TUNISNEWS
6 ème année, N° 2091 du 11.02.2006
المؤتمر من أجل الجمهورية: بيان حول الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت في بعض صحف الدانمرك والنرويج
العربية.نت: تونس تصادر مجلة « المرأة اليوم » بسبب إشارتها إلى مرض رئيس البلاد
رويترزر: امسفيلد يصل الى تونس في بداية جولة في شمال افريقيا أخبار تونس:بن علي يستقبل رامسفيلد – تأكيد على موقف تونس الثابت في مقاومة كل أشكال التطرف والإرهاب أخبار تونس: دونالد رامسفيلد: » تونس صوت الاعتدال والتسامح »
أخبار تونس: بيان مجلس النواب حول الرسوم المسيئة للرسول الكريم الشروق: التونسيون وجريمة الإساءة للرسول:استنكار وتنديد… وتحذير من العنف ومن صراع الحضارات
قدس برس: آلاف المتظاهرين المغاربة يطالبون بقانون دولي يحمي قداسة الأديان
17 منظمة حقوقية عربية ودولية تحذر من تزايد انتهاكات حرية الرأي والتعبير مرسل الكسيبي: هل يعطل تسونامي الرسوم قضايا الاصلاح الداخلي؟ برهان بسيس : حين تفسد البوصلة آمال موسى: حتى لا تنقلب أدوار الإعلام
الهادي بريك: التضحية والفداء شرطان للنهضات الكبرى
مواطن: حماس بعـيـون عربيـة د. عبد الوهاب المسيري: الانتخابات الفلسطينية وهزيمة العقل الإسرائيلي
محمد كريشان: العبّارة المصرية: تحقيقاتنا الوهمية د. عبدالله تركماني: الأنموذج الإسلامي التركي والإستراتيجية الأمريكية برهان غليون: الانجرار وراء الحرب الحضارية ليس مصلحة إسلامية
محمود المبارك: نظرة قانونية في حرية التعدي على الأديان أحمد دعدوش: الإعلام الفضائي العربي: العلمانية في قعر ديارنا!
Pour afficher les caractères arabes suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe ( Windows ) To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic (Windows). |
من عميد المحامين التونسيين الى عناية السادة القائمين على موقع « تونس نيوز » الالكتروني.
رد هيئة تحرير تونس نيوز:
1- نشكر السيد العميد المحترم على اهتمامه ومراسلته.
2- نؤكد للسيد العميد ولجميع السادة المحامين والقراء الكرام أننا أقدمنا – كعادتنا – على نشر النص كما وصلنا دون أن نضيف إليه أي شيء من عندنا نظرا لأننا تلقيناه من نفس المصدر الموثوق الذي تعود على إبلاغنا بأمانة ودقة مستجدات الأمور حول شؤون سلك المحاماة والعدالة عموما.
3- نعبر عن أسفنا لأي إشكال أو إزعاج قد نجم عن نشرنا للملاحظة التي صاحبت النص ونؤكد للجميع وللمرة الألف أننا ننأى بأنفسنا وبإصرار عن أي شكل من أشكال التوجيه أو التسييس لأن ذلك يناقض الأسس التي بنينا عليها مشروعنا منذ انطلاقته الأولى في عام 2000.
تونس تصادر مجلة « المرأة اليوم » بسبب إشارتها إلى مرض رئيس البلاد
رامسفيلد يصل الى تونس في بداية جولة في شمال افريقيا
الرئيس زين العابدين بن علي يستقبل السيد دونالد رامسفيلد
تأكيد على موقف تونس الثابت في مقاومة كل أشكال التطرف والإرهاب
» تونس صوت الاعتدال والتسامح »
درس سبل دعم العلاقات الثنائية وفرص دفع التعاون بين البلدين
بيان مجلس النواب حول الرسوم المسيئة للرسول الكريم
استنكار وتنديد… وتحذير من العنف ومن صراع الحضارات
آلاف المتظاهرين المغاربة يطالبون بقانون دولي يحمي قداسة الأديان
17 منظمة حقوقية عربية ودولية تحذر من تزايد انتهاكات حرية الرأي والتعبير
بسم الله الرحمن الرحيم
تقرير من ألمانيا-خاص
هل يعطل تسونامي الرسوم قضايا الاصلاح الداخلي؟
مرسل الكسيبي
مازال زلزال الرسوم الكاريكاتيرية وتوابعه يلقيان بثقلهما على اهتمامات صحف العالم ووسائل اعلامه ,ولم يكن مشهد الاعلام الألماني هو الاخر خارجا عن هذا الاتجاه العام المهيمن على مناشط التغطية الاعلامية العالمية,حيث عادت الصحف الألمانية لتعلق بكثافة على الاحتجاجات التي عمت العالم الاسلامي بعد نشر الصور الساخرة من شخص النبي محمد عليه أزكى الصلاة والتسليم
الحدث الذي نشط هذا النقاش الاعلامي الدائر حول حدود حرية الاعلام وخطوط تماسه في علاقتها بالمقدس الديني ورموزه ,كان بلاشك النقاش الذي دار يوم أمس الجمعة العاشر من فبراير2006 تحت قبة البرلمان بالعاصمة برلين في حضور لافت لممثلي الجمعيات والأقلية المسلمة التي يقدر عدها بأكثر من ثلاثة ملايين حيث دفع هذا الحدث الكثير من الصحف الى القاء الضوء على البعد المسكوت عنه في عملية الاحتجاج الواسعة التي هب لها الشارع العربي والاسلامي
و كان البعض من الصحف الصادرة هذا اليوم السبت 11 فبراير 2006 قد دعى الغرب الى التعقل والتهدئة وضرورة تجنب الوقوع في فخ نظرية صدام الحضارات كما هو شأن صحيفة فورتزهايمر تسايتونغ التي أوردت في نصها مايلي « نصحية جيدة للغرب بأن يقوم بتهدئة الأوضاع بدلا من ترك نفسه لحرب حضارات خطيرة. و مع أن التشبث بحرية الرأي أمر صائب لكنه وحده لا يقود إلى شئ. وبالتدريج سيتحتم انتصار وجهة النظر القائلة بأن مبدأ جديدا يقوم على الشراكة من أجل التعاون الاقتصادي والعسكري بين الغرب والدول الإسلامية على المدى الطويل هو أفضل استثمار في وقت السلم والحرية، كبديل عن بناء الأسوار العالية واستخدام قوات مكافحة الإرهاب لـتأمين الأوضاع القائمة في الغرب. »
أما البعض الاخر فقد بدى أكثر توغلا في عمق المشهد العربي والاسلامي حيث لفت النظر في ملاحظة رشيقة الى أن البعض من حكومات المنطقة يحاول أن يجير المسألة لصالحه قصد التغاضي عن حالة الاحتقان السياسي الداخلي وبالتالي تعطيل أو تأجيل قضايا الاصلاح وفي هذا السياق أوردت جريدة نويه راين
تسايتونغ الجمل الاتية
« الدول نفسها التي تحرم مواطنيها من أشكال أساسية من حقوق الإنسان وتحارب المعارضة الإسلامية المتعصبة في بلادها تقوم هي نفسها بتعبئة مواطنيها للخروج إلى الشوارع، كما أنها تستنكر الرسوم الكاريكاتيرية بهدف إبعاد الانظار عن مشكلاتها الخاصة. »
كما أبرزت نفس الصحيفة تعليلا لافتا وشجاعا حول الأسباب الكامنة وراء حدة ردة الأفعال الواقعة في الشارع الاسلامي فكان أن انتبهت الى أن الاتهامات الشرسة التي تعرض لها المسلمون في مختلف أنحاء العالم بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الأسود بالولايات المتحدة كانت وراء ردود الأفعال المرصودة على مدار الأسابيع الأخيرة « …إن الاحتجاجات المستمرة هي أيضا رد فعل على كل المحرضين في الغرب الذين يحاولون منذ وقوع اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر يحاولون وضع المسلمين موضع اتهام جماعي بالتحريض على الإرهاب »
ومن الأشياء التي وقفت عندها صحيفة راين تسايتونغ الجديدة مسألة ضياع أمجاد المسلمين العلمية والسباسية والثقافية… وماخلفته من شعور بالاحباط والرغبة في اثبات الذات من خلال التظاهر في أكثر من عاصمة اسلامية « و في شوارع دمشق وبيروت وجاكارتا يتعلق الأمر بما هو أكثر من رسوم الكاريكاتير، إذ أن الأمر يتعلق بكابوس العالم الإسلامي الذي يبكى على تفوق ضاع منه في العالم ويشعر بأن الغرب يتجاهله ويحتقره ويسخر منه. »
وعلى العموم واذا كانت أزمة الرسوم قد أحدثت زلزالا له توابعه في أكثر من عاصمة عربية واسلامية وعالمية فان مسألة الاصلاح الاعلامي بما يحترم قداسة كثير من الرموز الدينية قد بدأت تشق طريقها الى نقاشات رجال السياسة والاعلام في أكثر من بلد غربي ,وفي مقابل ذلك فان موضوع الاصلاح السياسي الداخلي في البلاد المشرقية ذات الانتماء الاسلامي بدأ هو الاخر يلقي بظلاله على نقاشات الاعلاميين الغربيين الذين حذروا من أن تستغل بعض الحكومات هذه الأزمة كي تجهض مطالب الاصلاحيين والمعتدلين بضرورة الخروج من نفق الانغلاق نحو مسار التحرر والانعتاق والمشاركة السياسية الواسعة التي تؤمن المنطقة من الانحراف والتطرف والغلو الذي يهدد الأمن والاستقرار العالمي
مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي مقيم بألمانيا
11-02-2006
الموافق ل12 محرم 1427 هجري
حين تفسد البوصلة
(المصدر: ركن « البعد الآخر » بجريدة الصباح الصادرة يوم 10 فيفري 2006)
حتى لا تنقلب أدوار الإعلام
الهادي بريك
الهجرة النبوية الكريمة من مكة إلى المدينة يمكن أن تسمى بحق مشروع نهضة إسلامية كبيرة حولت الاسلام ودعوته من مواطن الضعف إلى القوة ومن الذلة إلى العزة ومن القلة إلى الكثرة ومن الضيق والاكراه إلى الحرية .
تلك النهضة الاسلامية العظمى ما كانت لتقوم لولا إحتشاد عوامل كثيرة معروفة وتوفر شروطها ومنها درسنا اليوم وهو أن التضحية العملية والفداء الميداني شرطان أساسيان في تلك النهضة .
لم يرد في القرآن الكريم بأسره تقريبا ذكر للايمان إلا مقرونا بالعمل الصالح وعلى ذلك المنهج الذي لا يفصل بين الايمان وبين العمل الصالح معتبرا أن هذا ثمرة يانعة طيبة لذاك سارت الخلافة الراشدة وكل النهضات الاسلامية العظمى في تاريخنا الاسلامي الثر الخصب وفي الاثناء ظهرت فرق تهون من دور العمل تهوينا شديدا فيما عرف بالارجاء وشعاره » لا تضر مع الايمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة » وهي عقيدة عوقت مسيرة النهضة الاسلامية كثيرا وظلت للاسف الشديد مصاحبة لاوسع قطاعات الامة إلى يومنا هذا فإذا أضفت إلى ذلك المعوق العقدي الكبير بؤرة أخرى مفادها أن العمل الصالح عند تلك القطاعات الواسعة من المسلمين لا يتعدى الفرائض الدينية التعبدية المعروفة إلى عمارة الارض وكرامة الانسان والقيام بأعباء الخلافة التي إنتدب لها سبحانه الانسان تفضيلا له على الملائكة والجن … كانت الحصيلة سيئة بكل المقاييس والموازين .
موئل ذلك كله هو أن قيمة العمل في عقيدة الانسان المسلم محددة جدا لمصيره في الدارين : هنا وهناك واليوم وغدا . التهوين من قيمة العمل يفضي اليوم إلى الفقر والجوع والمرض والجهل وكل ذلك يؤدي إلى الاحتلال والاستعباد والاستلاب وليس الحال يختلف عن مصير التهوين منه غدا حتى قال سبحانه » وقل إعملوا فسيرىالله عملكم ورسوله والمؤمنون » وقال لفاطمة عليها الرضوان » إعملي يا فاطمة فإني لا أغني عنك من الله شيئا » .
علي كرم الله وجهه سيد الفدائيين في الاسلام :
كان يمكن له عليه السلام أن يوهم المشركين المحاصرين لبيته يطلبون رأسه بأنه نائم على فراشه لم يلذ بالفرار وله في ذلك ألف حيلة وحيلة لا بل كان يمكن للوحي الكريم أن يعمي أبصارهم كما فعل بهم عليه السلام رميا بالتراب لحظة خروجه ويعفي في المقابل عليا من خطر محدق لا بل كان بوسعه عليه السلام أن يأمر صحابيا آخر ينوب عنه في فراشه وعشرات طوع بنانه . فلم كانت قيمة الفداء حاضرة إذن ولم كان عليا بالتحديد ؟
كان علي عليه الرضوان لانه منه بمنزلة الولد من والده والاولى أن يضحي بأقرب الناس إليه رحما لان ذلك أوقع في صدقية الدعوة من جهة وأحرج لقريش أن تغتال قرشيا مكينا من ذرية إبن عبد المطلب من جهة أخرى .
وكانت قيمة الفداء حاضرة يومها ليعلم الناس ــ ونحن من أولئك الناس الذين وصلت إليهم الرسالةــ أن المشاريع الكبرى والنهضات العظمى لا تقوم سوى على العمل وليس مجرد العمل بل العمل الذي يصل حد الموت والفداء والتضحية بالنفس والمال وتلك هي حقيقة الجهاد في الاسلام .
يساق ذلك في مقابل نظريات تجريدية موغلة في التأملات العقلية التي لا تقدم بصاحبها ولا تؤخر من مثل الفلسفات الاغريقية القديمة التي لم تكن بعيدة عن المسلمين كثيرا خاصة بعد عقود قريبة قادمة تلت الخلافة الراشدة .
عظمة الاسلام تكمن في كونه يوازن بين كل طرفين وفي هذا المضمار لا يهمل الاسلام النظر العقلي بالكلية بالرغم من أنه يحدد له إطارا ذهنيا يعفيه من التأمل فيما لا يكنه له شيئا من مثل الغيبيات كما أنه تكاملا مع ذلك يركز على قيمة العمل لتحويل كل فكرة صالحة قيمة نافعة إلى حياة محسوسة ملموسة يجد الناس بردها وثراها . ثم يظل التفكير الاسلامي مهتديا بذلك الاطار الجامع بين التأمل العقلي والعمل الميداني .
قيم العمل ومعاني الفداء ومثل التضحية وما تقتضيه من صبر كفيلة بجمع الناس على الدعوة :
أول دروس الحياة بين الناس تقول لك بصراحة منقطعة النظير بأن الناس عادة لا يجتمعون على دعوة حتى يطمئنوا إلى فعلها الواقعي في حياتهم وإلى إيمان أصحابها بها ويقينهم فيها وإخلاصهم لها وصدقهم فيما يدعون إليه .
ذلك درس بليغ صحيح ترشد إليه كل توجهات الرأي العام في الشرق والغرب وقديما وحديثا ولم تمت دعوة أبدا سوى بسبب إهمال أهلها لها تعزيرا بالعمل أو غشا في الاخلاص أو لانفضاض الناس حولها بحكم طرقها لقضايا لا تهمهم من قريب .
أجل قد ينقلب عليها الناس لجدتها وحداثتها وعدم إيلافها ومن طبيعة الانسان عادة إلف القديم وطرد الجديد وقد يملأهم الاستهجان لها ولكن كل ذلك لا يمكن أن يتعدى فترة التجربة الضرورية من لدن أولئك المهتمين ولو إهتماما سلبيا جدا فإن صبر أهلها عليها صبرا جميلا فإن الناس يقبلون معجبين وسرعان ما يتحولون إلى أهل خلص لتلك الدعوة .
الصديق عليه الرضوان مثال للغني الذي أفقره الاسلام :
معلوم أنه عليه الرضوان كان من أغنى الناس في مكة فضلا عن رجحان عقله مثله مثل إبن عفان وإبن عوف وغير أولئك كثر فلما إنضم إلى قافلة الدعوة وكان أول من إنضم من الرجال ظل ينفق من ماله الوفير حتى جاء يوم الهجرة ــ أي بعد عشرية واحدة كاملة من المعاناة المريرة رغم ماله وجاهه في قريش ــ فلم يجد ما يرضي به أباه أبا قحافة ــ ذلك الاعمى الذي عز عليه أن يهاجر إبنه بعيدا عنه دون أن يترك لاهله شيئا ــ سوى صرة حملتها بين يديه المرتعشتين حفيدته أسماء تجعله يتلمسها بنفسه وتوهمه بأنها مملوءة دراهم وماهي سوى حصيات جمعها الصديق عليه الرضوان في تلك الصرة لحاجة في نفسه قضاها .
لك أن تتصور ذلك المشهد مليا . أجل إستحضر صورة رجل ثري من مثل أبي بكر عليه الرضوان وفوق ثرائه هو معروف بوجاهته بين القوم … يسلم ويظل ينفق في سبيل إسلامه في ساعات عسرة على مدى عشرية كاملة فلما يحتاج لماله لينفق منه على هجرته ويترك منه لاهله ما يأكلون ويشربون ويلبسون ولا يتعرضون لاذى قريش وشماتتهم ونكايتهم لا يجد منه شيئا سوى حصيات من حجر يجمعها بنفسه ليكذب بها على أبيه .
تمثل ذلك مليا لتدرك معنى من معاني التضحية والفداء في سبيل الدعوة الاسلامية .
تمثل ذلك مليا لتعرف مدى حقارة كثير من الناس اليوم لا ينفقون في سبيل الدعوة الاسلامية شيئا من أموالهم وجاههم ووقتهم وفكرهم فإذا إنتصب سوق الدعوة مغريا سبقوا كل أحد إليه ولو شاء واحد منهم لاغنى الدعوة الاسلامية المعاصرة بكل مؤسساتها ودعاتها ولحجز لها في المعارك الدولية من منازل الصدارة ما شاء أن يحجز بماله وجاهه .
تجد في مقابل أولئك جنود الخفاء في حلقات الدعوة الاسلامية المعاصرة شعث غبر لا يؤبه لهم لا يملك الواحد منهم طمرا يستر به عورته تتدافعهم الايدي والابواب لا ترحب بهم موائد الكبراء من الفريق الاول حتى على فتاتها الزهيد … وما بواحد منهم عاهة من فقر سوى أن فرائض الاسلام ودعوته أفقرته بعد غنى » يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا « .
يكذب الفريق الاول المنتسب زورا إلى الدعوة الاسلامية كذبا صراحا بواحا غير حيي ولا ندي أما الفريق الثاني وعلى رأس إمامته الصديق عليه الرضوان فيضطره الفقر بعد غنى ليكذب في مصلحة الاسلام ودعوته بل ويأمر إبنته أسماء بالكذب على جدها فنعم الكذب ونعم الكاذب وشتان بين كذب وكذب وكثيرا ما يشترك الناس في الاسماء ويختلفون في المسميات .
قمة التضحية والجهاد أن تخرج من مالك ووطنك وأهلك مهاجرا إلى الله ورسوله :
قرن سبحانه بين القتل وبين الاخراج من الديار قسرا فقال » ولو أننا كتبنا عليهم أن إقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم » وذلك لان الاخراج من الديار والاموال والاهل والاوطان قتل معنوي لولا أن الله سبحانه أمر به طردا للفتنة وإيثارا للحرية والدار الاخرة ثم ثبت المهاجرين عليه بالسكينة والطمأنينة واليقين والامل في العودة .
ليس يسيرا أن يطلب من الصحابة الكرام يومها أن يتركوا الاموال والاهل والاوطان والديار ويخرجوا إلى المدينة التي تبعد نصف ألف ميل عن مكة أي مسيرة شهر تقريبا أو أقل من ذلك بقليل في زمن ليس فيه أدنى إمكانية تواصل مع الوطن السليب مكة .
لم يكن الامر يسيرا لانه كان يومها فرضا مفروضا ولم يكن يسيرا لان الله سبحانه فطر الانسان على حب البقاء والهجرة والسفر مظنة هلاك أبدا ولذلك يودع المسافر أهله ويوصي بما يريد أن يوصي ولم يكن يسيرا لان الموطن الاصلي أضحى بمنزلة فلذة الكبد من الانسان فلا تمحى من صورته أبدا ذكريات الطفولة وأطلال الصبا ولم يكن يسيرا بصفة أخص للاغنياء الذين تركوا أموالا طائلة ودورا ونعما ثم يؤمر الواحد منهم بإقتحام المجهول فإن وصل عاش متسكعا فقيرا يضطر لجعل يده سفلى ولم تكن أبدا في مكة سوى عليا .
لم يكن الامريسيرا بكل المقاييس الفطرية والغريزية والاجتماعية والاقتصادية .
لك أن تتمثل مرة أخرى ذلك المشهد العالي من مشاهد التضحية والفداء .
لم يكن أبدا عليه السلام يعدهم بسرعة رجوع إلى مكة بل إلى مجرد عود إليها فضلا عن إصابة مال بالمدينة أو بالحبشة بل لم يكن يعدهم سوى بالجنة ولذلك غرس فيهم الاخلاص الصحيح منذ البداية فتعالت نفوسهم وتطهرت صدورهم وصاموا عن شهوات الدنيا كما يفعل الصائم لساعات معدودات في يوم صومه .
تلك سنة ماضية تنطق بأن الاعمال الكبرى والمشاريع العظمى وحركات النهضة الاسلامية لا بد لها من الارتكاز على رجال ونساء يستهينون بالخطوب ويقدمون التضحيات ويفدون الاسلام ودعوته بكل غال ونفيس راضية نفوسهم لا يرجون سوى مرضاة الرب الجليل فإن أصابهم بخير في الدنيا فهو عاجل بشرى ونعيم مؤقت وإن صب عليهم العذابات في السجون والمنافي حتى قضوا فلا يبخسون أجرهم .
سنة ماضية ناطقة بأن الاسلام ينتصر بالمجاهدين الحقيقيين المخلصين بالمال والنفس والوقت والفكر والعمل الذي لا يحقر منه شئ أبدا أما الذين لا يحسنون سوى التفرج من على الربوات يتتبعون العثرات ويحصون الكبوات ويتعقبون السكنات والحركات … أولئك لا تنتصر بهم دعوة حتى لو ملؤوا الدنيا صياحا وعويلا .
حمـــــاس بعـيـون عربيــة*
الانتخابات الفلسطينية وهزيمة العقل الإسرائيلي
العبّارة المصرية: تحقيقاتنا الوهمية
محمد كريشان (*)
وأمر سيادة الرئيس بفتح تحقيق فوري في الحادث لتحديد ملابسات ما جري ومنع حدوثه في المستقبل ، تكاد تكون هذه الصيغة النموذجية الموحدة في كل مرة تقع فيها كارثة ما في بلادنا العربية ثم لا نسمع شيئا أبدا عن نتائج هذا التحقيق، وبالطبع لا شيء أيضا عن تحديد مسؤوليات أو محاسبة مقصرين أو مهملين، ويخشي أن يتكرر ذات السيناريو المشؤوم مع مأساة غرق العبارة المصرية السلام 98 الذي ذهب ضحيتها ألف بني آدم تقوم الدنيا ولا تقعد بشأنهم في دول تحترم مواطنيها أولا وتقدس الذات الإنسانية والروح البشرية قبل كل شيء.
كوارث عديدة في السنوات القليلة الماضية في مصر سواء في مجال النقل كسقوط طائرة وحريق قطار وغرق عبارة من قبل أو حريق بمسرح في عرض كبير دون أن نسمع لاحقا، وبالهالة الإعلامية التي نري هذه الأحداث بها جديرة، عن نتائج تحقيق مدوية كشفت بصراحة وصرامة عن تقصير في كذا وإهمال في كذا وربما في فساد في كذا يتحمل مسؤولياته الجنائية فلان وفلان ومسؤوليته السياسية فلان وفلان.
لم يحدث هذا في مصر ولم يحدث في غيرها للأمانة حتي لو كان الأمر متعلقا بحوادث محددة وليس كوارث كبري فإلي حد الآن مثلا لا يعرف من سرق ونشا عملاقا اختفي من القاهرة عند حفر أنفاق المترو في الثمانينات وإلي الآن ما زال التونسيون ينتظرون نتائج التحقيق في اغتيال القيادي الفلسطيني البارز خليل الوزير (أبو جهاد) في ضاحية سيدي أبو سعيد في نيسان (ابريل) 1988 في وقت ما زالت تتردد من حين إلي آخر إشاعات لا احد يعلم مدي صدقيتها عن تورط هذا أو ذاك من المسؤولين السابقين.
يحدث هذا في وقت نعمد فيه غالبا، إذا ما صادف أن رأي تحقيق ما النور، إلي أحد أمرين: إما تقديم رواية ضعيفة ومهزوزة للمصيبة التي حدثت وإما البحث المتسرع عن كبش فداء تمسح علي صوفه الوفير كل العثرات والثغرات قبل أن ينحر بكل بساطة دونما قناعة كبيرة لدي أوسع فئات الشعب بأن ما توصل إليه من نتائج يمكن أن تشفي غليل قوم مظلومين. ولعل السبب يعود في معظم الأحيان إلي أن تركيبة لجنة التحقيق توشي منذ البداية أن من فيها ليسوا بتلك المكانة الأدبية والشخصية التي توحي بالثقة في النزاهة أو الجسارة أو كلتيهما.
فليس من السهل أبدا أن تخلص عندنا لجنة تحقيق ما إلي أن المسؤولية يتحملها هذا الجهاز أو ذاك إن كان يتبع مباشرة قمة هرم السلطة التنفيذية أو أن فلان الفلاني هو المسؤول عن هذا الإهمال أو التقصير أو التواطؤ إن كان صاحبنا من المحميين والمرضي عنهم سواء من الرئيس أو الملك أو الأمير أو من عائلاتهم وأصهارهم وحوارييهم ومراكز النفوذ المتحلقة بهم جميعا أو ببعضهم فمبدأ أن القانون يعلو ولا يعلو عليه لا مكان له عموما في هذه الأوساط التي لا تراعي إلا الولاء وتشابك المصالح وتبادل المنافع.
وحتي نعود إلي مصر التي منها بدأنا فقد أعلن مجلس الشعب أنه شكل لجنة تحقيق وقد توجه فعلا بعض نوابه إلي ميناء سفاجا لجمع بعض المعطيات الأولية. إنها فرصة ذهبية نادرة ليخرج من هذا المجلس ما لا يمكن أن يخرج من غيره وفي ذلك قد تكون شهادة غير مسبوقة لتحمل مسؤولية تمثيل الشعب وضميره حقيقة وليس زورا أو بهتانا.
(*) صحافي تونسي
(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 8 فيفري 2006)
الأنموذج الإسلامي التركي والإستراتيجية الأمريكية
د. عبدالله تركماني (*)
استفادت الإدارة الأمريكية من تجربة الزعيم التركي الإسلامي أربكان، التي أيقظتهم علي واقع جديد في عقر دار حليفهم الاستراتيجي، فاخذوا يراقبون الوضع في تركيا باهتمام شديد، ولفت انتباههم النجم الصاعد في سماء السياسة التركية زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان. فمن خلال لقاءاته المتكررة مع الزعيم الإسلامي لعب السفير الأمريكي في تركيا دورا مهما في تقليص قلق حكومته من تصاعد نفوذ الإسلاميين في تركيا، وكان مجمل الانطـــباع الذي تكـــون لديه عن أردوغان أنه إســـلامي عصـــري يمكن التعامل معه.
وجاء التحذير الذي وجهته الإدارة الأمريكية إلي قادة المؤسسة العسكرية التركية من مغبة استصدار قرار قضائي بمنع حزب العدالة والتنمية من المشاركة في الانتخابات، ليظهر للأتراك أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، حليف تركيا الأول، لا تمانع، وربما ترغب لأسباب تتعلق بالأجندة الأمريكية الخاصة بالمنطقة وبقضية الحرب علي الإرهاب، في وصول الإسلاميين المعتدلين إلي السلطة.
إذ أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تطمح إلي مخزون بترول بحر قزوين الهائل والذي يقع أغلبه في أراضي دول آسيا الوسطي الإسلامية، والتي كانت الحرب في أفغانستان ليست بعيدة تماما عن تكتيكات هذه الاستراتيجية. ومن المؤكد أنّ تركيا، ذات الطابع الإسلامي، ستشكل قوة جذب في هذا المجال وتساعد علي تنفيذ المخطط الاستراتيجي الأمريكي، بعيدا عن الأطماع الروسية التي ما زالت تحاول ممارسة التأثير علي هذه المناطق. كما أنّ الحزب الإسلامي التركي يشكل حلا مثاليا لتهديدات الإسلام الأصولي من ناحية، والاتجاهات العلمانية المتشددة في الأطر القومية أو الوطنية من جهة أخري.
كما أنّ العلاقة التركية ـ الإسرائيلية صورة أخري بالغة الأهمية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية، التي تري الشرق الأوسط بصورته الموسعة التي تشمل تركيا وإيران إلي جانب ما يسمي بالدول الشرق أوسطية، فتركيا هنا ستكون الدولة ذات الطابع الإسلامي التي قبلت التعامل مع إسرائيل بدون عراقيل داخلية مزعجة، وسوف لا يكون هذا التعامل في حاجة إلي إثارة جديدة، فهو أمر مسبوق ومن الصعب أن تثار ضده معارضات بعد أن استقر في السياسة التركية لأمد طويل. وهذا الإسلام السياسي المعتدل من الممكن أن يكون أنموذجا للتطبيق في الكثير من الدول الإسلامية، وبصفة خاصة الواقعة في ما يسمي بالشرق الأوسط.
وقد يكون مفاجئا أن نعرف أنّ صموئيل هنتنغتون، الداعية الأكبر لحرب الحضارات، خصوصا الحضارتين الغربية والإسلامية، هو في الوقت نفسه الداعية الأكبر لعودة تركيا إلي تزعّم العالم الإسلامي. ففي كتابه صدام الحضارات يطرح نظرية الدول الممزقة التي تستند إلي مقولة وجود دول ضائعة الهوية (مثل روسيا والمكسيك وتركيا) لا تعرف إلي أية حضارة تنتمي، ولذا فهي ممزقة. ولكي تعيد هذه الدول تحديد هويتها الحضارية بنجاح، يجب أن تتوافر، حسب هنتنغتون، ثلاثة معطيات: أولها، أن تكون النخبة السياسية والاقتصادية داعمة ومتحمسة لمثل هذه الخطوة. وثانيها، أن يكون الشعب مستعدا علي الأقل للخضوع إلي إعادة تعريف الهوية. وثالثها، أنّ العناصر المهيمنة في الحضارة المستضيفة، وهي في معظم الحالات الغرب، يجب أن تكون مستعدة لاحتضان هذا التحول.
بالنسبة إلي تركيا الشرطان الأولان متوافران، فالنخبة التركية متحمسة منذ ثلاثة أرباع القرن لجعل بلادها دولة أوروبية غربية بالكامل. والشعب التركي يؤيد الانضمام إلي الأسرة الأوروبية، إن لم يكن لأسباب إيديولوجية ـ حضارية فلمبررات اقتصادية.
بيد أنّ الشرط الثالث والأهم، وهو استعداد الحضارة الغربية لاحتضان تغيير الهوية التركية، غير متوافر البتة. وهو متأكد من أنّ تركيا ستبقي دولة ممزقة إلي أجل غير محدد.
ولا مخرج، برأيه، سوي إدارة تركيا ظهرها للحضارة الغربية، لتعاود ثانية لعب دورها كقائدة للعالم الإسلامي.
والسؤال هو: هل يؤدي قلق الإدارة الأمريكية من تموجات المجتمعات العربية والإسلامية، وعدم انسجام الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية مع أوضاع هذه المجتمعات ومصالح وميول الغــالبية الشــعبية فيها، إلي بحث الإسلام السياسي والإدارة الأمريكية عن معادلة شبيهة بما حصل في الأنموذج التركي، بما يمكن أن يفتح أفقا جديدا للمنطقة؟
(*) كاتب وباحث سوري يقيم في تونس
(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 7 فيفري 2006)
الانجرار وراء الحرب الحضارية ليس مصلحة إسلامية
برهان غليون (*)
خلق انهيار المعسكر الشيوعي، وزوال الاتحاد السوفياتي الممثل له، فجوة كبيرة في الأيديولوجية الدفاعية لنظام السيطرة الغربية في العالم. فقد كان العداء للمعسكر الشيوعي وما يمثله من القيم السلبية الوسيلة الرئيسية لدفع الجمهور الغربي الواسع إلى تأييد السياسات الأطلسية الهجومية والالتحاق بها من دون نقد ولا تساؤل، وبالتالي تبرير هذه السياسات والنفقات العسكرية الباهظة المرتبطة بها. والنجاح، انطلاقا من ذلك، إلى إقناع الرأي العام الدولي بأن السيطرة الغربية على العالم ليست أخلاقية فحسب لأنها تحول دون انتصار الشر، ولكنهاحتمية أيضا، ولا يمكن التراجع عنها من دون تعريض مجتمعات الغرب ونظمها الديمقراطية وهويتها وثقافتها وقيمها وأسلوب حياتها اليومية للخطر الماحق.
وكان من الطبيعي أن يقود انحسار خطر هذا المسخ التاريخي الشيوعي وزواله من الوجود إلى تصاعد المواقف النقدية إزاء سياسات الهيمنة الغربية، تماما كما كان من المنتظر لزوال الحرب الباردة ومتطلباتها أن يقود إلى تراجع النفقات العسكرية وتنامي فرص التفاهم والتعاون الدوليين لتحسين شروط حياة المجتمع الدولي برمته ومعالجة أقسى مشكلة يعاني منها النوع البشري، أعني الفقر الذي يرزح تحت وطأته أكثر من مليار نسمة.
بيد أن مثل هذه التوجهات لم تكن تتضارب مع ما طبع السياسات الغربية والدولية عموما في القرنين الماضيين من حروب ومواجهات جعلت من تبني مبدأ الاستعداد للحرب وكسب النزاعات المحتملة القاعدة المثلى لتجنب حدوثها فحسب وإنما مع مصالح واسعة ونافذة ارتبطت بعقود طويلة منسيطرة مناخ المواجهة والحرب الباردة، وفي مقدمتها مصالح المركب الصناعي العسكري وبيروقراطية الدولة والجيش ومؤسسات الدفاع الإقليمية والعديد من القوى السياسية التي تتحالف معها.
وهكذا ما كان من الممكن ترك الاتحاد السوفياتي ينهار من دون السعي، من قبل هؤلاء، للبحث عن عدو جديد يبرر الاستمرار في السياسات الهجومية ذاتها التي تضفي المشروعية على السيطرة الغربية على العالم وتبرر استمرارها.
وقبل أن تبدأ أي حركة إسلامية باستخدام العنف على أي نطاق خارج البلدان الإسلامية، وجد أنبياء السيطرة الغربية في رفع العالم الإسلامي والعربي إلى مستوى الخصم التاريخي والحضاري الرئيسي للغرب المرتكز الوحيد لتمديد مناخ الحرب الباردة وتبرير سياسات السيطرة الغربية.
وهكذا شكل تشويه صورة العرب والمسلمين واستفزازهم خلال أكثر من ربع قرن مادة حرب باردة عالمية حقيقية لن يتأخر منظرو السيطرة الغربية عن إعطائها اسمها الجديد الخاص، الحرب الحضارية والصدام بين الثقافات.
ومنذ ذلك الوقت يمكن القول إن الحرب أصبحت سجالا بين المسلمين والعرب من جهة، والنخب الغربية اليمينية التي سعت ولا تزال إلى جر العالم بأكمله إلى تأييد موقفها العدواني والعنصري من الجهة الثانية.
في هذا السياق استعادت أيديولوجية تبرير السيطرة الدولية والسياسات الأطلسية الهجومية اللغة والشعارات ذاتها التي كانت تستخدمها ضد الاتحاد السوفياتي في حقبة الحرب الباردة السابقة.
فركزت وسائل الإعلام الغربية على الأخطار المتعددة التي يمثلها العالم العربي والإسلامي الذي يخضع في نظرها، مثله مثل الاتحاد السوفياتي السابق، لثقافة مناقضة في قيمها للثقافة الغربية الحديثة ومعادية لها، سواء في ما يتعلق باعتماده العنف في علاقاته مع الخارج واستلابه لمنطق القوة ومراكمة وسائل وأسلحة الدمار الشامل أو في محاولاته المستمرة لتفجير الأزمات الدولية والحروب الإقليمية أو في دفاعه عن نظم سياسية لا ديمقراطية تسمح للمغامرين من الحكام الديكتاتوريين والطغاة بالتلاعب بالجماهير ودفعها إلى العداء المجاني للخارج ولكل ما هو أجنبي في سبيل حرف انتباهها عن مشاكلها الداخلية التي تتسبب فيها سياسات أنانية ولاعقلانية.
وجاءت الحركات الجهادية الإسلامية التي تستخدم الإرهاب والخطف وقتل الرهائن وسائل للضغط على الدول الغربية، في أوضاع المواجهة القائمة في أكثر من مكان، لتكرس الاعتقاد الواسع الانتشار اليوم بأن عالم العرب والمسلمين لا يفهم إلا لغة القوة والعنف وإنه يفتقر إلى ثقافة التعايش والتفاهم والحوار والتفاوض التي هي لغة العصر ومصدر بناء اجماعات دولية لم يكن المجتمع الدولي في أي حقبة أكثر حاجة لها منه اليوم.
ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن أصحاب هذه السياسة والمنظرين لها قد نجحوا في أمرين رئيسيين. الأول هو إقناع الرأي العام العالمي بصدق الصورة التي رسموها أو أرادوا رسمها للعالم العربي والإسلامي بوصفه عالما لا يعرف المدنية ويعيش على منطق القوة والعنف سواء في ما يتعلق بعلاقاته الداخلية بين المواطنين والحكام أو في علاقاته الخارجية مع غيره من المجتمعات.
والثاني جر العالم العربي والإسلامي بالفعل إلى الحرب الحضارية والثقافية التي أراد لها أن تكون بديلا عن الحرب الباردة ومنبع مشروعية لسياسات السيطرة والعدوان الغربية.
وبعد أن وقف المسلمون جميعا، شعوبا ومنظرين وسياسيين، عن حق ضد فكرة الحرب الحضارية في السنوات الماضية وطرحوا في مواجهتها، ومن أجل تفريغ منطقها من مضمونه، فكرة حوار الحضارات الذي تبنتها أيضا جماعات ومؤسسات غربية ودولية عديدة رافضة للاستسلام لمنطق الصراع الدولي المستمر وبناء العلاقات الدولية على قاعدة السيطرة من طرف والخضوع من طرف آخر، عاد المسلمون هم أنفسهم، أولا على أيدي الجماعات المتطرفة الإسلامية، ثم اليوم أكثر فأكثر على يد بعض الجماعات السياسية العلمانية، إلى العزف على نغم الحرب الثقافية والحضارية، بل وتبني فكرة هذه الحرب بوصفها حقيقة واقعة أو أكثر من ذلك أمرا مطلوبا لمواجهة إرادة الهيمنة السياسية والعسكرية والثقافية الغربية.
وشيئا فشيئا ستكتشف النظم العربية والإسلامية التي تعيش هي أيضا حالة من العجز المزمن في مساعيها التنموية وتواجه تحديات داخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية لا مثيل لها، الفرص الاستثنائية التي تقدمها لها هذه الحرب الثقافية في سبيل التغطية على إخفاقاتها الخطيرة وتوجيه موجات الغضب الشعبية نحو الخارج، وبالتالي الهرب من المسؤولية وتأبيد سيطرتها على السلطة والموارد المحلية.
بهذا تكون شروط الحرب الباردة الجديدة التي أرادتها القوى الاستعمارية في الغرب قد تحققت بالفعل. ونحن نشهد كل يوم أحداث تطور هذه الحرب التي تستفيد من معطيات العولمة الإعلامية الدولية لتدمج في حركتها مجتمعات وشعوبا وجماعات لم تكن الحرب الباردة التقليدية قادرة على جذبها وتشغيلها فيها.
في هذا السياق وفي هذه البيئة الملتهبة التي تطبع العلاقات الإسلامية الغربية، ما كان لنشر الصور الكاريكاتيرية المسيئة لرسول الإسلام الكريم، وردود الفعل الإسلامية الغاضبة، ثم الردود الغربية على ردود الفعل هذه التي اتخذت شكل تحد للمشاعر الإسلامية الدينية باسم حرية التعبير، في الوقت الذي كانت تسيء فيه للمسلمين جميعا باتهامها غير المباشر لهم بتأييد الإرهاب، بل بالإيمان به كجزء من تعاليم الرسول، إلا أن تفجر أزمة أخذت وتأخذ أكثر فأكثر طابعا مأساويا بين المسلمين والغرب كان الطرفان بغنى عنها.
فإذا كان منطق الحرب يطمئن بعض القوى الاستعمارية المتطرفة، وفي مقدمها القوى الصهيونية التي سعت منذ عقود إلى الإيقاع بين الدول العربية والإسلامية والدول الغربية، كما عملت المستحيل من أجل فرط الحركة القومية العربية لفتح باب الصراعات الدينية والطائفية في الشرقالأوسط والعالم، فليس للمجتمعات الغربية أو لغالبيتها الساحقة أي مصلحة في استعداء المسلمين عليها وهم يشكلون ربع العالم أو ما يقارب ذلك، ويعيش قسم متزايد منهم على الأراضي الغربية.
وبالمثل، إذا كان هناك بين النظم العربية من يريد أن يحول أنظار شعبه عن مصاعبه الداخلية، بدفعهم إلى الانخراط في مواجهات خارجية لا تنتهي، فإن المجتمعات العربية التي تنوء تحت ثقل مشاكلها الداخلية غير المحلولة، بما فيها مشاكل احتلال أراضيها في فلسطين وسورية ولبنان، وتتعرض لهجوم منظم من قبل قوى الهيمنة الدولية، تدرك بعفويتها أنه لا مصلحة لها باستعداء كل قطاعات الرأي العام العالمي، أو بدفعها إلى الاعتقاد بأنها مجتمعات لا تفهم إلا لغة العنف والتدمير والقطيعة.
إن سياسة الدفع نحو الفوضى والتهديد بها تناسب من دون شك بعض الفئات المحشورة اليوم، في النظام والمجتمع معا، والتي تشعر بأن الأرض تميد من تحت أقدامها، ولها مصلحة في أن تخلط الأوراق وتشعل كل الحرائق الممكنة، وتعزل الشعوب العربية عن العالم وتسيء إلى سمعتها حتى تنفرد بها وتتفق مع خصومها من وراء ظهرها.
لكن الأغلبية العربية والإسلامية الساحقة تعرف أن مواجهتها الحقيقية والحضارية للغرب، ونجاحها في كسر هيمنته واستعادة المبادرة التاريخية، تتوقف على نجاحها في الخروج من المآزق والانسدادات التي وضعتها فيها السياسات الأنانية والمغامرة واللامسؤولة لقادتها، وأن التعاون مع المجتمعات الصناعية المتقدمة، في ميادين الاستثمار والصناعة والتقنية والعلوم، هو الطريق الرئيسية لذلك.
لا يعني هذا أن على الشعوب العربية والإسلامية الاستسلام أو عدم الرد على التحرشات التي تقوم بها القوى المتطرفة الغربية ولا القبول بعنصريتها.
بيد أن هناك ردودا أخرى، سياسية وقانونية وفكرية، على مثل هذه السياسات الخرقاء والإجرامية غير تلك التي لا تهدف إلا إلى تكريس الاعتقاد الشائع بعنف العرب والمسلمين وعدوانيتهم ونزعتهم السلبية للحرق والدمار.
ولا يستفيد من مثل هذه الردود سوى رؤوس الاستفزاز أنفسهم الذين يريدون، مثلهم مثل إسرائيل، عزل العرب وتهميشهم دوليا ودفعهم إلى الانغلاق على أنفسهم والغرق في حروبهم الداخلية ودمائهم، ومن وراء ذلك تبرير العنف الشامل الممارس عليهم من الخارج لضمان السيطرة على مواردهم وكسر إرادتهم.
وهنا تلتقي سياسات المحافظين الأميركيين الجدد تماما مع سياسات الأرض المحروقة التي تمارسها بعض النظم التي تسعى إلى التمديد لنفسها بأي ثمن، والتي وجد بعض القوميين الجدد الضيقي الأفق في سياساتها المغامرة مهربا من ضرورة المراجعة وقناعا للعجز والانحسار.
إن الردود العنيفة على التحرشات العنصرية لبعض تيارات الرأي العام الغربية لا توجه رسالة مقلقة للعالم أجمع بما تقدمه له من مظاهر فقدان السيطرة على النفس عند المسلمين، وإنما للعرب أنفسهم الذين يخشون أن تتحول أساليب الرد العنيفة على الخصوم الخارجيين إلى أساليب مقبولة ومتبعة في الرد على الخصوم أو المنافسين الداخليين من أصحاب الأديان أو العقائد السياسية والفكرية الأخرى.
(*) كاتب ومفكر سوري
(المصدر: ركن « المعرفة » بموقع الجزيرة.نت بتاريخ 8 فيفري 2006)
نظرة قانونية في حرية التعدي على الأديان
محمود المبارك (*)
يحتار الغرب في فهم مواقف المسلمين من الحريات الديموقراطية ويتساءل: لماذا تضيق عقول المسلمين عن قبول الرأي الآخر خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالحريات الدينية؟ ولماذا يأبى المسلمون الحرية الغربية التي طالما حلموا بها في بلادهم؟ ثم كيف يجحد المسلمون المقيمون في الغرب نعمة الحرية التي وفرت لهم مناخ العبادة والحرية الدينية والسياسية، الأمر الذي لم توفره لهم دولهم ذاتها؟
أسئلة لا يكاد المواطن الغربي يجد لها جواباً إلا أن يكون السبب هو الإسلام ذاته، إذ يبدو إن الدين الإسلامي والديموقراطية «ضدان لا يجتمعان» كما قال صموئيل هنتنغتون من قبل. وما غياب الديموقراطية – التي انتشرت خلال العقدين الماضيين فوسعت العالم كله من شرق ولايات الاتحاد السوفياتي السابق إلى دول أميركا اللاتينية باستثناء البلاد الإسلامية – إلا تأكيد لهذه النظرة.
من هذا المنطلق، قد ينظر الغرب إلى تعنت المسلمين في عدم قبولهم وجهات النظر، التي عبر عنها بعض الصحف في تعديها على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، على إنه ضيق أفق عند المسلمين بسبب معتقداتهم الدينية. ولو اتسعت أفهام المسلمين للرأي الآخر – كما يقال – لقلّت هوة الخلافات الإسلامية – الغربية ومنها الخلاف الحالي.
بيد أن هذا الخلاف الإسلامي – الغربي الجديد الذي ظهر شعبياً في صورة مقاطعة، مدعومة ضمناً من حكومات عربية، استفحل الآن وبدأ يأخذ طابعاً قانونياً دولياً، اذ هدد الاتحاد الأوربي برفع قضية قانونية إلى منظمة التجارة الدولية ضد الدول المقاطعة لأي منتجات أوروبية.
ويبقى السؤال: هل تجيز القوانين الغربية التعدي على الأديان بحجة الحرية الديموقراطية؟ أم إن الحرية الغربية جاوزت حدودها هذه المرة حين أساءت إلى نبي دينٍ يقارب عدد أتباعه بليوناً ونصف البليون انسان؟
حريةٌ ديموقراطيةٌ أم إساءةٌ دينية؟
قبل الخوض في التفاصيل القانونية المتعلقة، قد يكون مفيداً الإشارة إلى إن الحريات في الغرب وإن كانت في ظاهرها مطلقة، إلا إنها مقيدةٌ بضوابط قانونية تحميها من التعارض مع قواعد الأخلاق والمصالح العامة وحقوق الآخرين والقوانين الداخلية والدولية.
بل إن الدول الأوروبية – التي عانت كثيراً من الحروب الدينية في ما بينها – وضعت عدداً من القوانين الداخلية والدولية التي تحد من حق الحرية الفردية والجماعية، الغاية منها تقليل هوة الخلافات بين دول وشعوب أوروبا، لأنه كلما ضاقت دائرة الخلافات بين الشعوب كلما قلت احتمالات نشوب حروب بينها. فحرية الرأي إذاً، وإن كانت مكفولة بموجب الدساتير الغربية جميعاً، إلا إنها لا يجوز أن تكون سبباً في فرقة الكلمة وتشتيت الشمل.
وليس هذا حكراً على أوروبا فحسب، بل هو اليوم السياسة العامة في العلاقات الإنسانية الدولية، وهو الأمر الذي لأجله أنشئت المنظمات الدولية والإقليمية، ومنها منظمة الأمم المتحدة. فقد نصت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة على إن الهدف من هذا الميثاق هو «تطبيق التسامح بين الشعوب لتحقيق وحدتها». ومعلوم أن الاعتداءات على الأديان – وإن كانت كلامية – لا تعين على تحقيق التقارب والانسجام الإنساني المنشود، بل قد تكون سبباً للفرقة البشرية كما يحدث اليوم.
وقد أكدت المادة 3 (1) من الميثاق هذا المعنى، إذ بينت أن من الأهداف الرئيسة لإنشاء الأمم المتحدة «تشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع من غير تمييز ضد العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين». وغنيٌ عن القول إن نبذ دين الإسلام بنعته دين الإرهاب في شكل رسوم كاريكاتيرية أمر لا يحمل احتراماً لأتباع هذا الدين الذين تزيد نسبتهم عن خمس البشرية.
كما أن إعلان مبادئ القانون الدولي الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار الرقم 2625 (1970) نص على أنه «ينبغي على الدول أن تتعاون في ما بينها لتعزيز الاحترام الدولي ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع ولإزالة التعصب الديني». وواضح أن الاعتداءات على الأنبياء الذين يمثلون رموز الأديان أمر لا يعين على إزالة التعصب الديني، بل يزيده.
وقد تبع هذا القرار إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بإزاحة كل أشكال عنصرية الأديان والمعتقدات بموجب القرار الرقم 36/55 (1981)، والذي يقضي في المادة 3 على أن «إهانة واحتقار الأديان يعتبر خرقاً لميثاق الأمم المتحدة» إذ هو يعتبر «عائقاً لتحقيق العلاقات الأخوية السلمية بين الدول الأعضاء». ولا يماري أحد أن احتقار أنبياء دين معين هو احتقار للدين وأتباعه. ولأجل هذا، كان لزاماً على الدولة التي يحدث فيها نوع من أنواع الاحتقار الديني أن توقف تلك الإهانات بصفتها انتهاكاً للقانون الدولي، كما بينت ذلك المادة 4 من الإعلان المذكور في انه «يجب على كل الدول أن تأخذ الخطوات الكفيلة بمنع وإزالة التعصب المبني على أسس دينية أو عقائدية». وبالتالي فإن مسؤولية الدولة القانونية الدولية تلزمها اتخاذ إجراءات معينة ضد الإهانات التي تلحق بالأديان.
يضاف إلى ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص في المادة 18 منه على وجوب «احترام ومراعاة الأديان»، والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي نص في المادة 18 (3) على وجوب أن تكون «حرية التعبير حول الأديان مقيدة بضوابط الأخلاق العامة وألا تتعدى على حقوق الآخرين». وقد جاء تأكيد لهذا المعنى الأخير في المادة 9 (2) من الميثاق الأوربي لحقوق الإنسان اذ نص على إن «حرية التعبير عن الأديان يجب أن تكون مقيدة بضوابط القانون التي تحقق المصالح العامة لحماية الحياة والأخلاق والحقوق والحريات ولحماية حقوق الآخرين».
لكن، على رغم هذه النصوص القانونية الصريحة، نجد العالم الغربي لا يزال يتمادى في ما يزعم انها حرية ديموقراطية لا تتعارض وحقوق الآخرين. وقد بدأ الهجوم على الدين الإسلامي يزداد ضراوة اليوم وينتقل من دولة غربية إلى أخرى. لكن الحجة التي يستند إليها البعض في عالم الغرب هو أن الغرب يخوض حرباًً ضروساً ضد الإرهاب وأهله. وإنه ليس غريباً على من يخوض الحروب أن يسمي عدوه ويفضحه.
أي إرهابٍٍ يعنون؟
مفهوم الإرهاب عند الغربيين عموماً والأميركيين خصوصاً له تاريخ مقترن بالمسلمين فحسب. وأما الأعمال التخريبية التي يكون فاعلوها غير مسلمين فلا تعد إرهاباً. وقد رأينا – على سبيل المثال لا الحصر – كيف أن ديفيد كوريش قائد المجموعة المسيحية المتطرفة في واكو تكساس, وماكفي مفجر البناية الحكومية في أوكلاهوما، وغولدشتاين الذي قتل أكثر من أربعين مصلياً في الحرم الإبراهيمي في الخليل (وهم كلهم من الأميركيين البيض)، كل هؤلاء وغيرهم كثير، لم ينعتوا بصفة «إرهابيين» لا رسمياً ولا إعلامياً ولو كانوا مسلمين لكانت الحال غير الحال.
وقد رفضت محكمة في ولاية كاليفورنيا قبل شهور تهمة الإرهاب في قضية ضد أميركي أبيض قام بإحراق مركز إسلامي، واكتفت المحكمة بقبول تهمة التخريب بدلاً. كما إن هناك العشرات ممن قاموا بعمليات إرهابية داخل الولايات المتحدة وترفض الحكومة الأميركية إطلاق صفة «إرهابيين» عليهم لكونهم من الأميركيين البيض. وواضح أن الإعلام الغربي لعب لعبة غير نظيفة في الإساءة إلى الإسلام بوسمه ديناً معيناً على الإرهاب. ويبدو أن وسائل الإعلام العربية والحكومية اصطيدت في هذا الشرك. وقد درجت وسائل الإعلام العربية تكرار وصف «إرهاب» لكل أعمال العنف التي تنسب للمسلمين بل وفي بعض الأحيان حتى قبل التأكد من حقيقة نسبتها إليهم.
هل هي حربٌ صليبية؟ مما يزيد الأمر أسىً أن الدول الغربية، التي ما فتئت تلقن الدول المسلمة دروساً في التسامح الديني والمذهبي، لا ترى بأساً في التعرض للإسلام ووسمه بأنه دين الإرهاب، لكن سعة الأفق الغربية تضيق عن تحمل أي تطاول على السامية اليهودية بأي نوع كان! ويكفي شاهداً على هذا أن الكتب المناوئة للإسلام التي ألفت في الغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة تزيد عدداً على كل ما ألف في الموضوع نفسه خلال الخمسين عاماً الماضية. ونتيجةً لهذا فإن هناك اليوم شعوراً يزداد نموه بين المسلمين يوماً بعد يوم، مفاده إن الحرب التي يشنها الغرب بقيادة الولايات المتحدة اليوم هي حربٌ ضد الإسلام وليست حرباً ضد الإرهاب.
ويجد هذا الاعتقاد السائد تأكيداً ليس في الحروب غير المبررة التي شُنت أو يراد لها أن تُشن ضد دول إسلامية مثل أفغانستان والعراق وسورية… الخ، بل في التصريحات التي عبر عنها عدد من المسؤولين في الغرب حول الإسلام كدين سماوي. فتصريح رئيس وزراء إيطاليا بيرلسكوني الذي قال فيه «إن الإسلام هو دين السفهاء» وحديث رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتشر التي أساءت فيها إلى الدين الإسلامي لم تكن لتمر من دون ملاحظة. إضافةً إلى ذلك، فإن تصريح الرئيس الأميركي جورج بوش بُعيد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 والتي نادى فيها بشن «حرب صليبية» لم تُنس بعد.
بل إن بعض التصريحات الغربية أحدث ضجة داخل عالم الغرب نفسه. فما صرح به الجنرال الأميركي بويكن -على سبيل المثال – من أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد الإرهاب هي «حرب صليبية» وإن النصر لن يتأتى إلا إذا اعتقد المحاربون أنها كذلك، أمر أثار حفيظة الصحافة الأميركية في التساؤل حول علاقة الدين بالسياسة والحروب.
وأما على الصعيد الديني ذاته فالأمر أكثر وضوحاً وخطراً. إذ إن تصريحات القساوسة الغربيين – والأميركيين منهم على وجه الخصوص، من أمثال بيلي غراهام، وبات روبرتسون، وجيمي سواغرت وغيرهم – أكثر من أن تحصى في مقال كهذا، حيث اتهم بعضهم رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام بأنه إرهابي وقاطع طريق ورجل شهواني وغير ذلك من الاتهامات التي لا يقبلها من عنده احترام لنفسه قبل خصمه.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار صمت الفاتيكان على كل الإهانات التي تعرض ويتعرض لها المسلمون – مع تدخلها في كل كبيرة وصغيرة تحدث في العالم – ندرك مدى الريبة التي تنتاب المسلمين من حقيقة هذه الحرب. يضاف إلى ذلك ما قامت وتقوم به الحكومة الأميركية من إهانة للمسلمين المعتقلين في معتقلات أبو غريب وغوانتانامو وما لحقها من تدنيس للقرآن الكريم الذي لا يمكن أن يفسر بعيداً عن الأحقاد الدينية التي انبعثت من جديد. يرافق هذا صمت الدول الغربية عن كل ما سبق كتواطؤ واضح ضد المسلمين من وجهة نظرهم.
وبمنطق التواطؤ أيضاً، لا غرابة أن يصمت الكونغرس الأميركي وتتعامى الصحافة الأميركية عن حقوق «مواطنين» أميركيين انتهكت من جانب الإدارة الأميركية الحالية حين قامت بمخالفة القوانين الداخلية في التجسس عليهم لمجرد كونهم مسلمين. ولو كانوا يهوداً أو لو كان التجسس على معابد يهودية بدل المساجد, لربما كانت ردة الفعل مختلفة جداً.
بل إن هناك من المسلمين من يشعر بأن مجالات حرب الغرب على الإسلام قد شملت تنازلاً عن المبادئ التي قام عليها الفكر الغربي الديموقراطي والأميركي خصوصاً، كمبدأ نشر الحريات وإرساء الديموقراطيات في العالم أجمع ومن ذلك الشرق الأوسط والبلاد الإسلامية.
فإعانة الولايات المتحدة لأنظمة «إسلامية» عسكرية مستبدة وصلت إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري، وادعاؤها مناصرة الديموقراطية في الوقت نفسه، أمر لم يعد مقبولاً. كما إن رضا الولايات المتحدة والغرب عموماً عن دولة عربية كانت بالأمس القريب من ألد أعدائها وتُتهم بمخالفة كل أنواع حقوق الإنسان رغم بقاء النظام السياسي فيها كما هو، أمر يلقي بظلال الشك حول حقيقة الزعم الأميركي القائل بحرصه على إرساء النهج الديموقراطي في منطقة الشرق الأوسط.
ولعل الموقف الأميركي والغربي الرافض للتسليم بقبول نتائج الانتخابات الفلسطينية التي جاءت بالطريقة الديموقراطية الغربية، وتهديد الغرب بإيقاف المساعدات المالية لمجرد كون المنتصر فيها حزب إسلامي، أمر يصعب تبريره. وليس الموقف الأميركي والغربي من الوضع في العراق أفضل حالاً. فرغم أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال تزعم أنها إنما دخلت العراق لتحقيق الديموقراطية، فإن غض الطرف من جانب الولايات المتحدة – وهي الدولة المحتلة – عن التجاوزات القانونية الفاضحة التي جرت في الانتخابات العراقية، ورفضها في الوقت نفسه وجود مشرفين دوليين على الانتخابات التي باتت اتهامات نتائجها بالزور تكاد تكون حقيقة ثابتة، أمر يزيد تشكيكاً في حقيقة المزاعم الأميركية.
ربما كان سكوت الدول الإسلامية الرسمي في المرات السابقة سبباً لفتح شهية الغرب في التمادي في النيل من رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام. لكن الموقف الرسمي لحكومة المملكة العربية السعودية بصفتها الراعية للحرمين الشريفين – والذي سيذكره التاريخ – جاء ليثبت أن مبادئ الأمم وانتماءاتها وعقائدها أهم بكثير من مصالحها الاقتصادية الموقتة. وهذا الموقف المشرف قد يكون خطوة أولى فاعلة، والذي إن لم يفلح فقد تتبعه خطوات اخرى ضد من يسيئون إلى مشاعر مئات الملايين من المسلمين غير مكترثين بخرق القوانين الدولية.
(*) كاتب وباحث حقوقي سعودي.
(المصدر: صحيفة الحياة الصادرة يوم 9 فيفري 2006)
الإعلام الفضائي العربي: العلمانية في قعر ديارنا!
أحمد دعدوش
منذ أطلق مركز تلفزيون الشرق الأوسط (MBC) في عام 1991 شرارة بدء الإعلام الفضائي العربي من لندن، بدأت حملة السباق والتنافس بين رجال الأعمال والسياسة لكسب أكبر قدر ممكن من اهتمام المشاهدين، والمفاجأة هنا هي أن لعبة الإعلام الفضائي ليست تجارية بحتة كما يُروج لها دائما، بل يمكن القول بأن الكثير من الفضائيات تقوم على أساس تشكيل الوعي وفقا لرغبات أساطين الإعلام، عبر الترويج لسياسات ومذاهب وأفكار معينة، سواء من خلال الإعلان المباشر- وهو أقل الطرق استخداما- أو من خلال البث المبطن لأفكار ورؤى يتم تمريرها من خلال البرامج والأخبار والتغطيات والأعمال الدرامية التي تُصنف غالبا ضمن فئة الحياد، وهو ما سنسلط عليه الضوء من خلال طرح بعض الأسئلة وحث القارئ للإجابة عنها.
كانت البداية مع وليد البراهيم الذي شاركه صالح كامل في إنشاء مركز تلفزيون الشرق الأوسط لإطلاق الفضائية العربية الأولى MBC، قبل أن ينسحب صالح كامل ويؤسس شبكة راديو وتلفزيون العرب ART التي انتقل مقرها من روما إلى الأردن مؤخرا، ثم أتبعه الأمير خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بإنشاء شبكة أوربت بعد انفصاله عن BBCعام 1995، والتي تقدم خدمات أخرى في مجالات الإنترنت وخطوط الهاتف الأرضي في السعودية، فضلا عن حصتها في قمر نورسات بنسبة 30%.
واحتكرت الجزيرة الفضائية -بدعم كبير من الحكومة القطرية- الفضاء الإخباري العربي منذ تأسيسها عام1996، وواجهت الكثير من المشكلات بسبب خطها الإعلامي غير المعتاد في العالم العربي، والذي بدأت به مرحلة جديدة من حرية الإعلام، وبالرغم من المحاولات الأخرى كقناة العربية التي ظهرت بهدف خلق نوع من التوازن على حد تعبير مؤسسيها، وقناة الحرة التي تُمول مباشرة من الكونغرس الأمريكي، إلا أن الجزيرة ما زالت تستأثر بنصيب الأسد من الاهتمام السياسي للمشاهد العربي.
الإعلام الإسلامي الفضائي ما زال خجولا للغاية، فبالرغم من الوجود القوي لمحطة اقرأ التابعة لشبكةART، وما تبعها من قنوات أخرى كالمجد والفجر وهدى (الناطقة بالإنجليزية)، إلا أن الإعلام الفضائي العربي ما زال محكوما بالقاعدة المتبعة في الوسط الإعلامي عموما وهي العلمانية البحتة، حيث يتم الفصل القسري للدين عن خطة العمل، ويخصص وقت محدد من البث للبرامج التي يتم تصنيفها كبرامج دينية تضاف إلى تشكيلة البرامج الأخرى ولا تخرج عن حدودها، بينما يظل الاتجاه العام للقنوات الفضائية محكوما بأيديولوجيا العلمنة التي يفترض منظروها أنها الحل الوسط
– الحيادي- حتى في عالمنا الإسلامي، وبغض النظر عن خصوصية الإسلام أو المجتمع الذي يسوده منذ أربعة عشر قرنا.
وللوقوف على ملامح هذا التوجه العلماني « الحيادي » سنعرض لبعض الأمثلة المأخوذة عن المواد الإعلامية لمجموعة قنوات مركز تلفزيون الشرق الأوسط، وهي قناة العربية الإخبارية وقنوات MBCالأربعة.
انطلقت العربية من دبي في عام 2003 وتبلغ تكاليف تشغيلها السنوية نحو 7 مليون دولار، لتشكل بذلك القناة الفضائية الأكثر كلفة في العالم العربي، وإذا علمنا أن قناة الجزيرة تعتمد في تمويلها بشكل كبير على مخصصات الحكومة القطرية مع أن تكاليف تشغيلها السنوية تبلغ حوالي 3 مليون دولار فقط، فإنه من المؤكد أن قناة العربية عاجزة عن تغطية هذه التكاليف بالاعتماد على عوائد الإعلان، مما يعني بالضرورة اعتمادها الكبير على المخصصات الحكومية التي تضمن استمراريتها.
لجأت العربية في بداية انطلاقتها إلى استيراد البرامج الجاهزة، وكان الاعتماد شبه كلي على منتجات BBC، والتي تحمل الطابع الغربي البحت، فشهدت البداية بث العديد من البرامج التي ترسخ نظرية التطور الداروينية، أو المعالجة الغربية البحتة لبعض القضايا العربية كالفيلم الوثائقي الذي تعرض لقضية محاكمة نوال السعداوي، والذي أظهر تعاطفا واضحا معها، أو العديد من الأفلام والبرامج التي تناولت قضايا الإرهاب من منظور غربي بحت دون أي تحرج، في الوقت الذي نشتكي فيه من الإقصاء الغربي المتعمد للحقوق العربية والإسلامية في الإعلام الغربي.
في عام 2005 أطلقت العربية موقعها الخاص على الإنترنت، والذي جاء لمنافسة الموقع الأول عربيا (الجزيرة نت)، وبنظرة سريعة على موقع العربية يمكن اكتشاف التوجه العلماني الواضح في المواد والأخبار التي يتم انتقاؤها، إذ يتعمد محررو الموقع إعادة نشر المقالات التي تكتبها الأقلام العلمانية والتغريبية المعروفة في الصحافة العربية مع فتح باب التعليق أمام القراء، مع تغييب واضح لوجهات النظر الأخرى مع أنها تشكل الأغلبية في الشارع العربي كما هو واضح في التعليقات الواردة على معظم المقالات المنتقاة.
التحيز العلماني يبدو بنفس الوضوح في التغطيات الإخبارية نفسها، ونضرب مثالا لذلك بتناول العربية للانتخابات الفلسطينية التي جرت مؤخرا في الشهر الأول من عام 2006، إذ لم تخفِ القناة موقفها من نجاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منذ اليوم الأول، إذ فسّر مراسلها في غزة هذا النجاح على أنه مجرد ردة فعل للشعب الفلسطيني إزاء الفساد المالي لحركة فتح، في إشارة ضمنية إلى فراغ المضمون السياسي لأي حركة إسلامية باستثناء أطروحات العنف، كما لاحقت مراسلة أخرى بعض النكات التي تداولها الفلسطينيون في غزة لتبرهن على أن الشعب الفلسطيني الذي انتخب حماس بأغلبية ساحقة لم يأخذ الأمر على محمل الجد.
ثم أتبع موقع العربية هذه التغطيات بمقال حول « تخوف » الفلسطينيات من فرض حماس للحجاب الإسلامي عليهن، وتعالت أصوات أخرى تتنبأ بهدم نصب الجندي المجهول في غزة على غرار هدم تماثيل بوذا من قبل طالبان في مقارنة واضحة الأهداف.
أخيرا، بدأت العربية بإنتاج بعض البرامج الخاصة بها على غرار منافستها الجزيرة، حيث تكاد معظم برامجها لا تخرج عن إطار المنافسة والتقليد مع تغيير طفيف في الاسم، ولعل التطور الأهم هو في تخصيص فيلم وثائقي مستورد أسبوعيا للمناقشة في برنامج قضايا وآراء الذي تقدمه ميسون عزام، حيث تسمح العربية في هذه الفرصة لبعض المفكرين والمتخصصين بمناقشة الأفلام المختارة، والتي تتعرض غالبا لقضايا عربية أو إسلامية من وجهة نظر غربية، وهو أقل ما يتوجب فعله إزاء إفساح المجال للغرب في التعرض للقضايا المحلية، علما بأن معظم الضيوف الذين يسمح لها بمناقشة هذه الأفلام يتم انتقاؤهم بشكل مدروس، بحيث تبقى الصبغة العلمانية التي يفترض لها الحياد هي المسيطرة وصاحبة الكلمة النهائية، كما أن المناقشة لا تمتد إلى بعض الأفلام الوثائقية الأخرى التي ما زالت تعرض خارج إطار هذا البرنامج.
ما زالت قناة MBCالعريقة تتربع على رأس القنوات المنوعة العربية، وتحتكر بذلك جزءا مهما من حصة المعلنين العرب مما يساعدها على تغطية كافة نفقاتها دون خسائر حسب تصريح أحد مدرائها، وتتنوع مواد القناة بين السياسة والترفيه والرياضة والدين، ولكنها تمكنت أخيرا من تخصيص ثلاث قنوات أخرى منشقة عنها ببعض المواد، حتى غلب الطابع الترفيهي عليها.
لا تختلف القناة عن معظم القنوات العربية الأخرى في توجهها العلماني، فباستثناء الساعات القليلة المخصصة للبرامج الدينية في الأسبوع، تطغى وجهة النظر التغريبية على القناة بكل وضوح، كالبرامج الفنية التي تروج للأغاني والأفلام العربية والغربية، والبرامج الأجنبية المدبلجة ذات الطابع الاستهلاكي البحت، كتلك المخصصة لعرض تفاصيل حياة الأثرياء في الغرب، أو التي تخصص في كل حلقة عرضا شاملا لنجوم الإغراء في مجالات السياسة والرياضة والفن.. إلخ.
إبان فترة التوتر التي نشأت بين العالم الإسلامي والغرب إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سعت mbcلمعالجة الكثير من القضايا الحساسة من وجهة نظرها الخاصة، ففي الفيلم الموسوم بـ »أحداث سبتمبر بعيون سعودية » والمخصص للبث في الإعلام الغربي، بذل المنتجون جهدا واضحا لقولبة الرأي العام السعودي، وجاء على لسان أحد الإعلاميين السعوديين قوله: « إن السعوديين قد بكوا على ضحايا هذه الأحداث أكثر من الأمريكان أنفسهم »، وبات واضحا لكل مشاهد أن جميع المواطنين يؤيدون وجهة النظر الأمريكية في تفسير تلك الهجمات، وهو ما يشكك فيه بيان المثقفين السعوديين الذي بات معروفا لدى الجميع.
في محاولة أخرى، قامت القناة في مطلع عام 2004 ببث برنامج (chat the planet) والذي بدا أنه يسعى لإقامة حوار بين الشباب العربي والغربي في محاولة لمد جسور التفاهم بين المجتمعين، وقد لفتت نظري إحدى الحلقات التي جمعت بين مجموعتين من الشباب إحداهما في عمّان والأخرى في نيويورك، حيث يجري الحوار عبر الأقمار الصناعية التي تنقل صورة حية للمجموعتين في الوقت نفسه، ويمكننا تسجيل الملاحظات السريعة التالية:
1ـ كانت لغة الحوار هي الإنجليزية، مما يعني إلمام أحد الطرفين بلغة الآخر – وهو الطرف العربي بالطبع- في الوقت الذي يتحدث فيه الآخر بلغته المحكية، وهنا نقطتان: أولاهما أن المجموعة الأولى (العربية) تم انتقاؤها من بين الشباب الذي يتقن التحدث بالإنجليزية بطلاقة وهم لا يشكلون بالطبع إلا فئة معينة من الشباب العربي ولا يمكن أن تمثل مجتمعها على عكس المجموعة الثانية، أما النقطة الثانية فهي تبعية المجموعة الأولى ثقافيا للثانية بشكل واضح، مما ينفي أي حياد حتى في من بالنظر إلى الانطباع النفسي الذي يخلفه هذا الحوار.
2ـ بدأ سعي منتجي البرنامج لإبراز علمانية المجتمع العربي واضحا للغاية، فقد تعمدوا استضافة شابين مسيحيين وسط مجموعة من الفتيات غير المحجبات باستثناء واحدة فقط، بينما لم يفكروا في استضافة شاب أو فتاة من المسلمين الأمريكيين في المجموعة الثانية، ومن الطبيعي والحال هذه أن تسعى المجموعة العربية لإثبات توجهها العلماني كتفاخر إحدى الفتيات بكونها ناشطة في مجال حقوق الإنسان -من وجهة النظر الغربية طبعا- وتركيزها المستمر على حقوق المرأة، بينما لم يسمح للفتاة المحجبة الوحيدة بالحديث إلا نادراً. ليتحول الأمر إلى مهزلة واضحة عندما سعت المجموعة العربية جاهدة للمزايدة على قدرتها على استيعاب المفهوم الغربي للحضارة، في الوقت الذي بدا فيه أعضاء الأمريكيون فخورين بما لديهم وواثقين تماما عند الاعتراف بنواقصهم دون الحاجة لاستيراد الحلول من أحد.
3ـ عندما طرحت قضايا الجنس للحوار اضطرب الفريق العربي، وحاول الأعضاء المسيحيون إثبات تمسكهم بالأخلاق الشرقية التي لا تميزهم عن مواطنيهم المسلمين، أما الفريق الأمريكي فلم يقنع بهذه المحاولة وتساءل أحدهم إن كانوا يكذبون خشية الاعتراف بأخطائهم أمام آبائهم الذين يشاهدونهم، وأعتقد أنه كان محقا لأن الظاهر كان يشي بعكس ذلك، إذ كانت مظاهر الشباب العربي وقناعاتهم تجاهر بالتحرر والتغريب، باستثناء الاعتراف بهذه القضية الحساسة والتي يجدها الغربي نتيجة لا بد منها لكل هذه المقدمات.
4ـ في نهاية الحوار جاءت تعليقات كل من الطرفين على ما جرى في مكانها الطبيعي، فالأمريكيون أصروا على أن زملاءهم العرب قد تعمدوا التصنع والتظاهر، وعلق أحدهم بأنه أعجب بثقافة الفتيات العربيات ولكنه صُدم بعد ذلك بتشبثهن بالتقاليد (!)، أما العرب فقد عبروا عن إعجابهم بثقافة وحرية محاوريهم، وحتى مفاجأتهم باكتشاف القيم العائلية النبيلة التي يتشبثون بها.
بعد حوالي شهرين قدمت القناة حلقة أخرى لمجموعة من الشباب العرب العراقيين الذين تحاوروا مع مجموعة مماثلة في نيويورك، وقد وقعوا في الأخطاء السابقة نفسها، وزادوا عليها ترسيخا مؤلما لظاهرة الانهزام العربي في نفوس مجموعة منتقاة من الشباب، إذ كان من الواضح تماما عدم تمثيل مجموعة الشباب والفتيات العراقيين لمجتمعهم الذي كان قد خرج للتو من الحرب، حيث يتقنون الإنجليزية بطلاقة ويفكرون من منطلقات غربية بحتة.
المفارقة الأعجب هي في اختيار المخرج لقصة أحد الشباب العراقيين الذين قضوا في الحرب بالصدفة، والذي يبدو أنه كان ينتمي لتلك الطبقة المخملية في بغداد. يبدأ التصوير لغرفة الشهيد بالتركيز على صور الفتيات أنصاف العاريات التي علقها على الجدران قبل موته، ثم تبكي الأم الثكلى وهي تحكي قصته بالإنجليزية وتعرض لبنطال الجينز الملطخ بالدم. أما السؤال الأهم هنا: ألم يكن من الممكن استدرار عطف تلك المجموعة من الشباب الأمريكان لو أنهم عرضوا لقصة شهيد فقير أو متدين يمثل الأغلبية الساحقة للشعب العراقي؟
الطريف هو أن العربية قد عادت مؤخرا لتكرار تلك التجربة من خلال برنامج مماثل يضم عددا أقل من الشباب من كلا المجتمَعَين في استديو واحد، ويلاحظ أن الأخطاء السابقة يتم تكرارها بشكل مقارب، حيث يتعمد المنتجون انتقاء الشباب العلماني لتمثيل المجتمع العربي، ويسمح لهم بمناقشة الكثير من القضايا التي قد لا يفقهون بها لمعرفتهم الضحلة بالدين، كما يتضح الانتقاء في اختيار الفتيات المحجبات اللواتي قد لا يختلفن كثيرا عن زميلاتهن باستثناء غطاء الرأس.
على المنوال نفسه تدور بقية برامج MBCالجماهيرية، والتي تتنوع بين برامج الأطفال (عالم دريد) والسياسة (على مسؤوليتي) والمرأة (كلام نواعم) والفن- وهي أكثر من أن تحصى- حيث يتم بث هذه البرامج من استوديوهات باذخة في بيروت، ويشارك في تقديمها كثير من المذيعين غير المسلمين، لترسيخ مفهوم العلمانية كحل حيادي أمام التنوع المصطنع لمرجعية المشاهد العربي، ولا تفوتنا الإشادة هنا ببرنامج (يلا شباب) الذي يشكل خروجا على القاعدة المتبعة في برامج كل القنوات العربية غير الدينية، ولعل العوائد الاستثمارية التي جنتها القناة من هذا البرنامج الناجح هي الدافع الرئيس -إن لم يكن الوحيد- لإنشائه في ذلك الوسط غير الملائم.
بالانتقال إلى القنوات الأخرى التابعة لهذه المجموعة، نقف عند قناتي MBC2 المخصصة للأفلام الأمريكية، وMBC4المخصصة للمسلسلات والبرامج والأخبار الأمريكية أيضا.
من الجدير بالذكر هنا أن سياسة الرقابة العربية على المواد المستوردة قد بلغت شوطا كبيرا من « التطور » منذ انطلاقة البث التلفزيوني عام 1960 في مصر، إذ تم اختزال مفهوم المحظور هنا إلى أضيق الحدود، وحسب تعبير الراقصة فيفي عبده فإن مناطق أخرى من جسد المرأة لم تعد ممنوعة من التصوير كما كان الحال سابقا! والأمر يتسع بشكل أكبر عندما تكون المواد مستوردة من الخارج..
قد يكون الحديث عن العورات أقل شأنا من الخوض فيه في هذا المقام، ولكن الخطورة الأكبر لم تعد في تضييق مفهوم العورة هنا، بل في عرض الثقافة المنحلة والإباحية بشكل سافر دون أن تمر على أي مقص للرقيب، فقد بات من الممكن لهذه القنوات وغيرها بث الأفلام والمسلسلات والبرامج التي تروج للجنس والإباحية بكل صراحة ودون أي تحرج، وكل هذا مبرر ما دامت العورات لم تكشف بعد.
في جعبتي الكثير من الأمثلة التي ما زالت تُعرض على هذه القنوات، فهناك بعض الأفلام التي تدور قصصها كاملة حول السفاح الرخيص، كأحد الأفلام الذي عرض لقصة مجموعة من الشباب والفتيات في ليلة رأس السنة، حيث لا همّ لهذه المجموعة غير المترابطة إلا البحث عن شريك لتلك الليلة، وهو ما يتم تحقيقه لاحقا مع نهاية القصة. أما المسلسلات الكوميدية فلا تجد تحرجا من الترويج لهذه الثقافة تحت لائحة الكوميديا التي تبرر كل شيء، حيث تغدو الكلمات الجنسية مع ترجماتها متاحة للشباب واليافعين طوال النهار، خصوصا وأن هذه المسلسلات تصنف تحت فئة البرامج الترفيهية العائلية(!) .
البرامج الأمريكية ليست بعيدة عن هذا أيضا، والمؤسف حقا أن تلقى حلقة أوبرا التي تعرضت لوضع المرأة في السعودية كل ذلك الاستنكار بينما لم ينبس أحد من المتابعين ببنت شفة إزاء الإسفاف المستمر في الترويج للثقافة الأمريكية المنحلة بهذا الوضوح سواء من خلال برنامج أوبرا أو غيره، ففي إحدى حلقات برنامج Dr. Phillالمخصص لحل المشاكل الزوجية، يتم عرض قصة أحد الأزواج الذي جاء للمسرح ليعترف بخيانته لزوجته طوال سنين مع إحدى زميلاته في العمل بالرغم من معرفتها بالأمر، حيث تُناقش المشكلة من قبل الدكتور (فل) على أنها مسألة خيانة يمكن أن تحدث في أي عائلة أمريكية- حتى في بيت الرئيس كما هو معروف- بينما يتناسى المشاهد العربي أن هذه الجريمة التي تسمى زنا في الإسلام تستوجب الرجم حتى الموت!
الأثر الكبير والخطير إذن لهذا الإعلام الذي يتم بثه على مدى أربع وعشرين ساعة لا يقتصر على بعض المشاهد غير المهذبة، بل في الثقافة التي يتشبع بها والتي تحمل في كل ثانية من ثواني البث رسائل مؤدلجة تترسخ في ذهن المشاهد العربي المسلم، والذي غالبا ما يكون في سن الشباب أو الطفولة.
تعتمد وسائل الإعلام العالمية اليوم سياستين في غاية الخطورة لترويج أيديولوجيتها:
1، عدم التصريح: حيث يدعي الإعلاميون في كل وسائل الإعلام تقريبا الحيادية مع تفاوت بسيط إزاء بعض القضايا الحساسة، وهي دعوى لا يمكن أن تقنع أحدا من العقلاء، ولكن المشكلة الحقيقية هي في عدم وضوح الرسالة التي يتم تحميلها للمواد الإعلامية، فعندما يتعمد الإعلاميون بث نشرة الأخبار من استديوهات باذخة وبتقنيات مكلفة، مع اهتمام كبير بمظهر المذيع أو المذيعة وطريقة الإلقاء، ثم إتباع الخبر بتحقيق مصور واتصال هاتفي مع أحد المختصين، يستتبع كل ذلك إيجاد نوع من الارتياح لدى المشاهد بكفاءة القناة والقائمين عليها، دون الانتباه إلى أن التحقيق لم يتعرض لكل وجهات النظر، وأن الخبر قد تمت صياغته بطريقة مفبركة، وأن الضيف الذي تم الاتصال به لم يطرح إلا وجهة نظره الخاصة والتي قد يخالفه فيها معظم أفراد المجتمع.
من جهة أخرى فإن الانفلات الأخلاقي في معظم الأفلام والمسلسلات المستوردة لم يعد يخفى على أحد، كما لم تعد حجة تجنب المشاهد الإباحية مقنعة لكل من بقيت لديه مُسكة من عقل، فالإباحية لا تُنقل اليوم بشكلها السافر، بل من خلال أفلام وحلقات كاملة تُبث على مدار الساعة ويدور محورها الرئيس حول العلاقات الجنسية التي تجري بكل سهولة خارج إطار الزواج، وهو ما يسمى عند المسلمين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من المشاهدين بالزنا، والذي يعد من أكبر الكبائر في الإسلام كما لا يخفى على أحد. هذا فضلا عن تشجيع الشباب والفتيات على التمرد وخرق الثوابت الإسلامية والأعراف الاجتماعية، والمشكلة أن ذلك لا يتم من خلال حوار حضاري يناقش مفاهيم الشباب وقناعاتهم، بل عبر السرد المستمر للقصص المثيرة للعواطف والغرائز تحت شعار الانفتاح تجاه الآخر والحرية الفردية.
2، التكرار: من الثابت في التاريخ أن دعاة الأهواء لا يملون، بينما تضعف همم الشرفاء والمناضلين في سبيل الحقيقة قبل بلوغ الهدف، ولعل الإعلام اليوم يقدم مثالا واضحا على هذا الصراع. فقد أثبتت إحدى الدراسات أن تكرار عرض أحد النجوم في فيلم سينمائي وهو يدخن لأربع مرات كفيل بزرع هذه العادة في نفوس معجبيه! لذا فإن تكرار عرض هذه الأفلام أو البرامج أو التغطيات الإخبارية الموجهة قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تغيير كبير في الرأي العام العربي، إذ بات من الواضح اتساع القاعدة الشعبية المتأثرة بهذه الثقافة، ولا يقتصر الأمر طبعا على الإباحية والانحلال التي قد تشكل بوابة نفسية للدخول إلى القناعات، بل يمتد إلى العبث بالمرتكزات الأساسية للفرد وطريقته في اتخاذ مواقفه تجاه الكثير من القضايا، خصوصا عندما يغيب الصوت الآخر المخالف، أو يكون ضعيفا وغير قادر على المنافسة والإقناع.
هكذا تسير الأمور اليوم، فبعد عقود طويلة من القمع الاستبدادي، والاستئثار الرسمي لوسائل الإعلام، بات الانفتاح الإعلامي حكرا على الخط الوحيد المسموح له بالوجود، وهو الساعي بكل ما أوتي من قوة لإخماد جذوة الحماس المتبقية في نفوس المسلمين، وإقناعهم بالتكرار الذي لا يمل بأنهم مجرد ذيل للغرب يعيش خارج التاريخ والجغرافيا، وأن النهوض لا يتم إلا بالمزيد من التقليد والاستجداء، عسى أن يقنع الغرب أخيرا بالشفقة ومد يد العون، لكونه فيما يبدو سبيل الخلاص الأوحد.
(المصدر: موقع مجلة العصر الالكترونية بتاريخ 8 فيفري 2006)