الجمعة، 1 أبريل 2011

 

فيكليوم،نساهم بجهدنا فيتقديمإعلام أفضل وأرقى عنبلدنا،تونس Un effort quotidien pour une information de qualité sur notre pays, la Tunisie. Everyday, we contribute to a better information about our country, Tunisia

TUNISNEWS 10ème année, N°3965 du 01.04.2011  

archives : www.tunisnews.net


الجزيرة نت:تضييق على اعتصام جديد بتونس

الألمانية:تونس تسمح بصور المتحجبات بالهوية

التحالف الديمقراطي التونسي:بيان

الهادي بريك:نداء إلى معتصمي القصبة

بلاغ توضيحي لحزب الخضر للتقدّم

حزب الإتحاد الديمقراطي الوحدوي:بلاغ صحفي

التونسية:فريانة: طرد احمد نجيب الشابي و منعه من عقد اجتماع بمناضلي حزبه

أ ف ب:برلوسكوني يرى ان « الحل الرئيسي » لمشكلة المهاجرين هو اعادتهم الى تونس

كلمة:الاتحاد الأوروبي يعتزم مضاعفة مساعدته لتونس

الصباح:في الاجتماع السادس للهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة:الأغلبية متمسكة بموعد 24 جويلية.. ومطالبة بإقالة وزير الداخلية الجديد

الصباح:المشهد السياسي التجديد والديمقراطي التقدمي يناقشان التحالف.. النهضة تتحسس المشهد.. اليسار في وحدة مهزوزة ..والأحزاب الجديدة غائبة

الصباح:التحول الديمقراطي» في تونس:اتهامات متبادلة بين الحكومة المؤقتة وأحزاب سياسية

الصباح:رغم الرسائل المشفرة المسكوت عنه في حوار الباجي قائد السبسي

د.خالد الطراولي:المهاجرون والإقصاء من شؤون الأحزاب إلى الإقصاء من المجلس التأسيسي!

سليم بوخذير:نور الفالح.. التونسي الذي طافت صورته العالم وهو يسحل امام الداخلية يوم فرار بن علي

سليم بوخذير:’النهضة’ التونسية تندد باعتقال احد قيادييها بعد الثورة .. والصحافي زيتون محروم من بطاقة الهوية ‘بسبب السياسة’

الأستاذ العجمي الوريمي لـ«الصحافة»:العلمنة ليست دور الدولة وإسقاطها على سياق حضاري وتاريخي مغاير يشوّه البنيات الموروثة ولا يحقق تحديثا أصيلا ولا تنمية حقيقية

لطفي العريف:دكتاتور رحل و جاء ثلاثة

ماهـــــــــــر تريـــمـــــش:الاحتقار و الاحتراق ملاحظات في ايتيقا الثورة في تونس

القدس العربي:طبيب: بن علي تآمر على بورقيبة الذي لم يكن عاجزا عن اداء مهامه ليلة الانقلاب

دعوة لحضور حفل يوم 9 أفريل 2011 بمناسبة الإحتفال بعيد الشهداء وثورة الحرية والكرامة

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان:جذور الثورة في العالم العربي


Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivan : Affichage / Codage / Arabe Windows)To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic Windows)  


تابعوا جديد أخبار تونس نيوز على الفايس بوك
الرابط

http://www.facebook.com/pages/Tunisnewsnet/133486966724141



توجهت في تونس العاصمة اليوم أعداد من منتسبي الحركات التي تشكل ما يعرف بشباب الثورة إلى محيط مبنى وزارة الداخلية في العاصمة احتجاجا على ما قالوا إنه تضييق من قبل السلطات على تنظيم اعتصام أطلقوا عليه « اعتصام القصبة الثالث ». وينتظر أن تتوجه مسيرات المحتجين نحو ساحة القصبة التي سينظمون فيها « اعتصام القصبة الثالث »، مع تواتر أنباء بدفع المزيد من التعزيزات الأمنية لقطع الطرق إلى هناك. ويواصل الشباب تجمعهم حاليا في شارع بورقيبة بالعاصمة في انتظار وصول ممثلين عن المناطق الداخلية، وكذلك انضمام أعداد أخرى إثر صلاة الجمعة للتوجه نحو ساحة القصبة حيث مقر الحكومة. وقد جاءت الدعوة إلى ما يعرف باعتصام القصبة الثالث احتجاجا على المسار السياسي الذي تنتهجه الحكومة المؤقتة برئاسة الباجي قائد السبسي. محاكمة رموز الفساد وكان العشرات قد تظاهروا أمس الخميس في وسط العاصمة التونسية احتجاجا على سياسة قائد السبسي ولمطالبته بإجراءات اقتصادية ملموسة وبمحاكمة سريعة لرموز الفساد المالي والسياسي في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وشدد قائد السبسي خلال لقاء تلفزيوني الأربعاء على أن « التحسن الأمني لا يزال غير كاف » وقال إن « الاحتجاجات والاعتصامات لم تعد مقبولة ويجب أن لا تستمر حتى وإن كانت المطالب مشروعة ». وقال جابر (42 عاما) الذي كان ضمن المتظاهرين أمام المسرح البلدي وسط العاصمة أمس « لم يتغير شيء، نحن نشاهد مسرحيات متعددة ومتتالية لرجال السياسة الذين يعاملون المواطنين وكأنهم جهلة ». لا نعلم ماذا تصنع وتساءل سالم (27 عاما) « لا نعلم ماذا تصنع الحكومة في هذه المرحلة الهامة من تاريخ البلاد.. لم نشهد إجراءات ملموسة للحد من نسبة البطالة وليسود الأمن والاستقرار في تونس ». وعين الاثنين الحبيب الصيد وزيرا للداخلية خلفا لفرحات الراجحي الذي أعلن أمس تعيينه رئيسا للهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات العامة. ولم يتم الإدلاء بأي تفاصيل عن أسباب « إقالته المفاجئة » من الداخلية. وانتقدت العديد من الجهات السياسية هذا التعيين باعتبار أن الصيد كان قد عمل رئيس ديوان وزير الداخلية في عهد بن علي. المصدر:الجزيرة + الفرنسية (المصدر: موقع الجزيرة.نت (الدوحة – قطر) بتاريخ 01 أفريل 2011)
 


 
أصدرت وزارة الداخلية التونسية قرارا سمحت بموجبه باعتماد صور النساء المتحجبات في بطاقات التعريف الوطنية (الهوية) وذلك للمرة الأولى بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي الذي كان يحظر هذا الأمر.
وقالت الوزارة في بيان على صفحتها الخاصة في شبكة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) إنها « قررت تبسيط الإجراءات المتعلقة بالمواصفات المطلوبة في الصورة المعتمدة في بطاقة التعريف الوطنية حيث سيسمح مستقبلا بتسليم بطاقة التعريف الوطنية للمواطنات المتحجبات ».
وأوضحت أنه سيتم قريبا تنقيح المرسوم الذي يضبط « المواصفات المادية والفنية للصورة المضمنة ببطاقة التعريف الوطنية » من خلال « الاقتصار ضمن الفصل 6 منه على إظهار الوجه والعينين في الصورة » و »قبول صور المتحجبات ببطاقة التعريف الوطنية ».
إصلاحات
وبحسب الوزارة فإن هذا الإجراء يندرج ضمن « الإصلاحات المتواصلة من أجل تكريس مبادئ وقيم الثورة المجيدة وضمان الاحترام الفعلي للحريات العامة والفردية ».
وتظاهرت في الأيام الأخيرة تونسيات متحجبات أمام مقر وزارة الداخلية التونسية مطالبات بحق المرأة المتحجبة في استخراج بطاقة هوية بصور تظهر فيها بغطاء الرأس (الحجاب).
وكان الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي أصدر في سنة 1993 مرسوما يضبط المواصفات المادية والفنية للصورة المضمنة ببطاقة التعريف الوطنية يمنع اعتماد صورة المرأة المتحجبة عند استخراج بطاقة التعريف الوطنية ويلزم بأن يكون شعر المرأة مكشوفا في هذه الصورة.
واعتبر الرئيس التونسي المخلوع الحجاب « زيا طائفيا ودخيلا » على الملبس التونسي ووصفه بأنه « عنوان للتطرف السياسي ».
وكانت الشرطة في عهد بن علي تشن من حين لآخر حملات أمنية في الشوارع والمدارس والجامعات لمنع الحجاب بالقوة، كانت تقتاد فيها المتحجبات إلى مراكز الأمن ويرغمن على توقيع التزامات يتعهدن فيها بنزع الحجاب وعدم العودة إلى ارتدائه.
ويمنع منشور صدر في عهد الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة -والذي تواصل العمل به في عهد خلفه بن علي- النساء من ارتداء الحجاب في أماكن الدراسة والعمل بالقطاع العام. ومنذ الإطاحة ببن علي -الذي هرب من البلاد يوم 14 يناير/كانون الثاني الماضي إثر ثورة شعبية إلى السعودية- أوقفت السلطات تطبيق العمل بهذا المنشور.
يذكر أن وزارة الداخلية التونسية سمحت منذ 12 فبراير/شباط الماضي بقبول صور الرجال الملتحين عند استخراج بطاقة التعريف الوطنية بعد أن كان هذا الأمر محظورا في عهد بن علي. واعترفت الوزارة في أول مارس/آذار 2011 بـحركة النهضة الإسلامية التي كانت محظورة منذ تأسيسها سنة 1981. المصدر:الألمانية (المصدر: موقع الجزيرة.نت (الدوحة – قطر) بتاريخ 01 أفريل 2011)

 

بيان

بسم الله الرحمان الرحيم لقد انتفض شعبنا لافتكاك حريته و كرامته من الطاغية الذي فر امام شباب أمن بقضيته و قد سقط الشهداء على يد القناصة و التي اصبحت محمية من حكومة الظل التجمعية والتي لم تسلم البلاد لابنائها الاحرار و اصبحت تتلاعب بعقلية ورثتها من بورقيبة منذ الاستقلال ليكن في علمهم ان شعب تونس لن تمر عليه الخزعبلات ولن يقبل من اي كان ان تدوس كرامته من جديد و ان يفرط في دماء شهداء الثورة مهما كان الثمن و لهذه الاسباب عاد من جديد للاعتصام حتى النصر ومن هذا المنطلق فان التحالف الديمقراطي التونسي يساند الاعتصام و قوى التحرر في تونس كما يساند القضاء الحر و يطالب جميع القوى الحية ان تهب كرجل واحد لمساندة الشباب المعتصمين في ساحة القصبة و يحمل الاحزاب السياية و المجتمع المدني مسؤوليته امام التاريخ و ان شعبنا لن المساومة عن حقوقه المشروعة. عاشت تونس حرة مسلمة عربية وعاش شبابنا حر . تونس 1 أفريل 2011



الله وحده يعلم مكانتكم في صدري ـ والله على ما أقول وحده سبحانه شهيد ووكيل. الله وحده يعلم أني أعدكم درة تونس الجديدة وفرسانها الأشاوس لا يشق لكم غبار. الله وحده يعلم أني أقول لنفسي : يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما. إخواني المعتصمين.. أخواتي المعتصمات.. بعد التحية اللائقة بمقاومتكم السلمية الكبيرة.. أدعوكم بحرارة إلى المبادرة بإصطفاء ثلة منكم تعرف بلجنة قيادة الثورة أو لجنة حماية الثورة ولا عبرة بالأسماء ولا مشاحة فيها. لكم آمل منكم ألا ينفض جمعكم المقاوم قبل إنتخاب قيادة للإعتصام تكون منكم أنتم وبأي طريق ترونه مناسبا لإختيار تلك القيادة. أنتم تعلمون أن ثورتكم العظيمة الكريمة ـ نبراس الثورة العربية الراهنة التي من المؤمل أن تسير في إتجاه تضييق الخناق على المحتل الصهيوني تمهيدا لمعركة الفرقان وما ذلك عليه سحبانه بعزيز ـ .. أنتم تعلمون أن ثورتكم العظيمة الكريمة لئن توفقت بفضله سبحانه إلى طرد الذنب المقطوع بن علي ـ وهو مكسب عظيم كبير دون ريب ـ فإنها لم تكمل مشوارها السلمي المقاوم إذ سرعان ما طافت عليها طائفات المكر فحبستها ومكنت للدولة من إستيعابها بدستورها القديم البالي وبعض من مؤسساتها. أنتم تعلمون أن ثورة يستوعبها الدستور وتلتف عليها الدولة هي أقرب إلى الإنتفاضة منها إلى الثورة. ليس ذلك تحقيرا من ثورتكم العظيمة ولا من آفاقها المرسومة ولا من دماء زكية طاهرة أهرقت بغير حق على مسافح الإستبداد الأعمى والدكتاتورية الصماء.. أبدا ورب الكعبة. أنتم تعلمون أنه لولا إعتصامكم الثاني لما تزحزح الوزير الأول السابق السيد الغنوشي الذي حاول جاهدا إمتصاص الثورة ولكن عاجلته يقظتكم فأردته. أنتم تعلمون أن الدولة ـ القديمة الجديدة ـ تلعب معكم لعبة القط والفأر.لا يتخذ إجراء مهم حتى يشعر الوزير الأول الجديد السيد قائد السبسي بالتهديد الفعلي يحط رحاله قريبا من داره. ما كاد يحل التجمع وما كاد يحل البوليس السياسي وما كاد يأذن بحرية المرأة التونسية في إختيار صورتها المناسبة على بطاقة هويتها .. بل وصل الأمر إلى حد إعتقال قيادي إسلامي قبل يومين بتهمة أنه خاضع لبطاقة تفتيش منذ عام 1991… الخلاصة. لم يعد يساورني أي شك في أن الدولة الجديدة القديمة بطاقمها المؤسساتي وبقايا ميليشيات الذنب المقطوع بن علي قد وضعت لها هدفا إستراتيجيا كبيرا تعمل على تحقيقه بالطريقة الثعلبية الماكرة ـ يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك مثل ما يروغ الثعلب ـ. الهدف الإستراتيجي الكبير للدولة الجديدة القديمة ـ وليس السيدان فؤاد المبزع والباجي قائد السبسي ببعيدين عن ذلك ـ هو: إجهاض الثورة قدر المستطاع ولكن بطرق طويلة النفس ذكية المخارج. المؤشرات على ذلك لا تحصى لكل مراقب حصيف. لا أخفيكم أن فرحتي بثورتكم العظيمة الكبيرة يشغب عليها الذي يشغب عليها توجسا أن تذهب دماء شهدائكم ـ زهاء ثلاثمائة شهيد في مجتمع لا يزيد عن عشرة ملايين وفي مدة عشرين يوما فحسب بالرغم من الطابع السلمي الحضاري لثورتكم ـ هدرا.تذهب هدرا بين يدي رجال الدولة الجديدة القديمة أما بين يديه سبحانه فإن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ويستبشرون بكم ألا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. لم قيادة للإعتصام أو لجنة منكم لحماية الثورة. أنتم تعلمون أن للمجتمع المدني حساباته الحزبية والسياسية ـ وبعضها لا يختلف في شيء عن الحسابات الطائفية في المجتمعات الطائفية ـ. أنتم ـ فحسب ـ الذين يقاومون بصبرهم وثباتهم ويقظتهم دون حسابات. حسابكم الوحيد هو التمكين لقيم الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة والوحدة الوطنية لتكون تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة العربية لغتها والإسلام دينها والجمهورية نظامها. عندما إلتقطت الدولة الجديدة القديمة ثورتكم فاستوعبتها في دستورها ونظمها ومؤسساتها أشركت المجتمع المدني في بعض توجهاتها أو قراراتها. ولكن لا وجود لكم أنتم يا من أهرقت دماءكم على مسافح الإستبداد. الأمر يقضى اليوم في غيابكم. ولسان حال الدولة وبعض مكونات المجتمع المدني يقول :أنتم دفعتم الضريبة ونحن نقتسم الغنم. أنتم أصحاب العضلات المفتولة والدماء الرخيصة أديتم واجبكم ـ بل حماقتكم في لسان حال بعضهم ـ والآن نتسلم نحن المهمة ولم يعد لكم مكان في المجتمع المدني وميادين السياسة والتدبير والمفاوضات والمعركة حامية الوطيس حول غنم الثورة. أنتم تعلمون أن ثورتكم بقيت منقوصة لأسباب كثيرة منها : عدم إفرازها للجنة قيادية. سموها ما شئتم إذ لا عبرة عندي بالإسماء البتة. المهم أن تفرزوا قيادة لإعتصامكم هذه المرة. ما هو دور القيادة المطلوب منكم إفرازها. المطلوب منها ـ في نظري المتواضع والله وحده يعلم حرقة مهجتي كلما حدثتني نفسي أن ثورتكم تبددها الدولة بالإشتراك مع بعض فصائل المجتمع المدني ـ المطلوب منكم هو إفراز قيادة تكون هي قيادة الثورة. دعوني أسميها : لجنة قيادة الثورة. دعوني أسميها :لجنة حماية الثورة. دعوني أسميها : أعلى هيئة قيادية شعبية جماهيرية ثورية ذات أعلى مشروعية. أجل. مشروعية تفوق مشروعية الدستور ومشروعية الدولة ومشروعية الحكومة ومشروعية كل فصائل ومكونات المجتمع المدني مجتمعة. ذلك هو تصوري لأنكم أنتم ممثلي الشعب وممثلي الثورة التي مازالت حية نابضة. أنتم تعلمون أن ثورة مصر لها نقاط قوة كبرى منها أنها أفرزت منذ الأيام الأولى قيادة ثورة. قيادة ثورة ظلت حاضرة مع المجلس العسكري ويحسب لها ألف ألف حساب ولا يقضى الأمر إلا بحضورها. ذلك هو ما ينقص ثورتكم أيها المقاومون بإعتصامكم. ستثور ضدكم الدولة والحكومة وأكثر مكونات المجتمع المدني ـ أجل أكثرهم لأني أعي ما أقول ـ. وآخرون كثر من أعداء الثورة ممن تعلمون وممن لا تعلمون ولكن الله يعلمهم. لا تبالوا بهم أبدا. إفرضوا قيادة لإعتصامكم وبإعتصامكم بتلك القيادة سترضخ الدولة وحكومتها إلى التشاور معكم قبل قضاء أي أمر ذي بال في البلاد. لتكن قيادة الثورة التي تفرزون أقوى مؤسسة رقابة ومحاسبة في وجه الدولة والحكومة حتى يؤول الأمر بالإنتخاب إلى الشعب. عندما يتم إنتخاب كل الهياكل الحكومية من رئاسة وبرلمان وغير ذلك … عندها فحسب تنحل قيادة ثورتكم لأن الشعب إستلم أمانته التي من أجلها ثرتم وأهرقتم دماءكم مسفوحة على مذابح الإستبداد الأعمى. ذلك هو ندائي لكم. ذلك هو رأيي في معالجة الأمر التونسي بعدما تبين لي أن ثورتكم العظيمة مهددة فعليا وجديا في الشهور القادمة والسنوات التالية بالإغتصاب ولكن ليس بالطريقة البوليسية الفجة التي كان يزاولها الذيل المقطوع بن علي بل بطرق ثعلبية ماكرة. أدعو الشعب التونسي بأسره إلى تعزير إعتصامكم ومساعدتكم على إفراز لجنة لقيادة الثورة وحمايتها. ليس هناك لجنة شرعية لحماية الثورة سوى ما تفرزونه أنتم. أما أن تهراق دماءمكم أنتم ثم يتولى الأمر غيركم فذلك أمر ما أنزل الله به من سلطان. الحق أحق أن يتبع والعدل أولى بنا وأحرى. مادام كل شيء مؤقتا في تونس فلا مناص من أن تظل ثورتكم ممثلة بقيادة شرعية مفرزة من لدنكم. قيادة معروفة بإسمائها وعناوينها وأصواتها وتصريحاتها الإعلامية. هي قيادة شعبية بحق لا تخضع لا لدولة ولا لحكومة ولا لأي حزب أو هيئة أو منظمة.هي لسان الثورة التي نجحت الدولة في إستيعابها. لعل ذلك منكم يكون رادعا قويا لمن تحدثه نفسه بإغتصاب الثورة.تلك هي القوة الشعبية المطلوبة. قوة جماهيرة شعبية سلمية لا تعادي أحدا ولكنها لا تسلم البلاد التي عملت على تحريرها لغير أهلها وليس للبلاد أهل سوى مجتمعها وشعبها. عندما نستكمل إنتخاب المؤسسات الحكومية المطلوب إنتخابها يكون المجتمع قد تسلم أمره بنفسه. عندها تعودون مواطنين عاديين تساهمون من مواقعكم في خدمة البلاد. أما الآن فإن الفريضة الوطنية في حقكم هي فريضة واحدة لا ثاني لها ولا تنازل عليها : فريضة حماية الثورة من خلال إفراز لجنة قيادة للثورة. ألا هل بلغت. اللهم فاشهد. اللهم إحفظ تونسنا الحبيبة من كل خوان أثيم يعمل على إجهاض ثورتنا. اللهم وفق معتصمي القصبة لخير تونس. والسلام. الهادي بريك ـ المانيا.


 تونس، في 1 أفريل 2011

بلاغ توضيحي لحزب الخضر للتقدّم  


إثر التحرّك الإحتجاجي الذي قام به حزبنا حزب الخضر للتقدّم بجهة قليبية من الوطن القبلي يوم الأحد 27 مارس 2011 والذي تمحور حول رفض الحزب لتركيز مفاعل نووي بتونس، فاجأتنا وزارة الصناعة والتكنولوجيات ببيان تداولته مختلف وسائل الإعلام الوطني جاء فيه أنّه « لا يوجد حاليا أي مشروع نووي بمدينة قليبية » وهو ما يثبت وجود نيّة لدى الوزارة في بعث هذا المشروع.
ويهمّ حزب الخضر للتقدّم أن يمدّ الرأي العام الوطني بالنقاط التالية التي تبيّن الأشواط التي قطعتها تونس في هذا المشروع :  قامت تونس بين عامي 2001 و2004 بدراسات لمعرفة مدى جدوى تحلية مياه البحر وإنتاج الطاقة بالاعتماد على مصادر نوويّة، وقد أظهرت نتائج هذه الدراسات أنّ الطاقة النووية أقلّ تكلفة للبلاد من الطاقة الأحفورية خاصّة عندما يتجاوز سعر برميل النفط 38 دولاراً (أي حوالي ثلث السعر الحالي).
في نوفمبر 2006 وقع تكليف الشركة التونسية للكهرباء والغاز بإنجاز دراسة تقنية واقتصادية بهدف إدراج الطاقة النووية في بلادنا من خلال محطة كهرونووية وذلك بإشراف وزارة الصناعة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وللغرض ذاته ركّزت الستاغ خلية لدراسة المشروع، شرعت في إنجاز الدراسات الخاصة بكل الجوانب التي تهم المشروع وكل مراحله.
في 14 ديسمبر 2006 تمّ توقيع اتفاقية تعاون، حول الاستعمال السلمي للطاقة النووية في مجالات حماية البيئة وتحلية مياه البحار والصحّة والإنتاج الكهربائي، بين المركز التونسي للعلوم والتكنولوجيات النووية والهيئة الفرنسية للطاقة الذريّة.
خلال زيارة ساركوزي لتونس في 28 أفريل 2008 عرض مساعدة بلادنا على إمكانية الحصول على التكنولوجيا النووية المدنيّة بموجب اتّفاق إطار للتعاون شبيه بالاتفاقات التي وقعت بالأحرف الأولى مع طرابلس والرباط والجزائر، يتيح إمكانية تسليم تونس مفاعلا نوويا أو أكثر في غضون 15 عاماً.
وقعت تونس وفرنسا، يوم 27 أوت 2008 اتفاقية تعاون في مجال الطاقة النووية لعشرين سنة. وتمّ التوقيع على الوثيقة بالأحرف الأولى بعد لقاء لأعضاء اللجنة المشتركة حول التعاون في مجال الطاقة النووية المنعقد ضمن نظام الضمانات الذي توفره الوكالة الدولة للطاقة الذرية.
 أمضت تونس وفرنسا خلال زيارة فرانسوا فيون الوزير الأول الفرنسي يومي23 و24 أفريل 2009، البرتوكول المبدئي لمشروع مفاعل نووي ووفقا لذلك ستبني فرنسا بموجب الاتفاق مع التونسيين مفاعلاً نوويًا لإنتاج الكهرباء من صنف « مفاعل بالماء المضغوط » انطلاقًا من سنة 2020، وحسب بنود هذا البروتوكول ستشرف الشركة الفرنسية « أريفا » على بناء هذا مفاعل، الذي ستصل تكلفته أربعة مليار دولار للجيغاواط، وتبلغ قوته واحد جيغاواط.
على هامش ندوة دراسية نظّمتها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، يوم 6 أفريل 2010، بالتعاون مع المركز التونسي للعلوم والتكنولوجيات النووية، والمركز النووي الروسي «روساتوم» طلبت تونس من روسيا مساعدتها في إنتاج الطاقة النووية، والمساهمة في إعداد دراسات تمهيدية لإطلاق «البرنامج التونسي لإنتاج الطاقة بالاعتماد على مصادر نووية». كما وقّعت الشركة التونسية للكهرباء والغاز على اتفاق مع روسيا يرمي إلى تدريب 10 مهندسين تونسيين في مؤسسات دولية بين عامي 2008 و2012، إضافة إلى تدريب 50 مهندساً في مؤسسات محلية بين عامي 2013 و2022.
 اجتمع بتونس في 19 نوفمبر 2010 وفد من الإدارة الأمريكية للوقاية النووية ولجنة تنظيم البرامج النووية مع ممثلين عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا، والمركز الوطني للأبحاث النووية ووزارة الصحة العمومية والشركة الوطنية للكهرباء والغاز. وتمحور الاجتماع حول سبل دعم تبادل المعلومات بشأن البرنامج التونسي لتطوير الطاقة النووية لأغراض مدنية وخاصة مناقشة الإعداد لبعث أول محطة توليد للطاقة النووية المزمع إحداثها في غضون سنة 2020.
بعد حادثة فوكوشيما اليابانية، وما أثارته من أسئلة حول جدوى تركيز محطّة نووية في تونس، أعلنت الستاغ أنّها ستواصل إنجاز الدراسة التي ستتواصل إلى غاية سنة 2013، وقد قامت بتكليف فريق من الخبراء لإعداد المرحلة الأولى الخاصة بإنجاز دراسة الجدوى التقنية والاقتصادية للمشروع وإدراج كل العناصر ذات الصلة وفي مقدمتها عناصر السلامة والحماية النووية.
وهو ما يفسّر نيّة الوزارة والهياكل التابعة لها المضي قدما في تنفيذ هذا المشروع، لكن اعتمدت في بيانها إلى عمليّة تمويه تقوم بالأساس على نفي وجود أيّ مشروع نووي في قليبية وتغافلت الوزارة في بيانها عن ذكر موقفها من مثل هذه المشاريع.
وبما أنّ الحكومة الموقتّة ليس من مشمولاتها إلغاء الإتّفاقيّات التي أمضاها النظام السابق، فإنّ حزب الخضر للتقدّم سيعمل على تحسيس المواطنين بخطورة مثل هذه المشاريع على البيئة والإنسان، ويلتزم بالتصدّي لتركيز أيّ مشروع نووي، كما أنّه سيطالب بعد موعد إنتخابات 24 جويلية 2011 وتركيز حكومة جديدة بعرضه على استفتاء شعبي تكريسا لمبادئ الديمقراطيّة التشاركيّة وقيمها ولتكون كلمة الشعب هي الفيصل في مثل هذه المسائل الحيويّة.
                  حزب الخضر للتقدّم                         عن دائرة الإعلام                 منجي الخماسي و فاتن الشرقاوي



تهنئ الجبهة الوطنية لمناهضة العدوان علي ليبيا ودعم الحوار والإنقاذ الوطني عائلة الصحفي لطفي المسعودي (مراسل قناة الجزيرة) بإطلاق سراحه أمس على إثر طلب تقدم به وفد الجبهة الذي يزور هذه  الأيام طرابلس  إلى السلطات الليبية بإطلاق سراحه.   وقد التقى صباح أمس الأستاذ احمد الاينوبلي الأمين العام للاتحاد الديمقراطي الوحدوي  في العاصمة الليبية  طرابلس السيد سليمان الشحومي أمين اللجنة الشعبية العامة في ليبيا وتقدم له بطلب إطلاق سراح الصحفي لطفي المسعودي وتلقى وعدا صريحا بذلك تقديرا لدور الجبهة الوطنية لمناهضة العدوان علي ليبيا ودعم الحوار والإنقاذ الوطني  و للوفد الذي يزور طرابلس في مسعى للمصالحة بين طرفي النزاع الذي يعصف بليبيا ويهدد وحدتها واستقرارها فضلا عن تهديده للأمن الإقليمي في المنطقة.   وأكد السيد سليمان شحومي  للأستاذ احمد الاينوبلي الأمين العام للاتحاد الديمقراطي الوحدوي  أنه سيرفع الطلب إلى العقيد معمر القذافي  وهو ما حصل  مساء اليوم ذاته إذ تم إطلاق سراح الصحفي لطفي المسعودي.   وقال الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي إن استجابة السلطات الليبية بهذه السرعة يؤكد عمق الروابط بين الشعبين التونسي والليبي  مؤكدا أن ليبيا تتعرض إلى عدوان غربي له خلفيات استعمارية الهدف منها السيطرة على الإمكانات النفطية لليبيا والمس من وحدة ترابها و سيادتها.   ومن جهة أخرى تعرض اللقاء بين الوفد التونسي والسيد سليمان الشحومي إلى مشكلة العمال التونسيين الذين اضطروا لمغادرة ليبيا وتم التوصل والتوافق إلى بعث لجنة لتقصي الحقائق وتلقي الشكاوي  من العمال التونسيين الذين تعرضوا إلى مضيقات في ليبيا وسلب أموالهم وممتلكاتهم  وأكد السيد سليمان الشحومي للأستاذ احمد الاينوبلي أن ليس هناك أي عمل ممنهج في هذا الصدد وأن كل القضايا ستعالج.   كما أكد الأستاذ احمد الاينوبلي أن المباحثات مع السلطات الليبية لعودة العمال التونسيين مازالت متواصلة وعلى قاعدة حقوق ثابتة ومضمونة إلى جانب فتح الباب أمام العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تونس وليبيا لتعود إلى وضعها الطبيعي.   دائرة الإعلام و الاتصال


تحول يوم الثلاثاء احمد نجيب الشابي صحبة وفد من الحزب الديمقراطي التقدمي الى مدينة فريانة لعقد اجتماع بمناضلي حزبه .. لكن مجموعة من المواطنين منعوه من دخول دار الثقافة بالمنطقة و قاموا بطرده بطريقة غير لائقة بمناضل سياسي مثله تعرض الى الاضطهاد في العهد البائد حيث تم دفعه و مناداته بنعوت غير لائقة بالمرة في حادثة اكدت لنا مصادر من لجنة حماية الثورة بفريانة ان لا علاقة لها بها .. بعد الاتهامات التي وجهت لبعض اعضائها بانهم كانوا وراء عملية طرد الشابي .. و حسب ما علمنا فان اطرافا خفية من بقايا التجمع المنحل هم الذين البوا المواطنين عليه و دفعوهم الى منعه من عقد اجتماعه.. مستغلين عدم مغفرة البعض من الاهالي لمشاركة الشابي في حكومتي محمد الغنوشي المؤقتتين الاولى و الثانية ..  و قد افادنا مناضلون من الحزب الديمقراطي التقدمي بالقصرين ان ما وقع لزعيم حزبهم في فريانة بعيد كل البعد عن السلوكيات الديمقراطية و اجواء الحرية التي جاءت الثورة لتجسيمها ..                                                           طارق الغرسلي (المصدر: موقع التونسية الألكتروني (تونس) بتاريخ 1 أفريل2011)



ستطلب ايطاليا من تونس قبول اعادة آلاف المهاجرين الذين وصلوا منذ بداية العام الجاري الى جنوب شبه الجزيرة في خطوة يعتبرها رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني « الحل الرئيسي » لمشكلتهم. واعلن رئيس الحكومة ايضا فتح مراكز محددة لاستقبال اللاجئين قرب الحدود للذين « عبروا عن رغبتهم في الانضمام الى اهلهم واصدقائهم في فرنسا او المانيا مثلا ». وقال برلوسكوني ان بعض هؤلاء المهاجرين يمكنهم الحصول مثلا على « تصاريح اقامة تسمح لهم بالتنقل بحرية في اوروبا ». من جهته، قال وزير الداخلية روبرتو ماروني في مؤتمر صحافي انها « تصاريح موقتة للذين يرغبون في لم شمل العائلة وهذا سيسمح بتجاوز العقبة التي تضعها دول مثل فرنسا امام حرية التنقل في مجال شينغن ». واكد وزير الداخلية العضو في حزب رابطة الشمال المعادي للمهاجرين ان ذلك « سيكون ايضا اداة ضغط في مواجهة رفض تام للتعاون » من قبل الدول الاوروبية الاخرى. وبعدما اكد ان عمليات اعادة اللاجئين هي « الحل الرئيسي »، رأى برلوسكوني الذي سيزور تونس الاثنين للقاء رئيس الوزراء الباجي قائد السبسي ان « حلا حاسما قد يعتمد بعد » اللقاء. واوضح ماروني الذي سيرافق برلوسكوني في زيارته ان روما تنتظر امرين من تونس هما « اعادة اللاجئين ووقف انطلاقهم » من السواحل التونسية. واضاف « سنذهب الى تونس لاقناع تونس ان لم يكن اجبارها على الالتزام بالتعهدات التي قطعت » وخصوصا منع الراغبين في الهجرة من الانطلاق من اراضيها. وكان ماروني ووزير الخارجية الايطالي زارا الجمعة الماضي تونس البلد الذي منحته روما مساعدة تبلغ 80 مليون يورو لشراء معدات تستخدم في وقف تدفق المهارجين و150 مليونا اخرى لانعاش الاقتصاد التونسي. وقال برلوكسوني انه ينوي ايضا « مواصلة الضغوط على المفوضية الاوروبية وينوي لقاء الرئيس جوزيه باروزو » ليطلب مساعدة ايطاليا على ادارة هذه الموجة من المهاجرين غير الشرعيين. ومنذ بداية العام وسقوط الرئيس زين العابدين بن علي، وصل نحو عشرين الف تونسي الى ايطاليا وخصوصا الى جزيرة لامبيدوزا (جنوب) مقابل اربعة آلاف العام الذي سبقه. (المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية (أ ف ب) بتاريخ 1 أفريل 2011)



أوضح  » ستيفان فولي » مفوض الاتحاد الاوروبي لشؤون التوسع خلال ندوة صحفية عقدها أمس أن الاتحاد الاوروبي يعتزم مضاعفة مساعدته لتونس المقررة لعامي 2012 و 2013 وذلك للمساعدة على الانتقال الديمراطي وأشار أنه تم تقديم مقترحات مشاريع لتنفيذها بشكل عاجل.
وشدد على أن الاتحاد الأوروبي يركز خصوصا على تنمية المناطق الأقل حظا وتعزيز القروض الصغيرة.
وأضاف أن الاتحاد سيعمل على مساعدة الهيأة العليا لتحقيق أهداف الثورة ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام خصوصا في مجال التدريب. (المصدر: مجلة « كلمة » الإلكترونية ( يومية – محجوبة في تونس)، بتاريخ 31 مارس 2011)


في الاجتماع السادس للهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة الأغلبية متمسكة بموعد 24 جويلية.. ومطالبة بإقالة وزير الداخلية الجديد


 
جدد اعضاء من الهيئة العليا لتحقيق اهداف الثورة في الجلسة السادسة التي انعقدت يوم أمس بمقر مجلس المستشارين تمسكهم باقالة وزير الداخلية الجديد باعتباره احد وجود العهد البائد وتورط في تزوير انتخابات 1999 على حد تعبيرهم. كما تمسك معظم الأعضاء بموعد 24 جويلية لانتخاب المجلس التأسيسي..
وشدد بعض الأعضاء اصدار مجلس الهيئة بيانا يطالب فيه بإقالة وزير الداخلية الجديد الذي اثار تعيينه جدلا واسعا داخل الهيئة وفي الشارع التونسي، وتعيين وزير آخر يتمتع بـ »نظافة اليد » ولم يعمل في حكومات النظام البائد… وكان واضحا أن اللقاء الصحفي التلفزي للوزير الأول الذي بث ليلة أول أمس لم ينل رضاء بعض اعضاء الهيئة بل توجهوا بوابل من الانتقادات اللاذعة لأداء الحكومة المؤقتة، على غرار عدم تنفيذها لتعهداتها والتزاماتها مثل الحل الفعلي لأجهزة البوليس السياسي، واصلاح القضاء وتطهيره، والإعلام،.. وقالوا إن طريقة تعيين وزير الداخلية اجراء غير مفهوم، وقال بعضهم إن اللقاء المتلفز للسيد الباجي قائد السبسي ترك انطباعا سلبيا لأنه « خلا من أي دور للمعارضة والمجتمع المدني » على حد تعبير منير القوماني. كما لاحظ آخرون أن الحكومة لم تتخذ اجراءات عملية لتطبيق قرار العفو التشريعي العام، واتخذت اجراءات ضد أهداف الثورة حسب ما لاحظه كل من العياشي الهمامي، وشكري بلعيد.. وتمسك البعض على غرار المنصف اليعقوبي، وعدنان الحاجي بتطبيق الفصل 2 من المرسوم المنظم للهيئة الذي يتيح لها ابداء الراي في اداء الحكومة وقراراتها. وقبل رفع الجلسة اقترح بن عاشور مواصلة نقاش القانون الانتخابي اليوم في الجلسة الصباحية وتخصيص جلسة خاصة مساء لمواصلة النقاش على اداء الحكومة.
نقاش طرق الاقتراع
وشهدت جلسة يوم أمس نقاشا فعليا لمشروع القانون الانتخابي، بعد أن تم تجاوز الخلاف بشأن مطالب مناقشة اداء الحكومة وخاصة في ما يهم التعيين المبهم لوزير الداخلية الجديد، وذلك بعد أن خصص رئيس الهيئة الجزء الأول للجلسة لمناقشة المرسوم الانتخابي وخاصة ما يهم طرق الاقتراع. وخصص الجزء الثاني منها لمناقشة اداء الحكومة على أن يتم مواصلة النقاش على المرسوم الانتخابي في الجلسات القادمة.
لكن اللافت للنظر أن غالبية المتدخلين عند مناقشة مضمون مشروع المرسوم الانتخابي للمجلس التأسيسي عبرت عن رفضها تأجيل الموعد الانتخابي المقرر وتمسكت بالحفاظ على موعد 24 جويلية المقبل. ميثاق شرف..
وتميزت الجلسة بتوزيع ممثلي حزب الطليعة العربي الديمقراطي لوثيقة تتضمن مقترحا حول ادراج فصل صلب القانون الانتخابي يلزم المترشحين بإمضاء ميثاق شرف يتعهد بموجبه بجملة من المبادئ الأساسية مثل اقرار الهوية العربية الاسلامية ومبدإ المساواة وصون الحريات الأساسية والعامة واقرار الفصل الشان الديني عن الشان السياسي..
في سياق متصل اقترح عبد الجليل بوراوي، وضع اتفاقية تأسيسية او عقد جمهوري يلتزم به المجلس التأسيسي ويتم عرضه على الاستفتاء الشعبي ويكون ملزما للمجلس التاسيسي.
تباين وجهات النظر
وبخصوص نظام الاقتراع المقترح ظهر من خلال تدخلات اعضاء الهيئة تباينا في وجهات النظر بين داع إلى اعتماد نظام الاقتراع على الأفراد، وبين منتصر لنظام الاقتراع على القائمات اما على دورة واحدة باعتماد النسبية، أو على دورتين حسب نظام الأغلبية.
وانتقد احمد الرحموني، رئيس جمعية القضاة استبعاد القضاة من حق الترشح، وقال إن « ابعاد القضاة استنقاص من حق المواطنة » على حد تعبيره. واقترح تنظيم تمويل الحملة ومراقبتها عن طريق دائرة المحاسبات. وخالفه في الراي بعض الأعضاء مثل ربيعة بن عبيد التي شددت على أن القضاة لا حق لهم الترشح لأنهم ملزمون بالحياد.
وطالب آخرون مثل عبد الستار بن موسى، والصحبي عتيق، وشكري بلعيد بضرورة وضع شرط عدم ترشح من تقلد مسؤوليات حزبية وسياسية في النظام السابق، وضمان مقاعد اضافية للجهات الداخلية المحرومة التي انطلقت منها شرارة الثورة. وإن كان البعض يرى أن طريقة الاقتراع على الأفراد ترسخ الجهوية والفئوية والمحسوبية والرشوة وتمكين بقايا التجمع من العودة، واعتماد الترشح على القائمات الحزبية لأنها تسمح بتمثيل الشباب والنساء وكل التيارات، مثل سمير الطيب ممثل حركة التجديد، ومحمد القوماني عن حزب الإصلاح والتنمية.
اقترح البعض الآخر مثل العياشي الهمامي، المزج بين النظامين نصف المقاعد يتم انتخابهم حسب القوائم، والنصف الثاني على اساس الدوائر المنفردة، كما رفض معظم الأعضاء التمويل الأجنبي أو الخاص للحملات الانتخابية وطالبوا وضع سقف في التمويل العمومي والتبرعات. واقترح آخرون الاكتفاء بشرط الجنسية التونسية فقط للمترشحين دون شرط ان يكون الأب والأم تونسيين، مع احترام مبدإ التناصف لضمان حضور المراة في المجلس التاسيسي. واقترح الفاضل بالطاهر، ممثل ولاية قبلي، وشقيق أحد الشهداء التكريم المعنوي لعوائل الشهداء على الأقل من خلال تعليق صور الشهداء، واقترح اعتماد طريقة الاقتراع على الأفراد بالأغلبية على دورتين، وتمثيل الجهات المحرومة بأكثر عدد ممكن من المقاعد.  
رفيق بن عبد الله (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 01 أفريل 2011)


المشهد السياسي التجديد والديمقراطي التقدمي يناقشان التحالف.. النهضة تتحسس المشهد.. اليسار في وحدة مهزوزة ..والأحزاب الجديدة غائبة


اختلطت الأوراق في الخارطة السياسية التونسية، بعد 14 جانفي مباشرة ، فقد تغير المشهد السياسي تغييرا يكاد يكون كليا، فبعد أن كانت تنشط في الساحة 8أحزاب مقننة مع الحزب الحاكم سابقا، أصبحنا نتحدث على أكثر من مائة حزب سياسي تقننت 50منها وتنتظر الأخرى دورها في رد الإدارة على مطالبها.

ورغم هذا التعدد فان خارطة التحالفات السياسية مازالت غامضة، حيث أن البلاد مقبلة على استحقاقات انتخابية وسياسية بعد أشهر، كما أن ملفات كبيرة مطروحة اليوم حول المشروع المجتمعي، وطبيعة النظام المرتقب الذي سيحمل مشعل أهداف الثورة التي قامت.
وان كانت الساحة السياسية التونسية تزخر بتقاليد سياسية عريقة رغم طبيعة النظام الشمولي والأحادي الجانب الذي طغى لعقود، فان نوعا من الحذر أو الانتظار يسود الساحة السياسية اليوم في خوض مبادرات لتشكيل تحالفات واضحة كما يذهب إلى ذلك بعض المتابعين. فماهي تطورات تشكل هذه التحالفات على الساحة السياسية اليوم؟
قبل 14 جانفي
قبل 14 جانفي، وعلى امتداد سنوات قليلة تقريبا كانت الساحة تضم 3 أقطاب إن صح التصنيف، القطب الأول كان يضم الحزب الحاكم سابقا وأحزاب الوفاق، أو »المقربة منه » كما يحلو للبعض تسميتها. وضم القطب الثاني « حركة 18 أكتوبر » كل من الحزب الديمقراطي التقدمي إضافة إلى حزب العمال الشيوعي وحركة النهضة، أما القطب الثالث « المبادرة الائتلاف » فضم كلا من حركة التجديد وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب الإصلاح والتنمية. ومن ناحية أخرى وبعد تنسيق زمني قصير خير التكتل من أجل العمل والحريات أن ينسحب من مبادرة 18 أكتوبر. غير أن اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام بن علي، ألغى من الساحة هذه الاستقطابات والتجاذبات.
بعد الثورة
في مرحلة أولى واثر اندلاع الثورة، ضمت حكومة محمد الغنوشي آنذاك كلا من حركة التجديد والحزب الديمقراطي التقدمي اللذان تمثلا لأول مرة في حكومة وكان ذلك لعدم السماح بخلق فراغ في الساحة حسب قراءة كلا الحزبين في حين خير التكتل من أجل العمل والحريات الانسحاب منها.
وتموقعت بقية التنظيمات الحزبية خارج الحكومة والتحقت أغلبها بمشروع »مجلس حماية الثورة » الذي كان مشروعا، طرح على نفسه أن يكون مراقبا لعمل الحكومة الانتقالية، وضم هذا المشروع مختلف الحساسيات والتلوينات مثل حركة النهضة حزب العمال الشيوعي حزب الإصلاح والتنمية حزب العمل الوطني الديمقراطي حركة الوطنيين الديمقراطيين وعدد آخر من الأحزاب.
مبادرات
رغم الاصطفاف الذي ظهر مباشرة بعد 14 جانفي من قبل أغلب القوى اليسارية التقليدية في عمل جبهوي فان تسارع الأحداث والتطور الذي شهدته الساحة سرعان ما خلف تباينا في المواقف بين مختلف مكونات الجبهة خاصة بعد التحاق حزب الطليعة العربي وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحركة الوطنيين الديمقراطيين بالهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة ويذهب المراقبون إلى أن سقف المطالب الذي وضعته الجبهة عند تأسيسها كان سببا في الاختلافات الحاصلة اليوم رغم « استمرار التنسيق بين مختلف الأحزاب المكونة لهذه الجبهة والتزام مختلف القوى المكونة لها بمزيد التشاور والعمل المشترك » كما أكد ذلك خميس الماجري المتحدث الرسمي باسم حركة البعث.
أحزاب غائبة
من جهة أخرى فان أغلب الأحزاب السياسية الناشئة حديثا بعد الثورة مازالت غائبة عن الساحة، ولم تبدأ في خوض معارك سياسية أو حتى تقديم نفسها للتموقع في المشهد، ويبدو أنها سارعت للتحصل على تأشيرة العمل القانوني حتى قبل أن يكون لها تصور واضح للساحة السياسية ولمستقبلها السياسي.
وهو ما يخالف تقاليد العمل السياسي للمجموعات والأحزاب السياسية التي كانت تعمل في تونس قبل اندلاع الثورة والتي كان لها موقعها في الخارطة وكانت تخوض معارك سياسية حتى قبل تقنينها. ومازال حزب المجد يخوض بعض النقاشات مع عدد من الأحزاب، لـ »تبادل الأفكار ولتقديم قراءاته ومواقفه وطرحها في الساحة السياسية » كما يذهب إلى ذلك نصر الهاني العضو المؤسس بالحزب.
انطلقت حركة التجديد في صياغة أرضية اعتبرها عضو المكتب السياسي بالحركة حاتم الشعبوني « جبهة انتخابية ديمقراطية وتقدمية وحداثية »، وقد تخوض الحركة نقاشات مع عدد من الأحزاب على أرضية هذه المبادرة التي يبدو أنها واضحة في أفقها السياسي ويبدو أن الديمقراطي التقدمي كحزب تقليدي في الساحة، فتح باب النقاشات أيضا مع بقية مكونات المشهد السياسي وذلك لخوض تحالف انتخابي محتمل. ومن ناحيته بادر حزب الاشتراكي اليساري طرح مشروع « من اجل ميثاق جمهوري ». وعلمت « الصباح » من مصادر مطلعة أن هذه الأحزاب الثلاثة دخلت في نقاش من أجل التحضير لانتخابات المجلس التأسيسي، وقد تدخل في قائمات انتخابية موحدة، إن اتفقت مختلف مكونات المشهد السياسي على اعتماد مبدأ القائمات في الانتخابات المقبلة. ومازال حزب تونس الخضراء يدرج مسألة التنظيم والهيكلة الداخلية في سلم أولوياته قبل كل شيء، في حين تجري حركة النهضة اتصالات مع مختلف القوى السياسية الموجودة في الساحة حسب علي العريض القيادي بالحركة ومازالت لم تحسم أمرها في المسألة بعد. ومن ناحيته يعمل التكتل من أجل العمل والحريات على مزيد تفعيل هياكله في مختلف مناطق البلاد وعلى النقاش مع مختلف مكونات المشهد السياسي.
ومازلت أغلب المكونات السياسية لم تحسم بعد مسألة التحالفات خاصة أن عددا منها يطرح تأجيل الموعد الانتخابي، وعددا آخر ينتظر الحسم في مشروع قانون تنظيم انتخابات المجلس التأسيسي، بما في ذلك نقطة الترشح عبر اعتماد طريقة القائمات أو الأفراد التي ستكون حاسمة في بلورة التحالفات، خلافا للمشروع المجتمعي والأرضية المبدئية التي جمعت الأحزاب السياسية في تحالفاتها.
أيمن الزمالي (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 01 أفريل 2011)


التحول الديمقراطي» في تونس اتهامات متبادلة بين الحكومة المؤقتة وأحزاب سياسية


جملة من الأسئلة المحيرة رافقت اللقاء الإعلامي المتلفز الذي نظمه الوزير الأول المؤقت الباجي القايد السبسي أول أمس.
أسئلة حملت معها حيرة عن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي للبلاد في ظل حالة العطالة التي تعيشها تونس والخلاف الذي بدأت ملامحه تبرز في جلسات اللجان لا سيما الهيئة العليا للثورة والانتقال الديمقراطي. ولم تتبدد تلك الحيرة رغم  » تسونامي الأسئلة  » التي رافقت لقاء الوزير الأول بل زادت في تعميق الحيرة مع إعلان الباجي قايد السبسي بتربص أطراف تعمل على تعطيل التحول الديمقراطي في تونس دون أن يسميها ومن يقف وراءها.
فهل يمكن اعتبار الأحزاب الداعية إلى تأجيل موعد انتخابات المجلس التأسيسي هي المقصودة بهذا الوصف؟ هل تحولت تونس إلى ورشة مفتوحة للمخابرات الدولية التي يعمل بعضها على تعطيل التحول الديمقراطي وإدامة الشكل اللادستوري للحكومة المؤقتة؟
وفي الوقت الذي تظهر فيه أسئلة تخص التحول الديمقراطي فان مواقف أطراف أخرى تؤكد على أن تعطل التحول الديمقراطي في تونس إنما هو  » نتيجة مباشرة لتدخل الباجي قايد السبسي وفؤاد المبزع اللذان يحاولان الالتفاف على الثورة وتحويلها إلى مجرد إصلاحات للنظام القديم ».
ووصف الناطق الرسمي باسم حزب العمال حمة الهمامي  » هذا الامر بالعودة إلى اللغة الخشبية من قبل السلطة. »
واضاف انه لا يعقل أن يتهم من ينتقد الحكومة او من يطالب بتأجيل الموعد الانتخابي  » بتعطيل المسار الديمقراطي « .
ووجه الهمامي نقده إلى الحكومة المؤقتة قائلا انه من باب اولى واحرى أن يوجه النقد إلى السلطة المؤقتة التي حددت موعد الانتخابات دون اي تشاور مع اي كان . » مضيفا  » نعتقد أن الافضل أن تناقش هذه القضايا بهدوء وبمسؤولية وخارج منطق الاتهامات الذي لا يجدي نفعا. »
ومن جهته قال عضو حركة النهضة نور الدين البحيري انه لم يتبين من المقصود بالضبط من ذلك الحديث معتبرا ان تصريح قايد السبسي يخصه وحده وفي ذات السياق جدد علي العريض انه من الضروري التمسك بالموعد المحدد يوم 24 جويلية لانتخاب المجلس التاسيسي. واوضح الناطق الرسمي باسم الاصلاح والتنمية محمد القوماني أن المستفيد من تعطيل المسار الديمقراطي هم انفسهم الخاسرون من الثورة التونسية. وبين القوماني ان عملية التعطيل تتم باشكال مختلفة لا سيما من خلال عمليات الارباك الامني والاحتجاج غير المنظم في وقت نحتاح فيه إلى اولوية حل القضايا الاجتماعية العاجلة وبناء مؤسسات شرعية منتخبة في اقرب الاجال. ولضمان التحول الديمقراطي الحقيقي لتونس الثورة اوضح عضو حزب المؤتمر من اجل الجمهورية محمد عبو انه من الضروري الاستعاضة بالمصلحة الوطنية عن المصلحة الحزبية الضيقة والاهتمام بمستقبل البلاد من خلال البناء والتشييد بعيدا عن عرقلة المؤسســــات.
واعتبر عبو أن الحزب ضد اي طرف يدعو إلى التعطيل او إلى ممارسة العنف كما لم يخف محمد عبو رفض الحزب التعاطي السياسي للوزير الاول للحكومة المؤقتة لا سيما في ما يتعلق بتعيينه لوزير الداخلية. » واكد عبو بان تعيين الوزيرالأول الجديد لم يراع فيه مشاعر الراي العام من خلال تعيين من كانت له علاقة بنظام السلطة السابقة » خليل الحناشي (المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 01 أفريل 2011)


رغم الرسائل المشفرة المسكوت عنه في حوار الباجي قائد السبسي  


شكل حوار الوزير الأول، الباجي قائد السبسي الذي أجراه أمس الأول مع الفضائيات التونسية الثلاثة، لحظة فارقة في أداء مسؤول سياسي تونسي في الحكم ، قياسا بالأسلوب الذي كان متبعا خلال حكم الرئيس المخلوع، بل حتى خلال السنوات الأخيرة لحكم الزعيم الراحل، الحبيب بورقيبة..
فطيلة 25 عاما على الأقل، لم يظهر الوزير الأول في حوار مباشر مع صحفيين، وظلت الوزارة الأولى، احدى الأطر الممنوعة على «السلطة الرابعة»، لأنها تحولت إلى جزء من آليات السياسة البيروقراطية، ورقم اضافي ضمن سجل حسابات التعتيم التي كانت تمارس حينذاك..
صحيح أن الحوار كان معدا سلفا بطريقة ما، ولم تبد على ملامح التساؤلات التي ألقيت على الوزير الأول، ذلك : «النفس الحي» الذي يفترض توفره في الحوارات الصحفية مع شخصيات من هذا الوزن.. لكن ذلك لم يمنع الوزير الأول من «قيادة» الحوار على النحو الذي يرتضيه، في الوقت الذي كان يفترض أن يكون الصحفيون، هم الذين يقودون الحوار، ويتحكمون في درجة حرارته، لذلك كان هذا اللقاء التلفزيوني، أشبه بالاستجواب منه للحوار بمفهومه المهني، ولولا الإجابات المثيرة لرئيس الوزراء، وبعض الرسائل المبطنة التي وجهها في اتجاهات عديدة ومختلفة، لكان الحوار عبارة عن جلسة استفسار، سيما وأن التساؤلات صيغت بأسلوب ودي للغاية، بحيث لم تتضمن استفزازا أو مشاكسة، وكان الباجي قائد السبسي في أريحية تامة طوال الحوار، بل كان يجيب عن أسئلة دون أخرى، من دون أن نرى ذلك الإلحاح الذي يتطلبه الحوار الصحفي، في مثل تلك الوضعية التي توفرت للزملاء في القنوات الثلاثة..
أسلوب نقدي
ما يلفت الانتباه في هذا الحوار المتلفز، أن الوزير الأول، استخدم أسلوبا نقديا في التعامل مع بعض المكوّنات السياسية والاجتماعية والدينية.. فاعتبر أن بعض الأحزاب الناشئة حديثا، قد لا تملأ حافلة نقل، في إشارة إلى ضعف المنتمين إليها وتساءل بصيغة إنكارية عن القيادات الحزبية الحالية قائلا: «أين كانت خلال السنوات الماضية؟ ومن أين جاءت؟ سيما وأن الثورة تمت من دون زعامات».. وهي إشارات أثارت حفيظة أحزاب عديدة لم تستسغ هذا الأسلوب في التعامل معها..
واتهم قائد السبسي بعض مكونات الهيئة العليا لحماية أهداف الثورة، بـ«محاولة تعطيل الانتخابات»، مشددا على تاريخ 24 جويلية لتنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وأكد على أن البلاد لا يمكن أن تنساق خلف «قضايا واهتمامات لا تهم الشعب»، في إشارة إلى أن بعض الخلافات والتباينات موغلة في السياسة، في وقت تئن البلاد تحت وطأة الاقتصاد المعطل وعمليات استضعاف الدولة، والأمن الذي لم يستتب بعد بشكل نهائي. وانتقد الوزير الأول، عمليات الاعتصام التي باتت الاداة الأساسية لمعارضة الحكومة، ومع أنه أقر بشرعية الاعتصام الذي وصفه بـ«المقبول والطيب»، إلا أنه لاحظ أن استمراره بالكيفية الراهنة، لم يعد ممكنا..
وعلى مستوى الساحة الدينية وجه رسالة الى بعض الأطراف التي استبدلت أئمة بآخرين، أو تلك الاطروحات التي تصنف الناس بين الكفر والإيمان، ملاحظا أن الدولة لم تتحرك بهذا الاتجاه، لكنها مطالبة بالحزم ازاء هذه الممارسات في المستقبل، ما يطرح السؤال حول الكيفية التي سيتم بواسطتها معالجة هذا الملف: هل سيستعيد الخيار الأمني موقعه، أم ستكون المعالجة السياسية هي الأقرب لنهج الحكومة؟  
الديمقراطية فيها « واو »
اعتمد الباجي قائد السبسي في هذا الحوار، أسلوب «الغمز» في قضايا تمثل اليوم محور حديث الرأي العام التونسي والنخب، على غرار مسألة التمشي الديمقراطي الذي أكد أنه أمر لا جدال فيه، لكنه لاحظ «أن الثورة ليست الديمقراطية»، وهو تمييز هام لأنه يوقظ الوعي بأن استحقاقات الديمقراطية أخطر من الثورة، واعتبر أن استقلال القضاء «شرط للتمشي الديمقراطي»، مشيرا الى أن ديمقراطية بن علي «مغشوشة»، و«فيها  واو»، ولم يستبعد إمكانية حرمان رموز التجمع الدستوري المنحل وكوادره من العمل السياسي خلال السنوات القادمة بغاية حماية المسار الديمقراطي من أي ارتداد.
إيقاف »نزيف المطلبية »
ولم يخف الوزير الأول، انزعاجه من المطلبية الاجتماعية والنقابية، وطالب ـ بوضوح شديد ـ بتأجيلها، منتقدا الإضراب الذي ينضبط للقانون أو ما وصفها بـ«الصيغ المعمول بها». وحذر من نسبة النمو التي تتراوح بين 0و%1، ومن نسبة البطالة المرشحة لتراكمات إضافية، ما يعني أن الوضع الاقتصادي «تحت الجينتا» على حد قوله، أي في مأزق كبير.. واعتبر أن الاستثمارات الأجنبية ضرورية لتوفير فرص عمل، لكنه اشترط استتباب الأمن، لأنه في غياب الأمن، لا مجال للحديث عن ديمقراطية أو اقتصاد أو استقرار، على حد قوله.
الشخصية « الكاريزماتية »
ورفض الباجي قائد السبسي بشدة، أن ينازعه أحد في صلاحياته السياسية، قائلا: «لن أقاسم أحدا صلاحياتي»، مشيرا إلى أنه لم يعين أحدا في الهيئة العليا، ولكنه مستعد لتعديل تركيبتها إذا اقتضى الأمر ذلك، وهو بذلك ينفي ما تردد حول مسؤوليته في تعيين عدة شخصيات ممن أثارت انتقادات شديدة في جميع الأوساط تقريبا.. لكنه وضع بذلك سياقا جديدا لأسلوب ادارة الدولة، بشكل يكون فيه الإنصات لمشاغل النخب والطبقة السياسية غير متعارض مع تحمل المسؤولية كاملة في الحكم وفي اتخاذ القرارات السياسية…
المسكوت عنه
على أن حوار السيد الباجي قائد السبسي، يثوي خلفه خطابا مسكوتا عنه، يمكن للمرء أن يتلمسه عبر السطور..
فقد سكت عن الإجابة عن ملفات أمنية شائكة، على غرار القناصة، وما حصل في قصر قرطاج يوم 14 جانفي قبيل هروب الرئيس السابق، وسكت الوزير الأول عن تقييم أداء الحكومة، مثلما تعمد السكوت عن قرارات كانت حكومة السيد محمد الغنوشي اتخذتها، واكتفى بالقول أنه اختار الاستمرار وليس القطيعة مع من سبقه.
ولم يكشف هوية الأطراف والأحزاب التي قال إنها تريد تعطيل الانتخابات ، كما لم يكشف بدقة عن المجموعات التي تدخلت في المساجد لعزل أيمة، رغم أنه قال «أننا نعرفها جيدا ».
ولم يوضح قائد السبسي مضمون زيارة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي وأمريكا وتركيا إلى تونس، واكتفى بالقول بأنهم جاؤوا لتهنئتنا بالثورة، وهو أمر لم يقتنع به المشاهدون، خصوصا وأن اتجاهات الرأي بهذا الشأن تميل الى كون الزيارات هدفت الى ممارسة ضغوط على الحكومة، ونوع من التدخل في الشأن التونسي..
وظلت حيثيات الوضع الحدودي مع ليبيا، محل استفهامات عديدة، بعد أن «فضل» الوزير الأول عدم تقديم الايضاحات والمعلومات التي كان الناس بانتظارها..
وعلى أية حال، فإن هذا الحوار المتلفز، يعد ـ بكل المقاييس ـ قفزة نوعية حقيقية في اعلامنا، ينبغي البناء والتأسيس عليها لكي تتحول الى تقاليد راسخة في علاقة رموز الحكم بالاعلام.  
 
(المصدر: جريدة « الصباح » (يومية – تونس) الصادرة يوم 1 أفريل 2011)


رساــالة اللقــاء [52] المهاجرون والإقصاء من شؤون الأحزاب إلى الإقصاء من المجلس التأسيسي!  


د.خالد الطراولي ktraouli@yahoo.fr يكفي أن تكون مهاجرا أو مهجّرا، ضيفا أو منفيا، وتحمل جنسية البلد المضيف حتى تجد نفسك تونسيا من الدرجة الثانية! مواطنا عليك نفس الواجبات وليس لك نفس الحقوق!!! فقانون الأحزاب الذي ولد في أحضان الاستبداد والإقصاء يحضر عليك المشاركة في الحياة السياسية لبلدك في نفس الدرجة ككل مواطن تونسي كريم. فأهل الداخل لهم أن يدخلوا المشهد السياسي من بابه الكبير ولهم أن ينشئوا الأحزاب ويساهموا في خدمة الوطن من زواياه المتعددة ودون استثناء أو تحجيم، وإن كنت من أهل الخارج وتحمل جنسية البلد المضيف مع جنسيتك التونسية فعليك الوقوف على الربوة أو في سفح الجبل، فعليك أن تبقى وراء الجدار، مهمتك النظر والمتابعة والتحسر…
ولن يتوقف إقصاء المهاجرين والمهجّرين على قانون الأحزاب فقط، فها أننا نسمع ونرى ما يطرح هذا الأيام من مشروع لانتخابات المجلس التأسيسي القادمة، ويبدو أن هناك سعيا لمنع التونسيين أصحاب الجنسية المزدوجة من حق الترشح والمساهمة في أكبر وأهم مشروع وطني يهيأ لدستور جديد سوف يحكم البلاد لأجيال!
هكذا تسعى بعض الأيادي والعقول مدعمة بآلة قانونية رهيبة إلى دعم إنشاء صنفين من التونسيين، التونسيون أصحاب الجنسية المزدوجة ولو كان آبائهم وجدهم العاشر تونسيا أصيلا خرج من أصقاع الجزيرة واستوطن بلاد الزيتونة، والتونسيون الآخرون حتى وإن كان انتسابهم لتونس يتوقف عند بعض الآباء!
أجيال كاملة وجاليات عديدة من التونسيين الأحرار سوف تطالهم هذه القوانين الجائرة، فأغلبية المواطنين التونسيين المتواجدين خارج البلاد شباب من الجيل الثاني والثالث والرابع للهجرة، هؤلاء جميعا يحملون جنسية البلد المضيف ويسعون جاهدين على المحافظة على جنسية وطن الآباء والأجداد ويفتخرون بحملها والدفاع عنها، والعمل على خدمتها عبر الاعتناء بأخبار البلد وحمل همومه.
إن السعي الحثيث اليوم إلى استبعاد هذه الثروة الهائلة من المهاجرين آباء وأبناء، فتيانا وفتيات عن الشأن التونسي واستبقائهم في بلاد المضيف يمثل خسارة وعملا انتحاريا ينحو إلى تكوين سلما في المواطنة التونسية بين الداخل والخارج.
إن هذه الثقافة القانونية والعقلية الدافعة لها والتي تسعى إلى تحجيم دور التونسيين المهاجرين في شأن الوطن الأم وإقصائهم عن التواجد في مرحلة عصيبة مثلما تمر بها البلاد اليوم، واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، يمثل منهجية خاطئة وخطيرة تجاه جزء كبير من المواطنين التونسيين الذين دفعتهم الحاجة الاقتصادية أو العلمية أو الجور السياسي إلى مغادرة الوطن الأم والتواجد في أوطان جديدة، مهاجرين أو مهجرين ومنفيين.
إن تشريع قوانين تحصر العمل السياسي اليوم وفي كل أوجهه وأبعاده على صنف من المواطنين دون غيرهم يدفع ولا شك مواطني الخارج إلى الإحساس بالضيم والدونية والاندفاع نحو التقوقع والانسحاب مجددا نحو بلاد الاستقبال والابتعاد عن الوطن الأم كما كان حالهم في العهد البائد، حيث الخوف واللامبالاة وهجر الاستثمار المنتج. فالثورة مرت من هنا ولا أحد يدعي الوصاية عليها، فهي مكسب كل التونسيين، وثمارها اليانعة لكل التونسيين دون إقصاء أو تهميش، ومن ثمارها الكرامة والحقوق والواجبات لكل تونسي وبنفس الدرجة والمستوى، سواسية كالمشط لا فضل لتونسي على آخر إلا بما خدم البلاد والعباد.
فلا يمكن أن نبني مشروع ثقة مع هذا الأجيال المهاجرة ومساهمتها المباشرة في حمل هم الوطن والمشاركة في تلبية احتياجاته وهم يشعرون بهذا الصدّ تجاههم ويرون استبعادهم من المشهد السياسي الوطني واعتبارهم مواطنين من درجة ثانية عوض أن يكونوا شركاء في الوطن شركاء في القرار.
لقد كان قانون الأحزاب وليد إطار مستبد وعقلية استفراد وإقصاء، فنرجو أن يكون قانون الأحزاب الجديد المزمع اتمامه قريبا، وفصول المجلة الانتخابية وكل ما يحوم حول شروط الترشح والتسيير منزوعة من فلسفته أي عقلية إقصاء وتمييز بين أبناء الوطن الواحد،  مع العمل على إشراك الجميع في حق الترشح والتأسيس وواجب خدمة الوطن بكل أريحية وتفان دون تهميش.
إن الاستحقاقات الانتخابية القادمة تعتبر ولا شك أهم اختبار للمشهد السياسي وللمشتركين فيه، ولعل أكثر هذه المواعيد أهمية هي انتخابات المجلس التأسيسي القادمة والبرلمانية، ولا نظن أن المشرّع التونسي يقع في خطأ استبعاد فصيل من المهاجرين التونسيين عن المساهمة في خدمة هذا الوطن، فالمهاجرون والمهجّرون شركاء مع الجميع في الوطن، شركاء في الحمل، شركاء في المسؤولية، شركاء في القرار. تونس للجميع تكون، لبعضها لن تكون.
المصدر موقع حركة اللقاء الإصلاحي الديمقراطيwww.liqaa.net



سليم بوخذير 2011-03-30 تونس ـ ‘القدس العربي’: يتذكر من تابعوا الثورة التونسية الأخيرة من خلال شاشات الفضائيات لقطة شهيرة للمواجهات بين الشعب التونسي وقوات الأمن بالعاصمة. كان ذلك في الساعات التي سبقت فرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وتتمثل في مشاركة شاب تونسي بمظاهرة عارمة أمام وزارة الداخلية تطورت الى مواجهة مع قوات الأمن. في لحظة ما يسقط الشاب أرضا فتلتقط صورته كاميرات الفضائيات ورجال أمن، بعضهم بالزي المدني وآخرون بالرسمي، ينهالون عليه ضربا بالعصي والركل بدون توقف وفي كل مكان من جسمه. ثم يسحلونه نحو باب جانبي لمبنى الداخلية. كانت تلك صوراً تاريخية طافت العالم وستحفظها ذاكرة تونس المعاصرة.
‘القدس العربي’ تقفت آثار ذلك الرجل والتقته الثلاثاء بالعاصمة تونس وحاولت معه استرجاع ذكريات تلك الايام واللحظات التاريخية. اسمه نور الفالح بن الحاج حسن، عمره 37 سنة ويعيش في تونس العاصمة. رغم انتصار الثورة على نظام بن علي، انتقد نور الفالح أوضاع ما بعد الثورة في بلاده معتبرا أن بن علي ذهب لكن ‘بقاياه’ مازالوا ‘طلقاء وبأيديهم سلطاتهم’ كما لا يزال ‘الجلادون طلقاء’، بحسب قوله. وقال نور الفالح لـ’القدس العربي’: ‘ما يؤسفني أن جلاديّ ما زالوا طلقاء إلى الآن، وأن بقايا بن علي في تونس مازالوا في مناصبهم’.
وروى الفالح لـ’القدس العربي’ ما لم يشاهده جمهور الفضائيات، أي ما جرى له بعد سحله نحو الباب الجانبي. قال إن رجال الأمن واصلوا ضربه قبل أن يتسلّمه منهم آخرون بالزي المدني’ وصفهم بـ’جلاّدي فرقة أمن الدولة’.
قال إن هؤلاء انتزعوا منه كل متعلقاته وقيدوه بأغلال بلاستيكية ثم اقتادوه الى سرداب صحبة معتقلين آخرين، مضيفا ‘وهناك أشبعوني ضربا قبل أن يقوم جلاّد بالزي المدني برشّ غاز على وجهي فقدت إثره الوعي لأستفيق بعد ذلك على إصابات بليغة في جسدي بينها كسر بيدي اليسرى’.
وأوضح نور الفالح أن حالته كانت متردية في تلك الأثناء، وتابع الحكاية بالقول ‘حين ساءت حالتي أكثر حضر طبيب يتبع الفرقة الأمنية طلب مني مرافقته إلى مكتب بالطابق الأعلى لعلاجي’. وأضاف ‘اعتقلوني في حوالي الخامسة والنصف من ظهر الجمعة 14 كانون الثاني/يناير، وحين اصطحبني الطبيب كانت ساعة ونصف على الأقل قد انقضت فلاحظت أن معاملتهم لي قد تغيّرت تماما. كان واضحا أنّ أمرا ما قد حصل (فرار بن علي)’.
وأضاف ‘عندئذ حتى الجلاد الذي استلمني حضر إليّ ومعه قطعة حلويات. لم يخبروني بشيء سوى أنني صرت طليقا فغادرت الداخلية بعد أن استولوا على مبلغ مالي كان بحوزتي (نحو 130 دولارا) وأنا أنزف. اتجهت نحو مستشفى شارل نيكول لكنني لم أستطع دخوله بسبب إطلاق نار كثيف في تلك اللحظات’.
وتابع ‘تمكنت من الوصول بصعوبة إلى مستشفى الرابطة وهناك أجروا لي عملية جراحية فورا لالتئام عظم اليد’. وأوضح الفالح الذي يعمل بائعا متجوّلا على متن دراجة نارية أنه لم يُشارك قبل الثورة في أي نشاط سياسي ولم تكن له علاقة بالانترنت. وقال ان أول تظاهرة شارك فيها في حياته كان يوم 9 كانون الثاني/يناير 2011 بضاحية ‘حي التضامن’ غرب العاصمة تونس.
وقال ‘جاء يوم الجمعة 14 فتوجهت إلى وسط العاصمة والتحقت بالتظاهرة الكبرى بشارع فرنسا، ثم اتجهت المظاهرة إثر ذلك إلى وزارة الداخلية في الثانية والنصف ظهرا قبل أن يشرع الأعوان في قمع المشاركين واعتقال من تمكنوا منه. عندئذ سقطت أرضا فباغتوني بضرب مبرح كما شاهدتم قبل أن يسحلوني الى مبنى الداخلية’. وعبّر نور الفالح عمّا وصفه بخيبة أمله بعد الثورة حيث لاحظ ‘حفاظ بقايا بن علي على مناصبهم ومواصلتهم سياساته’.
وقال ‘حتى جلاديّ مازالوا طلقاء، فقد رأيت أحدهم يتحدث في التلفزيون وهو مازال طليقا’، موضحا أنه رفع قضية أمام العدالة ولكن ‘لم يُفتح تحقيق إلى الآن ورفض وكيل الجمهورية استقبالي’، كما قال. وختم نور كلامه متحسرا على ما يراه في بلاده، فقال: ‘لا أشعر أن تونس تغيرت كثيرا. لقد سرقوا ثورتنا’.
(المصدر: صحيفة « القدس العربي » (يومية – لندن) الصادرة يوم 30 أفريل  2011)


تونس ـ ‘القدس العربي’ من سليم بوخذير: أعلنت حركة ‘النهضة’ التونسية عن اعتقال أحد قيادييها من طرف السلطات التونسية في أول اعتقال لأحد افرادها بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، فيما اشتكى صحافي من أبناء الحركة من حرمانه من بطاقة الهوية بعد الثورة. وفي نداء عاجل وُجه عبر شبكة الأنترنت صباح أمس الأربعاء، دعت حركة ‘النهضة’ الإسلامية المرخص لها بعد الثورة إلى ‘اعتصام عاجل’ أمام ثكنة ‘بوشوشة’ الأمنية بالعاصمة للمطالبة بالإفراج عن الأستاذ عبد الحميد الجلاصي القيادي بالحركة. وورد في نص النداء أن ‘مجموعة من أعوان البوليس بالزي الرسمي قبضوا على الجلاصي بدعوى وجود مذكرة تفتيش عنه’. وتابع النص أن عائلة الجلاصي سألت عنه بمخفر’بوشوشة’ فأنكر الأعوان وجوده لديهم مما أدى بالحركة الى الدعوة لاعتصام أمام المخفر للمطالبة بإطلاق سراحه، حسب البيان. وفي مرحلة لاحقة أبلغ مصدر بالحركة ‘القدس العربي’ أن السلطات أفرجت عن الجلاصي، لكن قياديين بالحركة أصروا على تنظيم احتجاج أمام ثكنة ‘بوشوشة’ دعوا وسائل الإعلام لتغطيته. وفي تعليقه عما جرى قال حمادي الجبالي أمين عام ‘النهضة’ للصحافيين إن حركته تندد باعتقال قياديها عبد الحميد الجلاصي لأكثر من 10 ساعات، متسائلا كيف يستمر العمل بمذكرات تفتيش عن مناضليها بعد الثورة وبعد صدور قانون العفو التشريعي العام؟ من جهته اشتكى الصحافي والكاتب لطفي زيتون من حرمانه من الحصول على بطاقة هوية في تونس بعد الثورة. وعُرف زيتون الذي يعمل بقناة ‘الحوار’ اللندنية بإنتمائه لحركة ‘النهضة’ زمن ملاحقة ومحاكمة عناصرها على يد نظام الرئيس التونسي المخلوع، مما اضطره للهروب إلى بريطانيا منذ أوائل التسعينات. وعاد زيتون بعد الثورة في مناسبتين إلى تونس. وفي صفحته على موقع ‘فايس بوك’ كتب زيتون أن ‘أعوان أحد مراكز الشرطة اشترطوا إلغاء مذكرات تفتيش أصدروها هم ضده خلال العشرين سنة الأخيرة قبل منحه بطاقة هوية. وقال زيتون المعروف بإنتقاداته الشديدة لنظام الرئيس التونسي المخلوع ‘من المفروض أن قانون العفو التشريعي العام قد أسقط هذه المذكرات’، متسائلا ‘ما دخل بطاقة الهوية التي هي حق لكل مواطن في المذكرات’. واعتبر أن ‘انتقام الأمن التونسي من المعارضين يتواصل في شكل حرمان من المواطنة’، مشككا في ‘صدقية خبر إلغاء البوليس السياسي’ في تونس.  
(المصدر: صحيفة « القدس العربي » (يومية – لندن) الصادرة يوم 30 أفريل  2011)


الباحث والسياسي (عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة) الأستاذ العجمي الوريمي لـ«الصحافة»:

العلمنة ليست دور الدولة وإسقاطها على سياق حضاري وتاريخي مغاير يشوّه البنيات الموروثة ولا يحقق تحديثا أصيلا ولا تنمية حقيقية


نحن في حاجة الى إقامة دولة حديثة مكتملة التكوين راسخة في هويتها العربية الاسلامية حتى لا نعيد إنتاج أزمة الدولة البورقيبية.
يتقاطع الثقافي والفكري والسياسي والنضالي في الحديث معه فهو شخصية متعددة الأبعاد، لم يمنعه ثقل السنوات التي قضاها في سجون بن علي من أن يتمتع بحالة من السلام الداخلي والرضا الذي يندر وجوه مع قدرة على التحليل العميق والموضوعي للوقائع السياسية والتاريخية في تونس ماضيا وحاضرا لا سيما وأنه كان من الجيل الذهبي للحركة الطلابية في الجامعة التونسية في ثمانيات القرن الماضي جالسناه وتحدث إلينا عن حركة النهضة الذي هو أحد الأعضاء المؤسسين لها وعضو مكتبها التنفيذي وعن الشأن الفكري والسياسي وعن مجمل اهتماماته فكان التالي الحوار مع الأستاذ العجمي الوريمي: شرعت حركة النهضة منذ توافد أعضائها من الخارج والتئام شملهم في القيام بعديد الأنشطة، كيف تتوزع أولوياتكم في المرحلة الانتقالية بين استرداد المكانة وتعبئة الشارع وترميم الصورة التي عمل النظام البائد على شرخها؟.
يمكن أن نعتبر أن حركة النهضة قد استعادت دورها ولو بشكل منقوص قبل رحيل بن علي وما مشاركة أبنائها في الثورة إلا دليل على ذلك. وقد حافظت خلال السنوات الأخيرة في الداخل على عديد المكتسبات السياسية رغم المحاصرة والمضايقات الأمنية والضغوط. ومن ذلك دورها الفاعل داخل ائتلاف 18 أكتوبر الذي كان رموزها من مؤسسيه، ومن مسيريه لكن هذا الحضور على مستوى الرموز وهو سمة مرحلة انتقالية لم يكن يفي بكل حاجيات حركة النهضة والانتظارات منها. بل يمكن أن نقول إن طموحاتها كانت أكبر من إمكانياتها رغم أن ما حققته هو أقل مما كان باستطاعتها فعله كما أن صورتها عند الناس متقدمة عن واقعها باعتبارها حركة مناضلة تعيش تحت الحظر والمنع والاقصاء.
أما بعد هروب الطاغية بن علي واستعادة الشعب لحريته فقد أصبح من المتأكد وجود تمثيل سياسي للإسلاميين يناسب حجمهم ويناسب المرحلة التاريخية الجديدة التي دخلتها بلادنا.
واليوم حركة النهضة مثل باقي الأحزاب السياسية هي في طور إعادة بناء وإعادة هيكلة وذلك يتم بنسق سريع حتى تكون جاهزة لأداء دورها الوطني على أرضية أولويات الثورة وتطلعات شعبنا وشبابنا من ذلك المشاركة الفاعلة لتأمين انتقال ديمقراطي يقطع مع الماضي ويطوي صفحات أليمة وترسيخ قيم الكرامة والأخوة والمساواة والتضامن والتآزر وتفعيلها في حياتنا باعتبار ذلك اقصر الطرق  نحو توفير الشغل  لمستحقيه من ابنائنا وبناتنا وتوفير الطمأنينة لكل  المواطنين والتنمية العادلة  لكل الجهات.
 الإستحقاق  الإنتخابي على الابواب (انتخابات المجلس التأسيسي)ماذا اعددتم لهذا الحدث الحاسم في تاريخ تونس وربما في تاريخ الحركة ايضا ؟
 لقد اطاح شعبنا بنظام فاقد للشرعية  ما كان ليستمر لولا القوة  الغاشمة ولولا الاساليب القمعية التي لا تقرها شريعة سماوية ولا ارضية. ولكن احزاب المعارضة التي واجهت نظام بن علي وتحالفت ضد  الاستبداد  وهي اليوم تدخل مرحلة جديدة مطلوب منها ان تضيف الى شرعية النضال والتضحيات وما قدمته من شهداء والىشرعية المبادئ العامة الكبرى شرعية البرامج  والبدائل والمضامين وشرعية صندوق  الاقتراع على قاعدة هذه البرامج  السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فتونس لم يعد مسموحا ان يحكمها اي حزب اوفئة فقط بالوعود والشعارات.
 اما في ما يخص  الاستحقاق  الانتخابي القادم اي انتخابات المجلس  التأسيسي  فلن يكون النقاش والحملات الانتخابية حول البرامج الشاملة  لكل حزب وانما حول نمط الحكم القادم واسلوب الحكم واسس النظام السياسي الذي سيحكم البلاد في مرحلة ما بعد الثورة.
 وهذا المجلس  التأسيسي الموعود ينبغي ان يفضي الى اقامة دولة  حديثة تتحدد فيها القواعد التي تضبط العلاقة  بين السلطات على اساس الفصل  والتوازن بينها وضمان حرية الاعلام واستقلالية القضاء واحترام القانون ومراقبة  الحكومة من طرف سلطة  تشريعية منتخبة انتخابا مباشرا حرا وديمقراطيا وضمان احترام الثوابت الثقافية والحضارية للبلاد  واحترام حقوق  الانسان السياسية  والمدنية والحق في التنمية  وهذه المبادئ ينبغي ان يقوم حولها  وفاق بل يكون عليها اجماع بما لا يخشى معه ان يؤدي  تعدد البرامج او الاختلاف في  التفاصيل الى تهديد انسجام المجتمع التونسي  ووحدة الشعب واستقلال البلاد  وسيادته.
 وماذا عن الاستراتيجيات الاقتصادية والنموذج الاجتماعي ؟
 ان بلادنا في حاجة الى مراجعة عميقة  لمنوال التنمية وتقديرات المخطط الخماسي  القادم  للتنمية الذي نوقش  وتمت المصادقة عليه في الفترة الاخيرة  من حكم بن علي  تشير الى ان نسبة النمو في احسن الحالات ستتراوح  بن 4.5 ٪  و5 ٪  سنويا وهي غير كفيلة بحل ازمة البطالة وتداين العائلة  التونسية والحفاظ عن القدرة  الشرائية  المتدهورة باستمرار وامتصاص البطالة وخاصة بطالة اصحاب الشهادات العليا فالبلاد  كانت بطبيعتها متجهة نحو ازمة مفتوحة لم يكن  بمقدور الدولة  التونسية ان تجاريها دون المراجعة  المذكورة ودون اصلاحات سياسية جذرية وشاملة.  
 ان الاقتصاد  التونسي وهو اقتصاد متنوع ومفتوح وهذه نقطة ايجابية ليس محصّنا ضد الازمات وليس مهيئا   بالقدر الكافي للتأقلم مع التغييرات من ذلك العولمة الزاحفة  والتجمعات الاقتصادية   الكبرى  والمنافسة الشرعية والحوافز التي باتت توفرها مختلف الدول بما في ذلك الدول المجاورة  للاستثمار الاجنبي المؤثر والسياحي بما يجعل بلادنا تتقدّم بحظوظ غير وافرة لتطوير اقتصادها وتحسين نسبة النمو وجلب الاستثمارات والسياح ونحن على يقين بأن تهيئة كل مواردنا البشرية والمادية تعزيز مبادلاتنا التجارية مع الجوار ومع عمقنا الثقافي والحضاري وتوجيه إقتصادنا نحو وجهة تحقق التكامل مع الاقتصاديات العربية والافريقية وترسيخ مجتمعنا في هويته العربية الاسلامية مع السير حثيثا نحو طي صفحة الاستبداد وتحقيق الاستقرار والديمقراطية سيتجمع شركاءنا الغربيين واخواننا العرب مشرقا مغربا واخواننا الافارقة من شمال القارة إلى جنوبها لدعم جهودنا الصادقة في تنمية بلادنا وقبل ذلك كلّه مطلوب منا كتونسيين أن نعطي الأولوية للجهات المحرومة والمهمشة التي كانت مهد الثورة وكان شبابها طليعتها حتى يسير نسق التنمية بسرعة واحدة لا بسرعتين لفائدة البعض وعلى حساب البعض الآخر وحتى لا يدفع البعض ضريبة أزمة لم يتسبب فيها أو يحرموا في ثمار ثورة قامت على عاتقهم.
بالنسبة إلى النموذج الاجتماعي وعلى عكس ما يعتقد البعض قد يكون نقطة القوة للمشروع الاسلامي النهضوي هو النمط هو النمط المجتمعي الذي يمكن أن يتحقق بمشاركة الاسلاميين باسهامهم في البناء الوطني. لقد نفضت ثورتنا العظيمة والمجيدة الغبار عن العديد من القيم الراسخة في ثقافتنا والمتأصلة في نفوسنا وجعلتنا نكتشف كم نحن في حاجة إلى تفعيلها واحيائها في نفوسنا وسلوكياتنا وفي علاقاتنا. فالثورة صالحتنا مع تراثنا ومع العصر ومع العالم وجعلتنا نفتخر بالوقوف كجماعة واحدة تحت نفس الراية يجمعنا حلم وهوية ومشروع ومصير.
والثورة لا يمكن الا أن نعود اليها دوما لأنها حررتنا من الكثير من مخاوفنا ويسرت لنا عملية المراجعة التي كنا ننجزها بصعوبة وأحيانا في الغرف المغلقة ونحن اليوم يمكننا أن نفكر بصوت مسموع وأن نقول دونما حرج أو تردد أن مسؤوليتنا جميعا دعم ما تحقق من مكتسبات لمجتمعنا ولفئاته وللمرأة وليس ذلك فقط بل تبديد المخاوف حول مصير مجلة الأحوال الشخصية فقد حسم هذا الأمر منذ زمن بعيد. وإن كان الرأي العام غير مطلع على ذلك أو غير مواكب له فنحن اليوم نرى أن مجتمعنا ينبغي أن يتحرر من وصاية الدولة.
ان المرأة ينبغي أن تكون مساوية للرجل في الحقوق والواجبات كمواطنة وأن تكون مشاركة له في الحياة السياسية مشاركة كاملة غير منقوصة وعلينا أن نشتغل جميعا على توفير الآليات التي تساهم في حلّ المشكلات الموروثة أو الناتجة ممّا يثقل كاهل المرأة ويعطل فعلها السياسي والاجتماعي. فمشكلة المرأة في تونس 2011 ليست مشكلة تشريعية وإنّما بدرجة أساسية اجتماعية وسياسية، وأنا لا أريد أن أنوب عن المرأة فهي ضحيّة نظرة دونية صادرة عن ذهنيات ومخيال مجتمعي وليس عن اعتقاد ديني أو فلسفي.
إننا اليوم في حاجة الى بلورة ثقافة سياسية جديدة تنقلنا من حقبة الاستبداد الى عهد الحرية الفعلية وكذلك في حاجة الى قيم اجتماعية جديدة تنقلنا في النظرة التحقيرية أو المتعالية أو التأسيسية لفئة من المجتمع يتم تحميلها مسؤولية أوضاع اجتماعية أو أزمات مستفحلة هي بالتأكيد بريئة منها وأحيانا ضحية من ضحاياها.
والدور في هذا لا يعود في تقديري للأحزاب السياسية وانما إلى كل الفاعلين والمتدخلين من اعلاميين وعلماء اجتماع وعلماء دين وهيئات مجتمع مدني فالنقاش ينبغي أن يفتح في الفضاء العمومي والاعلامي دون محرمات ودون مسبقات ودون سقوف أو خوف مرضي من أي سلطة كانت أو أي حرية كانت.
هل ثمة إمكانية للتقارب في شكل تحالف أو إئتلاف بينكم وبين بعض الاحزاب القريبة منكم في توجهاتها الايديولوجية والفكرية؟ الأصل أن تتسع صدورنا لبعضنا البعض وإن تعذر ذلك فالساحة السياسية تتسع الجميع والأقربون إيدويولوجيا أولى بالمعروف ولكن المرحلة ليست مرحلة اصطفاف ايديولوجي بقدر ما هي مرحلة وفاق سياسي يحترم فيها حق الاختلاف ويسعى فيها للجميع إلى الوحدة بدل التفرقة، وحدة المشروع والمصير وتعدد الاجتهادات والمداخل إلى ذلك، والأحزاب ليست واجهات للعرض فقط وإنّما أوعية للتضامن وخزان للطاقات والأفكار وأطر لنضال «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» فالأغلبية تتغير والمواقع تتغير أيضا لكن الوطن لا يتغير وهو مقدّم على الأحزاب وعلى الأشخاص.
ساعدت الفضائيات العربية الدينية على نشر الوعي الديني وعلى خلق أجيال جديدة متجذرة في هويتها العربية الاسلامية، كيف تقرأ اليوم المعيش الديني للتونسيين والشباب تحديدا وما رأيك في خطابها الاعلامي؟
هذه الفضائيات ملأت فراغا تسببت فيه سياسات تجفيف الينابيع ووجدت نفوسا متعطشة في صحراء ثقافية وروحية قاحلة وقد يغفل البعض عن  حقيقة حاجات الشباب للاجوبة التي يوفرها الخطاب الديني ولا يوفرها غيره من الخطابات الايديولوجية أوالسياسية فما بالك وقد تحوّل الخطاب الديني في بلادنا إلى خطاب حزبي مشتق من الخطاب الرسمي للسلطة الحاكمة وأفقدت المساجد وظيفتها التربوية والروحية بل صارت خاوية على عروشها لا يرتادها الناس الا حرصا على أن لا تفرغ من مرتاديها أملا في أن تستعيد دورها المهدور واحساسها بالواجب تجاه هويّة ردّت إلى أبسط معانيها أي المعالم والطقوس ولو تحمّلت الدّولة والمؤسسات التعليمية المختصة (الجامعة الزيتونية) والمجتمع المدني مسؤوليتها في اثراء الهويّة وتجذيرها ورعايتها وتطوير الخطاب الديني والمشهد الإعلامي الديني لقل تأثير الفضائيات المشار اليها وقلّ الإقبال عليها.
كان التيار المحافظ أو الديني دوما متوازيا مع التيار الحداثي في تاريخ تونس المعاصر لكن لإعتبارات عديدة كانت الغلبة دوما للثاني كيف يمكن تفهم مستقبل الحركة في ظل هذا المعطى التاريخي؟
الحدود ليست واضحة بين التيارين فلسنا أمام فسطاطين منعزل أحدهما عن الآخر ومتربص به فالمشهد الثقافي والايديولوجي والسياسي في تغير مستمر وهذا الفصل على قاعدة الإيديولوجيا والإنتماء الحضاري حاضر بقوة عند الأجيال التي سبقتنا من جيل الثلاثينات إلى جيل الستينات وقد بدأت وطأته تخف عند الأجيال الجديدة مثل شباب الثورة الذي بات يزدري هذه الفجوة ما بين ما أسميتهم المحافظين والحداثيين فهناك تبادل للأدوار والمواقع وقد جنى الاستعلاء الايديولوجي على نخبتنا وضيع فرصا على مجتمعنا وقد آن الأوان لندخل مرحلة ما بعد الانقسام العلماني الاسلامي والحداثي/ المحافظ وخوض غمار تجربة جديدة هي مرحلة ضمان حق الوجود والمشاركة في الفضاء العمومي للجميع.
وإذا كان كل طرف يتهم الطرف المقابل بأنه هو من بادر بالرفض فهناك إذن اتفاق على القبول المتبادل فالديمقراطية التي ننشدها هي ديمقراطية استيعابية تقاس بمقدار ما تسمح به من التنوع وليست إقصائية تقاس بمقدار ما تستبعد وتقصي.
ويمكن أن أطلق على الصيغة الأولى ديمقراطية «المدينة» والثانية ديمقراطية أثينا وأنا موقن ضمن هذا المنظور بأن الايديولوجيات لو وجدت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لاعترف بها.
وأعتقد أننا اليوم أصبحنا ندرك أكثر من أي وقت مضى أهمية ربط علاقات تاريخنا المعاصر بعضها ببعض وأهمية أن نكون في خطّ التواصل مع حركة التحرير والاصلاح التونسية التي حدثت نهاية القرن السابع عشر: أن لا تعارض ديني بين قيمنا الإسلامية وقيم الحداثة وأن باب الإجتهاد مفتوح على مصراعيه لتبني التنظيم السياسي المحقق لمقاصد ديننا وحاجيات مجتمعنا وقد نبهت الحركة الاصلاحية إلى أهمية الحرية والعدالة والتقدم في المشروع الحضاري النهضوي الرّامي إلى الخروج من التخلف والانحطاط.
 
ولدت حركة النهضة في أوائل السبعينات في ظل تنامي المدّ الاسلامي وقمعت بشدة في الثمانينات في ظل حكم بورقيبة ثم تنفست الصعداء في أواخر الثمانينات بعد منعرج كان يعتقد أنه حاسم في تاريخ تونس مع الميثاق
الوطني ثم جاءت مرحلة بداية التسعينات بتصاعد حدّة القمع والتنكيل والتشريد وها أن الحركة تعود اليوم: ما هي الدروس المستفادة والعبر المستقاة في هذه السيرورة التاريخية والتغيرات التي جدت في العالم وغيرت التوازنات?
 
كان الباحث أوليفيي روا المختص في الحركات الإسلامية قد توقّع في أواسط التسعينات تراجع حركات الإسلام السياسي وحتى افلاسها لكنه في المدة الاخيرة عبّر عن تفاجئه بصعودها وحيويتها ولم يجد تفسيرا لذلك سوى أنها استفادت من أخطائها وصحوتها وهذا اقرار بتطوّر الحركات الإسلامية من طرف باحث لا ينكر أنه أخطأ في تحليله وتقديراته وأنا اشاطره الرأي في أن الحركات الاجتماعية والإسلامية تنمو في جزء منها وتتطوّر وتتسع وتتراجع لكن قابليتها للتطور أقوى من مصاعبنا في التأقلم والذي أريد أن ألفت الإنتباه إليه أن الحركة الإسلامية المعاصرة ذات التوجه السياسي وقد شغلت عن معركة التجديد بمعركة الحفاظ على الوجود قد انتجت نخبها التي دخلت مرحلة إنتاج المعرفة لتقديم الاجوبة لا عن اسئلتها الداخلية فقط كتنظيمات سياسية ذات خصوصية بل الاجوبة عن حاجات مجتمعنا انطلاقا من تلك الخصوصية نفسها فهي حركات اسلامية يحجب عنها تشبثها بمطلب الهوية اصرارها على ان يكون لها مكان تحت الشمس اي ان يكون لها دور زمن العولمة والثورة الاتصالية والتحولات الايديولوجية والثقافية في عالم صار مفتوحا على بعضه البعض يتبادل المعارف بالمشكلات ويفكر في نفس القضايا ولكن من منظورات مختلفة.
 
 كانت تونس على امتداد عقود تصنف في نظر البعض بكونها لائكية متطرفة نظرا لاضطهادها للاسلاميين وقمعها لهم والزج بهم في السجون واليوم يطفو الحديث عن اللائكية من جديد وهو ما يراه البعض موجها الى الاسلاميين في حين يرى آخرون انه طرح في غير وقته بينما يتمسك آخرون بلائكية الدولة، ما هو موقفكم من هذا الحديث الدائر اليوم؟
«الدولة الجديدة» رغم ان البند الاول من دستورها ينص على انها دولة لغتها العربية ودينها الاسلام فإنها سخرت لتكون اداة علمنة للمجتمع وليست اداة تثبيت وترسيخ لهويته العربية الاسلامية وازمتها اليوم ناتجة عن هذه الوجهة المصادمة للهوية.فقد كان بناء الدولة الجديدة قائما على ركائز ليست الهوية احداها واليوم نحن في حاجة الى اقامة دولة حديثة مكتملة التكوين راسخة البنيان ذات هوية تعزز دورها ومكانتها في العالم لا تقصي بعدا من ابعاد شخصيتها العربية الاسلامية حتى لا يتم اعادة انتاج ازمة الدولة البورقيبية وتكون بحق دولة الشعب التي تحقق له الكرامة والحرية والتنمية والتحديث على قاعدة الثوابت الثقافية والحضارية للشعب التونسي وهكذا دولة تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات لا تكون في قطيعة مع الصفحات المشرقة من تاريخ البلاد ولا هي في غربة عن الصفحات الواعدة للمستقبل الذي ننشده جميعا.
لقد اخفقت النخبة التونسية التي حكمت البلاد اكثر من نصف قرن في ان تحول الدولة الجديدة الى دولة حديثة.ومن اسباب ذلك ما بلورته من نمط في التنمية والتحديث رسخ التبعية عوض ان يفضي الى الاستقلال الحضاري.
والعلمنة ليست دور  الدولة بل هي تتم ضمن سياق تاريخي مخصوص واذا كانت مسقطة على سياق تاريخي وحضاري مغاير فإنها لا يمكن الا ان تشوه البنيات الموروثة ولا تحقق تحديثا اصيلا ولا تنمية حقيقية لأن كلفة العلمنة المسقطة لا تكون اقتصادية فقط بل حضارية والتراجع الحضاري اي تحويل البناء الوطني الى ركام يستوجب للخروج من عقود طويلة ان لم تفت الفرصة التاريخية الى غير رجعة.  
 
 تعيش حالة من السلام الداخلي والمصالحة مع الذات رغم ثقل السنوات 17 التي قضيتها في سجون بن علي، ما هي الخدوش التي تقبع في أعماق الروح من هذه التجربة القاسية وما هي ملامح سجون بن علي؟
اعتقد أن آثار 17 سنة سجنا لا تمحى وان كانت صدت لحظات قادرة على ان تخلف اثارا لسنوات او بقية الحياة فالامر اوكد عندما يأخذ السجن من عمر الانسان نصفه او ثلاثه،وعندما لا نلاحظ اثار السجن بادية على الملامح او السلوك او على المواقف فهذا بفضل الله الذي زود الانسان بالقدرة على التحمل والتجاوز. كما اعتقد ان التغلب على اثار السجن مثل اي محنة اخرى هو جهد يومي مستمر فردي وجماعي يشارك فيه المحيط الاسري والاجتماعي وفيه ايضا صقل للارادة وربما رضا بقضاء الله الذي قدر كل شيء تقديرا.
غير ان الصبر  صبران صبر سلبي يتمثل في التسليم بأمر الله وصبر ايجابي يتمثل في الاصرار على التجاوز والثبات على المبدإ والثقة في الله وفي المستقبل.  
السجن في حده الادنى سلب للحرية وليس سلبا لكافة الحقوق ولكن سجون بن علي مؤسسة اعدت للتدمير وليس لارجاء حل لم تتوفر شروطه الى أجل تتوفر فيه  فهو تجاوز بالخلاف السياسي مستواه السياسي الى مستوى الغاء وجود الاخر حتى لا يبقى له مكان في المجتمع وفي ذاكرة الناس ولا حتى امكان في المستقبل.
منعت من مواصلة دراستك في سجن بن علي وتعود اليوم الى البحث في الفلسفة ما هي مشاريعك البحثية؟
استأنفت دراستي بعد الخروج من السجن في جويلية 2007 وانا اعد بحثا في اطار الماجستير في الفلسفة المعاصرة حول  الذاتية مطلق الاخر عند الفيلسوف الفرنسي المعاصر ايمانويل ليفناس، وقد منعت وزملائي من ذلك الحق طيلة فترة السجن، وقد كان ذلك شديد الوطأة وفي غاية الألم  لكثير من الشبان الذين فصلوا عن التعليم وهم تلامذة في البكالوريا، او طلبة في بداية مرحلتهم الجامعية وهؤلاء يستحقون ان يرد لهم الاعتبار وان تقدم لهم كل مساعدة للتعلم والدراسة حتى يشعروا بأن المظلمة التي سلطت عليهم قد رفعت بدون عودة.
 
أجرت الحوار: منيرة رزقي (المصدر: جريدة « الصحافة  » (يومية – تونس) الصادرة يوم 1 أفريل2011)



المهندس الأول لطفي العريف تونس أطردت بن علي المخلوع فجاء ثلاثة المبزع و السبسي و عياض بن عاشور.المبزع مغيب و لكنه يوقع كل ما يقدمه له وزيره الأول و السبسي يتوعد الشعب بهيبة الدولة و يعلن إنفراده بالحكم لأنه لا يريد حسب قوله أن يقسم السلطة مع أحد أما بن عاشور فلبس كسوة هارون الرشيد و أعلن أن الإنتخابات لن تجري تحت رقابة دولية و لا عربية و هل الرجل مؤهل للكلام باسم الشعب ومن فوضه يا ترى؟ إن هذه الحكومة تتمتع بصلاحيات بلا رقيب وهي أقوى و أكثر دكتاتورية من أية حكومة سابقة بما فيها حكومات بورقيبة و بن علي. و تونس ما زالت مريضة بالانفراد بالسلطة و لم تشفى منه و اليوم يأتي ثلاثة أفراد كانوا يوم 14 جانفي في فيلاتهم في قرطاج و المرسى لا يهمهم إلا أنفسهم في حين كان الشعب يكتوي بنار الرصاص و القناصة و العصابات. اين كانوا يوم 14 جانفي  المبزع كان في رئاسة مجلس النواب المنصب و السبسي كان في حديقة داره بقرطاج و بن عاشور كان في مكتبته يكتب و يطالع. إتقوا الله في هذا الشعب و حققوا له ما استشهد من أجله شبابه و إلا ارجعوا الى ما كنتم فيه قبل الثورة. ثم ان وزير الخارجية الذي سمح لكلاب المخابرات الأمريكية ان تدخل الوزارة و ان تشم الصحفيين وهو يضحك مع السيدة كلينتن ما زال وزيرا و يتصرف كأنه في مزرعته الخاصة بعد أن مرمد خشم الخارجية في الطين و اين وزراء المؤقتة الاخرين الذين عينتهم فرنسا  لأنهم خريجين لمدارسها العليا لماذا لم يحرك احد منهم ساكنا  النتيجة عندنا ماشا الله ثلاثةدكتاتوريين عوض واحد فمبروك على التونسيين


  الحدث جلل، أمداء وآثارا وقداسة. هي ثورة لا زلنا لم نرَ من ثورتها غير حالها الجنيني، إن لم تُوأد مهدا. دع عنّا الاستشرافات والتوقّعات فقد بان جهل النّخبة مثقّفيها وسياسييها بالثّورات وبحراك المجتمعات. ودع عنّا الخطابات السجاليّة فهي كُثُر غثّها أكثر من سمينها وحشوها أكثر من زبدتها، ملأت فجأة منابر الإعلام. فما يغلب على النّاظر لمجالس التّحاليل غلبة لمقال سياسوي وإجرائي قانوني وأبوي تؤثّثه الإجراءات والينبغيّات والانتهازيّات. ذاك أمر لا يعدم الصّادقين والمجتهدين قولا وفعلا في فهم الثّورة والذّود عنها.
أقترح هاهنا جملة ملاحظات من زاوية نظر سوسيولوجيّة تسعى لفتح أفق تحليلي ينظر بعد حرارة الحدث وسكون قعقعة أجراس الثّورة. هو أفق يصبو إلى تأويل للثّورة، أو لنقل روح الثّورة – لكون الثّورة أطول زمنا حتّى تصير- ينأى عن التّفسير التّناول الوحيد والظّهير في التحاليل الرّائجة. ولعلّه لكونه كذلك أغلق الآفاق.
1- منهجيّا ثمّة تدقيقان يتعيّن الاستهلال بهما. أوّل يقضي بأنّ الثّورة لا تُقرأُ إلاّ رجعيّا. على معنى السّعي إلى إيجاد علاقة بين الوقائع والأحداث بعد وقوعها. أمّا الثاني فيقضي بأنّ العلاقة ولتعقّد الظاهرة، تأبى أن تكون علاقة سببيّة.
ثمّة إجماع منهجيّ في الخطابات والخطب المتداولة، على تبنّي تفسير سببيّ تحيل الثّورة محصّلة حتميّة لشروط اجتماعيّة بعضها متعلّق بالاقتصاد وبعضها بالسّياسة وبعضها بالمجتمع. ثمّ لينتهي منهجيّا على غرار كلّ تفسير سببيّ إلى نقطة البداية. انتحار الشّهيد محمّد البوعزيزي حرقا هي ما أجمع عليه الكثيرون.
لا مراء أنّ في قولٍ كذاك القول، حقّ. سوى أنّه تسكنُهُ هَنات عميمة ويحتمل باطلا كثيرا. بدءا لكون التّفسير السّببي اختزاليّ في حدّ ذاته ينكر على الظّاهرة تعقّدها على نحو ردّ النّتيجة فيه إلى علّتها أضحى من قبيل  الكسل على جهد النّفس في المعرفة. ثمّ لكون التّفسير السّببي ليس بمقدوره الوقوف على دلالة الأحداث ومعانيها وهو أمر لا يتهيّأ لنا إلاّ بمقاربة تأويليّة. والآكد أنّ حدث الثّورة ثقُلت موازينه لئلاّ ينحسر وينحصر في تناول يُعدمُ فيه العمق الثقافي الرّمزي والفلسفي أيضا. فالثّورة من حيث المبدأ تكثّف لرموز مضادّة في زمن ومكان ضيّقين. قد يُكتب لها التوسّع فالبقاء، وقد تُسجن في ضيقها فتخمد وتذوي. وأخيرا قد يكون الصبوّ إلى هكذا قراءة، إن لم تصدر عن قصر نظر، فيه رغبة مضمرة إلى محاصرة دلالة الثّورة حتّى لا تكون ثورةً، دلالة بها وفيها تصير الثّورةُ ثورةً.
لقد كانت دوما للثّورات منطقها الخفيّ بل لنقل لا منطقها لذلك هي دوما فجائية. النّاظرون لها يحاولون لملمة وضعهم السّياسي والفكري لصنع معقوليّة تُقرأ بها. الأجدر والحال هذه كشف المعنى وليس السّبب. فمن الحسّ المشترك القول أنّ الفقر والاستبداد يؤدّي إلى الانتفاض. من حيث المبدأ هذا قول فيه سَدَاد، لكنّه أقرب إلى الشّعار منه إلى واقع المجتمعات.
معنى الثّوره يُقرأُ مابعديّا أي بعد حدوث الفعل. لا يُعزل في سياقه ولا يفقّر في لحظة وقوعه ولا يفردن في فاعله. هكذا يتعيّن الانطلاق من المعنى الذي يسكن فعل مختلف الفاعلين في سياق الثّورة. دلالة الفعل دلالة غير قصديّة بالضّرورة لكنّها، بكشف المعنى والرّمز، تُصيَّرُ مقصودة سوسيولوجيّا حمّالة لمنطق سوسيولوجي Socio-logique. فقبالة ريبيّة الوقائع وتعقّد الظواهر وتداخل المتغيّرات، ليس من سبيل للقراءة غير التأويل يُخرِج الجمعي من الفردي ويُخرِج الفردي من الجمعي.
2- إن كان لا بدّ من بداية فهي ليست بكلّ تأكيد يوم أضرم محمّد البوعزيزي النّار في جسده. هي لحظة ينتهي إليها التّحليل. هنا نقرأ ما تقدّم من الثّورة بما تأخّر منها. في حديث لاحق للثورة مع والدة الشّهيد محمّد البوعزيزي تخبر أنّ محمّدا فعل ما فعل بسبب « الحـُﭭــــــرَة « ، وتضيف معلّلة، بإصرار لافت، بتمسّكها وابنها، رغم فقرها طيلة ما كُتب لهما من أيّام، بعزّة النّفس. أمّا شقيقته فتقول عن القتل الرمزي بالحقرة أنّ الرجل في ثقافتهم إذا ما صفعته امرأة يُلبسونه فستانا نسويا (روبة) فما بالك إذا كانت الصفعة فاعلتها رمز للسلطة (شرطية بلدية)
إحقاقا للحقّ للكلمة ثقل معرفيّ إن حُمل على محمل الجدّ يُتيح تحصين الثّورة من قصورها القائم في تحريف فهمها. ثمّة إحالة في كلمة « حُـــﭭــــــــــرة » إلى مقاربات سوسيولوجيّة وفلسفيّة لمسألة الاعتراف الاجتماعي sociale     La reconnaissance والشرعيّة الاجتماعيّة.
الآكد أنّ ما نطقت به « منوبيّة » أمّ الشّهيد أبلغ ممّا يُقال في منابر عميمة. بلاغته ليس في صدقيّته فحسب، إنّما أيضا  في عمقه أن لامست ما إن وقفنا عنده أسعفتنا بفهم فعل الحُرْقة الذي أتاه البوعزيزي. 3- قد يَعضد هاهنا التحليلَ، دوركايم لتأويل انتحار البوعزيزي.  فللرّجل علينا – أنّى نقرأ « فعلته » التي فعل- الوقوف عند المعنى الذي رغبت إليه ورغب هو أن نفهمه بها. فمحاولات فردنة الانتحار كما جيء بها في الخطب السياسيّة وحتّى العلمويّة تضمر جميعها إلى جعل الانتحار حالة فحسب وعزله في حدود أزمة فرديّة نفسيّة أو هي في أفضل حالاتها ثورة غضب واحتجاج، وبالكاد انتفاضة.
الخطاب السياسي الرّسمي تبنّى مثل هذا القول في محاولة لوأد الثورة عبر التّحقير للانتحار دينا وتحليلا، متسوّلا مفردات علم النّفس. أمّا دوركايم فجميع ضروب الانتحار التي صنّفها: الأناني والأنومي والغيري والقدَري فقد رآها من زاوية دلالتها في علاقاتها بالمسألة القيميّة. الكتلة السببيّة كانت منهجيّته وليست السببيّة، والبون بينهما جذري. ودونما تفصيل للأمر، بمستطاعنا القول أنّ ثمّة علاقة ما بين الانتحار وبين الأخلاق على المعنىيين الفلسفي والسوسيولوجي للمفهوم إن غيابًا أو خللا أو عطالة. هذا القول يدفع إلى التّأكيد من زاوية سوسيولوجيّة على أن ليس ثمّة إدانة للانتحار أخلاقيّة. ما هو قائم وثابت علاقة بالأخلاق هي علاقة تفسير وتأويل يُخبر عن حالها وطبيعتها أكثر ممّا هي تكشفه.
إن نحن وقفنا من جانب الأخلاق لا يسعنا غير إدانة الانتحار، وهو لعمري موقف أخلاقي على معنى أنّه يتضمّن حكما معياريّا ليس من العلم في شيء. أمّا ونحن نقف من جانب الانتحار – وليس إلى جانبه- أمكننا أن نميط اللّثام على حال الأخلاق نقصانا كان أم اكتمالا. أمّا ماكس فيبر فنلوذ إليه بحثا عن المعنى الذي يخطّه الفعل الاجتماعي. معنى لا يُفهم إلاّ تذاوتيا في علاقته بالآخر.
4- بين الحَقــر و الحَرق، لغويّا، جناس غير تامّ. أمّا سوسيولوجيّا فبينهما تجانس بنيـــــويّ تام. الحَرق في لسان العرب، النّار. وتقول حَرَق النّار أي لهيبها… وحرّقه شدّد. وفي الحديث، الحَرِقُ شهيد. وأحرقته النّار وحرّقته فاحترق وتَحرَّق والحُرقة: حرارتها. ويُقال نار حِراق وحُراق: تُحْرِق كلّ شيء… وتحرّق الشّيء بالنّار واحترق و الاسم الحُرْقة والحريق… والحرقة ما يجده الإنسان من لذعة حبّ أو حزن… وأحرق لنا في هذه القصبة نارًا أي أقبَسَنَا.
أمّا الحَــقْــرُ، « الحُـﭭـــــرَة » وفق اللّهجة الدّارجة، فتعني لغة في كلّ المعاني: الذلّة. وحقر يحْقِرُ حقْرًا وحَقْرِيَةً وكذلك الاحتقار. والحقير: الصّغير الذّليل. والتّحقير، التّصغير… وحَقُرَ حقْرًا وحقارة، وحَقَرَ الشّيءَ يحقِره حقْرًا ومحقرةً، وحِقارةً واحتقرَ واستحقره: استصغره ورآه حقيرا، وحقّر الكلام: صغّره ورجلٌ حَيْقَرٌ: ضعيف وقيل  لئيم الأصل.
التّجانس بيِّن بيْن، من جهة ألم الحقـــــر بما هو محصّلة لنزع الاعتراف الأخلاقي و الاجتماعي والرّمزي عن الذات الاجتماعيّة ونكران الشرعيّة الاجتماعيّة عنها، و ألم الحرق بالنّار من جهة أخرى وهو أشدّ الألـــــم ضربًا حتى أخذ الميّت به رتبة الشّهيد في المأثور الدّيني.
تأكيد « منوبيّة » والدة محمّد البوعزيزي على « الحـﭭــــــــــرة » دون الفاقة برهان على أحقيّة تناول الثّورة تناولا من زاوية نظر نظريّة الاعتراف الاجتماعي. فلا الفاقة تفسّرها ولا الاستبداد يفسّرها ولا كلاهما بقادر على ذلك. يتعيّن أن يُنظر إلى جميع تلك العوامل مجتمعة أو مجزّأة من زاوية النّظر المعياريّة.  استشكال الثّورة كذلك كفيل باستشراف آفاقها وحدودها وعمقها ولعلّه يتيح إمكان توقّع أخريات.
الحَقْـــــــرُ مصطلح ينتمي إلى قاموس الأخلاق وما يُحيل إليه في دلالاته ومعانيه من تصغير ولؤم وذلّ وضعف جميعها تنتهي إلى لا شرعيّة الوجود الاجتماعي هي لا شرعيّة معياريّة ورمزيّة لكنّ ترجمتها انثربولوجية نلقاها في غيابات الممارسات الاجتماعيّة والمعيش المجهري. « الحُـﭭـــرة » إذن بنية اجتماعية ثقافية وليس مجرّد شعور آني. ولمّا كانت بنية فإنّ لها قواعد اشتغالها وإواليّات ذلك: مؤسّسات وتنظيمات ومقولات وخطابات وعباد أيضا. وهي كذلك مواقع اجتماعيّة ترشح عن علاقة هيمنية. شكوى الحـﭭـــــرة، شكوى الهيمنة التي تسم النّظام الاجتماعي.
إنّ ما هو أهل بأن نشدّد عليه في نظريّة الاعتراف الاجتماعي، عودةً إلى أكسال هونات Axel Honneth وكذلك الحال إلى بيار بورديو Pierre Bourdieu أنّ أقسى السّلطات وأقصاها أن تنزع عن الذات البشريّة إنسانيّتها أن تنكر عليها الاعتراف فتُحقر وتحقّر. الأذى الأخلاقي الذي يلحقها من فرط لاشرعنة قيمتها اجتماعيّا ورمزيّا ومعياريا يجعل من كلّ رفض لهذه « الحـﭭـــرة » و للاّشرعيّة الاجتماعيّة فعل ثورة على كامل بنية الهيمنة في المجتمع  التي تُؤَصّلُ « الحـﭭــرة » و تتأصّل بها. يعتبر أكسال هونات Axel Honneth أنّ الاعتراف حاجة جوهريّة ومصيريّة هي من تمثّل الإنسان لإنسانيّته مقام الشّرط لوجوده. الاعتراف تذاوتي يتشكّل سوسيولوجيّا في مختلف السياقات والمقامات لكن تسنده بنية حاضنة له. هكذا هو الاعتراف ليس مقولة متعالية ولا رمزية مبتذلة، إنّما قيمة أخلاقيّة وإيتيقيّة بقدر تعاليها بقدر محايثتها للفعل والممارسة اليوميّة  للرّمز والمؤسّسة…
للاعتراف سجلاّت ثلاثة أوّلها علائقي نفسي اجتماعي إن جاز القول حيث تُبنى شرعيّة الأنا اعترافَ الآخر بها (الثقة بالذات). ثانيها السجلّ القانوني وهو سجلّ العلاقة بالحقّ والواجب والمواطنة (احترام الذات). وسجلّ ثالث متعلّق بالانتماء والاندماج في وجدان مشترك وجماعة قيميّة متضامنة (تقدير الذات). السجلات متشابكة عسير فهمها إن إفردناها، بما تتّخذه من أشكال معقّدة و متنوّعة و متوارية. الضرر الأدبي أو المعنوي على المعنى القانوني ليس إلاّ صورة جزئيّة جدّا و بسيطة جدّا لكونه إرجاعي إلى سلوك فردي بالمستطاع حصره و إيلائه العقاب القانوني. الحقـــــر الذي ثار عليه شهداء الثورة هو ذاك الذي يعشّش في ترسيمات ثقافية على المعنى السوسيولوجي أي في حقل التوجّهات الرمزية للمجتمع والذي يتجسّد في الأنماط الاجتماعية للتمثّل (تمثّل الذات لذاتها و تمثّلها للآخر) و في الممارسات و في المؤسّسات.   الثّورة يتعذّر فهمها خارج السجلاّت الثلاثة تلك. يبدو أنّ البوعزيزي كان خارجها أو بالأحرى أنّها كانت أصلا ضيّقة ضيقا لم يُتح  للبوعزيزي موقعا. كان خارج المجتمع، معطّل الوجود. التمرّد على « الحـﭭــــــــــــــــــرة » التي تشهد عن عطالة السجلاّت حيث لا نجد غير اللاشرعيّة مقابل شرعيّة مصطنعة للاشرعيّة النّظام، هو الثورة التي قصدها البوعزيزي والآخرون لكونها أكثر من أن تكون رفضا لسياسات فتصير انتفاضة Révolte بل هي رفض لبنية سلطويّة برّمتها. الثورة هاهنا جذريّة لا تبقي ولا تذر من تلك البنية شيئا: نسقها المعياري ثمّ نسقها السّياسي ونسقها الاقتصادي.
5- الانتحار حرقا فعل سياسيّ ثوري بامتياز ليس إرجاعيّا إلى مجرّد احتجاج. يكفي طرح سؤال لما الانتحار حرقا وليس الانتحار بوسائل أخرى متاحة و لما الانتحار في الفضاء العمومي و أمام مؤسّسات ترمز إلى السلطة، حتّى نمنح صلوحيّة لفرضيّة  الفعل الثوري ليس على معنى السياسة La politique إنّما على معنى  السياسي  Le politique. فكفى بالبوعزيزي احتجاجا أن ينتحر شنقا أو دهسا أو مسموما و كفاه احتجاجا أن يٌنهي حياته في بيته. لكنّ النّار أبلغ دلالة وأعمقها وأكثفها. كذلك هو أمر الشهيد عبد السّلام تريمش في شهر مارس 2010  الذي انتحر حرقا داخل ساحة أحد رموز الدّولة: بلديّة المنستير وكذلك أمر انتحار وليد  الحمدي ببلدة الحنشة على مرأى من مسؤولي الشّرطة بعد أن أشبعوه قمعا وتسلّطا و أمر التلميذ أيوب الحمدي بساحة معهد أريانة بعد لفض نظام التعليم له. وكذلك أيضا أمر أحداث مشابهة في الجزائر في شهر أكتوبر 2010 وفي المغرب 2005 عندما حاولت مجموعة من العاطلين الانتحار حرقا أمام وزارة الداخليّة، و الأحداث الأخيرة في كلّ من مصر و الجزائر و السعودية و اليمن…
النّار حمّالة لرموز ودلالات ثقافيّة واجتماعيّة تبدو متناقضة في ظاهرها لكنّها في باطنها متكاملة. وأيًّا كان أمرها فإنّها جميعها تفرغ على فعل الانتحار حرقا دلالة متجانسة مع واقع « الحـﭭرة »:
–  النّار رمز للخير المطلق والشرّ المطلق من هذا المنطلق هي  لها علاقة بالسجلّ الأخلاقي، وتوسّل النّار للانتحار يموضعه صلب هذا السجلّ إنّه يحمل معنى التّعبير عن الألم المطلق لكنّه بتقديم الجسد قربانا لرفض ذاك الألم الذي أفرغ عليه من كلّ جانب ينتقل إلى الخير المطلق هنالك تكمن قدسيّة الانتحار حرقا. فليس أبلغ من النّار لشدّة ألمها وعذابها للتّعبير عن الألم والأذى الذي يحياه عبد السلام تـــــريــــــمش و البوعزيزي و الحمدي و الآخرون.
–  بقدر ما تُعْدمُ النّار بقدر ما تضيءُ بنورها، فأن يحترق الجسدُ نارا، إنارةٌ لما حوله. بمثل هذا تُقرأُ تراجيديّة الانتحار حرقا. إنّها ثنائيّة نفي الألم المعياري بالألم الحسّي. فلا الجوع ولا الفاقة ولا البطالة يستحقّان التمرّد بالنّار. قد تفضي إليه إلاّ أنّه ألم من جنس آخر أعمق وأشدّ وأقصى. لذلك اختيار النّار اختيار مقصود. القصد هنا ليس على معنى الاختيار العقلاني الفردي إنّما على معنى العقلانيّة السوسيولوجيّة التي تسكن الفعل الفردي.
–  العلاقة بالنّار تنشئة من الصّبا فأذى النّار يُتعلَّم ويُجرَّب. ردّ الفعل الذي ينتج عن ألم الاحتراق بالنّار هربا منه واتّقاء له يصير تعلّما. أمّا أن تُصطفى النّار للانتحار رغم ما تربّى عليه المرءُ وما انتهى إلى علمه عن أذاها وألمها، ورغم ميل المرء إلى تجنّبها تلقائيّا دون وعي منه دليل على قصديّة التمرّد الإرادي المفكّر فيه بالنّار إنّه تطهّر من مذلّة تصغير وتحقير لا الماء يمحوه ولا الموت يمحوه، فقط هي النّار كفيلة بذلك تُعْدِمُهُ فلا تبقي فيه ومنه شيئا لكنّها على نحو مفارق تمنح كثافة للوجود من غير أن يكون المرء موجودا فعلا. ألا يقول المأثور العربي « النار و لا العار ».
–  قد يكون كلّ ذلك ما جال في خاطر تــريــــمش و البوعزيزي و الحمدي والآخرون وقد يكون أمرا آخر. لحظة غضب حملتهم إلى ذلك. ذاك أمر ثانوي مقارنة بالمعنى السوسيولوجي الذي حملته أفعالهم الفرديّة. لكن إذا جمعناها جميعا، وجدنا المعنى ذاته والسّياق ذاته.
–  ألم الحرق إجابة لألم الحقر في مجتمع استبدّت به الهيمنة في أشكال تنظيميّة ومؤسّسية ورمزيّة اخترقت الفضاء العمومي الذي اتّسع هيمنةً ليؤثّثه البوليس الفكري والثقافي والأكاديمي والإعلامي والمالي والإيديولوجي والحزبي، ضِيقَهُ للإنسان. الانتحار حرقا، حرقٌ بالخاصّ –الجسد- للفضاء العامّ المدنّس و تطهير للخاص و العام معا. جميع الشّهداء حرقا أضرموا النّار في أجسادهم في الفضاء العامّ في السّاحات وأمام رموز السّلطة أفرادا كانوا أم مؤسّسات هي رسالة لهم ضدّهم وهي رسالة إلى المجتمع بأنّ الألمَ ألمٌ لا ألم بعده و أنّ النّار نورٌ وتحرّر للفضاء العامّ من السّلطة بأنواعها التي عشّشت فيها. لذلك هو فعل سياسيّ بامتياز يُخرج الشّعب، ذاك الوجدان العميق المشترك، من الانتفاء إلى الحضور ليؤثّث الفضاء العامّ أو بالأحرى ليسترجع ما افتُكّ منه.
إنّ تلك الرّموز المكثّفة التي تجمعها النّار والدّلالات العميقة والعميمة التي لفعل الاحتراق بها عمدا على الملأ وعلى مرأى ومسمع من السّلطة، تكشف أنّ الصّراع صراع ثقافي اجتماعي حول مسألة سوسيولوجيّة وفلسفيّة رئيسة. على هذا المعنى يجب أن نعترف أنّ ثورتهم حمّالة لمشروع ثقافي و أنّ سلاحهم الأساسي رمزي. إهمال هذه الحقيقة فيه سذاجة سياسيّة أو سوء نيّة سياسيّة.
6- ثمّة شبهة يتعيّن تبيانها ها هنا كي لا تختزل الثورة في ضيق المطالب والإصلاحات والبرامج ليس إلاّ، تقضي التّمييز بين السّياسي Le politique والسّياسة La politique. أمّا السياسي فهو حقل بنية علاقات القوى وتوزيع السّلطة في شتّى مفاصل المجتمع وطبقاته paliers و حقوله. السياسي يخترق الفضاء الخاصّ والفضاء العامّ ويجمع حقول المجتمع جميعها: الفنّ والسياسة والإعلام والأكاديمي ونحو ذلك. أمّا السياسة فهو الفضاء المخصوص الذي وفق Julien Freund صلبه يكون النّشاط الاجتماعي الذي يفترض أنّه ضمان بالقوّة (القانون والعنف الشّرعي)، لأمن خارجي وتوافق داخلي لوحدة سياسيّة مخصوصة. بهذا المعنى إذا كان السياسي مبثوثا في المجتمع برمّته فإنّ السياسة حيّز فقط من المجتمع له خصوصيّاته وإواليّاته ورهاناته ومنطقه الخاصّ به. السياسي يقوم على تغذيته التناقض، السّياسة همّها تغذية التوافق بين المجموعات بأن يحدّد فضاء الخطاب السّياسي ومن ثمّة فضاء ما بالإمكان التّفكير فيه. هو إمكان ترسُمه الإشكاليّة السياسيّة المهيمنة وهي في حالنا قانونيّة على نحو رئيس. غلبة الخطاب القانوني له ما يبرّره بيد أنّ الوقوف عند حدوده تغييب للمعنى السياسي للحدث ويختزله في معنى السياسة فقط.
معلوم ما لمصطلح الثورة من تسيّب معرفي من فرط توظيفاته السياسية و الإيديولوجية، غير أنّه بالإمكان أن نقف له على شروط ثلاثة مورفولوجية إن جاز التعبير: الفجائية و العمق و البنيوية على معنى الشمولية. ذاك ما يتيح التفرقة بين الثورة التي إمكانها مشروط بنقض النظام القائم و الاحتجاج الذي إمكانه مشروط بالتعديل. أمّا سوسيولوجيا فإن كان لابدّ للثورة  من، أوّلا ضدّية أي عدوّ اجتماعي (الدولة، الطبقة، النظام السياسي و الاجتماعي القائم، المشروع المجتمعي و الثقافي المهيمن…)، وثانيا هويّة اجتماعية (طبقة، حركة اجتماعية، شريحة اجتماعية…) و ثالثا مشروع ثقافي تاريخي، فإنّ شرط التنظيم على معنى التبلور في برنامج سياسي و قيادة سياسية ليس من شرط قيامها في شيء. ما تخبر به السوسيولوجيا الحديثة أنّ السياسي لا يُختزل في السياسة و أنّ للمقاومة السياسية ألف وجه ووجه. تلك حقيقة يبرهن عليها بروز السياسة من « اللاسياسة » و طلوع فئات اجتماعية و قوةّ سياسية ( الشباب) ممّا كان الأغلب يَرَاهم موتى سياسيًا.
قد تفتقر ثورة تونس إلى بلورة لمشروعها الثقافي و الاجتماعي و إلى لزوم ترجمته سياسيا مابعديًّا. ذاك أمر على مثقفيها الاضطلاع به ليس في حصون محصّنة إنما في سياق فعل منخرط و دائم مع الفاعلين الحقيقيين في الثورة. أمّا ما كان من هرولة إلى السياسة ففيه قلب لمنطق الثورة. فيه تنصيب الذات مُفوَّضةً لقول ما تريد أن تقول على أنّه ما يريد المفوِّض، افتراضا، أن يقول. ذاك منطق السياسة السعي إلى فرض إمكان واحد و وجهة نظر واحدة تقف على مصالح مواراة. هنا يستوجب الأمر النهل من دلالات الثورة التي حملها فاعلوها، هي دلالات نجدها في الحَقْــر، حقـــــــرٌ تعبيراته سياسية، صوابٌ ذلك، لكنّها أوسع بكثير لتلمس الهوية الثقافية و الاجتماعية و التاريخية للذات. هويّة دُجّنت وهُجّنت وحُرّفت وقُزّمت حتّى عادت فقيرة إلى المعنى.

7- ثمّة سعي فيه غباء سياسي و تواطؤ خبيث أيضا لوأد الثورة عبر حصرها في حدود السياسة. تضخّم الخطاب القانوني في التعامل مع الثورة عبر إغراقها في تفاصيل البنود و الفصول و تشابكات الإجراءات وتناولها سياسيا بيِّنٌ فيما يروج في منابر الإعلام. فيه معقوليّة تنكر على نفسها النّظر إلى البعد الايتيقي للسّياسي في الثورة. ثمّة أسئلة على لسان كلّ إنسان من فرط بداهتها لكونها مقلقة لحسّهم الأخلاقي: فما معنى أن يلاحق الرّئيس المخلوع رسميا بتهم الفساد لا غير ؟ وما معنى، حتّى لا نذكر إلاّ الأكثر دلالة، أن يظلّ وزراء ورموز سابقون للنّظام السياسي السابق فاعلين سياسيّا بل مشاركين في الحكومة ولا يتركها بعضهم إلا على مضض بضغط الشعب عليهم؟ وما معنى أن يظهر أحمد عياض الودرني ومحمّد الغرياني  و محمّد الغنّوشي مثلا بكل صلف ورعونة في الإعلام للحديث عن براءة مزعومة وجهل بما تمّ طيلة العقدين فجعلوا يحشدون التعلاّت و التبريرات؟ فتُعوَّم المسؤوليات ويتبرّأ الحاضر من الغائب أن يتبرّأ به رجمًا له بالذنوب جميعها و الخطايا جميعها.
 جميعهم متّهمون حتّى تثبت براءتهم. على هذا النحو يتوجّب هاهنا عكس « المنطق » المعهود لكونه غير منطقيّ في سياق الثّورة. منطق المعيار فيه الأخلاق والرّمز وليس القانون والسياسة اللاّأخلاقيّة. حرب الرّموز هي الحرب الحقيقيّة منذ أن حرق البوعزيزي نفسه (النّار) أمام مقرّ الولاية (السّلطة)  أو تريــمش في بهو البلدية.. مرورا بوقوف المحتجّين أمام وزارة الداخليّة (رمز النّظام السياسي) يهتفون بطرد بن علي (رمز الهيمنة) ورفض والدة البوعزيزي بيع عربة ابنها رغم فقرها و إغراء المال.  إنّه حفظ لرمزيّة قديمة واستمرارية لشرعية تبغي البقاء حتّى لا تصير الثورة ثورة وإنّما إصلاحا وتعديلا.
ثمّة أزمة أخلاق في الخطاب السياسي السائد بعض معارضيه وحكّامه. الإدانة ليست إدانة قضائيّة كما يصرّ على ذلك سياسيّون وحقوقيّون كثر. الإدانة أخلاقيّة قبل أيّ إدانة من ضرب آخر. هي إدانة رمزيّة أيضا ليس على معنى الابتذال كما هو رائج في الحسّ المشترك، إنّما على معنى عمق الوجود الإنساني. هذه الإدانة هي التي عناها كلّ من انتحر حرقا قبل الثورة. 
لم يفهم الكثير من السياسيين والقانونيين والإعلاميين ما حدث ولم يدركوا العمق الأخلاقي والرّمزي للثورة. على نحو مفارق أولئك المعتصمون في القصبة وآخرون (أحمد بن صالح، يوسف صدّيق…) هم الذين فهموا الثورة.
حرب الرّموز لا تقف عند الأشخاص فقط بل تمتدّ إلى إواليّات إنتاج تلك الرّموز وإعادة إنتاجها: رأس هذه الإواليّات التجمّع الدّستوري الديمقراطي و البوليس و كثير من البورجوازية، لكونها زرعت شبكة معقّدة جدّا من المواقع والمصالح والتحالفات والقوى والرّموز و الخيارات والمقالات والمفاهيم التي تتأسّس عليها بنية المجتمع وعلاقاته الاجتماعيّة للسّلطة، إنّه يمثّل أحد المكوّنات الرّئيسيّة لإنتاج السّلطة وإعادة إنتاجها في بنية المجتمع.
لقد ضاق حقل السياسة إلى إمكان وحيد وكأنّه الوحيد، والواقع أنّه في ظلّ علاقات قوى مختلّة لصالح النّظام  السّياسي السّابق ما كان لإمكانات أخرى أن ترى النّور (مبادرة أحمد المستيري وأحمد بن صالح ومصطفى الفيلالي) لكونها في جوهرها تقطع مع إواليّات إعادة إنتاج حقل السياسية الموجود لتفتح آفاق ثورة في حقل السياسي بما هو بنية السّلطة في المجتمع. ثمّة إصرار على قبول الصراع إنّما داخل الشرعية الثقافية و السياسية والسوسيولوحية القائمة دونما أن يتحوّل الصراع بين الشرعيات  وهو الكفيل بأن يكون ضمانة للعدل و الحرية و الديمقراطية. إنّ إيقاع السياسة عاجز عن استيعاب إيقاع السياسي الذي يحتضن الثورة. الأوّل يصبو إلى تسييس الثورة في حين أنّ الثاني يبغي ثورة في السياسة (مفاهيم أفكار قيم مقولات سلوكيّات). ما يلاحظ اليوم غلبة لمنطق السياسة لنقل غلبة لدنس السياسة على قداسة الثورة.
لا زالت قوانينُ حقل السّياسة هي ذاتها لم تتبدّل بعد، تعيد إنتاج ذات الإواليّات. لا تكفي النّوايا لضمان الثورة فليس ثمّة لحدّ الآن من إواليّات جديدة ضامنة لها. العكس ما يجب أن يكون: استبدال الإواليّات والإجراءات هو الذي يحمي النّوايا. إن بقي التعامل السياسي تعاملا انفعاليّا يقوم على الإيمان بالأشخاص والاعتقاد فيهم فإنّنا سوف نمشي القهقرى. الفرصة لم تنقض بعد لا زال الأفق مفتوحا. أما ما كان من أمر المثقّفين فإن دورهم بدأ الآن على معنى إنتاج خطاب لإيتيقا الثورة كي لا تذوي. هو استشكال يجعل وجدانها دوما متيقّظا.   ماهـــــــــــر تريـــمـــــش، أستاذ علم الاجتماع، الجامعة التونسية sasouriri@yahoo.fr  



2011-03-31 تونس ـ ا ف ب: قال عمر الشاذلي الطبيب الخاص للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في كتاب اصدره بعيد الثورة التونسية باللغة الفرنسية، ان زين العابدين بن علي تآمر على بورقيبة الذي لم يكن عاجزا عن اداء مهامه عشية الاطاحة به في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1987 بداعي المرض والشيخوخة. وروى الشاذلي في كتابه ‘بورقيبة كما عرفته’ الصادر في شباط/فبراير الماضي، تفاصيل كثيرة عن ليلة الانقلاب على اول رئيس لتونس المستقلة وحلقات التحضير لهذا الانقلاب عبر سعي بن علي ومتواطئين معه في قصر قرطاج وخارجه الى توتير الاجواء في تونس للانقضاض على الحكم. وجاء في بيان تولي بن علي السلطة في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1987 انه ‘امام طول شيخوخته (بورقيبة) واستفحال مرضه نعلن اعتمادا على تقرير طبي انه اصبح عاجزا تماما عن الاضطلاع بمهام رئاسة الجمهورية’. غير ان الشاذلي اكد في كتابه ان بورقيبة ‘اعطانا درسا حقيقا في التاريخ ركز فيه على الحروب الصليبية’ مساء السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 1987، مقدما تفاصيل غاية في الدقة عن مختلف مراحلها منذ 1071. حتى ان طبيبه الخاص الذي كان يشغل ايضا منصب مدير الديوان الرئاسي سأله ‘كيف تفعلون سيدي الرئيس لتذكر كل هذه التفاصيل؟’. واجابه بورقيبة بحسب ما جاء في الكتاب ‘قرأت كثيرا خلال فترات اعتقالي (..) ثم ان هناك اشياء ترسخ في الذهن لدرجة انه يتعذر نسيانها’. وقال الشاذلي ‘كنت اتابع بانتباه ما يقول وبكثير من الاعجاب بدقته ووضوح افكاره’ قبل مغادرة القصر الرئاسي في قرطاج نحو منتصف ليل السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1987 ‘وكان كل شيء يبدو عاديا’. واضاف الشاذلي طبيب بورقيبة لمدة اربعين عاما ومؤسس كلية الطب بتونس في 1964 ان ‘بن علي حاول لاضفاء طابع قانوني على ما فعله، تقديم شهادة طبية وقعها سبعة اطباء تم تسخيرهم ليلا من قبل النائب العام الهاشمي الزمال’. واوضح ان ‘اربعة من هؤلاء الاطباء (عز الدين قديش ومحمد قديش والصادق الوحشي وعبد العزيز العنابي) لم يعاينوا بورقيبة منذ عدة سنوات’. وتساءل الشاذلي والحالة تلك عن كيفية تمكنهم ليل السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1987 من الجزم بأن حالته الصحية لم تعد تسمح له بممارسة مهامه كرئيس. واضاف ان الاطباء الثلاثة الاخرين الموقعين على الشهادة الطبية ‘وهم اخصائي امراض القلب محمد بن اسماعيل وامراض المعدة الهاشمي القروي والرئة عمارة الزعيمي الذين كانوا يزورون بورقيبة مرة في الاسبوع او بطلب منه وضعوا تواقيعهم الى جانب الاربعة الآخرين على الشهادة’. وتابع الشاذلي ان ‘الزمن اثبت انهم اخطاوا اذ ان الرئيس استمر بعد عشر سنوات من اعداد الشهادة الطبية بصحة جيدة ولم يكن يعاني من القلب او من الجهاز الهضمي او الرئتين’. وحرص الشاذلي على الاشارة الى ان هذه الشهادة لم تحمل توقيعه ولا توقيع احمد الكعبي الذي كان تولى مهمة الطبيب الخاص لبورقيبة بين 1970 و1978. واضاف انه منع يوم انقلاب بن علي من معاينة بورقيبة ودخول قصر الرئاسة ولم يتمكن من رؤية بورقيبة الا في 12 تشرين الثاني/نوفمبر في مرناق (جنوب العاصمة) حيث قال له لما رآه ‘سيدي الرئيس انها الخيانة’ فرد بورقيبة ‘لا انه الغدر’، بحسب ما جاء في الكتاب. وشرح عمر الشاذلي باطناب في كتابه كيف عمل بن علي واعوانه بين تموز/يوليو 1986 وتشرين الثاني/نوفمبر 1987 على تعكير الاجواء في تونس كمقدمة للانقلاب. واوضح كيف بدأ التشدد الامني في البلاد واصدار الاحكام الجائرة والايقافات التعسفية للمعارضين والتضييق على الحريات العامة وحملات التفتيش والمضايقة علاوة على تعفين الاجواء في المدارس والمعاهد والجامعات. كما عمد بن علي الى تهويل خطر التطرف الاسلامي وتعمد اثارة المشاكل بدل حلها. وقال ان بن علي عمل ‘بالتأكيد (على اساس) الاستراتيجيات التي طبقتها اجهزة المخابرات في بولندا حيث كان عمل سفيرا’ خلال فترة صراع السلطات ونقابة تضامن. واشار الشاذلي في هذا السياق الى رسالة وصلته في تشرين الاول/اكتوبر 1987 تضمنت ‘تحذيرا من تصرفات مشبوهة للجنرالين بن علي والحبيب عمار (آمر الحرس الوطني حينها)’. واوضح انهما ‘كانا يعطيان اوامر غير مقبولة بتفتيش عشوائي للسيارات مهما كان صاحبها والمنازل وكسر الابواب وتمزيق الحشايا والاساءة للنساء والاطفال واطلاق النار على متظاهرين سلميين’. وتشهد تونس هذه الايام بفعل هامش الحرية الكبير الذي اتاحته ثورة 14 كانون الثاني/يناير حوارات ونقاشات كبيرة تتناول كيفية بناء تونس الجديدة وايضا مختلف جوانب تاريخ البلاد السياسي خصوصا. وفي حين يرى قسم من التونسيين ان بورقيبة كان ‘زعيما كبيرا وحكيما غدر به الدكتاتور الفاسد زين العابدين بن علي’، يعتبر آخرون انه بالرغم من ان بورقيبة كان زعيما وبنى دولة حديثة في تونس وحرر المرأة، فان فترته ‘لم تخل من استبداد والفرق بينهما هو كالفرق بين مستبد نظيف اليد مثقف ومستبد فاسد جاهل’. (المصدر: صحيفة « القدس العربي » (يومية – لندن) الصادرة يوم 31 مارس 2011)



تعتزم الجمعيات التونسية التالية جمعية تضامن الأولياء بميونخ ، والجمعية التونسية الألمانية للثقافة والإندماج والجمعية الحقوقية نداء الحرية بالتعاون مع جمعية روت فايس تونيزين وبعض الفعاليات الطلابية إقامة حفل يوم 9 أفريل 2011 بمناسبة الإحتفال بعيد الشهداء وثورة الحرية والكرامة.  
بمشاركة
 
الشيخ عبدالفاح مورو
والمحامي ناصر العيوني
ونجم الراب التونسي « الجنرال »

يسرنا حضوركم ومشاركة الجالية التونسية هذا الإحتفال.


الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مصدر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
31 مارس 2011

جذور الثورة في العالم العربي

(آيفكس/ مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان) – يصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان اليوم تقريره السنوي الثالث الذي يتناول وضعية حقوق الإنسان في العالم العربي خلال عام 2010، مع التركيز على 12 دولة. هى مصر، تونس، الجزائر، المغرب، السودان، سوريا، لبنان، الأراضي الفلسطينية المحتلة، العراق، المملكة السعودية، البحرين، واليمن. يصدر التقرير تحت عنوان: « جذور الثورة » مواكبا لانتفاضة ثورية شعبية فريدة، يشهدها العالم العربي، عصفت حتى الآن باثنين من أعتى الديكتاتوريات البوليسية في مصر وتونس، وتدق عروش ديكتاتوريات أخرى في ليبيا واليمن، وتفرض بقوة ضرورة إجراء إصلاحات جادة وعميقة في عدد غير قليل من البلدان؛ في مقدمتها المغرب، والبحرين، والجزائر، وتمتد تداعيتها حتى إلى سوريا الواقعة تحت بطش نظام يكاد لا يسمح لمواطنيه بالتنفس. إن المطالعة المتأنية للتقرير توضح أن أبرز « جذور الثورة » في العالم العربي هي: • التدهور الهائل في وضعية حقوق الإنسان، حتى في البلدان التي كانت أو ما زالت تنعم ظاهريا بدرجات من « الاستقرار » السياسي. • افتقار نظم الحكم المختلفة للإرادة السياسية للنهوض بأوضاع حقوق الإنسان في بلادها. • الجمود على مستوى التطور التشريعي، حيث حافظت نظم الحكم العربية على معين لا ينضب من مخزون التشريعات المعادية لحقوق الإنسان، والتي استخدمت في التأديب والتنكيل بالخصوم، وملاحقة دعاة الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان. بل سجل التقرير في هذا الإطار أن التطورات التشريعية – على محدوديتها في عام 2010- جاءت أغلبها في اتجاه المزيد من التشدد وقمع الحريات وبخاصة في مصر وتونس والسودان. • استمرار النهج السلطوي في تكريس الحصانة والإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. • توظيف حالات الطوارئ المعلنة وقوانين مكافحة الإرهاب في تبرير ارتكاب جرائم خطيرة، كالقتل خارج نطاق القانون والاختطاف والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات الجائرة، وعلى وجه الخصوص في تونس ومصر واليمن وسوريا والبحرين والمغرب والمملكة السعودية. • استمرار السياسات التي تكرس وتؤبد الحكم المطلق أو تمهد لتوريثه في إطار عائلي في مصر وتونس واليمن، أو تؤمن بشكل منهجي التمييز الاجتماعي والاقتصادي والإقصاء السياسي على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية، وبخاصة في البحرين والمملكة السعودية وسوريا. • تزوير إرادة المواطنين من خلال تزييف الانتخابات العامة. وقد سجل التقرير في هذا السياق ممارسات مزرية لنظام مبارك في إدارة ما سمى « بالانتخابات » البرلمانية لمجلسي الشعب والشورى، التي كان من المفترض أن تمهد للانتخابات الرئاسية في العام 2011. وقد استبق نظام مبارك هذه الانتخابات بحملة غير مسبوقة للقمع، وصلت حد التحريض على قتل المتظاهرين، واختطاف النشطاء السياسيين، وإحكام الخناق على وسائط الاعلام، ومختلف التقنيات الحديثة لتداول وبث المعلومات. ولم يختلف الأمر كثيرا في مملكة البحرين التي استبقت الانتخابات البرلمانية بشن حملة اعتقالات واسعة طالت مئات الأشخاص، من بينهم رموز للمعارضة السياسية والمدافعين عن حقوق الإنسان، واقترن اعتقال معظمهم بالتعرض لتعذيب وحشي، قبل أن يتم إحالتهم إلى المحاكمة بموجب قانون مكافحة الإرهاب. كما جرت الانتخابات العامة في السودان في مناخ قمعي لم يتوقف حتى بعد انتهائها. وجرى التحكم في مسار الانتخابات، عبر التلاعب بالإحصاء السكاني، وترسيم الدوائر الجغرافية، وسجلت أشكال فجة من التلاعب بأصوات الناخبين. وتعذر على السكان في جنوب وغرب دارفور الإدلاء بأصواتهم، في حين أدت الفوضى والعنف إلى تعذر إجراء الانتخابات في عدد غير قليل من الدوائر. • سد منافذ التعبير السلمي، من خلال الضغوط على حرية التعبير ومختلف وسائل الإعلام التقليدي منها والحديث، وبخاصة في اليمن ومصر والسودان والبحرين. على حين حافظ المغرب على ممارساته المتشدة في التنكيل بالصحافة، وبخاصة إذا ما تعلق الأمر المساس بالملك والأسرة الملكية والإسلام، أو بالموقف من النزاع في الصحراء الغربية. وظل نظام « المخلوع » بن علي في تونس يخضع الحريات الإعلامية للمصادرة بصورة مطلقة، وتوظيف جل طاقات الدولة البوليسية في ملاحقة الصحفيين ومحاكمتهم بتهم ملفقة، وفي تعريض مختلف النشطاء الحقوقيين النقابيين والسياسيين للمراقبات اللصيقة ولأشكال مختلفة من التحرش والاعتداءات البدنية، بل ولتوظيف وسائط الإعلام الخاضعة للهيمنة المطلقة، في شن أكثر حملات التشهير والإهانة بحق عدد كبير من هؤلاء النشطاء. وقد حافظت سوريا بدورها على موقفها العدائي الذي لا يعرف أدنى تسامح، سواء مع حريات التعبير أو مع النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بصفة عامة، وحقوق وهوية الأقلية الكردية بصفة خاصة. غير أنه من الواضح أن نظام علي عبد الله صالح باليمن، قد تفوق خلال العام حتى على النظام السوري، حيث شملت المحاكمات الجائرة عشرات من الصحفيين تلقوا معظمهم أحكام مغلظة بالسجن، فضلا عن الحرمان من مزاولة المهنة، وطالت المداهمات الأمنية مقار صحفية، وكان عدد غير قليل من الصحفيين هدفا لاعتداءات بدنية أو محاولات للاغتيال، وطال الاختطاف والاختفاء المؤقت والتعذيب لعدد كبير من الصحفيين ومن مدافعي حقوق الإنسان، قبل أن يتم إحالة بعضهم إلى المحاكم الاستثنائية المجافية لمعايير العدالة. • الاعتداء الجسيم على الحق في المساواة وعدم التمييز على أساس الدين أو العرق. وخاصة في البحرين ضد الأغلبية الشيعية، وفي مصر ضد الأقباط والنوبيين وبدو سيناء. • استمرار تراجع اهتمام المجتمع الدولي بحقوق الإنسان والديمقراطية في المنطقة العربية، بل واتجاه الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة لتغليب اعتبارات المصالح النفعية مع نظم الاستبداد، على حساب اعتبار حماية حقوق الإنسان والدفع باتجاه الاصلاح الديمقراطي. حقوق الإنسان في ظل الصراعات المسلحة: وعلى النهج ذاته الذي اتبع في التقريرين السابقين، فإن التقرير السنوي الثالث قد أولى اهتماما خاصا بوضعية حقوق الإنسان تحت وطأة الاحتلال أو في ظل الصراعات المسلحة. وسجل التقرير في هذا السياق أن الفلسطينيين قد ظلوا هدفا لانتهاكات فادحة، سواء تحت وطأة الاحتلال أو نتيجة للصراع المستحكم بين طرفي السلطة الوطنية الفلسطينية فتح وحماس. فقد تواصلت الجرائم الإسرائيلية وبخاصة عبر العقاب الجماعي والحصار الخانق على سكان غزة، والذي وصل حد مهاجمة قوافل الإغاثة التي عرفت باسم « اسطول الحرية ». كماتواصلت اجراءت تهويد القدس والنشاط الاستيطاني ومخططات الفصل العنصري وسياسات القتل خارج نطاق القانون. كما رصد التقرير أن تواصل الصراع بين فتح وحماس اقترن باستمرار التسييس في التمتع بالحقوق والحريات التي ظلت عرضة للانتهاك تبعا للانتماء السياسي. ومن ثم فقد انخرطت السلطات، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة في انتهاكات واسعة النطاق بحق الخصوم، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والتضييق على حرية الاجتماع والمؤسسات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان وملاحقة الصحفيين والإعلاميين. وأكد التقرير كذلك أن العراق ظل الساحة الأكبر للعنف الدموي في المنطقة العربية، والذي أودى بحياة ما يقرب من 4 آلاف شخص في غضون عشرة أشهر. وظلت الأقليات الدينية والعرقية هدفا لأعمال عنف وقتل عشوائي، نتيجة هيمنة خطابات وجماعات دينية متشددة على المسرح السياسي والثقافي في العراق. ورصد التقرير سقوط المئات من القتلى من السكان المدنيين نتيجة للعمليات العسكرية، التي شنت مجددا ضد جماعة الحوثيين في صعدة شمال اليمن، والتي شهدت مشاركة المملكة السعودية في الأعمال القتالية إلى جانب الجيش اليمني، في الوقت الذي سجل فيه التقرير لجوء السلطات اليمنية إلى توظيف دعاوى الحرب على الإرهاب في شن حملات عسكرية تستهدف التنكيل بالمحافظات الجنوبية، التي انخرط سكانها في احتجاجات واسعة النطاق على سياسات التهميش والإقصاء وعلى القمع المتواصل لسكان الجنوب. كما لاحظ التقرير أن استمرار التأزم السياسي والانقسام الطائفي والمذهبي وحالة ازدواج السلطة في لبنان، قد أدى إلى تراجع فادح في مقومات دولة القانون، وباتت مؤسسات الحكم والأجهزة القضائية والأمنية عاجزة عن النهوض بمسئولياتها، في ظل الضغوط التي يمارسها حزب الله، استنادا إلى ما يسمى « سلاح المقاومة » لترويع الخصوم داخل لبنان، وبهدف قطع الطريق على فرص تحقيق العدالة، وكشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ومسلسل الاغتيالات والتفجيرات التي وقعت لاحقا لهذه الجريمة. وظلت الصراعات المسلحة في السودان مصدرا لتفاقم المعاناة الإنسانية في مناطق عدة مقترنة باستمرار نزوح مئات الآلاف، والقتل لأعداد واسعة من السكان. ومثلما ظلت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مختلف البلدان العربية تمر دون عقاب في ظل الحصانات الأمنية، فإن النظام السوداني بدوره ظل قادرا على تحدي استحقاق العدالة الدولية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية في دارفور، في ظل تقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسئولياته في دعم تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة الرئيس السوداني، وباقي المتهمين بارتكاب هذا النمط من الجرائم. وفي السياق ذاته، ظلت إسرائيل بمنأى من العقاب على جرائمها، ليس فقط من خلال الحصانة التي تفرضها الولايات المتحدة وأطراف أوروبية على محاسبة اسرائيل، بل أيضا بدا واضحا – كما سجل التقرير- أن مصالح وحسابات مشتركة باتت تجمع بين إسرائيل وطرفي السلطة الوطنية الفلسطينية، تدفع باتجاه التملص من إخضاع ملف الجرائم المرتكبة إبان العدوان على غزة في ديسمبر 2008 إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأخيرا، فإن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان إذ يصدر تقريره السنوي الثالث في لحظة فارقة لشعوب هذه المنطقة، فإنه يأمل أن يشكل التقرير مساهمة إضافية تضئ الطريق لشعوب تتطلع لتعميق مكتسبات الفعل الثوري، وإحداث قطيعة كاملة مع نهج الاستبداد واحتكار السلطة، وتكريس الإفلات من العقاب على امتهان الكرامة الإنسانية. مثلما يأمل أن تقدم « جذور الثورة » لبعض البلدان ناقوس خطر يدفع نخبتها الحاكمة إلى أن تبادر – قبل فوات الأوان- في تبني إصلاحات عميقة، تستجيب لتطلعات شعوبها في الحرية والكرامة الإنسانية، وفي الانتقال الآمن إلى مصاف الدول الديمقراطية. مزيد من المعلومات: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان PO Box 117 (Maglis El-Shaab) Street address: 21 Abd El-Megid El-Remaly St., 7th Floor, Flat no. 71, Bab El Louk Cairo Egypt info (@) cihrs.org تليفون:‏ +202 2 795 1112/+202 27963757 فاكس:‏ +202 2 792 1913 http://www.cihrs.org



 بقلم :  محمد ماضي – واشنطن- swissinfo.ch فيما يتشكّـك البعض في العالم العربي في حقيقة أن شابّـا تونسيا بسيطا مثل بوعزيزي، تمكّـن من إطلاق شرارة الصَّـحوة العربية، التي امتدّت من المُـحيط إلى الخليج ويتصورون أن يَـدا خفية اخترَق بها العِـملاق الأمريكي جِـدار الخوف العربي، لإحياء نظرية الفوضى الخلاّقة في المنطقة وفرض تحوّل ديمقراطي يُـمكن بعده إعادة رسم « الشرق الأوسط الجديد ».. .. يشكِّـل التردّد الأمريكي في مساندة الانتفاضة الشعبية السورية – تذكيرا لمن وقع تحت تأثير نظرية المُـؤامرة التي يفسِّـر بها الحكام العرب زلزال الصّـحوة العربية – بأن الولايات المتحدة فوجِـئت بهذه الانتفاضات العربية التي لم تكُـن بالتأكيد صناعة أمريكية. ويرى الدكتور شبلي تلحمي، أستاذ دراسات السلام والتنمية بجامعة ميريلاند، أن الولايات المتحدة وقفت عاجِـزة عن التنبُّـؤ باحتِـمال اندلاع موجة الانتفاضات الشعبية العربية وفوجِـئت بشرارتها الأولى في تونس، ثم ارتبَـكت في ردِّ فعلها على الثورة الشعبية المصرية، بين تفضيل المصالح القومية الأمريكية التي ارتكزت منذ السبعينيات على تحويل مصر إلى مِـحور ارتكاز لتنفيذ مصالحها الأمنية وخِـدمة أهداف إسرائيل في ملف السلام، من خلال الاستثمار الأمريكي منذ الثمانينيات في نظام قمعي، مثل نظام حسني مبارك، ثم سُـرعان ما أفاقت على حقيقة أنها لا تستطيع هندسة النتائج السياسية لتلك الصحوة وتعلّـمت بعد تردّدها في التعامل مع الانتفاضة الشعبية المصرية، أن تتعامل مع كل انتفاضة عربية على حِـدة، بحسب اختلاف قوة الدّفع نحو التغيير وواقع كل دولة عربية وما يُـمكن أن يتمخَّـض عنه الحِـراك الشعبي فيها من نتائج بالنسبة للمصالح القومية الأمريكية.  » تخشى الولايات المتحدة من خطَـر تردّي الوضْـع في سوريا إلى حالة من الفوضى  » إدوارد جيريجيان، السفير الأمريكي السابق لدى سوريا

المشهد السوري بعيون أمريكية
ومع أن مارك تونر، المتحدِّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية سخر من عجْـز الرئيس بشار الأسد عن فهْـم ضرورة التحرّك بسُـرعة لتنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تطالب بها المسيرات الشعبية في أنحاء سوريا منذ 15 مارس الماضي وتركيز خطابه المُـنتظر على توجيه الاتهامات لأصابع خارجية تستهدِف استقرار سوريا، ورغم تعهُّـد الولايات المتحدة بإدانة أي قمْـع أو عنف من السلطات السورية للمتظاهرين السِّـلميين، فإن واشنطن لم ولن تتحدّث عن ضرورة تغيير النظام أو المطالبة بتنحّـي الرئيس السوري، حتى لو استخدم العُـنف ضد شعبه.   فإدارة الرئيس أوباما لا زالت ترى أنه من الأفضل للمصالح القومية الأمريكية تشجيع النظام السوري على تغيير سُـلوكه وانتهاج طريق الإصلاح، لأنها ترى في تغيير النظام قفْـزا إلى المجهول الذي يُـمكن أن يأتي بما لا تشتهي الولايات المتحدة وإسرائيل.   وفي لقاء لـ swissinfo.ch مع إدوارد جيريجيان، السفير الأمريكي السابق لدى سوريا والمساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، شرح أسباب التعامل الأمريكي المتحفّـظ مع الانتفاضة الشعبية السورية: « تخشى الولايات المتحدة من خطَـر تردّي الوضْـع في سوريا إلى حالة من الفوضى، نظرا لأن المجتمع السوري يتألّـف من خليط من المسلمين السُـنة والشيعة والعلويين، الذين رغم كوْنهم أقلية، استأثروا بمُـعظم السلطة والمال، وهناك أيضا الدروز والأكراد وخليط آخر من الأقليات المسيحية المُـختلفة ويمكن أن يؤدّي سقوط النظام الحاكم إلى صِـراع طائفي، لا يقتصر على سوريا فقط، بل يمكن أن يشيع موجات من الكراهية والعنف الطائفي وعدم التسامح في دول المنطقة بشكل يخلق كابوسا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ».   ويرى السفير جيريجيان أن الولايات المتحدة تفضِّـل أن يقود الرئيس الأسد بنفسه عملية تحوّل ديمقراطي، من خلال تنفيذ سريع لوعود الإصلاح التي طرحها في الماضي والاستجابة إلى مطالب الانتفاضة الشعبية، بدلا من ترتيب المظاهرات المسانِـدة له واتِّـهام جهات خارجية بتحريض الشعب على الثورة والاكتفاء بتغيير الحكومة، عِـوضا عن تطبيق إصلاحات تلبِّـي مطالب الشعب وقال: « الموقف في سوريا خطير في ضوء الإصرار الشعبي على مواصلة الانتفاضة من أجل تحقيق الإصلاحات المطلوبة. وتنتظر الولايات المتحدة لترى هل سيردّ النظام السوري على المظاهرات الحاشِـدة بالشروع الفوري في الإصلاح أم سيُـواصل استخدام أجهزته الأمنية في القمْـع أم سيلجأ إلى شكل من أشكال النموذج الليبي في ردْع الانتفاضة الشعبية باستخدام القوة العارمة للجيش السوري في مواجهة متظاهرين سلميين ».  أوراق الضغط على الأسد
ومع أن الرئيس بشار الأسد، الذي أصرّ في البداية على أن لدى سوريا مَـناعة إزاء رياح التغيير التي تجتاح العالم العربي بقوله، أن سوريا ليست مصر وليست تونس، فإنه عاد ليؤكِّـد أن التحوّلات في المنطقة العربية سوف تترك تداعِـياتها على كل دول المنطقة، بما في ذلك سوريا. ومع ذلك، لوَّح الأسَـد بأن الإصلاح يأخذ وقتا ولا يتم بسبب الضغط الشعبي، مما يجعل المناشدة الأمريكية له بالاستجابة لمطالب شعبه تذهب أدراج الرياح، وتجد إدارة أوباما نفسها في حيْـرة إزاء ما الذي يُـمكن أن تفعله إذا اختار الأسد طريق القمع.   سألنا الدكتور روبرت هنتر، السفير الأمريكي السابق لدى حلف شمال الأطلسي عن الخيارات الأمريكية في تلك الحالة فقال: « من الواضح أنه لن يكون بوسْـع الولايات المتحدة استخدام قوّتها العسكرية ضد النظام السوري، حتى إذا لجأ الأسد إلى القمع الوحشي للمتظاهرين السوريين، كما أنه ليست هناك نداءات دولية بالتصدّي لمثل ذلك القمْـع يمكن أن تمهِّـد لقرار من مجلس الأمن. وحتى لو توفَّـر ذلك الضغط، فلن يمكن مثلا استخدام أسلوب فرْض حظر جوّي على سوريا، لأن قوات الأمن السورية لا تستخدم الطائرات في قمْـعها للمتظاهرين، وبالتالي، ستجد إدارة الرئيس أوباما نفسها عاجِـزة بشكل متزايد عن ممارسة ضغط فعّـال على النظام السوري ».   ولا يتوقّـع السفير هنتر أن يحْـذُو الجيش السوري حذْو القوات المسلحة في تونس أو في مصر بالتخلّـي عن مساندة النظام والوقوف إلى جانب الانتفاضة الشعبية، كما يرى أن الولايات المتحدة لن تطالب بتغيير النظام في سوريا، لأنها تخشى من أن يكون البديل حَـربا أهلية أو نظاما أكثر تطرّفا أو أكثر تأييدا لحزب الله وحركة حماس وأكثر اقترابا من إيران.   ويخلِّـص السفير هنتر إلى أن الولايات المتحدة تُـدرك أيضا دور سوريا الهام في تقرير توجّـه المنطقة نحو الحرب ونحو السلام، ولذلك ترغب في الحفاظ على حالة من الاستقرار في سوريا. فنظام الأسد، رغم سلوكه الذي لا تحبِّـذه واشنطن، يبدو أسهَـل في التنبُّـؤ بما سيقدُم عليه في المنطقة من المجهول الذي يُـمكن أن يُـسفِـر عنه سقوط النظام، وخلق فراغ سياسي في البلاد وما يمكن أن يأتي به المستقبل بالنسبة للاستقرار في المنطقة، خاصة في ظلّ عدم وجود معاهدة سلام بين سوريا وإسرائيل ووضع سوريا الجغرافي، الذي يجعل لها نفوذا في الدول التي تشاركها الحدود، خاصة لبنان والعراق، وكلها أمور تحدّ من قُـدرة صنَّـاع القرار في الولايات المتحدة على انتِـهاج النَّـمط الذي تمّ استخدامه مع الانتفاضتيْـن الشعبيتيْـن في تونس ثم في مصر.. محمد ماضي – واشنطن- swissinfo.ch  
(المصدر: موقع « سويس إنفو »(سويسرا)  بتاريخ 1 أفريل2011)  



د. عبد الستار قاسم
رجال المخابرات هم أقل الناس شعبية في الوطن العربي. يكره الناس رجال المخابرات ويصفونهم بأقذع الصفات والأوصاف وينظرون إليهم كبغاة طغاة هدامين لا يعرفون إلا مصالحهم. رجل المخابرات في الوطن العربي في نظر عامة الناس عبارة عن شيطان لا يرتاح إلا بإزعاج الآخرين والوشاية بهم والانتقام منهم. إنه شخص غير مؤتمن إطلاقا ولا يتواجد إلا في الأمكنة التي يجب ألا يكون فيها. إنه يتحسس أخبار الناس ويتجسس عليهم ويوقع بهم ويتدخل في شؤونهم الخاصة والعامة. إنه مقيت ولا يعرف ذمة ولا يردعه ضمير ولا يقيم وزنا لفضيلة أو خلق قويم. إنه متمرد على الله وعلى الإنسان، وعلى كل ما هو فضيلة، إنه إبليس بعينه. هذا مع الاعتذار لمن انخرط في هذا السلك رغبة منه في خدمة الأمة والوطن. فقط حاولت أن أُسمع رجل المخابرات ما يدور بين الناس خفية عنه، إن كان هناك سر في الوطن العربي، وقد فضحت الأحداث الأخيرة في الوطن العربي ما كان يكره رجال المخابرات أن يسمعوه. تاريخيا، هذا ما صنعه رجال المخابرات العرب بأنفسهم. رأى الناس في كل أرجاء الوطن العربي أن الأعداء قد انتصروا علينا في مختلف مجالات الحياة فاحتلوا أراضينا وسيطروا على ثرواتنا وعيّنوا لنا الحكام ومنعونا من تطوير التقنية وحالوا بيننا وبين الوحدة وإلى غير ذلك. ورأى الناس كيف أن أجهزة مخابرات الأعداء قد تغلغلت في صفوفنا إلى درجة أنه يصعب إخفاء سر عنها، واستطاعت أن تتسلل إلى مختلف جزئيات حياتنا. هذا في نفس الوقت الذي تعمل أجهزة مخابراتنا على ملاحقة المواطن وإبقائه أداة أو مجرد حيوان يستهلك بطريقة أرقى قليلا من طريقة الجاموس أو الثور الذليل. الأعداء يوظفون أجهزة مخابراتهم لدعم دولهم وأجهزة مخابراتنا مشغولة بتعقب المواطنين، وبدل أن تكون عونا للمواطن على العدو هي عبارة عن هم ثقيل عليه. جندت الأنظمة الناس ليكونوا رقباء بعضهم على بعض إلى درجة تطورت معها ثقافة الحيطان لها آذان. تجند عدد كبير من الناس في أجهزة العسس والتعقب حتى أصبح يشك المرء بأخيه وزوجه وجاره وابن عمه وخطيبته وابن بلده، وربما أصبح يشك في نفسه. ووصل الحد إلى درجة الظن بأن المخابرات تزرع أجهزة التصنت في أجهزة الهاتف وأرضية الغرفة وطاولة الطعام والحيطان. لا أمان في الحديث مع صديق ولا في جلسات خاصة أو عامة ولا في غرفة النوم. وخبر الناس أيضا النتائج العملية لهذا الانتشار التجسسي الرهيب وطُلبوا للتحقيق، فمنهم من سجن ومنهم من عذب ومنهم من اختفى إما موتا أو في زنزانة نسيها من اعتقلوه. جلدت المخابرات أبناء الأمة وأوقعت في قلوبهم الرعب والمسكنة وزرعت في نفوسهم الذل والإهانة والقنوط والاستسلام. لقد أجرمت أجهزة المخابرات العربية ورجالها بقدر لا يمكن أن يُمسح من الذاكرة أو أن يتركه التاريخ بلا تسجيل. أقامت هذه الأجهزة السجون حتى أصبحت صروحا للقهر يتميز بها هذا الوطن، ونصبت مسالخ لجلود البشر، وعرف الناس الكهرباء تكوي جلودهم قبل أن تدخل بيوتهم. حرقت الجلود بالنار واقتلعت الأظافر وأجلست الناس على زجاجات كُسرت فوهاتها واقتيدوا يعذبون عراة في البرد القارس بوساطة السلاسل والجنازير والأسلاك الشائكة. واستعملت أدوات الشبح والدوران وكسر الأطراف والأنوف والرؤوس. قائمة طويلة من وسائل الإجرام والتنكيل سيسجلها التاريخ في مجلدات شاهدا من ناحية على حجم الظلم الذي يمارسه الحاكم، ومن ناحية أخرى، على حجم الإذلال الذي قبل العربي أن يبتلعه قبل أن يثور. يجادل بعض رجال المخابرات أنهم يسهرون على أمن الدولة والوطن ضد العابثين والخفافيش الذين لا يخرجون إلا في الظلام لامتصاص الدماء والتآمر على مصالح الناس من أجل إشباع شهواتهم الخاصة. هذا جدل مردود لأن: أولا: الحكام هم أكثر الناس امتصاصا لدماء الناس وثرواتهم وهم ينهبون بدون حساب وبدون رقيب. لقد جمعوا الأموال الطائلة والجميع يعلم أن الله لم يورثهم الأرض ولم يأذن لهم في الاستيلاء على أموال الناس، وحتى أنهم لم يرثوا عن آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم أملاكا مشروعة يمكن أن تدر عليهم كل هذه الثروات التي يملكونها. حتى أن بعضهم قد عرف بأنه ورث الفقر عن والده وجده ولم يكن يملك ما يسد احتياجاته اليومية بارتياح. ليس فقط الحاكم هو الذي يتلذذ على مص دماء الناس وإنما أقاربه أيضا وأصدقاؤه وحاشيته ومنافقوه ومتزلفوه وأولادهم وبناتهم وأزواجهم وأولادهم وأولاد أولادهم وأزواج أزواجهم. أموال كثيرة يتم نهبها وهدرها على مختلف الصنوف الاستهلاكية المصنعة محليا أو خارجيا وعلى مختلف أنواع المتع والشهوات داخل الوطن العربي وخارجه وفي الأماكن النظيفة وغير النظيفة الحمراء منها والسوداء والصفراء والتي لا يدخلها نور أو هدى. ثانيا: في ظل ما يقومون به من أعمال وما يأمرهم به أسيادهم لم يتبق للوطن أمن أو أمان. الوطن العربي عبارة عن مطية لمن أراد أن يمتطي وهدف سهل أمام كل من يريد أن يجرب الانتصار. لا يحاربنا أحد إلا انتصر علينا مهما كان ضعيفا أو هزيلا، ولا يرغب أحد في نهب ثرواتنا إلا نجح في ذلك. إسرائيل تصول وتجول، وفرائصنا ترتعد من دول مجاورة وأخرى بعيدة، حتى أريتيريا لم نأخذ منها حقا انتزعته بالقوة وقتلت وأسرت جنودنا في الجزر اليمنية، وفضلنا الهرولة إلى المحكمة الدولية. حرب في جنوب السودان اشتعلت على مدى سنوات ولم نستطع حسمها فانفصل الجنوب، وأرض عربية ما زالت تحتلها إسبانيا ونحن للإهانة صاغرين. هذا وطن ألعوبة بأيدي الأعداء، وجسده مليء بالثغرات والنوافذ والأبواب. نحن لسنا مغلوبين ومستورين، بل يتم كل غُلب علينا على رؤوس الأشهاد حتى أصبحنا مهزلة أمام الأمم وأضحوكة في نوادي التسالي والنكات. هؤلاء المخابرات لا يكتفون بفتح أبواب مخادعنا للأعداء، بل ينهمكون على الدوام بتلك الأفعال والأعمال التي تجعل من العربي غير قادر على رفض الذل ويدفعون به نحو الاستطياب وتجرع المزيد. إنهم لا يرفضون فقط الدفاع عن ظعائنهم، وإنما يصرون على أن تكون ظعائن الأمة كلها مباحة. لقد قتلوا الرجولة في الرجال حتى تأكدت النساء أنها لا تُزف إلا إلى مجرد ذكر، وبعثوا الرعب في قلوب النساء حتى أنها لم تعد إلا وسائل إنجاب يمكن أن تكون الأنابيب بدائلها. حرصوا على استدخال الهزيمة في النفوس حتى بات النوم مستحيلا بدون جرعة منها. وبعد هذا يقولون إنهم يدافعون عن وطن ومواطنين. ثالثا: إنهم يدافعون عن أنظمة وليس عن مواطنين أو أوطان أو دول. ليتهم يشرحون لنا كيف يمكن أن يدافعوا عن أمن الوطن باقتفاء آثار الأشخاص لمعرفة أصدقائهم ومغامراتهم والطعام الذي يحبون والجلسات التي منها ينفرون. أي خدمة يكسبها الوطن في ملاحقة زوج على خلاف مع زوجه، أو رجل دين على وفاق مع الذين يصلون خلفه، أو في معرفة السبب الذي أضحك علانا عندما كان يتمشى مع فلان، أو الذي دفع علانا إلى عدم ركوب حماره عندما كان يسير في البرية؟ إنني أدرك أن هذه الأمور التافهة مهمة في ملاحقة جواسيس الدول الأخرى الذين يحاولون نخر أجسادنا، لكن هذه النشاطات مكرسة ضدنا ولا تهدف إلا إلى الاطمئنان إلى خنوع الناس واستسلامهم للحاكم وهتافهم باسمه والتسبيح بحمده، وإلى التأكد من « نظافة » الصفوف من الذين يطمحون إلى التغيير ويعملون باتجاهه. رجال المخابرات لا يخشون جواسيس الدول الأخرى لأنهم يحافظون على النظام الذي يقمع الناس الذين يشكلون درعا لأمة لا يراد لها الخير. يهتم الأعداء بإذلال العرب وخنوعهم واستسلامهم لكي يبقوا متمكنين منا ومن مقدراتنا وثرواتنا. هذا ما تفعله الأنظمة وهو بالتحديد ما يحافظ على مصالح الأعداء. ولهذا ترتع مخابرات الأعداء في بلادنا وتعمل في الخفاء والعلن دون أن تُسأل. جواسيس إسرائيل محترمون، وكذلك عملاء أمريكا وبريطانيا وأوغندا ونيجيريا وتركيا وزيمبايوي، إلخ. يعمل الجواسيس والعملاء على مرأى ومسمع أجهزة الأمن العربية وبالتعاون معها، ومعا تتم ملاحقة أحرار الوطن العربي. يتمنى العربي أن يتم توظيف أجهزة الأمن من أجل الدفاع عن الأمة وليس عن أمن الذين يعرضون أمن الأمة للأخطار. ليت هذه الأجهزة توظف 10% من طاقاتها لمواجهة العدو، وليتها تترك المواطن يعبر عن نفسه لكي تكوّن الرأي الصواب فتقدمه للحاكم فيصحح الأمور مستجيبا لطموحات شعبه. لكن المأساة تبقى ماثلة وهي أن العربي الذي تصب مخابرات الأعداء غضبها عليه تصب المخابرات العربية غضبها عليه أيضا. إن كان لشخص ملف لدى العدو الصهيوني فإنه يواجهه ذات الملف في دول عربية. الفلسطينيون خير شاهد على هذا. إن غضب عليك بنو صهيون وجدت العُرب عليك أغلبهم غضابا (بمن فيهم بعض أهل القضية). على الأقل هذه هي تجربتي الشخصية. حتى لا يقع إجحاف، أقر أن هناك نشاطات خارجية وداخلية لأجهزة المخابرات العربية لملاحقة بعض أعداء الأمة. يختلف نطاق هذه النشاطات ومداها وأهدافها من دولة إلى أخرى، لكن الملاحظ أن جزءا منها موجه نحو الدول العربية الأخرى كجزء من العداوات المتبادلة بين الأنظمة وليس الشعوب. أما ذلك الجزء المتبقي لملاحقة أخبار الأعداء وتتبع تسليحهم ودراسة نواياهم وأساليب التأثير عليهم وإمكانية إلحاق الهزيمة بهم فيبقى متواضعا جدا أمام الطاقات المحشودة لملاحقة المواطن العربي. وحتى لا يظن أحد من رجال المخابرات أنه موقع ثقة النظام عليه أن يتذكر أن هناك مخابرات تلاحقه لتطمئن إلى أنه لا يتلاعب. هناك مخابرات على المخابرات، ومخابرات على مخابرات المخابرات. ليعلم رجل المخابرات أنه هو نفسه موضع الشكوك التي يحاول أن يبحث عنها في بيوت ونفوس وعقول إخوانه وأبناء عمه وأصدقائه. إنه موظف عند حاكم لا تؤهله أعماله إلا للشك بالآخرين وتخوينهم. رابعا: كثير من رجال المخابرات لا يتلقون تثقيفا حول الأخطار الاجتماعية والنفسية المترتبة على نشاطاتهم. إنهم يستمعون إلى محاضرات ذات جوانب متعددة في الاستهتار بالقيم الإنسانية وبالتحديد المروءة والأخوّة، ويتعلمون كيف لا يخوضون حوارا حتى لا تغريهم آراء الآخرين، وكيف يمثلون أدوارا مختلفة من أجل الإيقاع بالفريسة وذلك من خلال استغلال العوامل النفسية. من تجاربي الطويلة مع رجال المخابرات العرب أو الصهاينة، أتعلم في كل مرة جوانب جديدة من شخصياتهم المريضة الغارقة في العفن والاضمحلال. وإنني على ثقة أن العرب في حال تحررهم سيضطرون إلى بناء العديد من المصحات النفسية لمعالجة هؤلاء المساكين. إنهم لا يعون تماما خطورة زرع الشك وعدم الثقة في صفوف المواطنين، ولا يقدرون تماما معنى غياب التنظيمات الاجتماعية والسياسية الفعالة والحريصة على التغيير. إنهم يهدمون ما يظن بعضهم أنه يعمل على بنائه. لقد أحالت أعمالهم مؤسساتنا إلى بؤر تجسس ومنافسات بعيدة عن المهنية وجعلوها تصب في خدمة الحاكم من أجل مكاسب شخصية. الغالبية الساحقة من مؤسسات الوطن العربي مثل الجامعات والمستشفيات ومراكز الترفيه والبحث عبارة عن مقرات لأجهزة الأمن أو مؤيدي الحاكم وليس للإنجاز المهني أو للتقدم. الثورة هذا ابتذال مرعب لا تقضي عليه إلا الثورات، والثورات بحاجة إلى رجال أشداء ونساء ماجدات. وواضح الآن أن رجال الأمة لم يغيبوا، وتلك النساء الأبيات لم يحجبن السيوف.



د. فهمي هويدي
لا يقنعنا كلام أي مسؤول طال بقاؤه في منصبه حين يقول إنه نبَّه إلى الفساد في مصر في حينه، لكن أحداً لم ينصت له. ذلك أنه ليس لدينا ما يدل على أنه نبه فعلاً ــ ولكن الثابت أنه ظل جزءاً من «العصابة» الحاكمة. واستمراره في منصبه لعدد من السنوات رغم علمه بالفساد قرينة على أحد أمرين، إما أنه كان راضياً به وسكت عليه استجلاباً لرضا السلطان، وهو ما لا يشرفه بأي حال، أو أنه كان شريكاً فيه ومستفيداً منه، وهو ما يثبت بحقه الإدانة.
أفهم أن يقول المسؤول إنه لم يكن يعلم أو إنه شم رائحة الفساد لكنه ظل بعيداً عن دائرته، الأمر الذي يخرجه من دائرة الاتهام. أما تلك الادعاءات التي نسمعها هذه الأيام فلا يمكن أن تفسر إلا بحسبانها استعباطاً واستهبالاً واستغباء لنا.
الحوار الذي أجرته صحيفة «المصري اليوم» مع الدكتور فتحي سرور في الأسبوع الماضي ليس النموذج الوحيد لهذه الحالة، ذلك أنني أزعم أن حالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار جودت الملط أفدح وأسوأ. ذلك أن الجهاز الذي يديره له وظيفة أساسية هي أن يظل مفتوح الأعين على كل صور الفساد الموجودة في البلد. وحين نرى الفساد بالحجم المهول الذي تكشف هذه الأيام، فإن المرء لا يستطيع أن يتصور أنه كان في مصر طوال هذه المدة جهاز يحاسب أو يراقب.
ما دفعني إلى هذا الكلام وفتح ملف الجهاز أنني قرأت في الأسابيع الماضية تصريحات للمستشار الملط تحدث فيها عن أنه كان يبعث بتقارير وملاحظات الجهاز إلى الجهات المسؤولة، لكن أحداً لم يأخذ بها. وأمس قرأت على الصفحة الأولى من صحيفة «الدستور» أن الجهاز حذر قبل 12 عاماً من فساد عقد بيع مائة ألف فدان في توشكى لشركة «المملكة» التي يمثلها الأمير الوليد بن طلال، وأرسل بيانات بمخالفات العقد وتجاوزاته إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ولكن أحداً لم يحقق في الأمر.
في الوقت ذاته، ثمة مذكرة قدمها ممثلون عن العاملين بالجهاز إلى رئاسة المجلس العسكري تحدثت عن تعليمات أصدرها المستشار الملط بمنع فحص عقود تصرف هيئة المجتمعات العمرانية في الأراضي الجديدة، التي وزعت ملايين الأمتار المربعة منها على أكابر النظام السابق. وكذلك عدم فحص حسابات الصناديق الخاصة لبعض الوزارات وعلى رأسها وزارة الداخلية التي كانت تحصل على نحو ملياري جنيه سنوياً. كما شملت التعليمات عدم تناول مخالفات كبار الشخصيات أو حسابات بعض الجهات التي توصف بأنها «سيادية».
في المذكرة وقائع مثيرة أخرى تحتاج إلى تحقيق، بعضها يتعلق بتقاضي بعض الوزراء أموالاً بغير وجه حق والبعض الآخر يتعلق بوقائع احتكار أحمد عز للحديد أو يتعلق بإجراءات الخصخصة التي ضيعت على الدولة مليارات الجنيهات.
معلوماتي أن التقارير التي كان يرسلها الجهاز إلى الجهات المعنية كانت «تصفى» حتى لا تتجاوز الخطوط الحمراء، أو تمس الأكابر. ومنها ما كان يحجب (كما كان يفعل الدكتور سرور في استجوابات مجلس الشعب) ــ وبسبب المجاملات التي روعي فيها خاطر أركان النظام السابق ورئاسته، تم نقل تبعية الجهاز من مجلس الشعب إلى رئاسة الجمهورية. ولهذا السبب ذاته كوفئ المستشار الملط بالتمديد له نحو 12 سنة. من ثَمَّ فلم يكن غريباً أن يقول صاحبنا في التقرير الذي قدمه إلى مجلس الشعب عن السنة المالية 2008 ما نصه: إن السيد رئيس الجمهورية يتابع مع الوزراء والمحافظين وجميع المسؤولين بالدولة ما يتعلق بحياة الناس وتوفير الحياة الكريمة لأبناء مصر، والتركيز على مشكلات المواطنين. فالشغل الشاغل للرئيس هو حياة المواطن البسيط، والرئيس يصرح ويوجه ويتابع مع المسؤولين بالدولة كل ما يتعلق بحياة البسطاء والفقراء ومحدودي الدخل وما يستحقونه من حياة كريمة… إلخ.
كان يمكن السكوت على ذلك الكلام لو أن الرجل التزم الصمت ولم يقل إنه قام بما عليه في مواجهة فساد النظام السابق، لكن أما وقد تكلم فربما كان مناسباً أن نذكره بما تناساه أو نسيه. إن من حقنا أن نسأله هو وأمثاله: إذا كنتم قد نبهتم حقاً إلى الفساد وقوبلت رسائلكم بالتجاهل، فلماذا لم يغضب أحد منكم مرة لكرامته أو كرامة البلد الذي كان ينهب تحت أعينكم؟  
(المصدر: صحيفة « الشرق » (يومية – قطر) الصادرة يوم 1 أفريل 2011)



د. ياسر سعد  
بعد أن قدَّمت السلطات السورية لخطاب بشار الأسد بأنه يحمل أخبارًا طيبة كما وصفه نائبه فاروق الشرع، جاء الخطاب مخيبًا لآمال من تفاءل بهذا النظام، وبأن فيه شيئًا من خير وبقايا من وطنية. خطاب الأسد أعادنا للوراء نحو نصف قرن، بهتافات بالية وبمجلس شعب مترهل، وقد ألقى أعضاؤه -وغالبيتهم من كبار السن- بإنسانيتهم خارج مبناه، وهم يتصرفون كالدمى، يصفقون ويهتفون ويلقون الشعر ويعبرون عن هيامهم بالقائد، فيما يتحدث الرجل، كحال والده وصحبه في ستينيات القرن الماضي، عن مؤامرات خارجية تستهدف الصمود والتصدي.

الخطاب والذي خلا من أية لهجة تصالحية، أو حتى الإعلان عن خطوات إصلاحية، لم يكن بالنسبة لي مفاجئًا بأي صورة، فهذا النظام كان وسيبقى عاجزًا تمامًا عن اتخاذ أي إصلاحيات جدية وفي أي اتجاه. ذلك لأن الفساد الذي يمثله النظام لا يحتمل وبأي صورة أحزابًا معارضة أو حريات في التعبير أو التظاهر. هل يستطيع أو يملك بشار الأسد، والذي اختزل قضايا المواطن السوري أو 99% منها بحسب تعبيره في قضايا حياتية، أن يجيب معارضًا أو سائلًا عن المليارات التي تمتلكها عائلته، وعن استثمارات رامي مخلوف، والذي هيمن على قطاعات عديدة، مثل الاتصالات والطيران الاقتصادي وغيرها؟ وهل يتحمل النظام استفسارًا عن مداخيل الدولة من النفط وأين تذهب؟.
النظام السوري أعجز من أن يواجه حرية حقيقة، وأضعف من أن يتحمل انتفاضة وطنية، وبالتالي فإن الهروب من الحقائق والالتفاف عليها بأحاديث فلسفية فارغة أو الزعم بالتآمر الخارجي لن يغير من حقيقة أن هذا النظام وصل إلى مرحلة من التكلس والترهل، والتي لا يجدي معها غير الرحيل والاستبدال.
لقد صادر الأسد الأب وزمرته من انقلابيي 1963 حرية الشعب السوري وكرامته، تحت مسمى تحرير فلسطين، ثم ضيعت أو بيعت الجولان -كما تقول شعارات أطفال درعا – وهو وزير للدفاع، وها هو الأسد الصغير يريد لمصادرة حرية وكرامة المواطن السوري أن تستمر، تحت لافتة مقاومة مزعومة تستخدم كمسجد ضرار وبطريقة فجة ومستهلكة.
إن المقاومة ليست شعارات ويافطات تُرفع؛ بل هي منهج وسبيل في السلوك والتضحية. وهي لا تكون لقيادة فاسدة تتلقى الإهانات والضربات من الدولة العبرية ومن عقود وتبتلعها تحت ذرائع واهية وسخيفة، مثل: « نمتلك حق الرد، ولن نُستجر لمعارك لم نحدد موعدها ».
هل من المقاومة في شيء أن يفتخر بشار في مقابلاته مع أعضاء الكونغرس الأمريكي بعد أحداث سبتمبر بأن لنظامه السبق في محاربة « الإرهاب » الإسلامي؟ ولماذا أعرب بشار عن قلقه من تأثير تدهور العلاقات التركية-الإسرائيلية على مفاوضات سلامه مع المحتل بعد المجزرة البحرية في البحر المتوسط؟ وإذا كان نظام سورية يدعم المقاومة في لبنان وفلسطين فلماذا لا يفتح الباب للمقاومة الشعبية لتحرير الجولان؟ ثم أليس من الدجل السياسي أن يتباهى النظام بدعم حماس، والتي تعلن في ميثاقها أنها جزء من حركة الإخوان المسلمين، بينما قانون 49 لعام 1980 ـ والذي ما زال ساري المفعول ـ يحكم بالإعدام على من ينتمي لتلك الجماعة من السوريين.
لقد بدا بشار في خطابه متخبطًا ومرهقًا، وهو يرى الشعب السوري وقد كسر حاجز الخوف، رغم قمع النظام وإرهابه ومجازره، والتي كان آخرها ما حدث في صيف 2008 في سجن صيدنايا من قتل للسجناء، ورغم قوانين الطوارئ والعقوبات القاسية، والتي تنزل بالناشطين والحقوقيين تحت تهم سخيفة وهزلية. فلقد سجن أكثر من محامٍ بعد اتهامهم بنشر أخبار كاذبة توهن من نفسية الأمة، لمجرد إعلانهم أن موكليهم تعرضوا للتعذيب.
الأسد كشف عن ضعفٍ في حسِّه الإنساني، عندما أراد أن يُظهر نوعًا من الثقة الخادعة، بإلقائه نكتًا تُضحك مجلس شعبه، فبشار لم يكتف بتجاهله لضحايا درعا واللاذقية والصنمين وغيرهم، وعدم الترحم عليهم، بل إنه والحاضرين غرقوا في الضحك، بينما بيوتات مئات السوريين في حالة من العزاء والحداد، جراء وحشية أمن النظام في ردِّه على المظاهرات السلمية.
لقد زعم الأسد أنه في السياسة الداخلية « البوصلة بالنسبة لنا هو المواطن »، فكيف يتواصل مع هذا المواطن المسكين؟ أعن طريقة استفتاءات رئاسية هزلية تتجاوز في كل مرة 97%، أم عن طريق مجلس شعب ليس له وظيفة سوى التصفيق والتطبيل؟ وأي مجلس للشعب هذا الذي لا يوجد فيه من يستفسر عن دماء وضحايا الأحداث الأخيرة، أو عن أخطاء ارتُكبت واعترف بها بشار من قبيل التواضع المتكلف؟ المواطن حين خرج في مظاهرات سلمية تطالب بالإصلاحات جوبه بالعنف والقتل وتهم النظام الجديدة القديمة بالتخوين والمؤامرات.
حديث الأسد عن أن تأخر الإصلاحات كان سببه الأحداث المتلاحقة في المنطقة زائف، فبعد عام من حكم بشار وتعهده بالانفتاح والإصلاح تم اعتقال الناشطين والحقوقيين والزج بهم في غياهب السجن، كان ذلك قبل أحداث سبتمبر والأزمة العراقية. ثم إن الأزمات والتحديات الخارجية تستلزم إطلاق الحريات والمشاركة السياسية لتدعيم الجبهة الداخلية، وليس كما يفعل النظام بشن المزيد من القمع والاضطهاد تحت تلك المسميات والذرائع.
( المصدر: البشير للأخبار بتاريخ 1 أفريل 2011)  

Lire aussi ces articles

9 avril 2006

Home – Accueil – الرئيسية TUNISNEWS 6 ème année, N° 2148 du 09.04.2006  archives : www.tunisnews.net Familles des prisonniers politiques en

En savoir plus +

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.