الأربعاء، 15 مارس 2006

Home – Accueil الرئيسية

TUNISNEWS
6 ème année, N° 2123 du 15.03.2006

 archives : www.tunisnews.net


البلاد….  مجلة إلكترونية تونسية جديدة على الإنترنت منظمة صوت حر: السجين السياسي الهاشمي المكي يمتع بالسراح الشرطي محمد الفاضل: هل من وقفة مع الهاشمي المكي صالح بن عبد الله: فتحي الورغي مرة أخرى حافظ خير الدين: كلّ التفاصيل حول المسيرة النضاليّة لجمعيّة القضاة التونسيين الصريح: وزير العدل في منبر الحوار: أقلية متطرفة ومفلسة تسعى للاستقواء بالأجنبي والاستنجاد به الصباح: مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية في زيارة إلى تونس الصباح: وكالة التشغيل تضع نصائحها للمجازين والمسرحين على شبكة الأنترنات الأستاذ عبد الرؤوف العيادي: الدكتاتورية والإرث الاستعماري صـابر التونسي: أم زياد بين العصا والجزرة مرسل الكسيبي: أم زياد والهاشمي المكي ومحمد عبو عناوين لمأساة تونس د خالد شوكات: أم زياد سيدة عظيمة من بلادي الحبيب أبو وليد المكني: اقتحام سجن المقاطعة و مسلسل الزمن العربي الرديء صوت الشعب: « الرسوم الكاريكاتورية الساخرة: بين العنصرية الاستعمارية الغربية والتوظيف الرجعي » الأزهر مقداد: تقديم  كتاب « المقاصد في المذهب المالكي » د. ابوخولة: العقل الغريزي الفلسطيني من أمين الحسيني إلى خالد مشعل محمد كريشان: السودان والقسم بالله العظيم د. عزالدين عناية: تحولات الوعي الجمعي الاسلامي


Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe ( Windows ) To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic (Windows).

تجمّع بالعاصمة تحت شعار « كفى 50 سنة دكتاتورية »

 

تدعو هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات إلى تجمّع يوم الجمعة القادم 17 مارس 2006 على الساعة الواحدة بعد الظهر بساحة الاستقلال بتونس العاصمة (أين يوجد تمثال ابن خلدون) بمناسبة مرور 50 سنة على إعلان معاهدة الاستقلال.

 

وقد قرّرت هيئة 18 أكتوبر تنظيم هذا التجمع تحت شعار « كفى 50 سنة دكتاتورية » للمطالبة بإطلاق الحريات في تونس.

 

(المصدر: البديل الأسبوعي، قائمة مراسلة حزب العمال الشيوعي التونسي- عــدد 8 – 13 مارس 2006)

 


البلاد…. 

مجلة إلكترونية تونسية جديدة على الإنترنت

www.albiled.net

 

يسر مجموعة من الصحفيين التونسيين المؤمنين بحرية الصحافة والملتزمين بمعاييرها المهنية إعلان انطلاق إصدار مجلة جامعة مستقلة نصف شهرية على صفحات الإنترنت تحت عنوانالبلاد.

تسعى المجلة لتغطيةالشأن التونسي وغيره منالأحداث العربية و الدولية إخبارا و تحليلا على نحو يعكس التزام القائمين عليها بالمقاييس المهنية الصارمة التي ترفض الرقابة والتوظيف أيا يكن مأتاهما.

لذلك فإنالخط التحريري للمجلة التي تريد إحياء تجارب لعناوين سابقة عرفت باستقلاليتها و جديتها سيكون بمنأى عن الرؤى الحزبية سواء كانت في موقع السلطة أو المعارضة مع انتهاج خطاب متوازن مفتوح على الجميع دون إقصاء.

و لقد اختارت المجلة الذكرى الخمسين للاستقلال كمناسبة عزيزة جامعة لتبدأ عملها الذي يأمل في ترسيخ ثقافة احترام الآخر والقبول به بهدي من قيمنا الحضارية ومن المكاسب الإنسانية التي يختزلها مفهوم حقوق الإنسان بمعناها الشامل المتكامل.

في بداية مسيرتها تهيب مجلة البلاد بكل الصحفيين التونسيين أولا و بعامة المواطنين المساهمة في هذا الجهد و العمل على إنجاحه بالنقد البناء و بالمساهمة في موادها.

ملفنا الأول سيكون :  » خمسون سنة من الاستقلال: مكاسب وتحديات » والباب مفتوح لكل المساهمات أيا يكن مضمونها شرط الجدية ومناقشة الأفكار دون المس بالأشخاص والمقامات.

علما وأن المجلة تحوي أبوابا متنوعة ثقافية واقتصادية و فكرية ورياضية وفنية علاوة على الشأن السياسي وهي تترقب إبداعات الأقلام التونسية لتتطور بها ومعها.

 

للتواصل

الرجاء بعث المقترحات والإسهامات على العنوان التالي:

tunisonline2006@yahoo.fr

 

أو على العنوان التالي أيضا:

edit@albiled.net

 

أما بالنسبة للاشتراك في بريدنا الإلكتروني فيكفي بعث رسالة على العنوان التالي:

subscribe@albiled.net

 

 ترقبونا.. العدد الأول بعد أيام قليلة

 

هيئة تحرير « تونس نيوز » من جهتها ترحب بالوليد الجديد في الصحافة التونسية وتأمل أن يكون معززا لصفوف الصحافة المستقلة والنزيهة وتتمنى له عمرا مديدا وانتشارا حميدا داخل البلاد التونسية وخارجها.

 


منظمة صوت حر

بيان إعلامي

السجين السياسي الهاشمي المكي يمتع بالسراح الشرطي

باريس 14 مارس 2006
علمت منظمة صوت حر أن السلطات التونسية نقلت أمس الاثنين الموافق ل 13 مارس 2006 السجين السياسي التونسي السيد الهاشمي المكي إلى المستشفى حيث تم إعلامه اليوم 14 مارس 2006 بتمتعه بالسراح الشرطي.
والسجين السياسي السيد الهاشمي المكي من مواليد 1958 و أب لثلاث أبناء كان قد حوكم سنة 1995 بسبع و ثلاثين سنة سجنا بتهمة الانتماء إلى حركة النهضة الإسلامية.
و إثر تدهور خطير لحالته الصحية تمّ نقله يوم 3 فيفري 2006 إلى مستشفى الأمراض الصدرية بأريانة حيث تمّ تشخيص إصابته بسرطان غشاء الرئة:Mesothelioma و صوت حر تذكّر أن الحالة الصحية المتردية التي آلت إليها حالة السجين السياسي السيد الهاشمي المكي إنما هي نتيجة المعاملات غير الإنسانية التي يعانيها مساجين الرأي في تونس وما حالة المساجين السياسيين لخضر السديري و حبيب الردادي و عبد المجيد بن طاهر و لطفي العيدودي علينا ببعيد إذ وقع إهمالهم حتى الهلاك.
كما تطالب صوت حر السلطات التونسية بالتكفل بكافة مصاريف علاجه و عدم إهماله كي لا يلقى مصير من سبقه.
و تلفت صوت حر نظر الرأي العام إلى أنه ما يزال بالزنزانات التونسية أكثر من ثلاث مائة سجين سياسي يعاني معظمهم – نذكر منهم  المساجين فتحي الورغي و عيسى العامري و محمد المسدي – من أمراض مزمنة من هول ما يتعرضون له.
الدكتور أحمد العمري

 


 

إفراج مفاجئ عن الهاشمي المكي وإخلاء لسبيله بالمستشفى

 

تونس14.03.2006

 

بعد نحو شهر قضاها الأخ الهاشمي المكي بمستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة مغلولاً الرجل إلى سريره وتحت حراسة أمنية، لإجراء فحوصات ضرورية بعد أن تدهورت حالته الصحية بصورة خطيرة في الآونة الأخيرة، قامت السلطات المختصة لدى وزارة الداخلية خلال الأيام القليلة الماضية بإرجاعه إلى سجن 9 أفريل.

والأخ الهاشمي المكي الذي يقضي منذ1995 حكماً بالسجن لمدة 37سنة في إطار المحاكمات التي شملت أبناء حركة النهضة الإسلامية، يعاني منذ مدة طويلة عدداً من الأمراض في مرحلتها المتقدمة.ورغم المطالب التي لم ينفك يرفعها إلى إدارات السجون التي تنقل إليها، للعناية بحالته الصحية، ورغم النداءات التي وجهتها زوجته السيدة صبيحة الطياشي منذ وقت طويل إلى المسؤولين وإلى المنظمات الإنسانية والحقوقية وإلى الإعلام لتدارك وضع زوجها الصحي، فإن إدارة السجون والسلطات التونسية ذات العلاقة لم تلتفت إلي زوجها بالعناية اللازمة وتركت الأمراض الخبيثة تنهش جسمه.

غير أن إدارة سجن 9 أفريل أعادت الأخ الهاشمي المكي يوم الاثنين 13 مارس 2006 إلى مستشفى عبد الرحمان مامي بريانة، وبصورة مفاجأة فك اليوم الثلاثاء 14مارس 2006 رجال الأمن أغلال الأخ الهاشمي المكي وأعلم أنه أصبح طليقاً منذ الآن.

وبرغم استبشارنا بنبأ إطلاق سراح أخينا الهاشمي إلا أن معرفتنا بما عليه حالته الصحية بحسب إسترشادات حصلنا عليها من جهات مختصة تنغص فرح أهله وفرحنا.

ووفقاً لتقرير سريري إستفدناه من جهات مختصة فإن الأخ الهاشمي ربما يعاني من سرطان بغشاء الرئة، والتقارير المخبرية وحدها يمكن أن تأكد هذا التشخيص أوتفنده.

وإذ نسأل الله العزيز القدير لأخينا الهاشمي الصحة والعافية فإننا نوجه عناية السادة القراء وكل الخيرين داخل البلاد التونسية وخارجها أن يعملوا بما وسعتهم جهودهم للوقوف مادياً ومعنوياً مع أخينا الكريم بغاية معالجته حالته تلك علماً أنه إبتداءاً من اليوم فإن إقامته بالمستشفى ستكون على حسابه الشخصي وهو لا يرغب في الوقت الحاضر بالمغادرة إلى أن يستوفي العلاج.

يمكن الإتصال بالأخ الهاشمي أو أحد أفراد عائلته للسؤال عن صحته وتهنئته على الرقم التالي:__20139953__وللأسباب الصحية التي أوردنا وجب التنبيه إلى عدم الإطالة، وللخيرين الشكر، وكان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

 

(المصدر: مراسلة خاصة)


باسم الله الرحمان الرحيم

محمد الفاضل

تونس15.03.2006

هل من وقفة مع الهاشمي المكي

 

لقد أدخل نبأ إطلاق سراح الأخ الهاشمي المكي يوم الأربعاء14.03.2006، في نفوس جميع أحبائه الفرح والسرور، ولئن كان هذا النبأ لعائلته مفاجأ فقد كان أيضاً لبعض أصدقائه مستغرباً ،وربما نستطيع اليوم أن نتفهم إستغرابهم بالنظر إلى ما إعتاده الناس عن نظام السابع من نوفمبر من  جدولة قيمه ومبادئه  ضمن روزنامة  من المناسبات السنوية جعل فيها للتضامن يومه وللتسامح يومه وللترث يومه وللنساء يومهن…وللعفو عن السجناء يوم..

 

لكن بعد نحو عشرين يوما من الإفراج الذي شمل ما يزيد عن السبعين من الإسلاميين من أبناء حركة النهضة الإسلامية ومجموعة شباب جرجيس في الأيام 25و27من شهر فيفري 2006، اُخلي سبيل الأخ الهاشمي المكي المحكوم بـ 37سنة سجن في إطار محاكمات أبناء حركة النهضة الإسلامية.وقد جرى إشعاره بهذا القرار بعد أن نزعت الأغلال من رجله الموثقة إلى السرير في مستشفى عبد العزيز مامي بريانة.

 

كان الهاشمي المكي الذي قضى 10سنوات خلف القضبان منذ1995 يشتكي منذ فترة طويلة إصابته بعـدة أمراض، وجميع مساعيه لرفع طلباته إلى إدارات السجون التي يُنقل إليها لتمكينه من المعالجة وإجراء الفحوص الضرورية، وكل إستغاثات زوجته التي حاولت بها لفت أنظار من يعنيه الأمر للتدخل قبل مجيء زكرياء بن مصطفى وبعده،لم تجد لها من سامع أو مجيب..

 

وحدها إضرابات الجوع الوحشية التي دخلها الهاشمي قبل  18أكتوبر2005 وبعدها، ثم ما بدا فعلاً من تدهور واضح لحالته الصحية قد بعثت في إدارة السجون مخاوف وقوعها تحت طائل المسؤولية فيما لوتردت حالته إلى الأسوء، فأذنت منذ نحو شهر بنقله إلى المستشفى للمعالجة.

يوم اُعلن الإفراج عن المساجين في25فيفري2006إعتقد كثيرون من أصدقاء الهاشمي وأحبائه يقيناً، أنه سيكون من ضمن المفرج عنهم ولعل حالته الصحية المتدهورة وحدها تدفع بالظن أنها ربما تكون كفيلة لمراعات الدواعي الإنسانية التي يُـبَرر بها كل عفو رئاسي في مثل تلك المناسبات السنوية، و ربما تــشحذ أوهاماً بريئة  لدى عائلته طمعاً في رحمة ممن طلع علينا ذات يوم ليقول أن التونسي للتونسي رحمة.لكن خيبة للأمال صدمت مجدداً عائلته وظل الهاشمي موثقاً إلى سريره بأغلال شهدها جميع من تمكن من عيادته في غفلة أعوان الأمن الذين وضعوا لحراسته عند أول قسم الأمراض الصدرية بالمستشفى.ورغما عن سوء حالته الصحية فقد أعيد الهاشمي المكي إلى سجن 9 أفريل فجأة وظل هناك لأيام قبل أن يعاد نقله مجدداً إلى ذات المستشفى ويَـنزع رجال الأمن بعد بعض الوقت، أغلاله ويُـخطر بقرار إخلاء سبيله بصورة مفاجأة أيضاً.

 

ما يجب أن نسجله ههنا هو أن نظام السابع من نوفمبر لم يستطع أن يجعل من سراح الهاشمي المكي مناسبة إحتفالية تضاف إلى أرصدته الإنسانية، كما لم يجد له في مثل هذا التوقيت من بين قيمه المجدولة يوما مناسباً في روزنامته السنوية وخمسينية الإستقلال باتت مناسبة ضاغطة تدفعه ليتنازل عن مواعيده المعتادة مع العفو والرحمة. فيعجل بالإفراج عن السجناء في25فيفري بصورة بدت مفاجأة و يخلي سبيل الهاشمي المكي من غير إنذار ولاترتيبات إدارية مع إدارة السجون.

 

لم يعد نظام ابن علي يحتمل تشويش المعارضة على مناسباته الوطنية فبيان منظمة العفو الدولي منذ أسبوع الذي تناول حالة الهاشمي المكي الصحية، ثم حديث قناة الجزيرة إلى زوجته،  كانا قد وضعا النظام في وضع مماثل لذاك الذي عاشه يوم23و24فيفري 2005حين غطت الجزيرة النداء الذي دعت فيه حركة 18 أكتوبر للتجمع لليوم الموالي كما وضع حقيقة نظام ابن علي في وضع الإضطرار لإصدار قرار الإفراج عن المساجين السياسيين.

 

غير أن استبشارنا بخبر إطلاق سراح الأخ الهاشمي المكي لا تـُذهب عنا مخاوف ما قد تؤول إليه حالته الصحية في   ما لوأثبتت التحاليل المخبرية أن سرطان بغشاء الرئة قد أصابه.ووفق ما أفاده طبيب القسم فإن العلاجات الأولية قد تحتاج إلى مبالغ مالية لاتقل عن أربعة عشر ألف دينار تونسي   وهو ما يزيد في حراجة وضعه من الناحية المادية.

 

إن المسؤولية اليوم تقع في عاتق كل وطني شريف وكل من يجتهد ويعمل من أجل فك كرب المكروبين ورفع الضلم عن المضلومين أن لا يدع مأسي أصابت أخرين من أبناء وطننا وإخواننا تتكرر، كانوا قد قضوا في سجون ابن علي أوخارجه بسبب الإهمال الصحي.وليذكر الجميع أن سحنون الجوهري والحبيب الدريدي ولطفي العيدودي ونجاة الماجري وعلي الدريدي ونور الدين بن دعد وعبد المجيد بن طاهر… كانوا بعضاً من عناوين تلك المآسي التي قاساها ويقاسيها السجناء السياسيون في سجون نظام السابع من نوفمبر.

 

وحتى لا ينقضي زمن كان بإمكاننا أن نُـسعد عائلات ونحفظ فيه حياة، فإن أمالاً كبيرة لازالت تؤمن أن شرفاء تونسيون لايزال نبض الإنسانية يخفق في قلوبهم وغيرة على الإنسانية المهدورة تثير فيهم شهامة الدين والتاريخ.

 

  فهل من شريفيسعى في كرب أخيه الهاشمي المكي ؟

 

وبالله التوفيق

 


فتحي الورغي مرة أخرى

للمرة الألف يقرع ناقوس الخطر و تتناهى إلى سمع الرأي العام الوطني و الدولي مأساة مناضل أبي اسمه فتحي بن علالة الو رغي. هذا المواطن التونسي الذي حلم بوطن حر كريم يتساوى فيه الجميع و لا يتفاوتون إلا بمقدار عطائهم و بذلهم من أجل الصالح العام و من أجل وطن مضى على درب الشهادة من أجله آلاف الشهداء منذ عهد البايات و القائمة ما زالت مرشحة للزيادة.هذا الشاب التونسي الذي اغتر ذات يوم بربيع ديمقراطي يحل بأرض الخضراء فانخرط حتى النخاع لنصرة قائمة مستقلة تحمل شعارا جذابا:  » تونس لكل التونسيين  » و ناصرها و نافح عنها بكل ما يملك من قوة قافزا فوق واقعه المادي الموغل في التواضع غير ملتفت لوالديه الطاعنين في السن.تحول الحلم بعد ظهور النتائج إلى كابوس و لم يتح له قادته الذين وثق فيهم حتى مجرد التعبير عن غضبه و احترام الثقة التي وضعها في قائمته من صوت لها و هم كثر . فلم يجد بدا من الهجرة إلى الجزائر و الإقامة بها إلى أن تم تسليمه ذات يوم من أيام عام 1993 و تعرض على إثر ذلك إلى تعذيب شديد سبب له أضرارا جسيمة و أودع بعدها السجن فازداد وضعه الصحي تدهورا و تعددت النداءات بإطلاق سراحه و لكن لا حياة لمن تنادي.و قد مضى ما يقارب العقد والنصف (5500 يوما)من بقائه في ظروف لا إنسانية و قد ازداد وضعه الصحي في الأشهر الأخيرة تدهورا و لا يستبعد أن يكون مشروع شهادة في الأيام القادمة لذا رحمة بهذا المناضل الوطني الغيور و رحمة بوالدين يطرقان باب القبر و رحمة بهذا البلد الآمن و هو أحوج ما يكون إلى أبنائه أتوجه باسمي و باسم كل من عرف فتحي الورغي شابا مستقيما و مناضلا غيورا محبا وفيا لتونس الخضراء أتوجه إلى كل الضمائر الحرة و القوى الخيرة داخل حدود القطر و خارجه لبذل قصارى الجهد من أجل إطلاق سراح فتحي و إسعافه بالعلاج الفوري قبل فوات الأوان .

صالح بن عبد الله أصيل قلعة سنان


كلّ التفاصيل حول المسيرة النضاليّة لجمعيّة القضاة التونسيين:

الاستقلاليّة والصمود بين المؤامرة والتشريد (2 من 3)

حافظ خير الدين

 

رأينا في الحلقة الأولى الجوانب النضاليّة لجمعيّة القضاة التونسيين وبداية ترسيخها لسلوك صامد من أجل استقلال القضاء ونواصل اليوم بقيّة النص….

 

(…) ولكن هذا الجو الانقلابي لم يمنع المكتب باقتراب حركة  النقل من الاحاطة بمشاغل القضاة وذلك بتقديم دراسة متكاملة لواقع النقل والترقيات لعلها من  أفضل  ما كتب في تاريخ الجمعية. وفعلا فلأول مرة في تاريخ هذا الهيكل وضعت أمام أجيال القضاة جميعا برتبهم وأعمارهم المختلفة الأدلة المستقاة من الممارسة  المزمنة على فساد طريقة اعداد النقل والترقيات من خلال التأكيد أساسا على غياب المقاييس الموضوعية وضمانات الشفافية في اقرارها مما جعل من النقله  والترقية معا على تناقضهما وسيلة للحد من استقلال القضاء اذ المقياس فيهما المحاباة والمفاضلة بين المترشحين بناء على أسباب لاصلة لها لا بالأقدمية ولا بالكفاءة ولا بالنزاهة. وقد لاقت هذه اللائحة استحسان القضاة الذين  سمعوا من خلالها صوتهم  المكتوم مما اقض مضاجع القائمين على وزاراة العدل اذ فضحت اللائحة في أسلوب هادئ رصين مدعم بالأرقام سياسة  الوزارة في مجال النقل والترقية وكشفت في الآونة نفسها عن معاناة قضاة الظل جراء الأسلوب التسلطي والاستبدادي الذي تتعاطى به الوزارة مع هذا الملف وهو ما شكل نقلة نوعية في أسلوب عمل الجمعية اذ قدمت لائحة 6 جوان 2005 جدولا تفصيليا  في مطالب القضاة بناء على مبدأ العدل بين الجميع فقطعت بذلك مع ممارسات سابقة كانت تستعمل فيها المواقع داخل المكتب التنفيذي كأصل تجاري لتزكية مطالب نقل  أو ترقيات المقربين من المكتب والتغاضي عن وضعيات من لا ربح فيهم ولاغنم انتخابي أو غيره.

 

وبعد فشل الوزارة في الانقلاب على الهياكل الشرعية بالجلسة العامة التي انعقدت في 3/07/2005 بنادي القضاة بسكرة والذي اضطر خلالها الانقلابيون أمام صمود القضاة الى الانسحاب, لجأ أعوانها الى تزوير لائحة نسبوها الى الجلسة العامة

 

وفي هذه الأجواء الخانقة وفي ظل تصاعد الضغوط على الجمعية  قطع الجهاز القمعي وسائل اتصالها وحرمها من مواردها  المالية ولكن ورغم المحاصرة والهرسلة التليفونية والمراقبة اللصيقة وكل الأساليب التي اتقنها النظام انكب المكتب أو ما بقي منه أي السيد الرئيس أحمد الرحموني والأعضاء كلثوم كنو ووسيلة الكعبي وروضة القرافي وفيصل منصر وهم الأغلبية ( يضم المكتب 9 أعضاء) بعد أن اختار الأربع المتبقون الانخراط في صفوف الانقلابيين (هم أعضاء في المكتب الانقلابي الحالي) أنكب المكتب اذن التزاما منه بشرف المسؤولية الملقاة على عاتقه على متابعة ملف تنقيح القانون الأساسي للقضاة الذي قررت السلطة  احالته الى مجلس النواب  أثناء العطلة القضائية وفي آخر أيام  دورته النيابية للمصادقة عليه .

 

ورغم صعوبة المهمة تمكن المكتب من مد كافة أعضاء المجلس باختلاف انتماءاتهم الحزبية  بملف ثري يحتوي موقف القضاة من خلال لوائح مؤتمرات وبلاغات مجالسهم الوطنية ونصوصهم المصاغة  من قبل المكتب التنفيذي المتضمنة لمطالبهم  الواضحة بشأن  كل فصل من فصول القانون المعروض على المصادقة فمثل ذلك سابقة مشهوده في تعامل الجمعية مع محيطها المدني خدمة لمصلحة منظوريها  وايمانا من المكتب التنفيذي في ذلك الظرف الحاسم الذي سيحدد مستقبل القضاء والقضاة سنوات قادمة بضرورة ابلاغ صوت رجال العدالة بشأن تطوير قانونهم الأساسي الى دوائر القرار فكانت جلسة 30/7/2005  البرلمانية التاريخية حيث كانت الجمعية الحاضر الغائب , فلقد تواصلت الجلسة على مدى أكثر من 5 ساعات دار خلالها نقاش ثري وساخن بين النواب ووزير العدل(1) بشأن النقائص التي شابت مشروع القانون وذلك في  فصول منه متعددة وخاصة تلك المتعلقة بتركيبة المجلس الأعلى للقضاء الذي يطغى  عليه مبدأ التعيين في مقابل الانتخاب الذي يفتقد الى ضمانات العملية الانتخابية السليمة التي ذكرناها سالفا والمتعلقة أيضا بنقلة القاضي , وهو مبدأ زيغ به عن طريقه الصحيح فتحول من « عدم نقلة القاضي الا برضاه»  الى « نقلة القاضي برضاه» مع ربط المبدأ الثاني وهو من صنع وزارة العدل باستثناءات لاحصر لها أفرغته من محتواه وجعلته يشرع للنقلة الاجبارية  للقضاة

 

وفي باب ضمانات التأديب وقع استبعاد اختصاص المحكمة الادارية بالبت في الطعن في القرارات التأديبية  واقرار مبدأ التأديب على درجتين أمام المجلس الأعلى للقضاء تستنسخ فيه الثانية  الأولى وهو ما لا  يمثل ضمانة  للقاضي طالما ان الهيئة التي تبت في الطعن في القرار التأديبي هي في معظمها منصبة ولا يوجد صلبها غير عضوين منتخبين.وقد اقترح عدد من النواب نظرا الى اهمية القانون المعروض على المصادقة ارجاء البت في شأنه من اجل تعميق النظر فيه وتوسيع الاستشارة لاشراك الجمعية في صياغه بنوده.

 

هكذا اذن كسر جدار الصمت وسقطت التابوهات وتم التداول علنا في مشاغل القضاة التي كانت الى وقت قريب جدا من المحظورات.

1)- تركيبة المجلس الأعلى للقضاء التي يطغى عليها التعيين بما يعني السيطرة المطلقة للسلطة التنفيذية على جهاز القضاء

2) تحكم السلطة الاستبدادي في  مصير القضاة من حيث النقل والترقيات والتأديب

3)- الصلاحيات المطلقة لوزير العدل في نقلة القاضي مما يشكل سيفا مسلولا على عنق كل قاض من أول يوم يباشر فيه مهنته الى آخر يوم من حياته المهنية مما يحوله في كثير من الأحيان الى عبد للادارة  يعيش  على الدوام تمزقا أليما بين ضمير لا يقدر على االاستجابة لصوته ومصالح تفرضها عليه ظروف لا راد لها.

4) نظام تأديب تحتكره الادارة بواسطة ممثليها في المجلس الأعلى للقضاء الخاضعين لهيمنة السلطة التنفيذية .

 

لقد تعاظم في وقت وجيز جدا دور جمعية القضاة وأصبح  حضورها  جديا في كل الفضاءات وعبر كل  وسائل العمل المتاحة لها للدفاع  على استقلال القضاء فلم  يعد ممكنا البتة بالنسبة الى السلطة أن تسكت على ما يجري لما يمثله من تهديد لها ولجهازها الاستبدادي فكان لابد من استعمال  الحركة القضائية لتفكيك الجمعية وكسر هياكلها وايقاف المد الاستقلالي الذي أنعش عملها ولبث الرعب في صفوف القضاة وذلك بالتلويح بالنقل العقابية وتجميد الترقيات والتجريد من الوظائف وتحريك الآلة التأديبية تمهيدا للمؤتمر الاستثنائي الانقلابي وهو من أخطر ما وقع من انقلابات  على الهياكل الشرعية,انقلاب محبوك بليل , مدبر في أدق تفاصيله في مكاتب وزارة العدل :

1) من خلال تسليط النقل العقابية الانتقامية على العناصر المستقلة من مسؤولي الجمعية بل حتى من منخرطيها القاعديين

2) من خلال المكافآت والعطايا بسخاء لمن شارك قليلا أو كثيرا في زعزعة الهياكل الشرعية طيلة سنة2005

 

       ان المتأمل عن قرب في حركة النقل الأخيرة يلاحظ :

·

       ان كل العناصر المستقلة قد خضعت الى عملية اقصاء ممنهجة بنقلهم خارج دائرة محاكم تونس العاصمة ودائرتي محكمتي استئناف نابل وبنزرت بحيث لن يتمكنوا مستقبلا من الترشح حتى على سبيل الافتراض الضعيف لأكثر من مقعدين داخل المكتب التنفيذي ( يخصص القانون الأساسي لقضاة   الداخل مقعدين  فقط في المكتب التنفيذي ) كما أنه تم من جهة أخرى التخطيط باحكام لتركيز العناصر المستقلة المشردة في عدد محدود من المحاكم حتى لا ينجحوا مستقبلا في تأليف أغلبية داخل الهيئة الادارية أي الهيكل الممثل لنواب المحاكم , ( نائب عن كل محكمة) واليكم  لمزيد فضح مالا يعلمه الرأي العام جدول بياني كاشف لهندسة الحركة القضائية لسنة 2005 التي صنعت لتهيئة الظروف للانقلابيين لتولى ادارة الجمعية:

 

 

 

 

 العقوبات

*المكتب التنفيذي

 السيدة كلثوم كنو,

 الكاتب العام مستشارة بمحكمة الاستئناف بتونس نقلت كقاضي تحقيق بالمحكمة الابتدائية بالقيروان اعترضت على انتخابات المجلس الأعلى للقضاء لدى الوزارة ثم لدى المحكمة الادارية

السيدة وسيلة الكعبي

 عضو المكتب مستشارة بمحكمة الاستئناف بتونس نقلت كقاضي تحقيق بالمحكمة الابتدائية بقابس, حيث اضطرت نظرا لمهمة التحقيق التي اسندت اليها امعانا في الانتقام منها الى الاستقرار بقابس بعيدا عن أطفالها الثلاثة في منفى حقيقي

السيد روضة القرافي

عضو المكتب التنفيذي مستشارة بمحكمة الاستئناف بالكاف مبعدة منذ 5 سنوات عن محاكم تونس مقر اقامتها بسبب نشاطها في  الجمعية استجيب لمطالب نقل كل من سبقها ولحقها بالمحكمة المذكورة.

السيد فيصل منصر

عضو المكتب قاض بالمحكمة الابتدائية بصفاقس ضحية دائمة للنقل العقابية نظرا لنشاطه صلب الجمعية منذ وقت مبكر نقل الى فرع المحكمة  العقارية بقبلي  حيث قضى ثلاث سنوات قبل أن يعيش في صفاقس بعيدا عن مقر اقامته بسوسة

*الهيئة الادارية (نواب المحاكم)

السيدة ليلى بحرية : مستشارة بمحكمة الاستئناف بتونس ممثلة المحكمة المذكورة -دافعت باستماتة على الهياكل الشرعية وتصدت بشجاعة لمحاولة الانقلاب على الجمعية  , رفعت بعد النقلة قضية استعالجية ضد الهيئة المؤقتة لاعداد للمؤتمر الانقلابي, نقلت الى المحكمة الابتدائية بالقصرين

السيدة آسيا العبيدي

مستشارة بمحكمة الاستئناف ببنزرت ممثلة المحكمة المذكورة نقلت الى ابتدائية القصرين اعترضت على انتخابات المجلس الأعلى للقضاء.

السيد عمر الوسلاتي:

قاض بالمحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد ممثل المحكمة المذكورة نقل الى المحكمة الابتدائية بالقصرين

-تصدى للانقلابيين بشجاعة ورفض الامضاء على العرائض الجاهزة.

السيد محمد بن منصور

قاض بالمحكمة الابتدائية بتونس ممثل المحكمة المذكورة شغل خطة قاضي العرف سنة 2004-2005 بذات المحكمة فعمل فيها بكل نزاهة واستقلال وهو ما لم يرق لوزارة العدل  فجردته من خطته, دافع على الهياكل الشرعية ورفض في محكمته ببسالة الانخراط في حملة العمل الموازي التي قادها رئيس المحكمة الابتدائية بتونس نقل الى المحكمة الابتدائية بتوزر بعيدا عن مقر اقامته بتونس.

السيد أنس الحمادي

قاض بالمحكمة الابتدائية بالمنستير ممثل المحكمة المذكورة نقل الى المحكمة الابتدائية بقفصة اعترض على انتخابات  المجلس الأعلى للقضاء من العناصر النيرة  الفاعلة داخل الهياكل.

السيد حمادي الرحماني

قاض بفرع المحكمة العقارية بالمنستير, من شباب القضاء المناضل , ممثل المحكمة المذكورة نقل الى المحكمة الابتدائية بقفصة, اعترض على انتخابات المجلس الأعلى للقضاء , شارك  السيدة  ليلى بحرية في القضية الاستعجالية المذكورة

السيد محمد الخليفي

مستشار بمحكمة الاستئناف بمدنين ممثل المحكمة المذكورة من خيرة القضاة المستقلين النزهاء وقف وقفة حازمة ضد الهجمة على الهياكل الشرعية ساند المكتب التنفيدي الشرعي في الطعن لدى القضاء في صحة المؤتمر الانقلابي بالطعن كذلك في المؤتمر المذكور عوقب بعدم الاستجابة لمطلب نقلته من محكمة الاستئناف بمدنين الى محكمة الاستئناف بقفصة فبقي مبعدا عن محل سكناه وعائلته.

السيد المنجي تلغ

قاض بالمحكمة الابتدائية بمدنين ممثل المحكمة المذكورة نقل الى المحكمة الابتدائية بجندوبة ففقد بذلك عضويته في الهيئة الادارية وأبعد عن مقر سكناه, فهو أصيل بنقردان

السيد توفيق السويدي

قاض بالمحكمة الابتدائية بقفصة  ممثل المحكمة المذكورة طلب النقلة الى المحكمة الابتدائية ببنزرت حيث كان يعمل قبل نقلته الى قفصة بسبب موافقة الجريئة في انتقاد سلطة الاشراف في طريقة تعاطيها مع ملف تنقيح القانون الأساسي لم تقع بالطبع الاستجابة لمطلب نقلته وأبقي بالمحكمة الابتدائية بقفصة حيث يواصل قضاء العقوبة.

 السيد يوسف بوزاخر

قاضي بالمحكمة الابتدائية ببنزرت ممثل المحكمة المذكورة نقل الى المحكمة الابتدائية بجندوبة من نخبة شباب القضاء المناضل الملتزم بقضايا القطاع

 

 

 السيد وانس الفرجاني

قاضي الناحية بالجم من شباب القضاء ممثل المحكمة المذكورة نقل الى المحكمة الابتدائية بمدنين مع تجريده من خطته الوظيفية استمات في الدفاع عن الشرعية ورفض الانخراط في العمل الموازي

المكافآت

المكتب التنفيذي

 الســـادة

-شكري بن صالح

– رياض الغربي

-الحسين بلحاج مسعود

-عادل بن اسماعيل ساحبو الثقة من أنفسهم ساهموا في الانقلاب وتآمروا مع الوزارة للوقوف ضد الأغلبية والشرعية : أعوان بوليس مهرة

يرفعون للوزارة تقارير سرية عن اجتماع المكتب صلتهم بالأعلام سليم العجرودي العامل بالمغازة العامة والمتصاحف في الشروق , بوليس مدرب على استنشاق الروائح الكريهة والنفخ على نار المآمرات والدسائس

أعيد انتخابهم ( هكذا !)

في المؤتمر الانقلابي رغم مشاركتهم المتميزة في سحب الثقة عن المكتب الشرعي

 ( انه على كل شيئ قدير !)

حافظوا على مناصبهم في تونس لتمكينهم من الترشح الى عضوية المكتب الانقلابي , ينتظرهم مستقبل زاهر مليئ بالحيانات والمناصب

1)

      من خارج المكتب.

السيد خالد عباس

رجل الوزارة الأول وبيدقها الرئيس في تنفيذ خطة الانقلاب على الهياكل الشرعية

-ترأس ما يسمى بالجنة المؤقتة لادارة شؤون الجمعية واحتل مقرها بلاسند قانوني, عضو المكتب الانقلابي تمت ترقيته من مستشار بمحكمة الاستئناف بتونس الى وكيل رئيس بالمحكمة الابتدائية بمنوبة على ضعف كفاءته المهنية وقدراته الفكرية (درويش في ثوب قاض) فما أتفه العنم وما أفدح عار الدخول الى سجل القضاء الأسود ( تيجاني عبيد آخر)

3)- من الهيئة الادارية

السيد طارق ابراهم,

 مرشح الادارة من العناصر البارزة في العمل الموازي – عضو المكتب الانقلابي لعله سيعوض الدرويش على رأس الجمعية في الانتخابات القادمة وقع ترقيته الى الرتبة الثالثة بمجرد استيفائه المدة القانونية للأقدمية في الرتبة الثانية ( رغم طول قائمة الانتظار) أسندت له خطة رئيس بالدائرة الجنائية بابتدائية تونس. اشتهر  » بأياديه البيضاء » على الرابطة التونسية لحقوق الانسان التي قضى باخراجها من مقرها طبق تعليمات الوزارة

منير بن صولة

مرشح الادارة من العناصر الفاعلة في العمل الموازي أمضى على سحب  الثقة مستشار بمحكمة التعقيب تمت ترقيته الى رتبة قاضي تحقيق أول بالمحكمة الابتدائية ببنزرت  استجابة لطلبه فهو من أصيلى المدنية

السيد رياض مبارك

مرشح الادارة شارك في العمل الموازي وبارك الانقلاب تمت ترقيته من مستشار بمحكمة الاستئناف بالكاف الى  وكيل رئيس بالمحكمة الابتدائية بالكاف استجابة لطلبه

السيد منير الحفصي

مرشح الادارة, شارك في العمل الموازي وبارك الانقلاب تمت ترقيته الى خطة قاضي الناحية بفوسانة وهو ابن المنطقة.

السيد الشاذلي والي

دعم العمل الموازي, عنصر فاعل في حركة الانقلاب , نقل طبق طلبه من قابس الى صفاقس مع ترقيته الى خطة وكيل رئيس من أبناء صفاقس

 

 

2)

      القاعديون

السيد الشاذلي بوخريص

من الوجوه البارزة في حركة الانقلاب , كاتب عام ما سمي باللجنة الوقتية تمت ترقيته من رئيس دائرة بمحكمة الاستئناف بتونس الى رئيس الدائرة الجنائية بالمحكمة المذكورة ( وهو ما يعادل رئيس دائرة بمحكمة التعقيب)

-السيد البشير علية

رئيس سابق للجمعية في سنوات عسلها مع الوزارة اشتهر بمهارته الفائقة في تزوير لوائح المجالس الوطنية طبق رغبات الوزارة, عون مدرب تدريبا عاليا على الوشاية وحيك الدسائس, عرفت الجمعية على يديه أحلك فترات وهنها بارك الانقلاب وشارك فيه تمت ترقيته الى الرتبة الثالثة بمجرد استيفائه المدة الدنيا للترقية اسندت له خطة رئيس دائرة بمحكمة الاستئناف بتونس

 

السيد الحبيب الغرياني

 معرة القضاء , شهير بمحاكمته وسجنه لمدة أسبوع في الولايات المتحدة من أجل التحرش الجنسي ضد فتيات في الطريق العام وهو في حالة سكر, وعربدة من مناصرى العمل الموازي , بارك الانقلاب وشارك فيه

مثل : أمام مجلس التأديب يوم 4/07/2005 وعلى اثر امضائه على سحب الثقة يوم 03/07/2005 من المكتب التنفيذي تقررت بشأنه عقوبة رمزية مكافأة له على تلطيخ سمعة البلاد والعباد وعلى ضرب الجمعية تمت ترقيته من قاض بمركز الدراسات الى مستشار بمحكمة الاستئناف بنابل

 

 

 

*القاعديون

 

 السيد فتحي القلاع

من الكوادر الفاعلة في الجمعية عضو سابق بالمكتب التنفيذي

-اعترض على انتخابات المجلس

– ساند الهياكل الشرعية

-رفض الانخراط في العمل الموازي أبعد الى قبلى وعين قاضي ناحية كقناع للعقوبة ولاجباره بحكم الوظيفة عن الانقطاع تماما عن عائلته المستقرة بتونس العاصمة.

 السيدة وفاء بسباس

مستشارة بمحكمة التعقيب  نقلت دون رضاها الى محكمة الاستئناف بصفاقس حيث  أسندت لها كعقوبة مقنعة خطة رئيس دائرة

-دافعت عن الهياكل الشرعية فظلت بذلك وفية لماض مشرف اذ أحيلت على مجلس التأديب لمشاركتها في اضراب جمعية القضاة الشبان سنة 1985

 السيدة نورة حمدي

مستشارة بمحكمة الاستئناف ببنزرت نقلت كمستشارة بمحكمة مدنين لرفضها الانخراط في حملات العمل الموازي ضد   الهياكل الشرعية ومواجهتها الصريحة للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف ببنزرت للكف عن استعمال سلطته و التدخل في شؤون الجمعية وتأليب القضاة ضد الهياكل الشرعية تقضي عقوبتها في جلد و صمود وشموخ دعيت للاستجواب من تفقدية وزارة العدل بسبب اعلانها التمسك بالهياكل الشرعية ورفضها الاعتراف بالانقلابيين في اجتماع عقد بمكتب  رئيس محكمة الاستئناف بمدنين وذلك رغم ما طالها من عقوبات

 

 السيد عبد الباقي كريد

من الكوادر المعروفة باستقلالها داخل الجمعية ونضالها من أجل تنقيح القانون الأساسي ودعوتها  للتصدي لظاهرة انخراط عدد من القضاة في العمل الحزبي داخل أطر الحزب الحاكم  من المساهمين في اعداد مشروع الجمعية وتصورها لتنقيح القانون الأساسي للقضاة

عانى مبكرا من النقل العقابية اذ سبقت نقلته من سوسة كمستشار بمحكمة الاستئناف بمدنين وأعيدت نقلته في الحركة الأخيرة من محكمة الاستئناف بسوسة الى محكمة الاستئناف بمدنين للدور الذي لعبه في حماية الهياكل الشرعية من محاولة الالتفاف عليها في المجلس الوطني بالحمامات في 12/06/2005 وفي الجلسة العامة خارقة للعادة بنادي القضاة بسكرة في 03/7/2005

السيد وليد الرحموني

قاض بالمحكمة الابتدائية بزغوان عضو هيئة ادارية سابق من العناصر التي شاركت كثيرا في العمل داخل لجان صياغة لوائح المجالس الوطنية ترشح الى عضوية المكتب التنفيذي في مؤتمر ديسمبر2004 ضمن قائمة السيدة كلثوم كنو تمّ نقله الى المحكمة الابتدائيّة بتطاوين.

السيد عبد القادر غزال

قاض بالمحكمة العقارية بفرع الكاف نقل الى المحكمة الابتدائية بالقصرين تصدى بكل شجاعة لمحاولة الانقلاب على المكتب الشرعي بالجلسة العامة بسكرة في 3/7/2005 وفضح محاولة توريطه من قبل عصابة الانقلابيين للامضاء على اللائحة المزورة التي حررت خارج الجلسةالعامة.

 

السيد حسن حبيب

قاضي السجل التجاري بالمحكمة الابتدائية ببنزر نقل الى المحكمة الابتدائية بجندوبة مع تجريده من الخطة كعقوبة  على مساندته للهياكل الشرعية وللمساعدة الشجاعة التي قدمها لحماية اجتماعات الهياكل من محاولات افشالها من زبانية وزارة العدل.

السيد كمال بربوش

 مستشار بمحكمة التعقيب نقل الى المحكمة الابتدائية بمدنين

 ( بأقصى الجنوب)

أسندت له خطة قاضي تحقيق أول دون طلب منه كعقوبة مقنعة ترشح ضمن قائمة السيد أحمد الرحموني رئيس الجمعية في مؤتمر ديسمبر 2004 شارك في الحملة لرئيس  الجمعية

 

السيد زهير عروسي

عضو هيئة ادارية سابق مساعد الوكيل العام بمحكمة التعقيب نقل الى المحكمة الابتدائية بالمنستير دون طلب منه وأسندت له خطة حاكم  تحقيق أول كعقوبة ولاحكام نفيه عن عائلته لما أبداه من مقاومة معلنة لضرب الهياكل الشرعية يلاقي تضييقات في عمله بسبب ثباته في الدفاع على الشرعية ودخوله في مواجهة مع وكيل الجمهورية بالمنستير لضغطه على القضاة للحضور بالمؤتمر الانقلابي

والقائمة مازالت طويلة للقضاة الذين وان لم تقع نقلتهم تعسفا في الحركة الأخيرة فقد جردوا من مسؤولياتهم وخططهم وجمدت ترقياتهم ورفضت مطالب نقلهم بسبب وقوفهم الى جانب الهياكل الشرعية كما لا يفوتنا ان تسجل ان كل الدلائل تشير الى ان السيد أحمد الرحموني رئيس الجمعية سيلحق برفاقه المبعدين في الحركة القضائية القادمة وان مزيد العقوبات ستتسلط على من بقي صامدا متمسكا بالشرعية

القاعديون

 

السيد يوسف الزعدودي

اشتهر بالوشاية والعمل كرقيب ومخبر داخل مجالس الجمعية من أبطال العمل الموازي المرموقين تمت ترقيته من رئيس دائرة  بمحكمة الاستئناف بتونس الى رئيس المحكمة  الابتدائية بأريانة بعد أن أصبحت محكمة ممتازة.

السيد الهادي العياري

محترف للخيانة منذنعومة أظفاره القذرة فتاريخ الحركة الطلابية وحركة القضاة الشبان يشهدان على ذلك أدرج اسمه بالقوائم السوداء لقضاة السلطة مبكرا متعجرف متسلط « شجاع » في مواجهة المستضعفين ممن زلت بهم القدم يمارس عليهم تسلطه المرضي المثير للأشمئزاز من العدل والعدالة في هذه الربوع ذليل حد الانبطاح المخزي أمام أسياده مالك زمام نقلته وترقيته استقال من عضوية المكتب التنفيذي سابقا لعدم انتخابه رئيسا فبطلنا رئيس أو لا يكون عضو ناشط داخل العصابة الانقلابية تمت ترقيته كمستشار بمحكمة التعقيب . فما أتفه العمولة مقابل بيع العرض !(ولا حول ولا قوة الا بالله)

 

السيد فوزي ساسي

قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس

بطل الكذب حول وقائع الاعتداء على المحامين من قبل عناصر البوليس السياسي التي جدت يوم 2/02/2005 يوم تعهده بالتحقيق في قضية الأستاذ محمد عبو

-حامل لواء الانحطاط الذي تردى فيه قضاة السلطة فقد تجرأ على ضرب عميد المحامين وطرده من مكتبه على مرأى ومسمع الجميع يوم 16/03/2005

نجم الاجتماع التحريضي ضد المكتب التنفيذي بتونس الذي عقد بقصر العدالة يوم 31/03/2005 تحت اشراف  رئيس المحكمة–تمت ترقيته الى خطة قاضي تحقيق أول

 

السيد طارق شكيوة

وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بمنوبة ابن الادارة البار من المخلصين في العمل ضد الهياكل  الشرعية وعن التجسس على  على زملائه عبر ردهات المحاكم ورفع التقارير الى الوزارة تمت ترقيته الى الرتبة الثالثة بمجرد استيفائه اللاقدمية الدنيا المشترطة للترقية واسند له خطة رئيس دائرة بمحكمة الاستئناف بتونس في تعد سافر    على حقوق زملائه في النرقية ممن يفوقونه أقدمية و كفاءة

 

السيدة أسيا العياري:

« دلوعة » رئيس المحكمة الابتدائية بتونس والمقربة من قلوب رؤسائها لانخراطها المبكر في العمل لحساب الوزارة في مؤتمرات الجمعية ضالعة بامتياز في حركة الانقلاب بكل مراحلها تمت ترقيتها باسنادها خطة وكيل رئيس بالمحكمة الابتدائية بتونس بعد ما جردت السيدة زكية الجويني من تلك الخطة ونقلت كمستشارة بمحكمة الاستئناف بتونس لرفضها الانخراط في العمل ضد الهيكل الشرعية

 

 

 

نذكر أيضا ضمن هذه القائمة السوداء السادة :

 

 

 

سامي الشابي

 

 

عماد بوخريص

 

 

الهاشمي كسراوي

 

 

محمد عميرة

 

 

مصطفى الكعباشي

 

وكلهم ممن ثقلت موازينهم شرا وخيانة متورطون في ضرب الهياكل الشرعية.

أجزل لهم العطاء وتمت مكافأتهم (كل قدير وقدرو) في الحركة الأخيرة

 

( يتبع )


وزير العدل في منبر الحوار

أقلية متطرفة ومفلسة تسعى للاستقواء بالأجنبي والاستنجاد به

 

* قابس – الصريح

 

أشرف السيد بشير التكاري وزير العدل وحقوق الإنسان أمس بدار التجمع بمدينة قابس على منبر حوار حول النقطة 21 من البرنامج الانتخابي لسيادة الرئيس بن علي لتونس الغد  » الإصلاح السياسي خيار ثابت ومسار لايتوقف ».

 

وأكد الوزير في مستهل كلمته ان الخيار الديمقراطي في تونس هو خيار استراتيجي لا رجعة فيه وفقا للثوابت التي أرساها الرئيس زين العابدين بن علي موضحا أن هذا الخيار ليس خيارا مسقطا فقد سبق التحولات التي شهدها العالم في نهاية الثمانينات من القرن الماضي وأضاف أن الخيار الديمقراطي التعددي تجسم من خلال المبادرات التي اتخذها رئيس الدولة لتمكين أحزاب المعارضة من الدخول الى البرلمان والمجالس البلدية.

 

وأوضح السيد البشير التكاري بأن التمويل العمومي للأحزاب السياسية يهدف اساسا الى تحصينها ضد التمويل الأجنبي بما يعنيه من تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وهو ما تعاني منه بعض الأنظمة السياسية في بعض الدول .

 

وبين ان النجاحات التي حققتها بلادنا والتي جعلت منها بلدا متقدما راقيا في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي لم تستسغها أقلية من أقصى اليسار ومن المتطرفين المتسترين بالدين الذين أفلست ايديولوجياتهم وفشلوا في التأثير على الرأي العام الوطني مضيفا ان هذه القلة مازالت تتشبث بايديولوجيات وبأطروحات فكرية يسارية ويمينية أثبتت إفلاسها حتى في البلدان التي كانت منبعا لها وهي تسعى للاستقواء بالأجنبي والاستنجاد به وتحاول استغلال مختلف المناسبات الوطنية والتظاهرات العالمية للنيل من سمعة تونس ومن انجازاتها ومكتسباتها وهو ما يدعو القوى الحية بالبلاد الى شجب تحركاتها والتنديد بها والتصدي بحزم لمساعيها المناوئة والهدامة.

 

وأكد الوزير في أجوبته على تدخلات الحاضرين انه لا وجود لمساجين سياسيين في تونس ولان السجين السياسي هو سجين الرأي وسجين حرية التنظيم والتعبير و لا يوجد في المؤسسات العقابية التونسية الا من حوكموا من اجل قضايا حق عام في محاكم عادية مدنية توفرت فيها حقوق الدفاع مضيفا ان الذين يطالبون اليوم بإطلاق سراح من يسمونهم  » مساجين سياسيين  » ينسون أن الرئيس بن علي أفرج عنهم ومتعهم بعفو خاص في كل المناسبات كل ذلك من أجل أن يشعروا ان دوافع النظام في تونس وغاياته هي المحافظة على مكتسبات النظام الجمهوري ومقومات الدولة العصرية بعيدا عن كل إقصاء أو تهميش .

 

وجوابا عن بعض الاستفسارات المتعلقة باستقلال القضاء أكد السيد البشير التكاري أن القضاء في تونس يتمتع بكامل الاستقلالية اذ لا سلطان عليه لغير القانون وهو بعيد تماما عن كل تأثير خارجي مذكرا في هذا السياق بما يحظى به القضاء والقضاة في تونس من رعاية وإحاطة مادية وأدبية من لدن رئيس الدولة وتطرق في معرض كلمته إلى المكاسب التي تحققت للمرأة التونسية التي تعد اليوم مصدر فخر واعتزاز مذكرا في هذا الشأن بما حوته مجلة الأحوال الشخصية من مبادئ رائدة اذ ارتقت الى مرتبة الدستور لتظل مكسبا تاريخيا حضاريا لا يمكن التراجع عنه.

 

واختتم الوزير ان حرية التعبير مضمونة في تونس بعد ان توفرت لها كل الضمانات القانونية لتمارس بشكل سليم على ان هذه الحرية كما هو معمول به في سائر الدول المتقدمة لا يجب ان تكون مطلقة حيث تحكمها بعض الضوابط المهنية والأخلاقية حتى لا تتحول إلى فوضى . وفي رده عن تساؤلات بعض المتدخلين بشأن وضعية الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعدم إجراء مؤتمرها أكد الوزير أن ما يجرى بهذه المنظمة التي يعتبرها الرئيس زين العابدين بن علي مكسبا وطنيا في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان هو شان داخلي خاص بها وان الرابطة مطالبة بحل اشكالياتها  في كنف احترام القانون والتراتيب الجاري بها العمل .

 

ودعا السيد البشير التكاري مناضلي التجمع الدستوري الديمقراطي الى دعم حضورهم بالجمعيات وفي كل المواقع والفضاءات والأطر للرد على المناوئين والمشككين في مكاسب تونس مؤكدا أن  حجة التجمعيين قوية بخيارات رئيسهم الثابتة والريادية وبرصيد الانجازات والنجاحات في الداخل والخارج فضلا عن الشرعية التاريخية والثقل السياسي والجماهيري للتجمع.

 

(المصدر: صحيفة الصريح الصادرة يوم 15 مارس 2006)


مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية في زيارة إلى تونس

تونس – الصباح:

 

قال مصدر في السفارة الامريكية أن دافيد والش مساعد وزير الخارجية للشرق الأدنى وشمال افريقيا يؤدي زيارة الى تونس من 14 الى 16 مارس الجاري يلتقي خلالها مسؤولين بهدف اجراء حوارات في مسائل مرتبطة بالعلاقات الثنائية والاهتمامات المشتركة.

 

وتأتي الزيارة في إطار جولة في المنطقة تشمل الجزائر  كما أنها تأتي بعد نحو شهر على زيارة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد الى المنطقة ولم يقدم المصدر معلومات اضافية مشيرا الى أن المسؤول سيعقد لقاءا صحفيا بعد ظهر اليوم، يذكر أن السيد ولش يعد خبيرا في الشؤون العربية والشرق الاوسطية حيث تولى القيام بمهام مختلفة وكان والش التقى الشهر الماضي الرئيس الفلسطيني محمود عباس وذلك للمرة الاولى بعد الانتخابات الفلسطينية وفوز حماس في 25 جانفي الماضي.

 

يذكر أن السيد والش شغل منصب سفير الولايات المتحدة الأمريكية بمصر من شهر أوت 2001 الى مارس 2005 ومن اكتوبر 1998 الى أوت 2001 وعمل كمساعد وزير الخارجية مكلف بالمنظمات الدولية.

 

وضمن سيرة مهنته بوزارة الخارجية، شغل السيد والش منصب نائب مساعد أول لوزير الخارجية بمكتب شؤون الشرق الأدنى، وعند تعيينه بتلك الخطة، لعب دورا أساسيا في تطبيق السياسة الامريكية تجاه ايران والعراق وليبيا عند شغله منصب مدير مكتب من ابرز المكاتب الاقليمية بالوزارة وفي هذا النطاق، أدار السيد والش جلسات تفاوض حول وقف لاطلاق النار بين الأطراف المتحاربة الأكراد بشمال العراق وقام بزيارة الى شمال العراق على اثر قتال  شديد هناك سنتي 1996 و1997.

 

ومن سنة 1992 الى سنة 1995، عين نائب رئيس بعثة بسفارة الولايات المتحدة الامريكية بالرياض في المملكة العربية السعودية وقبل تعيينه بالمملكة العربية السعودية، كان السيد والش مساعدا تنفيذيا لنائب وزير الخارجية مكلفا بالشؤون السياسية بوزارة الخارجية (1992-1991) كما كان عضوا بالمجلس الأمني القومي بالبيت الابيض من سنة 1989 الى سنة 1991.

 

وفي الثمانينات، شغل السيد والش عدة مناصب رئيسية تعنى بالصراع العربي الاسرائيلي ومسيرة السلام من سنة 1986 الى سنة 1988، عمل كمستشار سياسي لدى سفارة الولايات المتحدة الامريكية بعمان بالاردن ومن سنة 1984 الى سنة 1986، عين رئيسا للقسم السياسي بدمشق بسوريا، وقبل تعيينه بتلك المناصب، كــــــل مسؤولا علـــى سوريـــــا (1982-1981) ولبنان (1983-1982) بواشطن. من سنة 1979 الى سنة 1981، عمل السيد والش كمستشار سياسي بسفارة الولايات المتحدة الامريكية باسلامباد بالباكستان.

 

تحصل السيد والش على الاجازة من كلية الحقوق الديبلوماسية بفلاتشر كما تابع دراسات  اقتصادية بكلية الاقتصاد بلندن وذلك سنتي 1973 و1974.

 

ويتكلم والش الاسبانية والعربية وهو عضو بمجلس العلاقات الخارجية والجمعية الامريكية للمصالح الخارجية. ولد السيد والش بمونيخ بألمانيا سنة 1953 من أبوين تخرجا ايضا من السلك الخارجي وتنقل معهما من ألمانيا الى البرازيل والمغرب الاكوادور والمكسيك.

 

(المصدر: جريدة الصباح التونسية الصادرة يوم 15 مارس 2006)


للتقليص من بطالة أصحاب الشهادات العليا:

وكالة التشغيل تضع نصائحها للمجازين والمسرحين على شبكة الأنترنات

تونس – الصباح

أصبحت ظاهرة بطالة أصحاب الشهادات العليا مثيرة للقلق في كثير من الأوساط.. وأضحى الكثير من الشباب المتعلم يائسا من الظفر بموطن شغل قار بسهولة نظرا للتطور الكبير لعدد المجازين والحاصلين على شهادات الماجستير والدكتوراه.. وصار البحث عن فرصة شغل أمرا متعبا للغاية بسبب كثرة الطلبات وندرة العروض.. ولتسهيل مهمة الشبان المجازين للحصول على مكانة لهم في سوق الشغل، قامت الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل بوضع كم هائل من النصائح على شبكة الانترنيت حتى يطلع عليها الراغبون في الالتحاق بسوق الشغل..

كما وضعت على موقع واب صفحات خاصة بالمسرحين ويذكر أن هذه المعضلة لا تقل أهمية عن معضلة بطالة المجازين. وكان قد تبين للمشرفين على التوجيه والتأطير بمكاتب التشغيل أن هناك الكثير من الشبان الذين يمتلكون مهارات جيدة في مجالات تخصصاتهم لكنهم لا يحسنون تقديم أنفسهم للجهات المشغلة، ويعجزون عن كسب ثقتهم وبالتالي فإنهم لا يتمكّنون من النجاح في اختبار الانتداب.

وتتعلق النصائح التي وجهتها الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل للباحثين عن شغل بكيفية تحرير السيرة الذاتية لطالب الشغل وكيفية تحرير مطلب الشغل وكيفية إعداد المشروع المهني وكيفية إجابته عن إعلانات عروض الشغل وكيفية استعداده لإجراء اختبارات الانتداب وكيفية إنجازه محادثة الانتداب.إذ عن طريق السيرة الذاتية يعرف الشاب بنفسه، وهي تحتوي على المعلومات التي تخص مؤهلاته التعليمية والتكوينية وفق ترتيب معيّن.. ومن خلالها يعطي الباحث عن شغل فكرة أولية عن مؤهلاته ودرجة استجابتها لخصائص العمل الذي سيترشح له وتبوب المعلومات الواردة بالسيرة الذاتية وفق ترتيب معين حيث توضع البيانات الشخصية أولا ثم المؤهلات الأساسية فالخبرة المهنية والمؤهلات الإضافية واللغات والأنشطة الأخرى التي يمارسها الباحث عن شغل.

أما بالنسبة لرسالة طلب الشغل فتهدف إلى جلب اهتمام صاحب المؤسسة المشغلة وتحديد موعد معه. وتتضمن الرسالة معطيات أولها تاريخ إحالة الرسالة ثم صفة المرسل إليه والموضوع والمصاحيب ومقدمة للفت انتباه القارئ تكون مباشرة وشخصية وتتكون من جمل قصيرة..أما الفقرة الأساسية فتحتوي على بيانات تبرز مؤهلات طالب الشغل وخبرته وقدرته ومدى استجابته لخصائص الشغل المقترح أو الخطة التي ينوي الترشح إليها.. وفي الفقرة الختامية من الرسالة يتم تقديم اقتراح بتحديد موعد للمقابلة وبقية المعطيات الشخصية كالعنوان ورقم الهاتف إلى جانب الاسم واللقب.

وبالنسبة لاختيارات الانتداب فإن الاستعداد لها لا يتطلب حفظ المعلومات عن ظهر قلب بل يكفي أن يكون طالب الشغل مطلعا عليها. وفي ما يتعلق بمحادثة الانتداب فإنها على درجة كبيرة من الأهمية، فعندما تعتزم مؤسسة ما انتداب أشخاص للعمل لديها فإنها تقوم بدعوة المترشحين لإخضاعهم لمحادثة الانتداب واختيار أكثرهم استجابة لمواصفات الخطة المعروضة.

وتتمثل محادثة الانتداب في حوار يجريه طالب الشغل مع صاحب المؤسسة أو المسؤول أو اللجنة المكلفة بانتقاء المترشحين وبذلك تعتبر محادثة الانتداب آخر مرحلة يمر بها طالب الشغل للحصول على عمل.

المسرحون

إلى جانب هذه النصائح التي تتعلق بكيفية البحث عن شغل وضعت الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل على موقعها بشبكة الانترنيت الذي يستقبل آلاف الزوار صفحات خاصة بالمسرحين للتعريف بالإجراءات التي تم اتخاذها لفائدة هذه الفئة، والمتمثلة أولا في برنامج التكوين من أجل إعادة الاندماج.. وهو برنامج يساعد على الاندماج مجددا في سوق الشغل وذلك بتمكين المسرح من تأهيل في أحد الاختصاصات للرّفع من قابلية التشغيل لديه بإكسابه مهارات جديدة أو تطوير مهاراته لتمكينه من استعادة حظوظه في الظفر بشغل وملاءمتها وخصائص وظيفة محدّدة.

كما تتمثل في برنامج إعادة الاندماج في الحياة المهنية بعنوان انتداب فاقدي الشغل لأسباب اقتصادية أو فنية عند غلق المؤسسة نهائيا وبصفة فجئية وغير قانونية.

سعيدة بوهلال

(المصدر: جريدة الصباح التونسية الصادرة يوم 15 مارس 2006)


سباق الأنترنات.. والتلفزة

يكتبه: كمال بن يونس

 

كشف استبيان جديد في بريطانيا تراجعا نسبيا في الاقبال على مشاهدة برامج التلفزة ..مقابل ارتفاع المدة التي يقضيها البريطانيون يوميا أمام الانرتنيت ..؟؟ وحسب هذا الاستبيان فإن البريطاني العادي اصبح يقضي يوميا حوالي 164 دقيقة (أي ساعتين و 4دقائق) في الابحار في الانترنيت ..مقابل 148 دقيقة (أي ساعتين و28 دقيقة) أمام التلفزيون.. وباحتساب المعدل السنوي فإن البرطاني أصبح يقضي كل عام ما معدله 41 يوما في الابحار في الانرنيت..؟؟

 

هذا الاستبيان – على محدويته-  غني بالدلالات ..عن سرعة التقدم الاعلام يولتكنولوجي في العالم ..وعن حدة المنافسة بين مواقع الواب ..والشاشة الصغيرة ..التي كانت حتى السنوات الاخيرة منافسا عنيدا وشرسا لوسائل التثقيف القديمة ومنها قاعات المسرح والسينما ومهرجانات العروض الموسيقية والراقصة الراقية.. العالم يتطور بسرعة من حولنا ..فبعد تعميم تلفزيون الابيض والاسود ..ثم التلفزيون الملون والفيديو ..كانت ثورة الهوائيات.. من مرحلة «البث التناظمي» (Analogique ) الى مرحلة البث الرقمي(Digital).. وانخفضت بسرعة غريبة تكاليف البث والتلقي عن طريق الاقمار الصناعية ..وأصبحت القنوات – المشفرة وغيرالمشفرة – التي يمكن التقاطها  مجانا من قبل مليارات البشر تعد بالالاف..

 

وراء مثل هذا الاستبيان ألف رسالة ..عن تطور سلاح الاعلام بسرعة ..كبيرة ..فهل يفهم العرب خطورة ما يجري حولهم من سباق على كسب ثقة مليارات البشرداخل بيوتهم وغـرف نومهـم ومكاتبهم..؟؟ أليس من مصلحتهم الاستثمار في هذا القطاع عوض اهدارمزيد من الاموال في شراء اسلحة نارية لم تستخدم ولن تستخدم ابدا..؟؟

 

(المصدر: جريدة الصباح التونسية الصادرة يوم 15 مارس 2006)

 


 

الدكتاتورية والإرث الاستعماري

الأستاذ عبد الرؤوف العيادي

 

ليس التاريخُ مجالا مهلهلا، و لا هـُو حلقات مفصولة عن بعضها البعض، بل هـُو مجموعة من البنى المادية والفكرية وثيقة الارتباط فيما بينها إلا أنه لا يعني ذلك أن تغيير تلك البنى غير ممكن، بل إن الأمر يصبح ممكنا عندما يتم استيعاب مكونات البنى القائمة وإعداد تصوّر لبنى بديلة قائمة على عناصر مختلفة وروابط من طبيعة مغايرة.

 

ومَا يجب التأكيد عليه هـُو أن مناخ القمع والدكتاتورية كان ولا يزال يحول دون دراسة مجال العمل السياسي الذي سعت السلطة إلى خنقه ومنعه من التوسع والتطور وفق ما تدفع به دينامكيته الخاصة، حتى أضحى الحديث فيها بغير لغة التمجيد والتنويه للماسك بدفة الحكم من قبيل المحرمات وما هو مجرم إن قانونا أو واقعا، حسب الأحوال، لذلك يلاحظ المرء ندرة الكتابات والتحاليل حوْل المجال السياسي الخاص بالبلاد، إذ أقصى مَا تقرأه هو بعض الشهادات المقتضبة وسرد لبعض الوقائع والمواقف يمكن أن تكون مادة للتحاليل والتصنيف والدراسة لا غير، وهي أقرب إلى الدفاع عن بعض المواقف والخيارات منها إلى متطلبات المعرفة التي تقتضي حدّا أدنى من الموضوعيّة وتجاوز الظرف في تقويم السلوكيات والخيارات.

 

وأستحضر في هذا السياق ما كنّا نقول به ونحن طلبة من مفاهيم « الاستعمار الجديد »، و »نمو التخلف » في توصيف الواقع السياسي والاقتصادي للبلاد، وكان الوزير الأول آنذاك الهادي نويرة يصمنا في بعض خطبه بالتطرف ويعقب بالقول أن الأوضاع لا تتعدى كونها « تبعية » فقط نحاول تجاوزها دون أن يقبل بحوار منظم في إطار مؤسساتي.

 

ولا مناص لفهم مَا يجري حاليا في بلادنا من قمع ممنهج وَ تحريم فعلي للعمل السياسي من استحضار واقع البنى التي اعتمدها الاستعمار الفرنسي على المستوى المادي وكذلك النظري. و هذا المجال يجد المرء في أطروحة( ) الأستاذ خميس العرفاوي أستاذ التاريخ « القضاء والسياسة »في تونس من المعطيات التاريخية المفيدة في معرفة علاقة البنى الحالية للنظام القائم بالبنى تم تأسيسها زمن الحقبة الاستعمارية.

 

وقد استعرض الأستاذ المذكور دور القضاء والهياكل الأمنية والعسكرية في قمع العمل السياسي الوطني، وعند حديثه عن جهاز الأمن الفرنسي لاحظ أن هناك ظاهرة مرتبطة به « نقلت إلى المستعمرة التونسية وهي ظاهرة التجاوزات التي تمس الحقوق الأولية للإنسان ولعل أهم هذه التجاوزات التعذيب أثناء التحقيق أو ما يعرف في الحضارة الفرنسية بالسؤال « La question » ويواصل قوله: « وحسب بيكاريا » فإن الأهداف من تعذيب المتهمين عديدة منها حملهُ على الاعتراف بالجريمة أو توضيح التضارب في أقواله أو اكتشاف شركائه أو الاعتراف بجرائم أخرى يحتمل أن يكون ارتكبها… ».( )

 

كما أضاف بالصفحة 129: » وفضلا عن التعذيب الرامي إلى الحصول على الاعترافات فإن الشرطة التونسية في عهد الحماية، تعتدي بالعنف على الموقوفين لغاية التشفي والتنكيل، وقد بلغ التعذيب الذي كانت تمارسه الشرطة ضد التونسيين في العشرينات في عهد الحماية حدّا أثار تحفظ بعض السلط الفرنسية مثل المراقب المدني « منشكور: Monchicourt » الذي اعتبر أن تلك الممارسة المستعملة كوسيلة تحقيق فحسب لا جدوى منها أمام القضاء « .

 

فهل نحتاج بعد هذا التأكيد على الرابط الذي يصل هذا الهيكل الذي يسمى اليوم إدارة أمن الدولة( وكان يدعى مصلحة مراقبة التراب، ثم مصلحة سلامة التراب) بالهيكل الذي كان قائما زمن الحماية في مستوى التصورات والممارسات؟

 

أمّا السياسة القمعية (إذا أمكن اعتبارها سياسة) فد ورد بالأطروحة المذكورة عرض لبعض التصورات التي تتبناها القيادة العسكرية في المجال الأمني ( ) استقاها من مقالين نشرا بجريدة  » لوجارنال » « Le journal » بتاريخ07 مارس1937 و23 أفريل 1938 بقلم الجنرال « بول أزان Paul Azan« ( ) ضمنها الدعوة إلى انتهاج سياسة خاصة بالبلاد التونسية قوامها « سيادة الأمن ». « ودعا الجنرال أيضا إلى معاملة الفرنسيين والأجانب العاملين ضد فرنسا بقسوة وإلى ردعهم بعقوبات خاصة كتحجير الإقامة والسجن وَ العزل بالنسبة للموظفين. كما شدد على منع الحياة الحزبية في البلاد التونسية كي يسود الانسجام بين مختلف الجنسيات تحت رعاية فرنسا ».

 

وقد سعى الجنرال المذكور إلى تبرير نظريته تلك وإيجاد أساس لها في « معرفة عميقة » للبلاد وسكانها، فجاء قوله : »فالأهالي التونسيون وديعون ويسهل تسييرهم ولكنهم ميالون أكثر إلى احتقار القائد المتردّد وإلى اعتبار طيبته ضعفا وحلمه خوفا ».

 

فهل بعد هذا العرض نحتاج للتدليل على بأن الجنرال بن علي ليس من جيل المجدّدين وإنما هو تلميذ Paul Azan؟ فهلا يذكرك شعار « الأمن الشامل » الذي تتداوله وسائل دعايته « سيادة الأمن » وَ مقولة الانسجام التي بذات المقولة المستعملة من طرف المنتمين للسلطة لوصف الأنصار وتمييزهم عن الأعداء(الذين يوصفون بعدم الانسجام) كما أن سياسة القمع والترهيب إنما تستند إلى نفس التقييم لطباع الشعب وتحاشي أن « يتجاسر » يوما على الرئيس إذا هُــــو أتاح لـــَه هامشا من الحرية.

 

لقد عني المثقفون الغربيون كثيرا بدراسة وتحليل الفكر الفاشي، قصد استيعاب خصائصه ومنهجه والقائم على الــتجريــد عــــبــر الـــتــقــلـيـص abstraction par réduction وذلك لتحصين الأجيال القادمة ضــد مقولاته وتصوراته .

 

أمّا نحن الذين عشنا تحت وصاية الفكر الاستعماري فإنّ مثقفينا لـَمْ يتصدوا لمهمة استيعاب أسس هذا الفكر وبنيته النظرية، مما جعله إلى حدّ اليوم مرجعيّة وإرثا حاضرا في حياتنا يؤخذ بمقولاته، ويتبنى تصوراته خاصة من طرف أولئك الذين هم قائمون على مصائرنا، بلْ أن الدولة المستعمرة السابقة ذهبت إلى حدّ استصدار قانون يمدح مزايا الاستعمار ! ولم يتورع الرئيس الفرنسي شيراك خلال زيارته الأخيرة إلى تونس في خريف2003 عن تبرير حرمان التونسي من الحقوق السياسية بالقول أنه لا يجب أن يطمح إلى أكثر من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مكرسا بذلك نظاما استثنائيا حتى بالنظر إلى ما هو مكرس صلب دستور البلاد.

 

وتلا ذلك استصدار قانون مكافحة الإرهاب في10 ديسمبر2003 والذي جرّم بصورة واسعة العمل السياسي وجرّد المواطن من الضمانات والحقوق الأساسية في المكافحة العادلة.

 

إن المهمة إذا لم تنجز فسنبقى إلى حين وبسبب قصورنا المعرفي وهو أهم مظهر من مظاهر التخلف نحكم من طرف مدير أمن انتحلت له صفة الرئيس محكوم في رؤاه وتصوراته بالإرث الفكري الاستعماري يتوجس من شعبه على كرسيه، فيروج بضاعة الخوف والترهيب، وستكتب الأجيال القادمة أن دولة الاستقلال لم يحكمها رئيس بل كبير البوليس.

 

(المصدر: مجلة كلمة الألكترونية، العدد 41 بتاريخ 15 مارس 2006)

 


أم زياد بين العصا والجزرة

صــابر التـونـسـي

بدا لي من خلال ما تكتبه أم زياد أنها قد نصبت نفسها وصية على الشعب التونسي وناطقة باسمه! ولما لم تجد من يردعها ويردها عن غيها، ازدادت تطاولا وجعلت من نفسها مرشدة عامة للأمة بأسرها! تراها في مقالها عن العصا والجزرة تسخر بالجميع ودون استثناء لأحد! ولو كان وليا للأمر! أو ممثلا له! وأما مقالها عن فوز حماس فقد كشرت فيه عن أصوليتها وجعلت من نفسها مراقبة ترسم السياسات العريضة وتضع الخطوط الحمراء والمحاذير! وتدعوا إلى القبول بنتائج الإنتخابات « المهزلة » ثم تطلب من حماس أن تعطي مثالا للدمقراطية يطمئن النخب العلمانية لتقبل بالتيارات الإسلامية! وكأنها تقول: « علي وعلى أعدائي »! أو ربما تكون هي الأخرى قد بايعت المرشد العام في غفلة من القوم! مع أنني لم أكن أعلم أنه يبايع النساء! ولا أدري إن كان بايعها مباشرة أو من وراء حجاب!! والحقيقة أن مقالها عن العصا والجزرة قد أثارني ودفعني للرد عليها وعلى من لف لفها وقال إني من حزبها! وذلك لما في مقالها من لمز غمز وإشارات خفية وعلنية جمعت بين الإستخفاف والتطاول والتناقض والإحتقار والتشكيك في النوايا  » الصادقة » لسيادة الرئيس حيث تكرم وعين رجلا مناسبا في مكان مناسب وهو الذي سمته أم زياد بالعصا الحقيقية وآخر مناسب في مكان غير مناسب! وهو الذي عبرت عنه بالجزرة البلاستيكية! أولا يا سيدتي حاشا سيادة الرئيس من أن يكون غشاشا و مخادعا أو محتالا حتى ينهج مع شعبه هذا الأسلوب فسيادته يعرف ماذا يريد ويقصد هدفه مباشرة ودون اعتبار لأحد صديقا كان أو عدوا! ولا حاجة له بالتحايل لأن ذلك من طباع الضعفاء! وكذلك شعبه يعرف ماذا يراد منه ويلتزم بذلك إلى حد المبالغة! إلا من تطاول من أمثالك وقليلا ما هم! وفي إشارتك إلى أن سيادة الرئيس يحتاج عصا حقيقية ليسوس شعبه ظاهره اتهام باطل بأنه يحكم شعبه بالقمع والعصا وباطنه بأن سيادته هرم وأصبح يعرج واحتاج عصا يتوكأ عليها ويهش بها على شعبه ويستعملها في مآرب أخرى إن لزم! والعصا يا سيدتي « آلة » تعمل ولا تفكر فكيف تصفون الرجل بأنه عصا ثم تقولون إنه أمهر من سلفه وتشيرون في مواطن أخرى بأنه يهيأ للخلافة وهذا كيد وإشعال للفتنة! ولو كان الأمر كما تدعون لكسره سيادة الرئيس ورماه في الموقد ليتدفأ به! لأنه ليس من الشهامة أن يفكر أحد في خلافة مولاه وهو حي يرزق وإلا كان خائنا وناكرا للجميل وهذه أمور لايتسامح فيها سيادة الرئيس مادام فيه رمق لأنه لا يطيق الخيانة! وما كان ذلك له بطبع! وشعاره : كلما اغتال عبد السوء سيده** أوخانه فله في مصر تمهيد! وأما ما عبرت عنه بالجزرة « البلاستكية » فليس شعبنا أرانب حتى يخدع بالجزر الحقيقي فضلا عن المغشوش! وليس سيادة الرئيس صيادا فاشلا حتى ينفق طعما لضحاياه. وأما خوفك على أسنان من يبتلع الطعم فليس هناك ما يبرره لأنه لم يبق لنا أسنانا نخشى عليها! فاعقلي يا امرأة « وكلي خبزتك مسارقة » واعلمي أنك لست أهلا للسياسة، فالسياسة لأصحاب الأجلام وليست لأصحاب الأقلام! ولك في أبي الطيب المتنبي وكافور الإخشيدي (*) خير مثال من الماضي وأما من الحاضر فأنت وصويحباتك وسيادة الرئيسة خير مثال! وكل ميسر لما خلق له، فالسياسي يسوس شعبه بالجلم فيقلم ويقطع ما زاد أو شذ! وصاحب القلم يمدح الجلم وينمقه ويزينه حتى يجعل منه مقصا! ومن تطاول على هذه المهمة فالجلم يقطع تطاوله! لقد صورت الوضع تصويرا مأساويا ذكرني بذلك المسكين الذي قيدت يداه خلفه وحكم عليه بأن يقبل الأفعى أو أن يلقي بنفسه في البئر، ولما تظلم المسكين احتكموا إلى رجل يسمى « ضو » وكان حكمه: وماذا عليك قبّل الأفعى أو ألق بنفسك في البئر! صرخ المسكين عندها وقال: إذا كان هذا « ضوكم » فكيف هو ظلامكم؟! أرجوك يا أم زياد لا تضطريني للعب دور « ضو » عندها أقول لك اقبلي العصا توكئي عليها أو أشعلي بها النار! وإن لم تعجبك العصا فاقبلي الجزرة زيني بها مطبخك أو اشغلي بها حفيدك! يا أم زياد تدعون الفلسفة والحكمة ولا أثر لذلك في خطابكم! أين أنتم مما قال حكيم الهند وفيلسوفها بيدبا لملكه دبشليم رغم اقتناعه بأنه كان ظالما جائرا« أيها الملك عشت ألف سنة ـ وأنتم تعدون له أيامه ـ وأعطيت من كل شيء سببا مع وفور سرورك وقرة عين رعيتك بك ومساعدة القضاء والقدر لك فإنه قد كمل فيك الحلم والعلم وزان منك العقل والقول والنية فلا يوجد في رأيك نقص ولا في قولك سقط ولا عيب. ثم أين حلم دبشليم وعلمه من حلم مولانا وعلمه وأخذه من كل شيء بطرف؟! وأحذرك يا أم زياد بما قال الطائر « فنزة » في كليلة ودمنة : إن الملوك يدينون بالإنتقام ويرون الدرك والطلب بالوتر مكرمة وفخرا والعاقل لا يغتر بسكون الحقد إذا سكن! واعلمي أن سيادة الرئيس يعلم أن من اغتر بالعدو الذي لا يزال عدوا أصابه ما أصاب البوم من الغربان لذلك ترينه متيقظا لمكركم ولا يأمن جانبكم وقد علم أن صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالا للعدو من صرعة المكابرة! وأحذرك بأنه من لم يقدر لقمته وعظمها فوق ما يسع فوه فربما غص بها فمات! أخشى إن تماديتم في غيكم أن يصيب بقية المعارضين « الطيبين » ما أصاب القملة بسبب البرغوث فقد كانت تدب دبيبا رفيقا وتمص من دم الرجل وهو نائم لايشعر ثم تنام في فراشه الوثير ولما استضافت البرغوث ليلة لدغ الرجل لدغة أيقظته فقام وفتش فراشه ولم يجد غير القملة فقتلها وفر البرغوث! يا أم زياد إن ما تدعونه من حب تونس ونصح لها ولشعبها ماعاد يصدقه أحد لأن الألسن لا تصدق في خبرها عن القلوب ـ وكذلك الأقلام ـ والقلوب أعدل شهادة على اللسان من اللسان على القلب ! قد تقولين بأنه أصابني ما أصاب القرد حيث قال عن نفسه: لقد أدركني الحرص والشره على كبر سني! عندها أقول ما قال ابن آوى الناسك : قد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه من الأذى والخوف في ساعة واحدة ما لا يصل إلى غيره في طول عمره وأن قليلا من العيش في أمن وطمأنينة خير من كثير من العيش في خوف ونصب! لذلك جعلت صحبتي للسلطان أحادية الجانب كي أغنم ثواب الولاء ولا أغرم مخاطر القرب والدس!! وأعلم أيضا أنه من أراد أن يخدم السلطان بالصدق والعفاف (مثلي) فلا يخلط ذلك بمصانعته وحينئذ قل أن يسلم من ذلك لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه، بالعداوة والحسد. أما الصديق فينافسه في منزلته ويبغي عليه فيها ويعاديه لأجلها وأما عدو السلطان فيضطغن عليه لنصيحته السلطان وإغناءه عنه، فإن اجتمع عليه هذان الصنفان فقد تعرض للهلاك! وحسبي الله ونعم الوكيل أخيرا أقول لك سيدتي إن كانت العصي كما وصفت فأسال الله أن يكسرها ببعضها وعلى ظهور الظالمين! وإن كان الجزر كما وصفت فليغصّ به أصحابه أو يصاب بالتلف والعفن! —————————————————–

كل ما كتب باللون الداكن منقول من « كليلة ودمنة » (*) كان عبدا لحلاق وصار ملكا لمصر والحجاز والشام!

 

(المصدر: مجلة كلمة الألكترونية، العدد 41 بتاريخ 15 مارس 2006)


أم زياد والهاشمي المكي ومحمد عبو
 عناوين لمأساة تونس
مرسل الكسيبي
15-03-2006
 
مرة أخرى أفتقد اللفظ والرمز وتتداخل لدي مشاعر الأمل بالألم وأنا أتأمل في مأساة شريحة واسعة من أبناء هذا الوطن ,فبعد أن أعلن في تونس عن اطلاق سراح نيف وسبعين من المساجين السياسيين قبيل أسابيع فقط من تاريخ كتابتي لهذه الخواطر وبعد أن لامسنا من خلال تصريحات الأستاذ حمادي الجبالي القيادي الاسلامي ومدير جريدة الفجر القدرة العالية لخيرة أبناء وشباب تونس على التعالي على الجراح برغم ماأصابهم من شديد المحن ,هاهي الذاكرة تطل بنا من جديد على ممارسات قذرة وعفنة كنا قد ظننا بأنها ولت الى غير رجعة يوم أن طويت حقبة التسعينات وظن التونسيون انهم قد طووا معها ذاكرة مليئة بالجراح والألم
بالأمس تحدثت الصحفية والمناضلة السياسية السيدة نزيهة رجيبة أو أم زياد بجسارة الرجال وزأرت كما يزأر الأسد في وجه المستخفين بحرمته وعرينه وهي تروي قصة تهديد ملغوم ومشبوه لوح به واحد من خفافيش الظلام عبر الهاتف وعبر البريد لزوجها المحترم المحامي محمد المختار الجلالي فكانت هذه السطور كما روتها يوم 7 مارس تلقّى زوجي المحامي محمد المختار جلالي رسالة « مجهولة » المصدر تهدّده بفضيحة جنسية وتطالبه بمائة ألف دينار لـ »يوقف هذا الموضوع » كما جاء في الرسالة ,قبل وصول الرسالة بيوم تلقّى زوجي مكالمة هاتفية بمكتبه وهي أيضا « مجهولة » وتحمل نفس محتوى الرسالة مع إضافات اقتضاها الحوار الحيّ مثل تأكيد « المجهول » على أنّه ليس من البوليس وتوعد الجلالي بأنّه لن يبقى قويّا كما توحي به لهجته في الهاتف بل « سيبكي مثل المرأة –انتهى كلام أم زياد
هكذا يحدث في بلد القانون والمؤسسات ,وهكذا يعلن الأبطال عن بطولاتهم الوسخة من وراء حجاب !…نعم الحدث مليء بالدلالات وهو يكشف أولا عن جرأة قلم أم زياد التي لم « ترشفها » على حد تعبير التونسيين للكثير من الظلمة والمظالم في بلد لازال ينخدع زائروه بفنادقه الفاخرة ذي الخمسة نجوم وشواطئه التي تعرض في كثير من الأحيان الجسد العاري للاتجار ,بعد أن وقع البعض من مواطنيه ضحية تعرية للعقول
ببساطة دلالية اما أن نكون أمام جلل التهديد الذي تعرض له الأستاذ المحامي والبرلماني السابق محمد المختار الجلالي وحرمه وعائلته أمام دولة غاب فيها سلطان القانون ,أو أن نكون أمام دوائر عديدة في الحكم تتصارع بالافك والدسيسة والتوسيخ للاخر من أجل خلافة على الحكم
أو ربما يكون الأمر موحيا باحتراف متطور وصناعة متقدمة للجريمة في بلد مثل تونس وهو مانستبعده فعلا في قضية الحال بحكم أن المستهدف معروف بمواقفه السياسية المعلنة
وفي كل الحالات فان الحدث بعد قصص الأفلام المفبركة من قبل استديوهات متخصصة لدى بعض دوائر النفوذ الأمني في بداية وأواسط التسعينات في حق نخبة من أبرز وألمع المعارضين التونسيين لن يدل الا على مأساة أطلت برأسها من جديد على أبناء هذا الوطن العزيز
كلماتي للأستاذة الفاضلة أم زياد وزوجها المناضل ورجل القانون المحترم الأستاذ الجلالي لن تغير كثيرا في معادلة المعنويات التي يتمتعان بها ,فقد عرفت الأستاذة الكريمة على الأقل أسدا جسورا يتحدث بصراحة الرجال لاأشباههم عبر الهاتف ,وهو مايؤكد لي أن طينتها وطينة زوجها الفاضل وأبناءها الأكارم لن تكون أقل من طينة المحامي محمد عبو والأستاذ الهاشمي المكي الذي أطلق سراحه شرطيا وياللعجب شرطيا!!! حتى بعد أن أتى على غشاء رئتيه مرض السرطان
محمد عبو محامي تونسي شكل أسطورة معاصرة في تاريخ مهنة المحاماة التونسية حين كتب يوما مقاله الشهير في توصيف ماحل بالتونسيين من بلاء نتيجة دعوة مشبوهة لشخصية كانت سبيا في بلاء الشعب الفلسطيني الشقيق ,وبعدها غيبته بالاختطاف والمحاكمة أيادي تتذرع بتطبيق القانون في بلد لازال القانون فيه سيفا مسلطا على الأحرار والضعفاء وألعوبة وتسلية وأحبولة وأنشوطة يتلاعب بها الأقوياء,ولكن قوتهم  أمام عدالة قضايا الشعوب لن تساوي عند الله مثقال حبة من خردل في الأرض أو في السماء
عائلة الأستاذ محمد عبو ليست فقط السيدة سامية عبو زوجته التي حملت عبء زيارته وراء القضبان أو عبء القيام على أبنائه بعد أن حرموا من دفئ عناق ولمسة حب وأمل من أغلى وأشرف الاباء,وانما وجب على التونسيين أن يدركوا أن عائلة الأستاذ عبو وعائلة الأستاذ الجلالي وعائلة الأستاذ الهاشمي المكي هي كل عوائل الخير والأمل والمحبة والتضامن فوق سماء وتراب تونس بل هي عوائل التونسيين في مهاجرهم ومنافيهم يوم أن اختاروا الكرامة على حساب « خميس وعاشور » وهي عناوين مبالغ الرشوة التي تحدث عنها رئيس الجمهورية التونسية نفسه منذ سنوات قلائل ,ويوم أن اختاروا قوت عيشهم بحرية على حساب سياسة المن والأذى التي تتناقل أخبارها بالصوت والصورة قناة 7 في اطار الحديث عن الانجازات العظيمة لصندوق التضامن الوطني
بلا شك ان أسماء هؤلاء الشرفاء الثلاثة وعوائلهم التي عنونت بها مقالي هذا هي جزء من قصة تراجيدية نأمل ممن تولى أمرنا فكان أن نفينا الى أصقاع الأرض ,أن يتدارك ماألحقته بالوطن والمواطن من معرة وشعور بالاحتقان والأسى ,فيسارع الى تضميد جراح أهلها عبر وضع حد نهائي لمثل هذه الفضائح والمظالم عبر الشروع في حركة اصلاح ومراجعة واسعة تبدأ باطلاق سراح كل المساجين السياسيين وتمر الى اعلان العفو التشريعي العام وعودة المنفيين والشروع في مراجعة جذرية لما حصل لتونس من أذى وخراب نتيجة استئساد الكثيرين ممن دخلوا السلطة بوشاية وخفي حنين فاذا بهم اليوم يلبسون قميصا من نار عبر ماأكلوه من سحت وربى لن يربو عند الله أبدا
والى أن يحدث ذلك تبقى تونس الخضراء حبلى بالأوجاع والألم الى أن يأذن الله سبحانه بوضع اما أن يكون طبيعيا عبر التدارك بالاصلاح والمراجعة الداخليين أو أن يكون قيصريا عبر تدخلات خارجية قد تأخذ شكل مفاجأة من داخل السلطة  أو تأخذ شكل ارادة أجنبية تستثمر الأوضاع الداخلية بانفاذ التغيير
 
مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي
15-02-1427هجري 


أم زياد سيدة عظيمة من بلادي

د خالد شوكات

لم أتشرف بلقائها ولو لمرة واحدة من قبل، بل إنه لم يسبق لي للأسف الشديد حتى أن شاهدت صورة لها، على الرغم من مئات المقالات التي قرأتها لها، والتي أثرت في بعمق طيلة الربع قرن الماضية، وقد سعدت مرة أو مرتين فقط، بسماع صوتها عبر شاشة إحدى القنوات الفضائية، التي اعتنت بالشأن التونسي لفترة ثم سرعان ما انقطعت لأسباب غير خافية عن ممارسة الخطيئة الإعلامية، وكان صوتها شجاعا مدويا تماما كما القلم.

ولو سئلت عن شخصية تونسية يجب أن أنحني أمامها إجلالا وتقديرا واحتراما، وأن أرفع من على رأسي القبعة لها – كما هي العادة الغربية-، لاخترتها بلا تردد ولخلعت عليها لقب « أم التونسيين »، و مما لا ريب فيها أن كثيرا من التونسيين اليوم، وكل التونسيين في المستقبل، سيسجلون اسمها بكل فخر واعتزاز وإكبار، كإحدى أهم رائدات العمل الوطني، وإحدى أهم الشخصيات التونسية التي ساهمت في بناء الديمقراطية التونسية.

ولعلني لا أخجل إذا قلت بأنني طالما استحيت من شجاعتها وجرأتها و إخلاصها للقضية الديمقراطية، وطالما كنت فخورا بأنني أحد أبناء بلادها، فحين يجبن الرجال وترهبهم عصا السلطة الغليظة، وحين يتردد الرجال وتغلب عليهم شهوة الحياة وزينة المال والبنين، وحين يتراجع الرجال ويجدون لأنفسهم آلاف الأعذار لتبرير خوفهم وعجزهم وهوانهم على الناس، تمارس هي دون مزايدة أو تبجح أو تعيير، دروسا عملية في الإقدام والحق وكسر حواجز الرعب التي خيمت وقلبت موازين التقدير والتقييم والتكريم.

الثقة في المستقبل غالبا ما تستمد من الثقة في التاريخ، وبالأمس كان كثير من الوطنيين العظام يقادون إلى السجون أو المقاصل، وأبناء شعبهم يرتشفون القهوة ويدخنون الشيشة على مقاهي الرصيف دون أية مبالاة، أو ربما كانوا يبالون لكنهم يزعمون خوفا غير ذلك، ولا شك عندي في أنها من طينة هؤلاء الوطنيين العظام، وأن أبناء شعبها لا يولونها المكانة التي تستحق اليوم، لكنهم سيكرمونها بالتأكيد غدا، وما أتمناه حقا هو أن يطيل الله في عمرها حتى تدرك ذاك اليوم، وتجني من ثمار العز والشجاعة والكرامة والكلمة الصادقة التي علمتها لتلاميذها، سواء في فصول مدرستها الثانوية، أو في طول البلاد وعرضها عبر مقالاتها النابضة بالحب والمبدئية والوطنية.

كثير من العرب يعرفون ريادة تونس في إصلاح قوانين الأحوال الشخصية، ومنح المرأة جزءا كبيرا من حقوقها المدنية، وسبقها في مجال المساواة بين الجنسين، غير أن قليلا من العرب يعرف عن رائدات الحياة الوطنية والسياسية التونسية، سواء في فترة النضال الماضية من أجل الاستقلال، أو فترة النضال الحالية من أجل الديمقراطية، ولهي مناسبة اليوم لتعريفه بواحدة من هؤلاء اللاتي أثبتن بالدليل الملموس أن المرأة التونسية جديرة بما نالته من مكانة، وما ستواصل نيله عن استحقاق وجدارة من حقوق وامتيازات.

أم زيادة أو السيدة نزيهة رجيبة، سيدة عظيمة من تونس، كاتبة وصحفية ومناضلة حقوقية وديمقراطية منذ السبعينيات، حرصت منذ البداية على المزاوجة بين مهنة التعليم المحدود من خلال مزاولة التدريس في المعاهد الثانوية، ومهنة التعليم الشامل العام من خلال مزاولة الكتابة في الصحف والمنتديات الحرة والنضال السياسي والحقوقي، الحزبي والجمعياتي.

تميزت أم زيادة منذ ظهورها على صفحات جريدة « الرأي » الأسبوعية، التي صدرت أواخر السبعينيات للتعبير عن تطلعات النخب السياسية التونسية المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، بجرأتها واعتدالها في نفس الوقت، فهي جريئة في نقدها لطبيعة النظام الشمولي القائم، لكنها معتدلة أيضا عبر إصرارها على التمسك بمرجعية سياسية وسطية منفتحة على كافة التيارات السياسية، دون أن تكون منتمية لأي منها، وكان خطها الثابت في كل ذلك، دعوتها المتواصلة لإقامة نظام ديمقراطي يكفل الحرية والكرامة والمساواة لكافة التونسيين.

أم زياد عاشقة للغة العربية، التي قامت بتدريسها لآلاف الطلبة الذين تشرفوا بتعلم لغة الضاد على يديها، وهي في روحها العميقة محبة للعرب والعروبة بلا شك، لكنها لم تكن قومية بالمعنى الحزبي، بل لقد كانت دوما ذات رؤية نقدية لتجارب الحكم الديكتاتورية التي قامت بإسم القومية العربية، سواء أكانت ناصرية أو بعثية.

وأم زياد أيضا كانت قريبا باستمرار من نبض الفقراء والمساكين وعموم طبقات التونسيين المعدمة والمتوسطة، وقد اعتبرتهم غالبا الشعب الحقيقي، وعلى الرغم من علاقاتها الوثيقة بعدد من الأحزاب والجماعات اليسارية، إلا أنها لم تكن يسارية بالمعنى الحزبي، ولم تتردد في عديد المناسبات في توجيه ألذع النقد لتجارب الحكم الشيوعية والاشتراكية التي سامت مواطنيها سوء العذاب والتنكيل والاضطهاد.

أم زياد تحترم الدين الإسلامي والمرجعية الثقافية العربية الإسلامية لبلادها، لكنها بقيت على مسافة كبيرة من جماعات الإسلام السياسي، وأحسب أنها أقرب إلى الإيمان بضرورة إبعاد الدين عن العملية السياسية، وإبقائه مشاعا جماعيا للأمة وسلوكا شخصيا خاصا يتحاسب فيه المرء مع ربه مباشرة، من أي قناعة أخرى.

وإذا ما جاز لي التصنيف فإنه بمقدوري القول، أن أم زياد كانت باستمرار وما تزال مناضلة ليبرالية ديمقراطية، نذرت نفسها ووقتها وجهدها لنشر قيم الحرية والتعددية وحقوق الإنسان، وكرست قلمها وفكرها ونشاطها، لتشجيع نفسها وأبنائها وأهلها وشعبها على التطلع إلى العيش في وطن آمن يسع الجميع، ودولة مستقرة تقوم على مؤسسات حقيقية منتخبة، وتسير وفقا لمبادئ المساواة أمام القانون ومحاربة الفساد والتداول السلمي على السلطة.

ولقد ضربت أم زياد طيلة العقود الثلاثة الماضية، مئات الأمثلة للتونسيين على فضائل التمسك بالحرية والكرامة والشجاعة في مواجهة ما يعتقد أنه انحرافات واضحة عن مسار الحركة الوطنية التونسية، وابتعاد خطير عن مقتضيات الالتزامات الديمقراطية، و دفعت في مقابل ذلك الكثير من التضحيات الشخصية والعائلية، المعنوية والمادية، وتفوقت في ذلك على غالبية نشطاء الحركة السياسية التونسية.

وأم زياد من قلائل السياسيين التونسيين – والتونسيين عامة- الذين دأبوا على تسمية الأشياء بمسمياتها، والذين أصروا باستمرار على الصدح بما يؤمنون به دون مواربة أو احتماء باللغة من خلال التلاعب بالألفاظ والعبارات، وبصرف النظر عن مدى صحة الآراء من خطئها، إلا أن المتعلم في مدرسة هذه السيدة التونسية الفاضلة، لا يمكنه إلا أن يقدرها ويجلها على أنها لقنته فضائل الصدق والصراحة، ولم تلقنه كما يفعل الكثير من الآباء والأمهات، الالتفاف على الحقائق والمداراة والمجاملة الفارغة، بحجة الخوف على المستقبل والمصالح الذاتية الضيقة.

وإنها لمناسبة لكي أعبر لأم زياد، ولمناضلات ديمقراطيات تونسيات أخريات ربما تأتي مناسبات قادمة لتبجيلهن وتوقيرهن، عن عميق اعتذاري لكوني قد قصرت في وقوفي إلى جانبها – وجانب غيرها- في محن كثيرة تعرضت لها، وعن أنني قد عجزت عن مجاراتها في جرأتها وشجاعتها ووطنيتها وصراحتها في غالب الأحيان، غير أنني وودت باستمرار أن أبلغها أنني أحببتها وسأحبها وسأعلم أبنائي حبها، كأم لم تلدني وسيدة عظيمة محترمة من بلادي ومعلمة رائدة للحرية والديمقراطية والكرامة الوطنية..تونس فخورة بك يا أم زياد.

* كاتب تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي – لاهاي.

(المصدر: موقع إيلاف بتاريخ 15 مارس 2006)


اقتحام سجن المقاطعة و مسلسل الزمن العربي الرديء

الحبيب أبو وليد المكني

Benalim17@yahoo.fr

تابعنا بقلوب دامية و صدور منقبضة و نفوس حزينة  و عيون دامعة حلقة جديدة  في مسلسل الهوان العربي مباشرة من خلال الشاشة الصغيرة بمناسبة إقدام العدو الصهيوني على اقتحام سجن المقاطعة بغرض اعتقال الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و رفاقه ، شاهدنا بالتفصيل كيف تقتحم  الدبابات و العربات المصفحة و المدرعات و الجرافات المنطقة دون أن  تجد  مقاومة حقيقية مع الاعتدار للشهداء الثلاثة و الجرحى الخمسة والثلاثين الذين سقطوا خلال العملية .

استمعنا إلى المناضل الكبير أحمد سعدات وهو يتحدث عن تواطؤ بريطانيا و الولايات المتحدة مع إسرائيل و تباطؤ السلطة الفلسطينية في اتخاذ القرار المناسب و انصتنا إليه وهو يعلن أنه لن بستسلم للقوات الإسرائيلية و أنه سوف يواجه مصيره بشجاعة …لكن الكثرة تغلب الشجاعة و ليس من الرشد و المنطق أن يقدم الرجل و رفاقه على الانتحار و نتيجة المعركة محسومة .

راينا الجرافات وهي تدمر مباني المقاطعة جدارا جدارا و غرفة غرفة في اتجاه معقل السجناء المطلوبين و تابعنا التغطية الممتازة التي قام بها الصحفيون و مداخلات الكثير من الأطراف المعنية بالقضية  فتكلم الناطقون باسم  حماس و الجبهة و فتح و الجهاد و الجامعة العربية و الحكومة الأردنية و بعض الساسة المصريين ..

قيل أن رئيس السلطة الفلسطينية  السيد محمود عباس قد طالب الدول الأوروبية و الولايات المتحدة بالتدخل لمنع حدوث الكارثة و لكنهم لم يتدخلوا ، وكيف لهم أن يتدخلوا وهم قد  هربوا من تحمل مسؤولياتهم في الميدان ، إن لم يكونوا هم ــ بحرصهم على البقاء إلى آخر لحظة في مكاتبهم المكيفة ــ  الذين مكنوا  إسرائيل من النجاح في مهمتها الهمجية . و ذكر الأمين العام للجامعة العربية أنه اتصل بكوفي عنان و خافير سولانا و غيرهما و أنه يبدل جهودا كبيرة من أجل منع حصول الكارثة  ولكن الكارثة قد حدثت قبل أن نعرف ما فعل زعماء العالم الكبار منهم و الصغار ..؟؟

صحيح أن الأمر لم يصل إلى اقتراف المذابح الجماعية في حق المناضلين الأعزاء على قلوبنا و لكن المذبحة قد نالت من شرفنا و كرامتنا و نحن نشاهد  العشرات من إخواننا  يخلعون ملابسهم و يرفعون ايديهم و يجلسون على الارض الباردة يأوامر من جلاديهم , و نرى البطل  أحمد سعدات وهو يدفع إلى  العربة المصفحة التي ستقله إلى مكان مجهول وهوالذي نجح إثنا عشر سنة في الإفلات من قبضة عدوه اللدود قبل أن تعتقله الأيادي الفلسطينية  فيقودنا خيالنا إلى ما يمكن أن يحدث في الأيام القادمة من اعتقال زعماء آخرين كانوا قد تحدثوا إلينا طويلا هدا اليوم  و توعدوا العدو الصهيوني بالردود المزلزلة و الانتقام القريب .

ثم كثر الحديث عن تواطؤ الأنقليز و الأمريكان و كأن تواطؤهم حدثا جديدا لم يكن متوقعا و نحن نعلم علم اليقين أن الأول هو الذي زرع و الثاني هو الذي سقى النبتة الخبيثة و رعاها . و اكد الكثير على ضعف اداء السلطة الفلسطينية بعد أن علمت مسبقا بقرار انسحاب المراقبين و حاول أن يحملها ما لاتحتمل و كأن هذه السلطة قادرة على حماية نفسها أو انها تستطيع أن ترد العدوان عن أحد مؤسساتها الرمزية  و نحن كنا قد شاهدنا أعوانها وهم يخلعون زيهم العسكري و يرفعون ايديهم و كان يمكن للجرفات أن تسقط المباني على رؤوسهم بعد يوم كامل من الحصار لم تستطع فيه بندقية فليسطينية أن تقترب من المكان ..

ليس من الحصافة والذكاء اليوم أن نزايد على أداء السلطة  الحالية  إذ يمكن أن تكون السلطة الجديدة أكثر ضعفا في التعامل مع  مثل هذه الأحداث ، وليس من المفيد ابدا أن نلقي بالمسؤولية على جهات خارجية  لنستر بذلك عوراتنا و نخفي حقيقة ضعفنا و إن كنا لا نشك أبدا في تواطؤ بريطانيا و الولايات المتحدة  مع  إسرائيل في هذه العملية الهمجية  لسبب بسيط أننا لا ننتظر مما يسمى بالمجتمع الدولي أن يتحمل مسؤلية تحرير ارضنا عوضا عنا فضلا عن أننا نؤمن أن العلاقات الدولية تحكمها موازين القوى القائمة و المصالح الحيوية  و ليست المبادئ الجميلة . كما لا تفوتنا الاسباب ذات العلاقة بالاتنخابات الإسرائيلية القادمة و حاجتها المستمرة لسفك الدماء الفلسطينية  و لكن لست هذه جزء من مشاعرنا و نحن نتابع الحدث الأليم …

و على كل حال فهده قضايا نترك مناقشتها للمثقفين العرب الذين لا نشك في  قدراتهم التحليلية و خيالهم العريض و نستمر نحن في  وصف مشاعرنا و نحن نتابع المشاهد الحزينة ، كنا نشعر بأن الزمن يخذلنا هذه المرة ايضا بعد أن سعدنا بنجاح الانتخابات الفلسطينية الاخيرة ، فكلما نظن  أننا صنعنا أجنحة  للتحليق في فضاء الحرية نكتشف أنها ليست من القوة التي ستمكننا من الطيران ، ظننا أن السلطة عندما تصبح في ايدي رجال المقاومة سوف تكون سندا لهم في كفاحهم و إذا بهذه السلطة على ما يبدو أضعف من أن تكون عونا لمقاوم ، و نحن نراها غير قادرة حتى على حماية سجن من سجونها ، وفكرنا في سلاح المقاومة .. تلك البنادق الرشاشة و الصواريخ القصيرة المدى ..و ما عساها أن تفعل في مواجهة تلك الترسانة التي شاهدنا جزءا منها ؟، فوجدنا أنفسنا ندعو   الله السميع العليم أن يكون في عون عباده المستضعفين … فكرنا في حال الفلسطنيين الذين يصرون دوما على المقاومة و يبدون دائما استعدادهم لنقديم التضحيات  فراينا  أن تلك بطولة ما بعدها بطولة .

أحسسنا و نحن نتابع تلك المشاهد   من على  أرائكنا المريحة  أن الفلسطينين العزل لا قبل لهم بمنازلة عدوهم و إن فعلوا فليس امامهم إلا الانتحار كما كان سيحصل لو تمكن السجناء من السلاح و اصروا على المقاومة ، و فكرنا في تلك المشاريع التي ترى أن لا جدوى من المقاومة المسلحة ، و لا جدوى من العمليات الانتحارية و لا قيمة لتلك الصواريخ التي تطلق من حين لآخر لتعطي العدو ذرائع جديدة حتى يواصل بناء الجدار و يقرر مواصلة الحصار  و يقيم المناطق العازلة التي تبتلع الأراض الفلسطينية و يدمر البيوت و يؤسس الحدود و يفسم الضفة إلى مقاطعات معزولة و يزيد من عدد المستوطنات الكبيرة و يصنع واقعا جديدا في القدس الشرقية  و يغلق المعابر الجنوبية  … و شعرنا أن لهذه الآراء بعض الوجاهة بميزان العقل و المنطق  ولكن   ما هو البديل عن المقاومة إن كان شيئا غيرالاستسلام لهذا العدو الذي راينا شيئا من غطرسته اليوم .

و عندما راينا مشاهد  لشباب غزة  ، وهم يحملون ما يملكون من أسلحة و يعبرون عن غضبهم ذلك اليوم بالإصرار على المضي في نهج المقاومة رغم اختلال توازن القوى الفضيع  ، رغم التواطؤ الدولي ، رغم ضعف السلطة ، و رغم  تخاذل الأنظمة العربية  ، وجدنا في أنفسنا ميلا  إلىما يسمى بحديث العاطفة القائل بأن لا خيار لنا إلا المقاومة ..

فعندما يشاهد  المرء ذلك الزخم النضالي الكبير  يترك حديث العقل و الموازين و حقائق الأرض و لا يملك إلا أن نقف إجلالا و تعظيما لهذا الشعب الذي  تحمل و لا زال يتحمل التضحيات  على مدى أجيال ثلاث  وهو يعلم أنه لن يستطيع أن يحرر الأرض ولكن يكفيه فخرا ، أنه سيحافظ على القضية حية حتى  تستعيد الأمة عافيتها و تنهض للقيام بمسؤوليتها كاملة ، و إن غدا لناظره قريب …


الرسوم الكاريكاتورية الساخرة:

بين العنصرية الاستعمارية الغربية والتوظيف الرجعي

 

نزولا عند طلب العديد من قرّاء البديل نعيد نشر نصّ « الرسوم الكاريكاتورية الساخرة: بين العنصرية الاستعمارية الغربية والتوظيف الرجعي » الصادر ضمن العدد الأخير من « صوت الشعب » اللسان المركزي لحزب العمال الشيوعي التونسي.

 

أثارت الرسوم الساخرة التي نشرتها صحيفة « يولاندس يوستن » الدانماركية يوم 30 سبتمبر 2005 والتي أعادت نشرها صحيفة « مغازينات » النرويجية يوم 10 جانفي 2006، ردود فعل احتجاجية، رسمية وشعبية، في معظم الأقطار العربية والإسلامية وفي العديد من البلدان الغربية حيث توجد جاليات إسلامية. وقد تحولت المسألة مع مرور الأيام إلى أزمة حقيقية بين الدانمارك ومن يسندها من الدول الغربية وبين جزء كبير من الرأي العام من الأقطار الإسلامية.

 

وقد تحصن الطرف الأول بمبدأ « حرية التفكير والتعبير والإبداع » لتبرير نشر الرسوم المعنية ورفض تقديم اعتذار للمسلمين أو تلبية طلب بعض حكوماتهم أو مؤسساتهم (مثل الجامعة العربية) بسن قوانين تجرّم « الإساءة إلى الأديان والمقدسات ». وفي حركة تحد واضحة، وسّعت نطاق الأزمة، أعادت عدة صحف أوروبية في معظمها يمينية نشر هذه الرسوم باسم « التضامن » مع الصحيفة الدانماركية والدفاع عن « حرية التعبير » و »رفض الخضوع لضغوط وابتزازات من لا يحترم هذه الحرية ».

 

أما الجانب المقابل، فقد اعتبر الرسوم « مسيئة لمعتقدات المسلمين ومقدساتهم ». وكردة فعل على ذلك بادرت بعض الحكومات بغلق سفارات الدانمارك لديها أو سحب سفرائها من العاصمة الدانماركية، كوبنهاغن. كما بادرت شركات سعودية وخليجية أو بالأحرى أوعز إليها بمقاطعة المنتوجات الدانماركية والنرويجية. وفي أكثر من قطر عربي وإسلامي خرج الناس إلى الشارع احتجاجا وتنديدا، بتحريض خفي من حكوماتهم أو من أحزاب وتيارات وجمعيات دينية أو بصورة عفوية، في حالات نادرة. وقد اتخذت هذه المظاهرات طابعــا عنيفا في أكثر من بلد مما أدى إلى سقوط العشرات من القتلى وأضعاف أضعافهم من الجرحى علاوة على حرق بعض سفارات الدانمارك والنرويج في بعض العواصم. ولم تتخلف بعض الأصوات هنا وهناك عن رفع نداءات تدعو إلى « الانتقام » و »القتل » والاعتداء على الممتلكات والأشخاص التابعين للدول التي نشرت فيها الرسوم الساخرة.

 

ولا تزال الأزمة متواصلة إلى حد الساعة رغم مساعي « التهدئة » التي تقوم بها بعض الجهات الأوروبية والتحذيرات التي تطلقها الإدارة الأمريكية على لسان بوش ووزيرته للخارجية للحكومات العربية والإسلامية بضرورة « التحكم في الشارع » و »منع وقوع أعمال عنف وشغب ضد السفارات الغربية » مع اتهامات موجهة بالخصوص إلى سوريا وإيران بالركوب على الأحداث. ولا يمكن لأحد أن يتوقع كيف ستنتهي الأزمة خصوصا بعد أن تحولت مسألة الرسوم إلى عملية « لي أذرع » بين الحكومات الأوروبية و »الشارع الإسلامي » خاصة الذي أفلت في بعض البلدان من مراقبة الحكومات التي أججته، فهذا الشارع ووراءه بعض التيارات والزعامات الدينية يطالب باعتذار رسمي من الحكومة الدانماركية وهذه الأخيرة ومن ورائها الاتحاد الأوروبي ترفض ذلك رفضا مبدئيا، معتبرة أن « حرية التعبير مسألة غير قابلة للنقاش ».

 

وما من شك في أننا نجد أنفسنا أمام قضية على غاية من الحساسية، ولا يمكن تناولها بشكل سطحي وتبسيطي والانسياق وراء هذا الطرف أو ذاك من الطرفين المتقابلين. فالانسياق وراء الدفاع المجرد والمطلق عن حرية التعبير يمكن أن يقود إلى منزلقات ليس أقلها خطرا تغذية الكراهية بين الشعوب. كما أن الانسياق وراء التوظيف السياسي الذي تقوم به بعض الرجعيات العربية والإسلامية والتيارات السلفية المحافظة والظلامية لحادثة الرسوم، يمكن أن يقود بدوره إلى منزلقات ليس أقلها خطرا تقوية التعصب الديني و »شيطنة » (diabolisation) مبادئ الحرية والديمقراطية وتقديمها على أنها رديف لـ »الكفر » و »الإلحاد » وطمس المشاكل الحقيقية التي يعاني منها المسلمون ومنها غياب الحرية. لذلك فإننا سنحاول في هذا المقال التعاطي مع هذه القضية بهدوء وعمق يقودنا في ذلك الدفاع عن مصلحة الشعوب العربية والإسلامية، التي هي ليست بالضرورة مع أحد الطرفين اللذين يحركان اليوم قضية الرسوم.

 

I – رسوم عنصرية ومسيئة

 

إن الرسوم التي نشرتها الصحيفة الدانماركية ليست بريئة ولا يحرّكها في الواقع هاجس « حرية التعبير والإبداع الفني » بقدر ما تحركها نزعة الإساءة إلى المسلمين وإلى معتقداتهم ومقدساتهم. فالصحيفة يمينية متطرفة. ولم يكن نشرها للرسوم موضوع الخلاف تلقائيا بل مقصودا لـ »تحدي المحظورات الإسلامية » كما اعترفت بذلك هيئة تحرير ملحقها الثقافي أخيرا. وقد جاءت الرسوم أو على الأقل بعضها ليصبّ في خانة الإيدولوجيا الامبريالية الاستعمارية المتطرفة الغالبة اليوم في العديد من البلدان الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تهيمن على حكامها أفكار « المحافظين الجدد » الذين ينهلون من نظرية « صدام الحضارات » العنصرية التي تحاول تأليب « الغرب المسيحي » على الشعوب الإسلامية التي تحتل في هذه النظرية مكانة « العدو الأخطر » في عالم اليوم.

 

وتعمد هذه الإيديولوجيا إلى الخلط بين الإسلام والإرهاب، فتقدمه على أنه، بـ »طبعه »، مولّد للإرهاب، وهو معنى رسم محمّد، نبي المسلمين، وعلى رأسه عمامة في شكل قنبلة. كما تعمد، نتيجة لذلك، إلى الخلط بين المسلمين والإرهاب، فتقدمهم على أنهم « إرهابيون »، بـ »طبعهم »، « متعطشون لسفك الدماء » و »معادون للحضارة الغربية عداء أعمى » و »لا يبحثون إلا عن القضاء عليها » . وليس خافيا أن الهدف من تقديم الإسلام بهذه الصورة هو تغذية الكراهية والعنصرية في صفوف الشعوب الغربية تجاه المسلمين لتبرير الحملات العسكرية الامبريالية ضدهم وتشريع احتلال بلدانهم وإخضاعها ونهب ثرواتها على غرار ما يحصل فـــي العـــراق وأفغانستان وفلسطين وما يتهدد إيران وسوريا. وهو يهدف بالتالي إلى طمس الأسباب الحقيقية للغضب الساري في صفوف المسلمين وللمقاومة التي يبدونها والتي تكمن في شعورهم بالإذلال والمهانة من جراء ما يتعرضون له من اضطهاد.

 

ومن النافل أن الامبريالية ليست فقط نهبا للثروات وتحكما في مصائر الشعوب بالحديد والنار، بصورة مباشرة أو بواسطة أنظمة محلية عميلة، ولكنها أيضا احتقار لثقافات هذه الشعوب ومعتقداتها ومقدساتها وسعي محموم إلى دوسها وانتهاكها وتدميرها من أجل القضاء على ذاتيتها حتى تكون قابلة للإخضاع وعاجزة عن المقاومة وهو أمر عرفته في السابق كل المستعمرات، بما فيه بلادنا، وتعرفه اليوم مختلف البلدان الصغيرة والضعيفة التي تواجه « غزو » العولمة الرأسمالية المتوحشة بقيادة « هولاكو القرن العشرين » (أي الولايات المتحدة). لذلك فإن التذرع بحرية التعبير والإبداع الفني لنشر الرسوم الساخرة المشار إليها أمر غير مقبول، بل هو غطاء لإخفاء المرامي الحقيقية، المسيئة والعنصرية.

 

1 – حرية التعبير مكسب إنساني عظيم ولكن..!

 

إن حرية التعبير مكسب إنساني عظيم، لم يتحقق إلا مقابل تضحيات جسيمة قدمها أناس عظام على مر العصور. وتشمل هذه الحرية من جملة ما تشمل حق مساءلة المقدس ونقده سواء من زاوية فلسفية أو تاريخية أو علمية أو أدبية أو فنية. وقد عملت القوى الرجعية في الفضاءين المسيحي والإسلامي على حد السواء، وفي كافة الفضاءات الدينية الأخرى (اليهودية، البوذية…) على استعمال « احترام المقدس » ذريعة لخنق حرية التفكير والضمير والتعبير واضطهاد المفكرين الأحرار والعلماء. كما استعملته وسيلة لنشر الخرافات والأباطيل وعرقلة تقدم الفكر ومطالبة الناس بـ »واجب » أو بالأحرى « فريضة » طاعة الحكام المستبدين مُكَفِّرَةً من ينتقدهم. ولا يمكن لأحد أن يشك في أن المجتمعات الغربية حققت تقدما هاما في مستوى فرض احترام حرية التعبير التي أصبحت جزءا من ثقافتها السياسية والتي يحق لأبناء هذه المجتمعات الدفاع عنها والتصدي لكل من يريد انتهاكها والعمل على حمايتها وتوسيعها. كما أنه لا يشك أحد في أن المجتمعـات العربية والإسلامية هي اليوم بقطع النظر عن بعض الفروق الجزئية، من أكثر المجتمعات الإنسانية تخلفا في مجال حرية التعبير بسبب أنظمة الاستبداد التي تحكمها وتهيمن عليها وهي على العموم أنظمة عميلة للقوى الامبريالية الغربية وتستعمل من جملة ما تستعمل الدين الإسلامي لخنق أنفاس شعوبها، وحرمانها من أبسط حقوقها.

 

ولكن تقدم المجتمعات الغربية في مجال حرية التعبير لا يبرر مطلقا التصرف باستعلاء واحتقار تجاه الشعوب العربية والإسلامية المتخلفة في ذلك المجال، فحرية التعبير لا تعني مطلقا التحريض على الكراهية والعنصرية بالإساءة إلى الآخرين بسبب معتقدهم أو جنسهم أو عرقهم أو لونهم. إن جوهر الحرية التي ناضلت من أجلها الإنسانية وقدمت تضحيات جسيمة، وهو التسامح، يتنافى مع هذه العقلية، بل هو يقضي باحترام حقوق الآخرين واجتناب ما يمكن أن يسيء إليها أو ينتهكها، كما هو الحال في ظل الاستبداد، لأن الاستبداد هو الذي يقترن عادة بالإساءة إلى الغير وانتهاك حقوقه باعتباره منقادا بروح الغطرسة والهيمنة. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن أهمية هذا المبدأ تبرز في ظرفيات سياسية خاصة كالظرفية الحالية التي لا يمكن أن تخفى على صحافة تتابع الشأن الدولي. إن ما يميز هذه الظرفية الراهنة هو تعرض المسلمين إلى حملات عنصرية، وإلى عدوانات عسكرية وأعمال إبادة وتدمير، خصوصا بعد أحداث سبتمبر2001، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يثير غضبهم في مختلف أنحاء العالم ويغذي شعورهم بالقهر والإذلال. ومن شأن أي صحافة حرة ومسؤولة أن تراعي ذلك حتى لا تسهم في تغذية الكراهية بين الشعوب. ولكن الذين نشروا الرسوم المعنية لم يراعوا لا المبدأ ولا الظرفية بل فعلوا فعلتهم في سياق الحملات على المسلمين ولم يفكروا في عاقبتها وفي ما ستلحقه بهم من ضرر. وليس أدل على تعمّد الصحيفة في قضية الحال من أنها كانت رفضت سنة 2003 نشر رسم كاريكاتوري حول « مبعث المسيح » لما فيه من استفزاز لمشاعر المسيحيين وإساءة لهم.

 

2 – تكتل وتضامن في غير محله:

 

وما يثير الاستغراب حقا هو انسياق عديد الصحف الأوروبية وإن كانت في معظمها يمينية في الدفاع عن الصحيفة الدانماركية وإعادة نشر ما نشرته من رسوم تضامنا معها، وقد بررت هذه الأطراف سلوكها بـ »التمسك بحرية التعبير التي حققتها المجتمعات الغربية ذات التقاليد الديمقراطية والتعددية ». ولكنها نسيت أو تناست أن هذا المنطق يكون مقبولا لو تعلق الأمر بمبحث علمي أو فلسفي أو اجتماعي أو تاريخي أو إبداع فني بحق. في هذه الحال يحق لكل الديمقراطيين في الغرب أن يتحدوا في وجه استبداد أنظمتـ »نا » و »علمائنا » و »جماعاتنا » الظلامية وسيجدوننا إلى جانبهم بكل تأكيد، لأننا نحن من ناحيتنا نناضل من أجل فك القيود المضروبة على العقول والأجسام في أقطارنا ومن أجل رفع الظلمات التي تلبد سماءنا. ولكن الأمر غير ذلك لأن الطابع الاستفزازي للرسوم التي نشرتها الصحيفة الدانماركية واضح، وحتى لو أن الأطراف التي تحرك الحملة ضد هذه الرسوم وتؤججها هي في معظمها أطراف رجعية واستبدادية، فلن يصبح من المسموح به تجاهل ذلك الطابع الاستفزازي أو طمسه والانبراء للدفاع، صفا واحدا، عن « حرية التعبير » بشكل مجرد ومطلق. فمن الممكن نقد الاستفزاز من جهة وفضح التوظيف السياسي الذي تقوم به أنظمة الاستبداد وجماعاته من جهة ثانية وربط جسور الحوار والتعاون مع شعوبنا المستبد بها من جهة ثالثة حتى يتم التعرف عليها وعلى حضاراتها وثقافاتها والاطلاع على معاناتها ليس من أنظمتها فحسب بل كذلك من الدول الغربية الامبريالية والاستعمارية.

 

وفوق ذلك كله، فهل أن حرية التعبير والصحافة مطلقة، وغير مقيدة بقوانين في البلدان الغربية؟ بالطبع لا. وهنا يظهر الكثير من النفاق في موقف الذين اصطفوا وراء الصحيفة الدانماركية دفاعا عن « حرية التعبير ». فنحن نعرف جيدا أن الدساتير والقوانين في الغرب تجرّم كل دعوة أو تمجيد للعنصرية والكراهية والتباغض بين الأديان والأجناس. وفي هذا الإطار نعرف أن الصحافيين في البلدان الغربية يقرؤون ألف حساب وحساب قبل نشر أي مقال يتعلق مثلا باليهودية والصهيونية وإسرائيل حتى لا يقعوا تحت طائلة القوانين التي تجرّم معاداة السامية. علما وأن هذه القوانين، كما هو الحال في فرنسا والولايات المتحدة على درجة من التشدد لم تعد فيها الحدود واضحة بين معاداة السامية، وهي بالطبع جريمة، وبين نقد الصهيونية كإيديولوجيا عنصرية استعمارية، وجرائم الحكومات الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، وهو حق مشروع يندرج في باب ممارسة حرية الرأي والتعبير. ولكن كون « الضحية » هذه المرة هم المسلمون، وكون هؤلاء هم اليوم المستهدفون من قبل القوى الامبريالية الغربية، ومن مصلحة الإيديولوجية الغالبة أن تظهرهم بمظهر المتطرفين والمتخلفين، فإن ذلك يخلق أرضية مناسبة للمزايدة على حسابهم باسم « حرية التعبير » وللاستعلاء عليهم، وهو في كل الحالات سلوك عنصري.

 

إن أي صحافة حرة بحق لا تغفل أبدا أن ممارستها للحرية تفرض عليها واجبات ومسؤوليات خاصة حتى تضمن حقوق الآخرين، على الأقل وفقا للمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، بل إن الدفاع عن حرية التعبير في وجه الحكومات المستبدة والجماعات الظلامية المتطرفة في الأقطار العربية والإسلامية يستوجب من أي صحافة حرة في الغرب ان لا تعطي ذرائع لهذه الحكومات أو الجماعات كي تستخدمها ضد هذه الحرية وأن تتجنب كل ما من شأنه أن يؤجج التباغض بين الأديان وأن تفعل كل ما في وسعها لنقد تواطؤ حكوماتهاالبورجوازية الامبريالية مع تلك الحكومات والجماعات على حساب مصالح الشعوب العربية والإسلامية. ذلك أن واقع الاستبداد في أقطارنا، لا تعود مسؤوليته إلى حكامنا فقط بل كذلك إلى الحكومات الغربية التي تدعمهم اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.

 

II – توظيف لمشاعر المسلمين

 

إن نقدنا لنشر الرسوم وإدانتها لما فيها من إيحاءات عنصرية، لا يثنينا بالطبع عن نقد ردود الفعل على هذه الرسوم في الأقطار العربية والإسلامية حتى لا نزكي ما تقوم به أنظمة الاستبداد وبعض التيارات الرجعية الظلامية التي تنطلق بدورها من مرجعية قائمة على التعصب الديني وتغذية الكراهية.

 

1 – السعودية والخليج: نفاق كبير

 

لقد تصدرت ردود الفعل كل من السعودية وعدد من بلدان الخليج علاوة على حكومة العراق التي نصّبها المحتل قبل أن تشمل بقية الدول العربية والإسلامية. ولسائل أن يسأل: هل أن ما يحرّك حكومات هذه البلدان هو فعلا الغيرة على المقدسات الإسلامية؟ جوابنا بالنفي، وإلا لماذا لم تحرك هذه الحكومات ساكنا عندما ألقى الجنود الأمريكيون، وهم يمثلون مؤسسة رسمية –لا صحيفة مستقلة- نسخا من القرآن في المراحيض بمعتقل غوانتنامو؟ ولماذا لم تحرك ساكنا والحال أن الجيش الأمريكي بالعراق ينتهك حرمة المساجد ويقتل المصلين والأيمّة، وهو يحتل اليوم بمعية الجيوش البريطانية وجيوش غربية أخرى « بلدين إسلاميين » هما العراق وأفغانستان؟ ألا يمضي الكيان الصهيوني قدما في تهويد القدس « أولى القبلتين وثاني الحرمين » وترتفع نداءات الفلسطينيين في كل يوم محذرة من أن الصهاينة يخططون لتدمير المسجد الأقصى ولا من مجيب؟ لماذا لم يظهر السعوديون والخليجيون في هذه الحالة نفس الحزم الذي أظهروه مع الدانمارك ذي الخمسة ملايين نسمة فقط؟ إن الجميع يعلم أنهم هم الذين يمولون العدوان على العراق ويدعمون محتليه ويقيمون القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيهم لتسهيل مهام الجيوش الأمريكية في المنطقة. كما أنهم يتخلون الواحد بعد الآخر عن مقاطعة الشركات الغربية التي تتعامل مع الكيان الصهيوني ويربطون بهذا الأخير علاقات في السر والعلن ولا يأبهون لا بصراخات الشعب العراقي ولا بصراخات الشعب الفلسطيني أو الشعب الأفغاني. إن كل ما في الأمر أنهم يوظفون نشر الرسوم لأغراض سياسية خسيسة. فهم من ناحية يحاولون تبييض صورتهم المهترئة بحكم خياناتهم العديدة والمتعددة وتواطؤهم المفضوح مع القوى الاستعمارية الغربية. وهم، من ناحية ثانية يريدون صرف الأنظار عن القضايا الجوهرية للعرب والمسلمين ومن بينها ما يحدث في العراق وفلسطين وأفغانستان والظهور بمظهر المدافع عن « مقدسات الأمة ». وهم من ناحية ثالثة يريدون الالتفاف على الضغوط المحلية والدولية المسلطة عليهم من أجل إصلاح أنظمتهم السياسية الاستبدادية الفاسدة واحترام حقوق مواطنيهم الأساسية، والكف عن معاملتهم كرعايا. لذلك نراهم يؤججون مشاعر الكراهية تجاه « الغرب »، ولكن ليس « غرب » الشركات الاحتكارية الكبرى، أي « غرب » بوش وبلير وشيراك وبرلسكوني بل « غرب » الحريات والمكاسب الديمقراطية التي تحققت بالدماء والدموع. فعلاوة على كونهم يدوسون حرية المعتقد ويصنفون مواطنيهم على أساس معتقداتهم في الوقت الذي يطالبون فيه غيرهم باحترام المعتقدات، نراهم يتعمدون الخلط بين الحرية و »الكفر »، وبين العلمانية و »الفساد » وكأنهم يريدون أن يقولوا لشعوبهم: « هذه هي الحرية التي ينصحونكم بها » و »هذه هي الحرية التي يطالب بها الديمقراطيون في بلدانكم ». ومن المفارقات أن هؤلاء المستبدين الطغاة الذين يجرّمون أي تعبير أو فكر حر ويكفرونه ويلقون بصاحبه في الجحيم ويفرضون على شعوبهم أنظمة قروسطية، نصّبوا أنفسهم « أساتذة » يعطون الدروس لشعوب البلدان الغربية في « حرية التعبير » (علما وأن الدانمارك تحتل المرتبة الأولى عالميا في مجال حرية الصحافة حسب تصنيف « مراسلون بلا حدود » ولا يمكن الحكم على صحافتها بما نشرته صحيفة « يولاندس يوستن ») بل ويطالبون حكامها بسن تشريعات تضيق على هذه الحرية بعنوان « ضمان احترام المقدسات » ولكنهم بالمقابل لا يطالبون أنفسهم بسن تشريعات تجيز لمواطنيهم التمتع بقدر أدنى من حرية التعبير والاجتماع والتنظيم التي يتمتع بها المواطن في البلدان الغربية.

 

2 – سوريا وإيران: توظيف لتخفيف الضغوط

 

ولقد رأينا أنظمة عربية وإسلامية أخرى تبرز بمناسبة هذه الحادثة. ومن بينها النظامان السوري والإيراني. ففي سوريا هاجم المتظاهرون سفارتي الدانمارك والنرويج وأحرقوهما. ولنا أن نتساءل لماذا يسمح النظام السوري بمثل هذه المظاهرات العنيفة ويبيح إطلاق الشعارات المليئة بالكراهية تجاه « الغرب » في الوقت الذي نراه لا يتوانى عن الزج بأي مواطن سوري، صحافي أو مثقف أو معارض سياسي، في السجن لمجرد أنه ينتقد فساد النظام واستبداده ويطالب باحترام حقوق الشعب السوري؟ إنه التوظيف السياسي لا غير. فالنظام السوري الذي يواجه ضغوطا إقليمية ودولية كبيرة ذات أغراض استعمارية، كما يواجه أزمة داخلية، يحاول الالتفاف على ذلك باستغلال الرسوم ظنا منه أنها ستساهم في التخفيف عنه. ولكن النظام السوري نسي أو تناسى أن أضمن وسيلة لمواجهة المؤامرات الأمريكية والصهيونية هي فسح المجال أمام الشعب السوري لكي يمارس حقوقه وحريته ويمسك مصيره بيده. إن الديمقراطية هي أساس الوحدة الوطنية، أما الاستبداد فلا يولد سوى الانقسامات والتصدع وهو المنفذ الذي يتسرب منه الأعداء. ومهما يكن من أمر فإن عمر توظـيف الرسوم الساخرة قصير، وسيبقى النظام السوري يواجه هذه الحقيقة: هل أنه سيتخلى عن نهجه الاستبدادي ويعترف للشعب السوري بحقوقه الأساسية أم أنه سيمعن في ذلك النهج وبالتالي سينهار كما انهار غيره من أنظمة الاستبداد بسبب اضطرابات داخلية أو مؤامرات خارجية.

 

أما النظام الإيراني الذي يواجه مشكلته النووية مع واشنطن والعواصم الغربية الأخرى، فإنه وجد في حادثة الرسوم فرصة للتشهير بخصومه. وقد سقط في مزايدات بدائية لا هدف منها سوى تأجيج الكراهية الدينية بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى. وبما أن الإيرانيين لا يمكنهم السخرية لا من عيسى (نبي المسيحيين) ولا من موسى (نبي اليهود) لتحريم الإسلام ذلك، فقد أثاروا واحدا من « تابوهات » الغرب وهو المحرقة اليهودية. فانبرت إحدى الصحف تنظِّم مناظرة في رسوم ساخرة لهذه المحرقة بهدف التشكيك فيها. وكأننا أصبحنا بمحضر لعبة صغار. ولكن على عكس لعبة الصغار، فإن لعبة « الكبار » هذه خطيرة الانعكاسات، إذ أنها تغذي الكراهية بين الأديان ولا تخدم في نهاية الأمر سوى من لهم مصلحة في هذه الكراهية. فالمسلمون ليست لهم أية مصلحة أخلاقيا أو سياسيا في نكران تلك المحرقة أو التقليل من خطورتها وهي واحدة من أفظع الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في التاريخ، بل إن كل مصلحتهم هي في التنديد بها وبكل الجرائم الأخرى المشابهة لها كالتي ارتكبت في حق الزنوج أو في حق الهنود الحمر وشعوب المستعمرات (الجزائر، الفيتنام…) والأرمن وغيرهم. ولا يعني التنديد بالمحرقة تنازلا للمشروع الصهيوني أو تشريعا لما ترتكبه دولة إسرائيل من جرائم شنيعة في حق الشعب الفلسطيني، بل العكس هو الصحيح، فإنكار المحرقة أو التقليل من خطورتها التاريخية يؤدي خدمة مجانية للصهاينة ويمكّنهم من مواصلة إيهام الرأي العالمي وخاصة الغربيّ منه بأن اليهود لازالوا معرضين لخطر الإبادة وبأن العرب والمسلمين يريدون القضاء عليهم وبأن ما يرتكبونه، أي الصهاينة، من جرائم في حق الشعب الفلسطيني هو من قبيل الدفاع عن النفس.

 

3 – نظام بن علي: توظيف لتبرير سياسة قمعية

 

ولا يمكننا الحديث عن ردود الفعل الرسمية دون التعرض لموقف نظام بن علي، وهو موقف يختلف عن مواقف أنظمة السعودية والخليج وسوريا وإيران وغيرها لاختلاف المصالح. فقد لازم الحذر ولم ينخرط في مزايدات ضد الدانمارك والنرويج أو في تهييج الشارع بل عمل على أن لا يتصدر الاحتجاجات وأن يهمش المسألة قدر الإمكان ويعبئ قوات البوليس في العاصمة والمدن الرئيسية ويتصدى بعنف وحشي لكل التحركات ليقتلها في المهد. وما يفسر سلوكه هذا هو أنه يريد الظهور للدول الغربية بمظهر « النظام العصري المتمدن ». كما أنه يريد توظيف مظاهر العنف التي تخللت الاحتجاجات في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى لتبرير سياسته القمعية في تونس وتقديم نفسه على أنه « حليف » الدول الغربية في « مقاومة الإرهاب والتطرف ». وفوق هذا فهو لا يريد حصول أي نوع من التحركات في الشارع، لا اجتماعات ولا مسيرات ولا منشورات لأنه يعرف أن ذلك سيفتح عليه باب جهنم. وكما حصل في الماضي فإن أي تحرك سيرتد عليه ويتحول إلى فرصة للمطالبة بالحريات وللاحتجاج على الاستغلال والفساد. ولكن نظام بن علي أطلق من جهة أخرى العنان لصحافة العار والتعليمات كي تقوم بما لا يجرؤ هو على القيام به رسميا. فقد استغلت هذه الصحافة حادثة الرسوم لتشن هجوما على « الديمقراطية الغربية » وتعطي الغربيين « دروسا » في كيفية السيطرة على حرية التعبير. كما استغلتها لتشويه مناضلي الحرية في تونس وتقديمهم على أنهم « سليلو أولئك الذين نشروا الرسوم المسيئة » وبأنهم « عملاء الخارج ». وتشويه العَـلمانية القائمة على فلسفة احترام المعتقدات ونبذ الإكراه في الدين.

 

III – نعم للاحتجاج، لا للأعمال التي تشوه المسلمين:

 

وبخصوص ردود فعل « الشارع » فقد بثت الفضائيات في مختلف أنحاء العالم صورا للمظاهرات في العديد من الأقطار العربية والإسلامية وفي مدن غربية كثيرة نظمتها الجاليات الإسلامية. وقد أبرزت تلك الفضائيات ما تخلل العديد من المظاهرات والتجمعات التي جرت في أقطار عربية وإسلامية، من أعمال عنف وتخريب وما صاحبها من شعارات ودعوات لمواجهة « الغرب المسيحي الصليبي » و »معاقبة » الدانماركيين والنرويجيين، وقتل رعايا الدول التي نشرت فيها الرسوم وإحراق سفاراتها إلى غير ذلك من مظاهر التطرف. وقد وجد بعض « علماء » الإسلام والتيارات السلفية الظلامية في حادثة الرسوم فرصة للظهور إلى السطح وتأجيج مشاعر الكراهية والتباغض بين الأديان في محاولة منهم لجر شعوبهم إلى صراع بين الأديان والحضارات يجدون فيه مكانهم.

 

وبطبيعة الحال فنحن لا ننكر شعور المسلمين بالغبن والمهانة أمام ما يتعرضون له من استفزازات وإساءات. كما أننا لا ننكر حقهم في الاحتجاج. ولكن ما ننكره هو سقوط قطاعات منهم في لعبة أنظمة الاستبداد والتيارات السلفية الظلامية التي أخرجتهم إلى الشارع للتظاهر ضد مصالحهم، ضد ما هي تحرمهم منه، وضد ما هم في حاجة متأكدة إليه لتحقيق نهضتهم وكرامتهم وهو الحريـة والديمقراطية التي تقدمها إليهم على أنها رديف لـ »الكفر والإلحاد والفساد ». هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها أخرجتهم إلى الشارع لاستعداء الشعوب الغربية التي بينت في أكثر من مناسبة أنها أقرب إليهم من أنظمة حكمهم الاستبدادية، ومن « علمائهم » الظلاميين. فهذه الشعوب هي التي خرجت بالملايين إلى الشارع عام 2003 للتنديد بالحرب على العراق. وهي التي لا تزال تخرج إلى اليوم للاحتجاج على الحرب ولمناصرة الشعوب المقهورة ومنها الشعوب العربية والإسلامية. كما أن القوى الديمقراطية والتقدمية لهذه الشعوب كانت ولا تزال أهم سند للقوى الديمقراطية والتقدمية في بلداننا. فبأي حق ترفع نداءات مطالبة بعقوبات جماعية أو الاعتداء على أطراف لا تتحمل مسؤولية نشر الرسوم الساخرة أو الدعوة للقتل؟ ألم يبين سبر الآراء أن أغلبية الشعب الدانماركي تعارض نشر تلك الرسوم؟ إن التناقض الرئيسي ليس مع الشعب الدانماركي ولا مع الشعوب الأوروبية والغربية عامة وإنما هو مع الامبريالية وفي مقدمتها الامبريالية الأمريكية التي تضطهد شعوبنا وتسحقها كما تضطهد شعوب العالم الأخرى بما فيه شعبها هي وتسحقه. ومن يريد حقا المواجهة فما عليه إلا مواجهة العدو الحقيقي للشعوب العربية والإسلامية.

 

وفوق ذلك من تخدم مظاهر العنف ودعوات القتل والحرق؟ أليست كلها تصب في خانة ما تريد الإيديولوجيا الامبريالية العنصرية ترويجه من خلط بين الإسلام من جهة والإرهاب والتعصب والتطرف من جهة أخرى وإظهار المسلمين بمظهر « المتوحشين »؟ وبعبارة أخرى أليست تلك الأعمال تمثل إساءة إلى الإسلام والمسلمين الذين تزعم أنظمة الاستبداد و »علماؤه » خدمتها؟ إن الإدارة الأمريكية لا يمكنها إلا أن تُسَرّ بمجريات الأزمة الحالية. فهي قلقة جدا من العداء المتنامي في أوروبا لسياساتها العدوانية في العالم وخصوصا في الشرق الأوسط. وهذا القلق يساور أيضا حكام إسرائيل الغاصبين والعنصريين إذ أن الرأي العام الأوروبي انقلب عليهم في السنوات الأخيرة ولم تعد تنطلي عليه مغالطات الصهاينة وهو يظهر تعاطفا كبيرا مع الشعب الفلسطيني. وبالطبع فإن هذين الطرفين لا يمكنهما إلا أن يشعرا بالغبطة والارتياح لتنامي مظاهر الكراهية بين الشعوب الأوروبية من جهة والشعوب العربية والإسلامية من جهة أخرى. كما أن من مصلحتمها انتشار دعوات القتل والاعتداء على الدانماركيين والأوروبيين لتبرير ما يروجانه من أنهما في العراق وأفغانستان وفلسطين يقومان بـ »مهمة حضارية » وهي « التصدي للإرهاب والتطرف الأصولي » وحماية « الحضارة الغربية ». بل إن الحكومة الإسرائيلية وجدت في ما حصل متنفسا لتعلن رفضها قبول فوز « حركة حماس » في الانتخابات الفلسطينية بدعوى أنها « متطرفةّ و »إرهابية ».

 

وأخيرا وليس آخرا، أليس من واجب المسلمين أن يتساءلوا: لماذا تدفع بهم بعض أنظمتهم اليوم إلى الاحتجاج وهي تواجههم بالبطش والقمع حين يحاولون الاحتجاج عليها ويطالبون بحقوقهم؟ ولماذا لا يدعوهم « علماؤهم » الجهابذة و »مشايخهم » الوقورون الذين يؤججون مشاعرهم ضد الدنماركيين والنرويجيين إلى الخروج إلى الشارع احتجاجا على أنظمتهم التي تستبد بهم وتستغلهم وتدوس كرامتهم؟

 

خلاصة القول إن التوظيف هو الذي غلب على ردود فعل الشارع في الأقطار العربية والإسلامية، وبقيت القضايا الحقيقية لشعوبها مهمشة. فهذه الشعوب بعضها يعاني من الاحتلال المباشر (العراق، أفغانستان، فلسطين) ومعظمها واقع تحت نير دكتاتورية محلية عميلة وفاسدة. وهي في كلتا الحالتين محتاجة إلى الانعتاق والتحرر وإلى مسك مصيرها بيديها. كما أنها محتاجة إلى دعم كافة شعوب العالم وقواه الديمقراطية والتقدمية لأنها جميعا تواجه نفس الأعداء. وليس من مصلحتها أن تنساق في متاهات لا مصلحة لها فيها. وبصورة أوضح فإن الإطار الحقيقي الذي ينبغي على الشعوب العربية والإسلامية أن تضع فيه قضية الرسوم ليس هو إطار الصراع بين الأديان أو الصراع بين « شرق » و »غرب » وإنما هو إطار الصراع مع الامبريالية العالمية وعملائها المستبدين الطغاة. ومتى فهمت شعوبنا هذه الحقيقة فإنها ستكون قادرة على الدفاع عن ذاتيتها وهويتها وعن حقها في الحرية والديمقراطية والتقدم لتلتحق بركب المجتمعات المتطورة وتتحرر من القهر والعبودية وتربط الجسور مع الشعوب الأخرى في إطار أممي مؤسس على الاحترام والتعاون ونبذ الكراهية والأحقاد.

 

(المصدر: البديل الأسبوعي، قائمة مراسلة حزب العمال الشيوعي التونسي- عــدد 8 – 13 مارس 2006)

 


 

المقاصد في المذهب المالكي

تأليف: بشير عبد العالي شمام
تقديم: الأزهر مقداد

 

علم المقاصد من العلوم البكر التي لم يكتب فيه كثيرا مقارنة ببقية العلوم الإسلامية، والبحث الذي بين أيدينا باكورة عمل لنيل الماجستير من تأليف الأخ بشير عبدا لعالي شمام، جاء مواصلا لجهد انطلق من الإمام عزالدين عبدالعزيز بن عبد السلام المتوفي سنة 660 هـ، ثم جاء بعده الإمام إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي الشهير بالشاطبي المتوفي سنة 790 هـ. وظلت تجربة ألشاطبي تنتظر من يبني عليها حتى جاء الإمام محمد الطاهر بن عاشور التونسي المالكي، ثم جاء بعد ابن عاشور علال الفاسي المغربي. ثم تتالت الكتابات بعد ذلك إلا أن المؤلف لم يقف على من خصص بحثا لدراسة المقاصد في مذهب من المذاهب الفقهية، وقيمة هذا البحث هو لفت أنظار الباحثين إلى ذلك كما يقول صاحب البحث.

جاء البحث في 470 صفحة من الحجم الكبير، جيد الطباعة ومجلد.

مقدمة الكتاب تتناول الدواعي لتناول موضوع المقاصد بالبحث وفي المذهب المالكي بالخصوص ثم يقسم الكاتب الكتاب إلىأبواب والأبواب إلى فصول والفصول إلى مباحث.

يتناول في الباب الأول: تعريفا عاما بالمقاصد وبالإمام مالك ومذهبه. ويركز الكاتب في هذا الفصل ومن خلال أبوابه ومباحثه على نشأة علم المقاصد وتطوره انطلاقا من عصر التنزيل إلى عصر التابعين والأئمة مرورا بعصر الصحابة. ثم يعرج على الحاجة للمقاصد وضرورتها لفهم خطاب الشارع والترجيح بين الأدلة واستنباط الأحكام عند انعدام النص. كما تناول الكاتب مسالك البحث عن المقاصد ومستلزمات إثباتها. وانتهى في آخر هذا الفصل بالتعريف بالإمام مالك رضي الله عنه وقدم ترجمة له وتعريفا بأصول المذهب المالكي ورواده واهم الكتب المعتمدة في المذهب.

أما الباب الثاني: فقد تناول فيه الكاتب البيان النظري لعلاقة الفقه المالكي بالمقاصد منطلقا من شرح معنى تعليل الأحكام وعلاقته بالمقاصد معرجا على فقهاء المدينة وعلاقتهم بمفهوم تعليل الأحكام وبالمذهب المالكي مثنيا بتناول مذاهب الأصوليين في التعليل مقدما أدلة المثبتون للتعليل والمنكرون له. كما تناول الكاتب من خلال هذا الباب بحثا ضافيا لمفهوم المصلحة وعلاقتها بالمقاصد وركز بالخصوص على علاقة المصالح بفقه أهل المدينة وبالمذهب المالكي كما تناول معنى سد الذرائع وعلاقته بالمقاصد وانتهى في هذا الباب بشرح معنى الاستحسانوعلاقته بالمقاصد وككل مرة حين تناوله لدليل من الأدلة ينهي بعلاقة الاستحسان بفقهاء المدينة وبالمذهب المالكي.

أما الباب الثالث فقد خصصه الكاتب إلى بيان تطبيقات عملية لعلاقة الفقه المالكي بالمقاصد وذلك من خلال تقديم لنماذج لأعلام مالكية اعتنوا بالمقاصد مقدما ترجمة موجزة لكل علم من الأعلام وإشاراته المقاصدية ومؤلفاته مبتدأ بابن الحاجب ومنتهيا بابن عاشور مارا بالقرافي والشاطبي. وخاتما الباب بتقديم نماذج تطبيقية للفهم ألمقاصدي في فروع المذهب المالكي في مختلف أبواب الفقه من العبادات والمعاملات.

خاتما البحث بتوصيات هامة تتعلق بمستقبل علم المقاصد وضرورة الاهتمام به من قبل الباحثين وخاصة بتطبيقاته العملية.

منهيا الكتاب بتقديم فهرس لأهم المصادر والمراجع التي اعتمدها الكاتب.

الكتاب بحثا مركزا لعلم الأصول في المذهب المالكي ويعد مختصرا جيدا للتعريف بهذا العلم والمراحل التي مر بها والتعريف بأعلامه.

ونحن إذ نشيد بهذا البحث وندعو للإطلاع عليه نهنئ أخانا بشير بهذا الجهد المشكور وندعو الله تعالى أن يبارك في جهده وفي عمره ويجعل هذا العمل في ميزان حسناته يوم القيامة.

 

 

(المصدر: موقع نهضة.نت بتاريخ 14 مارس 2006)

 


العقل الغريزي الفلسطيني

من أمين الحسيني إلى خالد مشعل

 

د. ابوخولة (*)

 

كيف فشل العقل القيادي الفلسطيني في القفز على مقترح لجنة بيل البريطانية عام 1939 الذي طالبهم بالتنازل عن 20% فقط من ارض فلسطين لصالح اليهود لينتهي بهم الأمر اليوم بالقبول بـ 22% من ارض فلسطين التاريخية؟ لماذا لم تقبل القيادة الفلسطينية بقرار التقسيم عام 1947 ولو بهدف إحراج القيادة الإسرائيلية، التي لم تقبله آنذاك إلا لسابق معرفتها برفض العرب له؟ كيف استعصى استيعاب المقترح البورقيبي للعام 1964 المطالب بقبول الشرعية الدولية، أي قرار التقسيم، والحال انه جاء سنوات طويلة بعد امتلاك إسرائيل السلاح النووي مما يفترض أن يبدد أي وهم -عند أي كان – بالقدرة على تدميرها؟ لماذا واصلت القيادات الفلسطينية رفضها القبول بالممكن بالرغم من الهزائم والنكبات المتلاحقة على مدى نصف قرن وآخرها تنطع قادة حماس لمطالب الشرعية الدولية ممثلة في الرباعية؟

 

 يركز هذا المقال على عامل أساسي ألا وهو بدائية العقل السياسي الفلسطيني الذي لم يرتقي بعد إلى مرحلة العقل المعرفي، كما هو الحال عند الإسرائيليين.

 

يعرف قاموس أكسفورد العقل بـ « القدرة الذهنية للوصول إلى نتيجة معينة بناء على فرضية ما » . على هذا الأساس، يخطئ العقل سواء باعتماده فرضيات لا وجود لها على ارض الواقع، أو بالبناء على فرضيات صحيحة، لكن للوصول إلى نتيجة خاطئة. وقد اخطأ العقل السياسي الفلسطيني، خلال العقود الخمسة الماضية، على  هذين المستويين.

 

في تحالفه مع هتلر، على سبيل المثال، كانت فرضية مفتي القدس أمين الحسيني أن ألمانيا النازية، وبحكم معاداتها لليهود، لا يمكن أن تبخل بدعم الفلسطينيين. وهذه فرضية خاطئة، حيث أن: (1) أولوية هتلر كانت تركز أساسا على السيطرة على أوروبا و(2) كان من الواضح أن حروب هذا الأخير ضد الجميع لن تكون نهايتها إلا الهزيمة المنكرة، وهو ما حصل فعلا في العام 1945. ولو كان في عقل الشيخ أمين الحسيني ذرة من القدرة الذهنية على مراجعة الذات لما ارتكب نفس الخطأ برفض القرار الأممي للتقسيم الصادر سنة 19947، بعد أن اصبح الحليف النازي في ذمة التاريخ.

 

أما البناء على فرضية معقولة للوصول إلى نتيجة خاطئة، فيكفي أن نسوق مثال التعويل الفلسطيني -و العربي بصفة عامة- على القوة العظمى للاتحاد السوفياتي السابق. فهذه القوة لها تقاطع مصالح مع الولايات المتحدة يفوق بكثير ما يمكن أن تجنيه من دول متخلفة، وهو ما ثبت للعيان اثر أزمة الصواريخ الكوبية عندما أذعن كروتشيف لمطلب الرئيس الأمريكي و عقد صفقة من وراء ظهر فيدال كاسترو.

 

الصفة الأساسية للغريزة، بحسب الموسوعة البريطانية « انسيكلوبيديا بريطانيكا » تتمثل في « تصرف الإنسان بناء على أعمال انفعالية » ، أي يصعب فهمها بناء على أسس المنطق الإنساني الحديث. على هذا الأساس، كتب العفيف الأخضر: » فيما يخصني أرى أن جل النخب العربية مازالت، على صورة مجتمعاتها، ما قبل حديثة، لان النقل أي تقاليد عبادة الأسلاف مازالت العنصر السائد في تفكيرها وتدبيرها، أي أنها مازالت في عصر الدماغين الغريزي والانفعالي ولم تنتقل بعد إلى عصر الدماغ المعرفي » (مقال: العقل لم يدخل إلى الثقافة العربية بعد، منشور بتاريخ  11 ديسمبر 2004). وهذا هو سبب قصور القيادات الفلسطينية المتواصل، منذ نكبة 48، في اتخاذ القرارات الصائبة، وهو ما سيتجدد في المستقبل القريب على يد حكومة حماس.

 

لا يعني العقل الغريزي بالضرورة الشلل التام، حيث وكما جاء في الموسوعة المذكورة أعلاه: »بالرغم من وجود أساس ثابت، قد يحصل بعض التغير على التصرف الغريزي من خلال العملية التعليمية » . وهذا ما حصل بالفعل لقيادة حماس التي انقلبت على موقفها السابق الرافض للمشاركة في الانتخابات عام 1996 بدعوى أنها تقام على أرضية أوسلو، لتقبل بالمشاركة في الانتخابات الأخيرة. لكن هذا التغير البسيط لن يكون كافيا لرفع التحديات الملقاة على كاهل الحكومة الجديدة.

 

فالتصريحات الأخيرة للسيد خالد مشعل حول « التعامل بواقعية » لا تتناسب مع الورطة الكبرى التي تواجهها القيادة الفلسطينية منذ انطلاقة الانتفاضة الثانية، خصوصا بعد اعتبار أعمالها الانتحارية « جريمة ضد الإنسانية » من طرف اعرق واكبر المنظمات الدولية لحقوق الإنسان – منظمة العفو الدولية – ، والبيان الصادر عن الرباعية منذ عامين، الذي اعتبر الأعمال العسكرية الإسرائيلية مجرد دفاع عن النفس، محملا المسئولية الكاملة في استمرار الأزمة لأعمال العنف التي تزعمتها حماس، خلال تلك الفترة.

 

كذلك تمت ترجمة تصريح السيد خالد مشعل بأن « ُبعد حماس هو ُبعد عربي – إسلامي »، على ارض الواقع، بمحاولة تعويض الدعم المالي الدولي المفقود بالتوجه إلى دولة الملالي في إيران، و هذا من شانه أن يسيء للقضية الفلسطينية أكثر ما يفيدها.

 

ويمكن ملاحظة نفس الشيء من عرض الهدنة طويلة الأمد، الذي حللت انعكاساته الكارثية في مقالي السابق (بعنوان: خطا تكتيكي فادح : الهدنة طويلة الأمد)، ومن تصريح خالد مشعل « ما نقوله للعالم كله هو أن على إسرائيل أولا أن تغير من موقفها وان تنتقل إلى موقف الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة وبعدها نحن نحدد موقفنا ». فكما يدرك الجميع إن انسحاب أي احتلال، خصوصا في حالة اختلال كبير في موازين القوى كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين اليوم، لا يمكن أن يتم إلا نتيجة لمفاوضات سياسية يعبر منذ بدايتها كل جانب -وبوضوح- عن مواقفه المبدئية، التي يحدد على أساسها الجانب الآخر ما يمكن أن يقبل به، فكيف للسيد خالد مشعل أن يتناسى هذه البديهية ويطالب بانسحاب الاحتلال دون أن يبين الطرف الفلسطيني رؤيته للحل النهائي؟ كيف يمكن لإسرائيل أن تقبل بهذا؟ أي طرف دولي يمكن أن يضغط على إسرائيل للقبول بهذا؟

 

 و ما معنى تصريح قيادي حماس موسى أبو مرزوق بان الحركة « مستعدة للحوار مع الأطراف الدولية حول كافة القضايا التي تتضمن انطلاق عملية السلام واستمرارها »؟ عن أي سلام يتحدث، إذا كان الهدف من الهدنة الإعداد للحرب؟ وكيف يتلاءم هذا مع استمرارية العملية السلمية؟

 

لقد كانت الانفعالية والمواقف المرتجلة الصيغة الأساسية لعملية اتخاذ القرار الفلسطيني منذ نكبة 48 إلى اليوم، مما أدى إلى النتائج التي نعرف. وأولى الأولويات اليوم تتمثل في ضرورة صياغة موقف فلسطيني جديد مبني على الواقع. وقد يكون ذلك صعبا، بل ربما مستحيلا، في ظل تدني العقل المعرفي عند الساسة الفلسطينيين، الذي بقي انفعاليا، غريزيا وارتجاليا إلى حد كبير، كما كان عليه الحال أيام مفتي القدس، الشيخ أمين الحسيني.

 

(*) بريد إلكتروني:Abuk1010@hotmail.com

 


السودان والقسم بالله العظيم

محمد كريشان

 

فعلها من قبل الرئيس عمر البشير أكثر من مرة وها هي تتحول علي ما يبدو إلي تقليد حكومي في الخرطوم: أقسم بالله العظيم، أقسم بالله العظيم، أقسم بالله العظيم … كررها هكذا غليظة الرئيس السوداني قبل عدة أشهر ليقول أنه لن يسلم مواطنا سودانيا واحدا لمحاكمته خارج البلاد ثم أعادها ثانية مؤخرا ليؤكد أنه لن يقبل قوات دولية في إقليم دارفور المضطرب وجريا علي ما بات ربما سنة حميدة في السياسة السودانية أعاد نفس القسم وزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسن.

من حق السودان طبعا أن يتخذ من المواقف ما يناسبه فهو يفترض الأدري بمصالحه ولكن قد لا يكون من الملائم أن يزج بالله عز وجل في دارفور أو غير دارفور فالمواقف السياسية، سواء كانت رخوة أو صلبة، لا تحتاج لهكذا قسم حتي نتبين جديتها من عدمه فالممارسة وحدها هي الفيصل. وباستثناء أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي رفع سبابته معلنا قسمه الشهير أن الأمريكيين لن ينعموا بالأمن إذا لم ينعم به المسلمون، لا أذكر أن سياسيا لجأ إلي هذا الأسلوب لتأكيد تمسكه بموقفه بما لا يحتمل الشك مطلقا فحتي آية الله الخميني وما مثله من مرجعية دينية لملايين الناس، وهو ليس حال البشير علي أية حال، لم يقسم بالله مثلا أن حربه مع العراق ستستمر إلي أن يهزم نظام صدام حسين الشيء الذي جعله يقبل وقف إطلاق النار معه عام 1988 وكأنه يتجرع السم حسب تعبيره آنذاك.

السياسة فن الممكن وما يقبله المشتغل في هذا الحقل اليوم، فما بالك بمسؤول حكومي أو رئيس الدولة، قد يرفضه لاحقا والعكس صحيح حسب مجموعة عوامل متداخلة تسهم مجتمعة في تقدير الموقف ودفعه في هذا الاتجاه أو ذاك، وهو في انتقاله بين هذه الضفة والأخري يبذل قصاري جهده لتبرير هذا التغيير بنجاح متفاوت تجاه جمهوره ومناصريه وحتي خصومه ولكنه في كل الأحوال لن يجد نفسه في موقع محرج يبرر فيه تراجعه عن قسم غليظ بالله تعالي لأنه في هذه الحال أمام معضلتين واحدة سياسية وأخري شخصية وأخلاقية.

لنتخيل قليلا ماذا لو اختار السودان أو اضطر لقبول قوات دولية في دارفور لأن شروط وجودها تغيرت بشكل مرض سواء من حيث الإشراف أو التركيبة أو الصلاحيات أو أي شيء آخر، أي وضع مربك سيجد من أقسم بالله أن يحول الإقليم المضطرب إلي مقبرة لها؟! كل المسؤولين في العالم سواء كانوا في حكومات أو أحزاب معارضة أو حركات تحرر وطني غيروا مواقفهم في مسيراتهم السياسية مليون مرة فجاز وصفهم من قبل خصومهم وربما حتي مريديهم بالمتراجعين أو المتذبذبين أو المستسلمين أو المتقلبين وفي أسوأ الأحوال بالكذابين ولكن علي كل لن يوصموا بالكذابين رغم القسم برب العالمين.

القسم أمر جليل وعادة لا يلجأ إليه إلا لتأكيد وزر الأمانة والمسؤولية عندما يتولي أحدهم موقعا يتحكم في البلاد ورقاب العباد أو عندما يقف أمام محكمة تريد الوصول إلي الحقيقة وإحقاق الحق ولا يجوز أن يقع التعاطي معه بهذه الخفة بحثا عن تصفيق الجماهير وإثارة حماستها اللهم إذا افترضنا أن المسؤولين السودانيين سيفضلون، إذا ما جد الجد، ترك السلطة علي إسقاط قسمهم وهذا ما لم تؤكده تجارب سابقة في كل مرة وجد فيه أي مسؤول نفسه في وضع وازن بين البقاء في الكرسي وبين أي شيء آخر حتي وإن كان رب الكون.

 

(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 15 مارس 2006)


تحولات الوعي الجمعي الاسلامي

د. عزالدين عناية (*)

 

انطلقت مسيرة التحولات الاجتماعية، الشعبية لا النخبوية، في المجتمعات الإسلامية، مع مطلع القرن الفائت، متدرجة من الإحياء الرمزي والهووي إلي بحث في الراهن عن الشهود الحضاري. ومغادرة ذلك الطور العفوي البسيط، إلي مشارفة مدارج الطور التأسيسي، المصحوب بتحديات مختلفة، لا يسير ضمن تبدل ميكانيكي بل ضمن جدل التصعد المركب والشائك في تطور التاريخ. لذلك ما يميز المنتمين للحضارة الإسلامية في فضاءاتها التقليدية، وفي الشتات، حضورهم الحرج والمرهق في التاريخ المعاصر.

فالانجراحات الغائرة والمتراكمة جراء المستعمر والناهب والمترصد، والعلل المزمنة والمتخلدة جراء التجارب الحضارية والسياسية المضطربتين، لازال يلاقي الكيان الجمعي رهقا في الخروج من أسرها، ومع ذلك يصحبها تفاعل من داخلها لتحولات بنيوية تلح علي الكيان الجمعي بالتبدل، برغم ما يتبدي من تحكم قاهر يأبي تسريح نسق التبدل.

فالحراك الحضاري يسير ضمن منطق في غاية الإبهام والخفاء، يتجاوز قدرات قوي التحكم علي ضبطه، وإمكانيات قوي الإدراك العقلي علي فقهه، بطريقة توظيفية ويقينية، وإلا كان صنع التحولات الاجتماعية عملا في منتهي اليسر والبلوغ. ولذلك يبدو إلحاح الواقع السوسيوديني بالتحول، وتطلعات احتياجات المجتمع المدني بالترقي، في عنت لتلبية مطالبهما وإدراكهما، سواء من جانب ضبْط بأْس السلطان القاهر، أو استيعاب عقل العارف العالم. لذلك يتسلط بأس الأول بالتلبية والترويض، ولكن سرعان ما يتفلت منه الأمر، وتتنزل مظلة معارف الثاني بالفهم، ولكن سرعان ما يتبين اغترابها أو خطأها.

وما يزيد عسر التحول الحضاري، أن الوعي بتجلياته المختلفة، الاجتماعية والدينية والسياسية والتنموية، لا يسير في الداخل ضمن جدله التطوري المستقل عن الماحول، بل يبدو الماحول متدخلا بعنف وضغط وإكراه في حركيته، مشددا عليه رقابته القاسية ومتابعته المترصدة لأنفاسه. ولكن في غمرة تقنص الحضارات بعضها لبعض، دفعت الأحداث التي لحقت بالعالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة خصوصا، إلي تأمل داخلي وإلي إعادة تثبت ومراجعة، أصبح فيها السعي لصياغة الوعي التنموي المحلي والتنشئة الاجتماعية المسؤولة، ضمن واقعية المكان لا ضمن وعظ الخارج وترشيده المخاتل والمراوغ أحيانا، وهو ما صار احد الدروس الحضارية المستخلصة من مدرسة التاريخ المفتوحة.

إذ المجتمعات المصرة علي مسلكها الحضاري والمؤمنة بنهضتها الغائبة والمحاصَرة، تولد من داخلها حالة من المراجعة والموازنة للطروحات الفكرية والسياسية والدينية المتواجدة والناشئة، فتلفظ المتقادم وتنفتح للناشئ، وفي الآن تلغي الضار وتحتفظ بالنافع. ولكن في غياب حالة الانفتاح المجتمعي تتسلط علي البناء الاجتماعي رؤي خلاصية وإنقاذية، لا تعبر في الحقيقة سوي عن إلزام قهري لحركة المجتمع ضمن توجهات وتقديرات قلة. والمجتمعات الإسلامية كانت أعمق مآسيها الإيديولوجية والسياسية والدينية في القرن السالف، ناتجة بالأساس عن هذا الانغلاق الإيديولوجي، الذي نظر لطروحات الخلاص الواحدية واستبعد بشكل رافض ومسبق إفرازات المجتمع التطورية.

فالمنتمون للحضارة الإسلامية، من قهر تخلفهم الاقتصادي والاجتماعي، صاروا يلمحون مسلك الغرب المخاتل معهم، وما في وعظه ونصحه من انتهازية ودجل. فبضائعه المصدرة خارجيا، من الديمقراطية والتنمية والعلمانية والإنسانية وحقوق الإنسان، صارت شاهدة علي براغماتية ظرفية تتناقض مع مصالح تلك البلدان وشعوبها.

واليوم في مطلع الألفية الثالثة يلمح نوع من النضج في البناء الاجتماعي لدي عديد الشعوب المقهورة، صارت بموجبه عديد التشكيلات الإيديولوجية والعقائدية والفكرية، العاملة علي التغيير الحضاري المسؤول، واعيةً بآثار حالات التلاعب الخارجي، وبمخلفات الانغلاق والاستبعاد الداخلي، والتي في استمرار ممارستها وتكرارها خنقا وتراجعا بحركة المجتمعات. فكأن تراكم آثار الولاء الأعمي للخارج والتجربة الواحدية الإيديولوجية الداخلية، وهو ما أضر بالسير الطبيعي والتدريجي للمجتمعات، صار الدرس التاريخي الأبلغ لأهم تشكيلات طروحات التغيير الحضاري.

كانت قصة الغربنة المستوردة، بوجهيها الفكري والتنموي، والتي تحولت في بعض المجتمعات الإسلامية إلي عقائدية ساذجة وبلهاء، وراء تأزيم التحولات الحضارية الهادئة، حتي بلغت في بعض البلدان حد تعطيل محفزاتها. فإن يكن النمط الغربي في تربته حافزا لترقية الرفاه المدني والمضي به قدما، وفتح آفاقه علي مجالات هيمنة مستجدة، فإن استنباته في غير موضعه مثير للتوتر والشحناء والارتباك، حيث يدفع إلي زعزعة السير المتزن للمجتمعات لا ترشيدها. فالفرد قد يتعلم في مدارس الخارج ولكن الشعوب لا تتعلم إلا في مدرسة تاريخها.

 

(*) أستاذ من تونس بجامعة لاسابيينسا بروما

tanayait@yahoo.it

 

(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 15 مارس 2006)


Home – Accueil الرئيسية

Lire aussi ces articles

25 juillet 2009

Home – Accueil   TUNISNEWS 9 ème année,N° 3350 du 25.07.2009  archives : www.tunisnews.net   IFEX : En prévision des élections,

En savoir plus +

Langue / لغة

Sélectionnez la langue dans laquelle vous souhaitez lire les articles du site.

حدد اللغة التي تريد قراءة المنشورات بها على موقع الويب.