إذا لم يترافق مع المحافظة عليها تجاه الإستبداد الداخلي، خصوصا وأنه المتعامل رقم واحد مع هذه الدوائر التي تذكرها! وهو ما يفقد خطابكم مصداقيته ويجعلكم عاجزين عن التحول إلى ضمير للمجتمع الذي يحضن كل من يقول كلمة حق في وجه سلطان جائر. كذلك ألم تلاحظ أن إسطوانة التمسح بأعتاب السفارات ترددها كل جماعات أحزاب المعاضدة مما يشي بأنها بيانات إستخبارية يدفع بها إلى هؤلاء المعاضدين للإمضاء عليها وتسويقها. حتى أن ناطقا رسميا بإسم حزب يدعو إلى خوصصة الأخضر واليابس حتى القيم، أصبح هذه الأيام أكثر الناس ترديدا لإسطوانة  “ المتمسّحين على أعتاب السفارات ممن يشكلون جسرا لعودة الإستعمار”  متناسيا أن برنامج حزبه هو مجرد “مانيفستو” لإعادة إحتلال بلادنا الغالية. إذن كفاك جعجعة فارغة والتفاخر كون مقاطعتكم للسفارات الغربية هو أحد مكاسب مؤتمر جربة، وكأنك تلمّح أنك وإخوتك من يقفون وراء هذا القرار، والحال أن كل الحركيين يرددونه. وحتى النشرية التي يلمّح إخوتك أنهم ماسكون بخطها التحريري فان ما تكتبونه فيها يولد ميّتا لأنه يترافق مع المواقف الرسمية لمسجد ضرار المطبّلة المسبّحة. فأصبح موقفكم كالداعي إلى الفضيلة داخل وكر فساد لا يجد من يسمعه بل من يلعنه،  فأنتم أصحاب دعاية ولستم أصحاب دعوة يا هؤلاء! إن مسجدكم وغيره من أوكار المعاضدين لا وظيفة له إلا منح السلطة شرعية التعددية والتخلص من تهمة الحزب الواحد للحصول على علامة “ الإيزو” الديموقراطى ، مقابل فتات من المال العام تنفقونه إنفاقا سفيها على جماعات لا يتجاوز عددها 100 نفر. نعرف جيّدا أساليب إستقطابهم، والله وحده يعلم كم يتكلفون على المجموعة الوطنية. الأخ محمد المسيليني أنا متأكد أنك لو خلوت إلى نفسك صادقا لتبيّن لك أن الخيار الذي إلتزمت به قادك إلى طريق مسدود وجعلك وإخوتك تقعون في فخ جهاز يميني حوّلكم إلى طابور خامس دون أن تعوا أنه تم تجنيدكم. فأنت تعرف جيدا أننا في عصر السبيرنتيك إذ أصبح من الممكن تجنيد أي جماعة إذا لم تحذر، دون أن تعي أنه تمّ تجنيدها، إذ تبقى محافظة على شعاراتها لكنها تؤدّي وظائف تخريبية تتناقض مع شعاراتها ، وهذا بالضبط ما أوقعكم فيه مسجد ضرار! فالشجاع من يراجع نفسه ويعترف بأخطائه فيكون ذلك أول خطوة لتصحيح المسار.     أما من يعاند انتصارا لكبرياء زائف ينفذ منه الشيطان بوسوسته مزينا له أخطاءه وعناده! اللهم احم محمد المسليني من الوسواس الخناس وإهده إلى ما ينفع الناس. بالله عليك هلاّ راجعت نفسك بعد كل هذه السنين من تجربة ضرار، ما هي مكاسبك أنت وإخوتك الذين تحولوا إلى “ محاسبية ” منهم من نال غرضه وحقق أطماعه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا!  أما إذا كنت تأمل في تصحيح المسار، فهو موقف مثالي لأن هذا الوكر لم ينشأ نشأة سليمة وتم السطو عليه والانحراف به عن أهدافه، فتعمل صابرا على إعادة التصحيح وإنما بني أصلا بنيّة التخريب وإجهاض كل نضال قومي حقيقي ! ! هل أذكّرك بما جرى في مؤتمر بنزرت والإصرار على قائمة توافقية ورفض الانتخابات رغم معارضة المؤتمرين المطلقة لصيغة التوافق بما أقام الدليل أن مسجد ضرار لا يدار من قبل إرادة مؤتمريه وإنما من قبل الأجهزة التي بعثته إلى الوجود ! وأنه لا علاقة له بالديمقراطية ولا بالتوحيد. وقد انسحب منه كل ذي عقل حصيف ولم يبق فيه إلا كل طامع ومحتسب، أو من ثقلت موازينه وما عاد سيّد قراره وفرض عليه البقاء بالحجم والدور المرسوم له وإلا كشفوا ملفاته، فليس الدخول إلى الحمّام كالخروج منه!  أم  تراك كالمقامر الذي لا يكفّ عن اللعب ممنّيا نفسه بالربح كل مرة إلى أن يجد نفسه قد خسر كل شئ، وهو ما أنت ذاهب إليه فحتى رأسمالك الرمزي أصبح في الحضيض. هل أذكّرك أن الأحزاب المعارضة وظيفتها التعريف ببرامجها وتصيّد أخطاء خصومها والعمل على توسيع قاعدتها الجماهيرية للوصول إلى السلطة لتنفيذ برامجها، وليس التحوّل إلى خبراء يستأنس بآرائهم أو مخبرين عن غيرهم. أما حكاية الحوار القومي الذي أكثرتم من الجعجعة للدعاية له وفشل فشلا ذريعا لأن الدعوة له من ضرار قتلته في المهد.. وها أنّي سأكشف لقراء منبر أنصار كيف انطلقت الدعوة إلى هذا الحوار. لقد صادف ذات اجتماع على مستوى المكتب السياسي أن أثار كبيركم الذي علمكم السحر مسألة اتصاله بأحد رموز القوميين. لكنه تفطن أثناء الحديث أن أحد عناصر المخابرات الفاعلة داخل المكتب السياسي قد خرج لإجراء مكالمة هاتفية، فأصابه الرعب وكاد يتغوط في سرواله، وسارع بإرسال فاكس إلى كفيله (المكلف بملف ضرار)  في البلاط  ليحبط وشاية زميله و يعلمه أنهم قرروا تفعيل موضوع سنة الحوار مع الشباب بإجراء حوار بين القوميين. فالمسألة إذن ليست خيارا استراتيجيا اتخذ لوجه الله كما تدعي، فرضه إخوتك في مؤتمر جربة وإلا لما انتظر كل هذه المدة لتفعيله! وحركة النضال القومي تسير غير متوقفة على وجود أو عدم وجود مؤسسة ضرار، بل العكس هو الصحيح فهذا الجهاز جاء للتشويش وتشويه هذا الخط المناضل. بحيث لو لم يكن موجودا لما توقفت مسيرة هذا النضال، وهو أقسى حكم تاريخي يمكن أن نجيبكم به. ولن ينفعكم ما تفعلونه من محاولة الحصول على بعض الشرعية عن طريق الادعاء أنكم على صلة ببعض رموز النضال القومي في الشرق العربي، فما تفعلونه هو مجرد سطو على مقالاتهم المنشورة في مواقع الكترونية تنشرونها دون الإشارة إلى مصادرها فتبدو العملية وكأنهم يكتبون خصيصا لنشريتكم !  لقد أطلت، لذلك سأختم الحديث بالتعليق على النكتة التي أتحفتنا بها أثناء تباهيك بإخوتك فوصفتهم بالتقدميين ، فهل تحسب أن صفة التقدمية هي علامة تجارية محفوظة الحقوق أم أصلا تجاريا يكتسب بالتقادم، ويحتفظ بها أدعياؤها حتى وإن مارسوا عكسها؟ إن التقدمية يا هؤلاء موقف من الواقع يستحق شرف حملها كل من إلتزم شروطها لكنها تسقط عنه بمجرد الإخلال بها. وهو ما ينطبق عليكم منذ تورّطكم في مستنقع ضرار، وكم يصدق فيكم المثل القائل “العجوز هاززها الواد وهي تقول العام صابة”.“ واخطاكم من حكاية إحنا أسّسنا التيّار في السبعينات ” التي تصنعون بها لأنفسكم تاريخا بين جماعة ضرار! ! هذه جملة إساءاتكم إلى التيار الذي تدّعون الإنتماء إليه ، وقد صدق سبحانه وتعالى عندما قال “ ولا يحيق المكر السّيء إلا بأهله ”. اللهم حاسبهم برحمتك ولا تحاسبهم بعدلك، إنهم ظلموا أنفسهم وآذوا غيرهم  آمين  


الحرب الجورجية – الروسية.. من المعتدي؟
منير شفيق  بعد اليوم الأول لاندلاع الحرب بين جورجيا وروسيا، غاب عن الإعلام الأميركي والأوروبي، ومن ثَم الكثير من الإعلام العربي التابع تقليدياً، أن جورجيا هي المعتدية, وأنها هي التي بادرت بالحرب, وهي التي احتلت أجزاء كبيرة من أوسيتيا الجنوبية. وقد حل محل ذلك العمليات العسكرية الروسية التي أخذ يُظهرها ذلك الإعلام كأنها المعتدية, وأصبحت جورجيا تقدم على شكل الضحية المظلومة, أو المعرضة أراضيها للغزو الروسي. صحيح أن الرد الروسي العسكري كان سريعاً وحاسماً, وقد راح الجيش الجورجي يستنجد بحلف شمال الأطلسي وهو يتقهقر أمام القوات الروسية, ليس في أوسيتيا فحسب، وإنما أيضاً أمام قوات أبخازيا التي تشارك أوسيتيا المصير نفسه, والوضع السياسي ذاته. بدهي أن تقهقر الجيش الجورجي لا يحوله إلى ضحية، ولا يجب أن ينزع عنه صفة المعتدي الذي كان البادئ «والبادئ أظلم»، والأهم أن الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي ما كان ليأخذ قرار الحرب ويبادر بها لولا التنسيق مع إدارة بوش وتحريضها له، فهو يعلم في الأصل أن روسيا لن تسكت, وأنها عادت ذات مخالب وأنياب عسكرية، ليس على مستوى حرب صغيرة بمستوى حرب أوسيتيا الجنوبية فحسب، وإنما أيضاً على مستوى دولة كبرى ورثت عن الاتحاد السوفيتي ترسانته النووية والصاروخية, وخرجت من حالة التفكك والتحلل والانهيار لعهد بوريس يلتسين. من ردود فعل إدارة بوش على الرد الروسي حجماً وحسماً حتى الآن، يبدو أن المخططين لهذه الحرب لم يكونوا يتوقعون مثل هذا الرد، وقد اعتبروه مفاجأة لهم، لماذا وكيف؟ لا أحد يستطيع أن يعطي جواباً شافيا، لأن استعادة روسيا قوة دولتها وجيشها وقدراتها العسكرية لم تكن سراً، إلا أن ما ظهر منها كان أكثر بكثير مما استخدم في ذلك الرد، ولأن رئيسها السابق فلاديمير بوتين ومن بعده رئيسها الحالي ديمتري ميدفيديف أعلنا بحزم ووضوح أن روسيا يجب أن تُعامل باعتبارها دولة كبرى يمكنها أن «تقرع القنا بالقنا» كما يقول العرب، فأي عذر يبقى لكل من كان وراء حرب جورجيا على أوسيتيا إذا قال إنه فوجئ بالرد العسكري الروسي أو حتى بحجمه؟ لكن الحقيقة أنهم فوجئوا فعلاً، وارتبكوا، وراحوا يحركون الوساطة الفرنسية بصفتها رئيسة الاتحاد الأوروبي لوقف الحرب وعودة الأمور إلى ما كانت عليه في السادس من أغسطس قبل اندلاعها، وكان لا مفر من أن يخرج الاتفاق الروسي-الفرنسي عاكساً ميزان القوى الجديد على الأرض، ومن ثم ملبياً للشروط الروسية، ووجد الرئيس الجورجي ساكاشيفلي نفسه في ورطة، وقد خذله عملياً جورج دبليو بوش الذي حرضه ودفعه إلى شن الحرب، وبالطبع لا يكفي لنصرته أن ينقل الأسطول الجوى الأميركي القوات الجورجية في العراق, فهذه لا تغير من ميزان المعركة في الميدان شيئاً، ولا يكفي أن تطلب أميركا من روسيا فتح ممرات للمساعدات الإنسانية لجورجيا, ثم لا يكفي أن تشهّر إعلامياً بروسيا، فيما روسيا «أودت بالإبل». وروسيا من جهتها كانت ذكية في عدم التورط بإدخال جيشها إلى الأراضي الجورجية, وفي قبول الوساطة الفرنسية, وإعلان وقف إطلاق النار، فهي ليست بحاجة إلى أن تفعل أكثر مما فعلت وأكثر مما حدث في أبخازيا، سواء أكان على مستوى الإقليمين (أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، أم على مستوى المواجهة عملياً مع أميركا التي استمرت تعمل من وراء ساكاشفيلي، أم على مستوى أوروبي وعالمي. لقد ارتكب مخططو الحرب خطأ البدء فيها وتحمل مسؤولية اندلاعها, مما ترك لروسيا كل العذر لترد بقوة، وأن تُظهر بعد غياب طويل هيبتها وقدرتها العسكرية، الأمر الذي يفرض به أن يدخل العلاقات الأميركية-الروسية والأوروبية-الروسية مرحلة جديدة.. روسيا بوتين وميدفيديف دولة ند وشريك في أوروبا وفي الحياة الدولية، ومن ثم بناء تفاهم وتعاون جديدين على هذا الأساس، وإما البدء بمرحلة جديدة من التأزيم والكيد, والضرب تحت الحزام, بما يشبه -دون تكرار- ملامح الحرب الباردة، وقد يكون من خيارات هذا البديل تمديد أمد المواجهة العسكرية الجورجية-الروسية لتتحول إلى حرب استنزاف. لكن حربا من هذا الطراز خطرة للغاية في القارة الأوروبية، وهذا يفسر لماذا لم يلعب أحد المعسكرين (وارسو والناتو) في النار الأوروبية طوال الحرب الباردة، طبعاً النتائج العسكرية لهذه الحرب -كما تجلت حتى الآن- ومن ثم النتائج السياسية المترتبة عليها عسيرة الابتلاع والهضم على أميركا أولا، ثم على أوروبا في مستوى أدنى ثانياً, وهذه لا تقل صعوبة عن فتح جبهة عسكرية ضد روسيا على الأرض الأوروبية. وبهذا تكون إدارة بوش التي حاولت أن تهرب من حرب لم تقرر بعد ضد إيران, ومن اتفاق تسوية بين أولمرت وعباس ما زال مرتطما بموضوع القدس القديمة, إلى فتح جبهة ضد روسيا عساها تنتج في خدمة الانتخابات الأميركية القادمة، فإدارة بوش في حرج شديد, بسبب إخفاقها أمام الحزب الجمهوري, ولعل هذا السبب في فتح معركة ضد روسيا أخطأت في حساب نتائجها, وفي كيفية الخروج منها، على أن البعد المستقبلي لهذه الحرب, خلال سنة من الآن لاسيما بعد الانتخابات الأميركية وبغض النظر من الفائز فيها, يتمثل في حتمية تغيير الاستراتيجيات الدولية, ابتداء من الاستراتيجية الأميركية, عما كانت عليه خلال سبع السنوات الماضية.   كاتب أردني   (المصدر: جريدة العرب (يومية – قطر) بتاريخ 18 أوت 2008)  


فتوى عراقية «تحرم» شراء البضائع والسلع الإيرانية

 

2008-08-17 الفلوجة – عثمان المختار  أعلنت دار الإفتاء العالمي في مدينة الفلوجة العراقية الواقعة غرب العاصمة بغداد، أمس تحريم شراء أو التعامل مع البضائع الإيرانية. وأكد الشيخ إسماعيل خليل من دار الإفتاء، أن الفتوى التي صدرت بأربع صفحات وقع عليها الشيخ أبوبكر محمود كبير علماء أهل السنة في محافظة الأنبار، مبينا أن الفتوى والتي تعتبر الرابعة من نوعها منذ عامين، كتأكيد لفتاوى سابقة تحرم البيع والشراء والتعامل مع أي منتج أو بضاعة صنعت في إيران أو قدمت عبر إيران ومعاملة البضائع الإيرانية كمعاملة البضائع الدنماركية وغيرها من الدول الأوروبية التي أساءت للرسول صلى الله عليه وسلم. موضحا أن قتل المسلمين في العراق وتدمير البلاد وزهق الأنفس المعصومة على يد المخابرات الإيرانية والميليشيات التي تدعمها لا يقل شأنا عن التهجم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما جاء في الفتوى «فليعلم أهل فارس أن دماء المسلمين وأعراضهم التي نهشوها في بلاد الرافدين ليست رخيصة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها حرمة عند رب العباد وأن مقاطعتكم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا لهي من الفروض التي ينبغي على المسلم التمسك بها دفعا للبلاء الذي تصدروه للعراقيين وهذا أضعف الإيمان وهذا أبسط ما يجب فعله على المواطن البسيط الذي يدين بالوحدانية لله تعالى ويعتنق الإسلام دينا»، ووصف المفتي إيران بأنها «أكثر شرا من الدول التي أساءت لمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام» قائلا «لقد دمرت إيران المساجد وأحرقت المصاحف وقتلت الأنفس واغتصبت ممتلكات العباد فهل هناك وجهة للمقارنة بين ما فعل أهل فارس وما فعل الدنماركيون؟ بل المقارنة يجب أن تكون بينهم وبين الصهاينة والأميركيين الذين لا يختلفون عنهم في شيء إلا اللغة». ووزعت الفتوى على العديد من المدن العراقية، وعرفت بفتوى «مقاطعة بلاد فارس»، الجدير بالذكر أن صادرات إيران التجارية بلغت خلال العام 2007 ملياري دولار أميركي تمثل أغلب تلك الصادرات المنتجات الكهربائية والأدوية والأغذية المعلبة.   قائد عمليات الجيش العراقي لـ «العرب»: إيران وراء العنف في العراق بغداد – العرب  قال قائد عمليات الجيش العراقي في محافظة الأنبار اللواء الركن محمد الدليمي في تصريح لـ «العرب»: إن القوات العراقية بدأت تحقق تقدما كبيرا على الساحة، ومن المتوقع أن يستكمل الجيش العراقي بكافة صنوفه جاهزيته العسكرية مع نهاية العام الجاري. وأوضح اللواء الدليمي أن العنف الحالي في العراق وعمليات التفجير والتدمير والاغتيال وتصفية الكفاءات العلمية يقف خلفه النظام الإيراني بنسبة %90 تقريبا, وأن أغلب عملياته العسكرية في البلاد تقوم بها شبكات متكاملة ومنظمة من الفرق الخاصة والمليشيات وقوات القدس والحرس الثوري, وأن معلومات مؤكدة تفيد إلى قرار إيران جعل بلاد الرافدين ساحة لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة عن طريق زيادة تصديرها للمسلحين والأسلحة إلى البلاد وتحريك بعض السياسيين إلى خلق مواقف وخلافات داخل البرلمان، فضلا عن محاولتها القيام بمزيد من الخروقات في هيكل جهاز الأمن العراقي. وأضاف أن إيران تقدم دعما لتنظيم القاعدة ليس حبا به أو إيمانا بما تؤمن به القاعدة لكن من أجل إرباك القوات الأميركية والعراقية.

هل بدأت نهاية القطب الواحد؟
هيثم مناع (*) في 8/5/2008 قال وزير الدفاع الجيورجي دافيد كزراشفيلي (حامل الجنسية الإسرائيلية): ‘لا أعتقد أن جورجيا تعطي الإنطباع بأنها بلد مصاب بالجنون لتشن حربا ضد روسيا’. فهل أصيب الفريق الحاكم بالجنون ليشن حربا على أوسيتيا الجنوبية يقتل فيها أكثر من 25 ضابطا من قوات حفظ السلام الروسية ومئات المدنيين من هذا الشعب المتحدث بالروسية، والذي لم يقبل بعد دخول الجيش الجيورجي لأراضيه؟ كانت الإدارة الأمريكية الثلاثية (بوش- شيني- رامسفلد) تتحدى العالم باحتلال العراق خارج موافقة مجلس الأمن، عندما رأى مجموعة من الجيورجيين المحافظين إمكانية بناء قوة قومية تتحالف مع المحافظين الجدد والحركة الصهيونية داخل وخارج إسرائيل، من أجل تكرار التجربة الكوبية في القوقاز. فكما استطاع الثوريون الكوبيون، بدعم من ثوريين من أمريكا الجنوبية، إقامة شوكة في حلق الولايات المتحدة الأمريكية، طرح ميخائيل ساكاشفيلي مع مجموعة من المحافظين والموالين لإسرائيل فكرة تسليح حديث لجيورجيا وانخراط مباشر في حلف الناتو، مع طلب انتساب للاتحاد الأوربي لخلق خنجر حقيقي في خاصرة الجار الروسي. الفارق أن كاسترو- غيفارا كانا في صلب حركة ثورية رومانسية، في حين أن ‘فريق جيورجيا القومي’ يحمل مزيجا من الشوفينية والبراغماتية، ويعتمد أكثر على مبدأي السمسرة الإقليمية والمرتزقة الجدد. هكذا تمت التعبئة القومية في ‘ارتياني ناسيونالوري مودسراوبا’ أي (الحركة القومية الموحدة) لمواجهة أخطار تفتيت جيورجيا عبر استقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وظاهرة البطالة المستفحلة التي فاقت ثلث اليد العاملة في البلاد. وكون أي تأييد غير مشروط للسياسة الأمريكية يعني أن الحكومة الموالية ديمقراطية، لم يتوقف أحد عند الممارسات غير الديمقراطية للحكومة القومية الجديدة. بل لم تتابع لجنة حقوق الإنسان في البرلمان قضية تتعلق بوزير الدفاع الحالي حين كان مسؤولا عن الشرطة المالية. الإعلام الغربي قام بعملية التجميل اللازمة للثورة الوردية، وقدم الفريق المحارب الجديد باعتباره حاملا للقيم الغربية وحليفا أكيدا. لم تكن الدولة العبرية بحاجة لدعم مفضوح لهذا المشروع. ففيها أكثر من ستين ألفاً من اليهود الجيورجيين الذين شكلوا أول الهجرات الكبيرة من الإتحاد السوفييتي. قسم منهم اختار تجارة السلاح وشبكاتها السرية والعلنية. كما أن قسما من المهاجرين عاد إلى تبليسي بتوجيهات من المنظمات الصهيونية. يعيش في العاصمة الجيورجية (عدد اليهود في جيورجيا حوالي 12 ألف نسمة اليوم ومع هذا يمسكون بوزارات عديدة أهمها الدفاع والتأقلم). لم يعد سرا وجود الجنرال هيرش، وعدد كبير من الخبراء الإسرائيليين لتدريب القوات الخاصة الجيورجية على نمط تلك الإسرائيلية (سايرت ماتكال). فقد صرح وزير التأقلم، تيمور يعقوبشفيلي: ‘على دولة إسرائيل أن تعتز بخبرائها الذين دربوا الجنود الجيورجيين’. إذن تملك الحكومة الإسرائيلية ورقة ممتازة، ولو أن لعبتها فيها مكشوفة للمخابرات الروسية. فبالإضافة لدورها في المنطقة العربية، تسمح لها علاقة عسكرية مع جيورجيا بامتلاك وسيلة ضغط فعلية على روسيا ذات العلاقة الجيدة مع إيران. هذه ‘الثورة المضادة’، باستعارة تعبير من الأدبيات الاشتراكية لم يعد يستخدم كثيرا، كان يمكن أن تنجح لو لم يكن قوامها مراهقين في السياسة والاقتصاد، ولكن أيضا وقبل ذلك، لو لم تكن الإدارة الأمريكية تسبح في المستنقع العراقي وتتخبط في اللغز الأفغاني وتتراجع في أمريكا الوسطى والجنوبية. من هنا، وبعد عنتريات ميدانية لوزير الدفاع السابق رامسفيلد في 2003، تسير كوندوليزا رايس والرئيس بوش في آخر أيام الإدارة الأمريكية على سياسة تذكرنا بالمثل الشعبي القائل: ‘الكلب الذي يكثر العواء لا يملك أسنانا يعض بها’. موافقة الرئيس الفرنسي ساركوزي على مشروع النقاط الست التي حررت منحازة لروسيا، تعني أن قسما هاما في أوربا لم يعد مقتنعا بمغامرات المحافظين الجدد وأساليبهم. فهي قد تؤدي إلى بلقنة القوقاز باتجاه دول صغيرة ناطقة بالروسية، تشكل حزاما واقيا حول الفدرالية الروسية. خاصة في وقت تسود فيه حكومات جارة معادية في بولونيا وأوكرانيا، تعتبر الإرتهان لسياسة حلف شمال الأطلسي، الدرع العسكري الحامي من الجار الروسي. استعملت القوات الجيورجية نمط الجيش الإسرائيلي القائم على الهجوم الخاطف. في حين لجأت روسيا لإسلوبها التاريخي التقليدي القائم على الكم الذي يخلق النوع. وكون الضحايا في صفوف الأبخازيين والأوسيتيين الجنوبيين من هجمات الجيش الجيورجي كبيرة، يمكن القول أن عودة أية قوات جيورجية من جيش أو شرطة لن تكون موضع ترحيب الإقليمين شبه المستقلين. وبعكس الشيشان، الجيش الروسي هنا مرغوب ومطلوب من السكان. يعطي طلب الإسرائيليين المقيمين بشكل دائم في تبليسي نقلهم بطائرات الشركة الجيورجية للطيران، يعطي هذا الطلب مؤشرات عن مستقبل الصراع. خاصة وأن شركة العال، بالتنسيق مع الوكالة اليهودية وإشراف النائب في الكنيست ليون ليتينسكي، أمنت أيضا وصول يهود غورني إلى العاصمة ونظمت نقل 230 من يهود جيورجيا إلى إسرائيل. فهل دق ناقوس الخطر؟ آخر رئيس للإتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف يدخل على خط التحليل ليقول: ‘الألعاب الجيوسياسية خطرة في كل مكان، وليس في القوقاز فقط’. ولعل هذا الزعيم، الذي أبصر بعينيه انهيار إمبراطورية، يشتم بأنفه حماقة القوى الافتراضية التي خلقتها الهيمنة الأمريكية. فكما كان التهور الأمريكي في العراق مؤشرا لتحجيم القدرة على التدخل العسكري الأمريكي، ها هو التهور الجيورجي يعطي روسيا الفرصة للعودة إلى حلبة السياسة العالمية من موقع المهاجم. يأتي هذا بعد أيام من حضور قرابة 90 رئيس دولة افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين، في استعراض سلمي للقوة الصينية أيضا. كل هذا مع أمريكا لاتينية أعطتها الحرب على الإرهاب فرصة لا تفوت للخروج من مهانة ‘الحديقة الخلفية’ للولايات المتحدة الأمريكية. فهل بالإمكان الحديث عن بداية النهاية لهيمنة القطب الواحد؟ (*) مفكر سوري يقيم في باريس (المصدر: صحيفة ‘القدس العربي’ (يومية – لندن) الصادرة يوم 18 أوت 2008)  


تَعدّد الجلادون والضحية واحدة

         

 
صبحي حديدي (*) أجبرتني مناسبات طارئة على تأجيل الكتابة عن أحد ضمائر عصرنا، الصحافي البريطاني اللامع والشجاع ‘إد فليامي’، صاحب التقرير الشهير الذي نشرته صحيفة الـ ‘غارديان’ بتاريخ 7/8/1992، تحت عنوان ‘عار معسكر أومارسكا’. كان فليامي بين أبرز، وأوائل، الذين سلّطوا الأضواء على معسكر الإعتقال الشهير الذي أقامه البوسنيون الصرب أواسط العام 1992، وكدّسوا فيه المئات من الأسرى المسلمين وبعض الأسرى الكروات، وشهد سلسلة من جرائم الحرب الصريحة، بينها القتل والإغتصاب والتعذيب. وفي حدود ما أعلم، كان فليامي نفسه هو صاحب أوّل تقرير عن فظائع التطهير العرقي الصريحة التي ارتكبها الصرب في البوسنة، في تقرير أوّل حيّ وصاعق بثّته إذاعة الـ BBC البريطانية، قبل أن تنشره الـ ‘غارديان’ في اليوم التالي، على الصفحة الأولى. يوم 27 تموز (يوليو) الماضي، على صفحات أسبوعية الـ ‘أوبزرفر’ البريطانية، عاد فليامي بالذاكرة إلى المواطن البوسني المسلم ‘فكرت عليتش’، الذي تصدّر صورة شهيرة ـ نشرتها وكالة ‘رويترز في مثل هذه الأيام، ولكن قبل 16 سنة ـ سرعان ما شاعت في أربع رياح الأرض. ولقد صار صاحبها شهيراً بين ليلة وضحاها، لأنه انقلب إلى تجسيد بليغ، ولكنه رهيب تماماً، للفظائع والمجازر وجرائم الحرب التي تعرّض لها أهل البوسنة على يد الصرب. كان فكرت يقف خلف الأسلاك الشائكة، في معسكر اعتقال ‘ترنوبولي’، عاري الصدر، وأضلاعه النافرة تكاد تشقّ ما تبقى من جلد على عظام جسده الهزيل، الأقرب إلى هيكل عظمي شاخص. اليوم، يكتب فليامي الذي زار الرجل على سبيل استذكار المناسبة، إستردّ عليتش الكثير من مظاهر إنسانيته، وهو يوفّر ما يستطيع من نقود لاستكمال بيت العائلة في ‘كوزاراش’، ولكنه ما يزال ينتظر مَن يقول له: إغفرْ لنا! صحيح أنّ ‘رادوفان كرادجيتش’، صاحب الأمر بتنفيذ غالبية الأهوال ضدّ مسلمي البوسنة، صار اليوم خلف القضبان؛ ولكن أيّ عزاء لضحية مثل عليتش إذا ما كان مصير 3205 من مواطني البوسنة ما يزال قيد المجهول حتى اليوم، في مدافن جماعية مجهولة على الأرجح، وذلك رغم كلّ ما نُبش منها حتى الآن؟ وبالطبع، كلّ هذا الخسران لم يمنع عليتش من الإحتفال مع صديقه فليامي، حول تفصيل واحد حاسم على الأقلّ: أنهما اليوم في كوزاراش، البلدة ذاتها التي أقسم كرادجيتش على محوها تماماً من خريطة البوسنة، في مثل هذه الأيام من سنة 1992! وفليامي غطّى أمريكا ما قبل هزّة 11/9 وما بعدها (حيث وصف، بموضوعية عالية وصدق حارّ في آن، تلك الجوانب السوداء من الحلم الأمريكي)؛ ثمّ غطى احتلال العراق (وغاص عميقاً في عذابات الحياة اليومية للعراقيين البسطاء في ظلّ الغزو)؛ فضلاً عن جلسات محاكمة ‘سلوبودان ميلوسيفيتش’ (ونقل صورة أخرى مختلفة عن اللقاء الفريد، وجهاً لوجه، بين مجرم الحرب وضحاياه). لكنّ تقريره عن معسكر اعتقال ‘أومارسكا’ قد يظلّ، حتى إشعار آخر، شهادته الكبرى الأبلغ على عصره. آنذاك كتب فليامي انّ المكان (الذي لا يبعد إلا قليلاً عن مرابع ‘فينيسا’ الإيطالية!) ‘واحد من أكثر معسكرات الإعتقال جهنمية في زماننا. إنه المكان الذي يصبح فيه القتل والقسوة وشعائر الإذلال شكلاً من أشكال التسلية الشائهة. الحرّاس سكارى أغلب الأوقات، يغنّون وهم يعذّبون. يضربون الأسرى ويشوّهونهم ويذبحونهم’. وتابع فليامي: ‘ثمة تلك الشهوة العارمة لإجبار السجينات على ممارسة الجنس الشفوي، وإجبار السجناء على ممارسة الجنس مع الحيوانات، وتشويه الأعضاء الجنسية (…) أحد السجناء أُجبر على عضّ خصيتَي سجين آخر كان قد مات عندما حُشرت حمامة في فمه لكتم صرخاته. وفي نهاية حفلات العنف الجماعية هذه ـ والتي كانت تجري في ساحة ضيّقة أو في مبنيَين ملحقَين بالمعسكر، يُدعى الأوّل البيت الأبيض والثاني البيت الأحمر ـ يُجبر أصدقاء الموتى على تحميل جثث أصدقائهم، التي انقلبت إلى جِيَف في الواقع، في شاحنات أو تكديسهم باستخدام البلدوزر’… في ما بعد، سوف تستمع محكمة ‘لاهاي’ إلى شهادات من النوع التالي: يقترب جندي صربي من امرأة مسلمة ويسألها لماذا يبكي طفلها؟ وتردّ المرأة: إنه جائع يا سيدي. وبضربة واحدة بارعة من حربته الحادّة يذبح الصربي الطفل ذبح الخراف ويقول: انتهت المشكلة. إنه الآن غير جائع. جندي آخر يستشيط غيظاً لأنّ الأم تعرّضت لإغماء فوري وتهاوت أرضاً، فيهدد بإجبارها على أكل أمعاء الطفل إذا لم تنهض واقفة خلال دقيقة واحدة. بعد قليل يصل الجنرال ‘راتكو ملاديتش’ إلى مدينة ‘سريبرنيتشا’ المحررة لتوّها من أيدي المسلمين، ويلقي خطاباً في جنوده وفي آلاف المسلمين الذين سيُقادون إلى المذبحة الجماعية أو التهجير القسري. يستعيد ذكرى عصيان صربي ضدّ الأتراك العثمانيين وقع قبل قرن كامل، ويقول: ‘ها قد عادت سريبرنيتشا صربية، واليوم اكتمل ثأرنا’… وبالطبع، ساعة اللقاء بين فليامي وعليتش، لم يكن الأخير قد سمع بما سيتكشف لاحقاً عن الوعد الذي قطعه ‘ريشارد هولبروك’ شخصياً، حين كان المفاوض الأمريكي الرسمي في مباحثات ‘دايتون’، بعدم تسليم كرادجيتش لمحكمة الجزاء الدولية. أم أنه كان يعرف، بالفطرة المحضة، أنه ضحية لأكثر من جلاد خفيّ، غير ذاك الواضح الجلي؟ (*) كاتب سوري مقيم بباريس (المصدر: صحيفة ‘القدس العربي’ (يومية – لندن) الصادرة يوم 18 أوت 2008)  


تفاهم بين حزب الله الشيعي وتيارات سلفية سنية لمنع الفتنة

     

بيروت (رويترز) – وقع حزب الله الشيعي اللبناني وممثلون عن التيارات السلفية السنية في لبنان يوم الاثنين على وثيقة تفاهم تهدف الى منع الفتنة المذهبية بين المسلمين. وأكدت الوثيقة على ‘تنظيم العلاقة بين الطرفين وتنفيس الاحتقان في الساحة الاسلامية’ وشددت على ‘تحريم دم المسلم على المسلم والعمل على منع الفتنة والتحريض ومواجهة المشروع الامريكي – الصهيوني والقضاء على الفكر التكفيري بين السنة والشيعة.’ وجاء في وثيقة التفاهم التي اعلن عنها في مؤتمر صحفي مشترك عقد في بيروت يوم الاثنين ان الطرفين يعتبران ان ‘من شأن التفاهم منع الفتنة بين المسلمين وتعزيز السلم الأهلي والعيش المشترك بين اللبنانيين جميعا.’ وأكد البيان ان التفاهم جاء ‘سعيا لوقف الفتنة وحصر الخلاف بين السنة والشيعة ضمن الاطار الفكري والعلمي… والسعي بجد وجهد للقضاء على الفكر التكفيري الموجود عن السنة والشيعة.’ وكانت البلاد شهدت زيادة في حدة التوتر بين المسلمين الشيعة والسنة بعد سيطرة حزب الله لفترة وجيزة على العاصمة على خلفية الازمة السياسية التي انزلقت الى مواجهات في الشوارع في مايو ايار الماضي وتسببت بسقوط اكثر من 80 قتيلا. وقال رئيس المكتب السياسي في حزب الله ابراهيم امين السيد الذي وقع التفاهم مع الممثل عن التيار السلفي الشيخ حسن الشهال ان التفاهم يهدف ‘ لمعالجة الخلافات أو الازمات من موقع التفاهم ولو المحدود وليس من موقع الخلاف. هذه المنهجية تعني ان نحل عناصر خلافاتنا بالتفاهم لا ان تحاصرنا خلافاتنا.’ ولم تشارك في وثيقة التفاهم شخصيات سلفية منها داعي الاسلام الشهال مؤسس الفكر السلفي. (المصدر: وكالة رويترز للأنباء بتاريخ 18 أوت 2008)  


ابن باديس وأتاتورك

   

        جمال باروت (*) يبدو أن الصراع الاستقطابي الحاد الذي دار ما بين الإصلاحيين الإسلاميين والقوميين العلمانيين (الليبراليين) في مصر خلال العشرية الثانية من القرن العشرين نتيجة فصل الجمعية الوطنية التركية بين الخلافة والسلطنة (نوفمبر1922)، وشرعنة ذلك إسلامياً ببيانٍ فقهي إسلامي نعتبره من أقوى وثائق حركة الإصلاح الإسلامي حمل عنوان: «الخلافة وسلطة الأمة»، هو المسؤول بدرجةٍ أساسيةٍ عن تكوين الصورة «الإسلامية» المشوّهة لمصطفى كمال (أتاتورك) أكثر مما كان مصطفى كمال مسؤولاً عنها. لم يبتدع الفقهاء الأتراك الذين صاغوا هذا البيان صيغة الفصل بين الخلافة والسلطنة بقدر ما أعادوا في ضوء منظور الإصلاحية الإسلامية بلورتها وبناءها كما وقعت في التاريخ الإسلامي فقهاً وواقعاً وتاريخاً ومصلحة، كي يسبغوا الشرعية على قرار الجمعية الوطنية التاريخي بعزل السلطان، الخليفة وحيد الدين الذي بات «أسيراً» في «قبضة الإنجليز» المحتلين، وإلغاء منصب «السلطان» وتحويل سلطاته إلى الأمة ممثلة بالجمعية الوطنية (المنتخبة)، واعتبار منصب الخلافة «روحياً». في هذا السياق كتب الشيخ رشيد رضا أكبر تلامذة «الأستاذ الإمام» محمد عبده، وصاحب «المنار» ورئيس المؤتمر الوطني السوري في عام 1919، الذي كان يعادل الجمعية الوطنية التركية، كتابه الشهير «الخلافة أو الإمامة العظمى» (1923) للرد على الفصل بين الخلافة والسلطنة. لكن أتاتورك كان قد سار بهذه الخطوة إلى نهايتها القصوى، وهو إلغاء منصب «الخلافة» (13 مارس 1924). كان أتاتورك حين اتخذ هذا القرار قد تمكن في عام 1923 من تحطيم اتفاقية سيفر التي كان من شأن تطبيقها «جعل تركيا أثراً بعد عين»، وأرغم الحلفاء على الاعتراف بالميثاق القومي التركي، وأوقد في ذلك جذوة العالم الإسلامي بولادة قيادة إسلامية جديدة له، ونُظر إليه «كخالد الترك الذي يجدد خالد العرب». ولم يكن يعلن في إلغاء منصب الخلافة سوى ما هو قائم بالفعل. وفي هذا السياق أصدر الشيخ الأزهري علي عبدالرازق، عضو «هيئة كبار العلماء»، كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم»، ثم تلاه كتاب طه حسين المدوي «في الشعر الجاهلي» (1926). واحتدمت معركة «الخلافة» التي أدارها البريطانيون، ولم تتمخض عن تنصيب خليفة جديد لكنها تمخضت عن تشكيل النواة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين. يبدأ هنا تاريخ معقد آخر، لكن ما يهمنا منه هو محاولة «تسويد» صفحة أتاتورك، والتي طغت على طريقة تقديم مؤرخي وأصحاب الرأي في الحركة الإسلامية لمصطفى كمال وحيثيات إلغائه للخلافة لاحقاً وربما حتى الآن. وتحضر في هذه الطريقة صورة كاذبة مشوهة غير حقيقية بالمرة لأتاتورك تجعل منه «متآمراً» بالتعاون مع الأجنبي للقضاء على الخلافة، وهو الذي حطم «الأجنبي» و «أذله»، وحقق وحدة بلاده واستقلالها. من حاول أن يكسر هذه الصورة لم يكن سوى الشيخ العظيم عبدالحميد بن باديس الذي كان قد أسس عام 1830 جمعية العلماء المسلمين في الجزائر عشية احتفال فرنسا بمرور مائة عام على احتلال الجزائر. تحول ابن باديس إلى «أبو الأمة» و «النهضة» في الجزائر. اصطدم بـ «الطرقيين» على غرار اصطدام قادة حركة الإصلاح الإسلامي في المشرق والمغرب بهم. كان نفسه في عداد هؤلاء القادة، ولكن في شروط احتلال الجزائر ومحاولة «فرْنستها». وجمع ابن باديس بين روح محمد عبده الإصلاحية ولاهوتية التحرير الأفغانية. ولا ريب أنه من أعظم ممثلي لاهوتيي التحرير في الوطن العربي في القرن العشرين. حين توفي أتاتورك عام 1938، كان ابن باديس الشخصية الإسلامية المؤثرة الوحيدة التي أعادت الاعتبار إليه. وهذا شيء لا يحب لا الإسلاميون الجزائريون ولا المشارقة ومن هم في عداد مؤرخيهم أن يستذكروه أو يتوقفوا عنده. سدد ابن باديس حساباته مع حكاية «الخلافة»، ولم يتردد في التأكيد على أن «خيال الخلافة لن يتحقق، وأن المسلمين سينتهون يوماً -إن شاء الله- إلى هذا الرأي»، بل وذهب إلى أنه لم يتوله سوى «شخص واحد في صدر الإسلام وزمناً بعده على فرقة واضطراب، ثم قضت الضرورة بتعدده في الشرق والغرب، ثم انسلخ عن معناه الأصلي وبقي رمزاً تقديسيا ليس من أوضاع الإسلام في شيء»، و «رمزاً للخلافة الزائفة». وينسف ابن باديس مرجعية «أهل الحل والعقد» للسياسة، قاصراً مرجعيتها على الوظيفة «الدينية البحتة» دون تدخل في الحكومات ولا تدخل منها. استعاد ابن باديس ذلك كله في لحظة وفاة مصطفى كمال، وتحدث عنه وليس عن الأتاتوركية التي ستستكمل تبلورها وشيخوختها لاحقاً، ووصفه بأنه «أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث» و «عبقري من أعظم عباقرة الشرق الإسلامي كله» و «محيي الشرق الإسلامي كله». وتساءل باستنكار عن الإسلام الذي تحويه «الكليتات» (العمائم)؟، ووضع في عدادها «خليفة المسلمين، وشيخ إسلام المسلمين.. وشيوخ الطرق المتصوفين» الذين أقصاهم مصطفى كمال، ووضع للشرق الإسلامي على حد تعبيره أساس «تكوين جديد». رحل ابن باديس عام 1940 تاركاً ما تركه من تأسيس عظيم، وفي عوارض هذا التأسيس كان قد خرق تنميط أتاتورك في «صفحة سوداء» ليكشف على وجه التحديد ما تمّ طمسه، وهو صورة مصطفى كمال بطل استقلال تركيا وحريتها ونهضتها، وهو الكشف الذي لا يحبه كثير من الإسلاميين إما جهلاً أو تجاهلا. (*) كاتب سوري (المصدر: صحيفة ‘العرب’ (يومية – قطر) الصادرة يوم 18 أوت 2008)

 

Home – Accueil الرئيسي

Lire aussi ces articles

9 décembre 2004

Accueil   TUNISNEWS   5 ème année, N° 1664 du 09.12.2004  archives : www.tunisnews.net سجين الرّأي عبد الحميد الجلاصي يشن إضرابا عن الطعام

En savoir plus +

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.