الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر -0001 00:00

29septembre04

Accueil

في كل يوم، نساهم بجهدنا في تقديم إعلام أفضل وأرقى عن بلدنا، تونس

Un effort quotidien pour une information de qualité sur notre pays, la Tunisie.

Everyday, we contribute to a better information about our country, Tunisia

TUNISNEWS
  5 ème année, N° 1593 du 29.09.2004
 archives : www.tunisnews.net
خطاب الدكتور منصف المرزوقي في تجمع باريس يوم 28 سبتمبر 2004   
أبو نور: من ينفض الغبارعن الرهائن فى السجون التونسية ؟؟
الهادي بريك: بمناسبة المسرحية الانتخابية الهابطة في تونس :الحلقة الحادية عشر : لا مكان لحرية المرأة في دولة العصابة
أبو يعرب المرزوقي: عولمة النجومية وفصام  النخب العربية
Dr. Sadri Khiari: Que demandent les tunisiens ? Tout simplement le départ de Ben Ali
Dr. Sahbi Amri: Mon Crime est d'avoir contesté judiciairement la Candidature Zine El Abidine Ben Ali

Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe ( Windows )

To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic (Windows).

 
 

خطاب الدكتور منصف المرزوقي في تجمع باريس يوم 28 سبتمبر 2004    

 

أيها الإخوة والأخوات

باسم رفاقي في المؤتمر من أجل الجمهورية وباسمي الخاص أشكركم على هذا الحضور وما ينطوي عليه من دعم عشية رجوع إلى الوطن لا أتوقع منه إلا المصاعب والأخطار،  لكنه تعبيري الواضح على

الإصرار على الفعل والأمل  في هذا الظرف الذي اتسم بعمق الاستقالة الجماعية والتشكيك في كل جدوى للنضال ,

 نعم هناك داخل المجتمع إحباط ، هناك يأس ، هناك لامبالاة ، هناك عدم ثقة في الطبقة السياسية ، هناك انسداد آفاق ، هناك هروب إلى داخل الذات أو الحلم بالهرب إلى خارج واحة'' الاستقرار والتقدم''

نعم للنظام أعلى نسبة شرطة في العالم بالقياس لعدد السكان ، نعم  لهذا النظام المتغطرس، الشرس ،الخبيث،  الكثير من الأوراق .  نعم هذا النظام مدعوم من الديمقراطيات الغربية التي ترى فيه حليفا ضد من تسميه ا لإرهاب .

نعم المعارضة مجزّأة مفككة ضعيفة معزولة عن الشعب

نعم موازين القوى في صالح الاستبداد

نعم الإرادة  وحدها لا تكفي

نعم حظوظنا  لنجاح حملة المقاطعة النشيطة و تحريك الشارع ضعيفة .

كل هذا صحيح    لكن ....... هذا هو النصف الفارغ من الكأس لكن هناك النصف الملآن

نعم هناك داخل الشعب نفاذ صبر ، غضب مكتوم ، طاقة هائلة من البغض لنظام يحتقر الناس ، نعم هناك وعي ، نعم هناك نضج، نعم هناك طلب عميق هائل للتغيير ، نعم هناك استعداد للتحرّك شريطة وضوح الرؤيا ووضوح الهدف ووضوح البدائل

نعم هناك  نظام فاقد، الهيبة فاقد، المصداقية فاقد الشرعية يجدف ضدّ التيار. نعم هناك نظام يعلم الجميع مدى غرقه في الفساد يصدق عليه ما قاله عادل حمودة عن النظام المصري  '' لو غسلنا كل ملفات الفساد في البحر لأصبحنا نطلّ على البحر الأسود المتوسط ''

نعم هناك معارضة وقفت في كثير من المعارك الهامة صفا واحدا . نعم  هناك قوى داخل هذه المعارضة تؤمن بالشعب وتلتحم به وألحقت على ضعف عددها بالنظام هزائم منكرة

نعم هناك وجوه أصبح الشعب يعرفها ويثق فيها

نعم السياسة ليست خضوعا لموازين قوى وإنما تغييرها

نعم الإرادة هي التي تصنع المعجزات

نعم هناك إمكانية  في هذه المعركة الجديدة لزرع البذور التي ستأتي أكلها أين ومتى لا نتوقع .

   الوضع معقد  إذن وخاصة ليس أيضا بقتامة دعاة الإحباط والجلوس على الربوة والتسليم في نتيجة المعركة قبل خوضها .

                                                             *

السؤال:  ما الذي قمنا به لحدّ الآن لمواجهة  هذا الوضع البالغ الصعوبة والتعقيد المفعم بالسلبيات والحامل في طياته لكل الآمال ؟

أقول أن ستراتجيتنا لحدّ الآن لم تكن موفقة لأنها قامت على تحويل الأنظار ، الاهتمام ، الجهد، الطاقة ، من الأهم إلى الهامّ ومن الهامّ إلى التافه ، من الأصلي إلى الفرعي ومن الفرعي إلى  الجزئي ، من المبدئي إلى التكتيكي  ومن التكتيكي إلى السياسوي .

 حصل هذا على ثلاثة مستويات

- لقد حولنا وجهة النضال من التعامل مع مشاكل المجتمع إلى التعامل مع مشاكل المجتمع المدني .   فعوض أن ننتبه لحاجيات مجتمع يغرق في التداين وفي التدين ،  لم ننتبه إلا إلى لحاجيات مجتمع مدني يطالب بالحريات الفردية والمدنية دون أن ننجح في إقناع الشعب بالعلاقة الوثيقة  بينها وبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي لم نركز عليها بما فيه الكفاية .

- لقد حولنا وجهة النضال من محاولة تفعيل الشعب إلى تفعيل المعارضة 

كم من منادي بوحدة المعارضة تسائل هل هي أداة في خدمة تحرر الشعب أم هدفا في حد ذاته وما قيمة وحدة شكلية لن تتم إلا على الحدّ الأدنى وهو المطالب الحقوقية المعروفة ؟

- لقد حوّل البعض وجهة النضال من التركيز على انعدام الشرعية   إلى التركيز على انعدام  القانونية في هذه الانتخابات . فحسب رأيهم إن عدم التقدم للانتخابات نتيجة افتقارها لما يسمونه الضمانات وكأن الموضوع هو الضمانات وليس غياب أي شرعية لمن يطالبونه بتقديمها .

كل هذه التحويل في الأولويات والأهداف   هو اليوم سبب ما تعرفه المعارضة من ضعف والشعب من إحباط والنظام من قوة لم يستقها من نفسه وإنما من ضعفنا .

                                                               *

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا فعلنا لحدّ الآن ولكن ما الذي يجب أن نفعله من هنا فصاعدا  ، وهذا سؤال لا ردّ عليه إلا بالردّ على سيدّ الأسئلة وهو ما الذي تنتظره تونس ، ما الذي تريده ، ما الذي تحتاجه اليوم ؟

 لنردّ عليه بغض النظر عن اعتبار المعوقات وموازين القوى .

بداهة تحتاج تونس للمرور من عهد الأمن إلى عهد الأمان عبر إفراغ السجون وعودة المغتربين وعيش كل التونسيين في أمان على أرزاقهم وحرياتهم وكرامتهم ,

بداهة تحتاج تونس لوقف نزيف الفساد

بداهة تحتاج تونس لسياسة اقتصادية تمنع انهيار الطبقة الوسطى نحو الفقر وانهيار الطبقة الفقيرة نحو المسغبة

بداهة تحتاج تونس لسياسة تعيد للمواطن الاعتبار والكرامة وللشعب روحا معنوية عالية يستطيع أن يقاوم بها التحديات الكبرى التي تواجهه

 بداهة تونس بحاجة للديمقراطية وللحريات وللتداول السلمي على السلطة

 بداهة كل قطاعات الدولة بحاجة لإصلاحات  جذرية

 بداهة  القضاء في تونس بحاجة ليعود أداة العدل لا أداة الظلم بالقانون

 بداهة الشرطة في تونس بحاجة لتعود أداة حماية المجتمع من الجريمة لا أداة حماية الجريمة من المجتمع

 بداهة تونس بحاجة لنظام بنكي جديد في خدمة المواطنين  لا في خدمة اللصوص

كل هذه التغييرات الجذرية لوضع بلادنا على السكة ولضمان مستقبل الأجيال الصاعدة تمرّ ضرورة قاطعة لا مناص منها :  نهاية الدكتاتورية ورحيل السيد بن علي  .

هذا ما تتطلبه المصلحة العليا للوطن ، هذا ما تفرضه الوضعية ، هذا ما نحن مطالبون بتحقيقه . ثمة من يضحك أمام هذا الطرح  من فرط  واقعيته  ولا أريد أن أقول من فرط مزيج خبيث من الجبن والضعف واللامسؤولية  يغلفه تحت الجمل المنمقة .

هل لي أن أذكّر أننا لسنا  في وضع أردأ من وضع آباءنا لما ووجهوا  بنفس السؤال  في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي : ماذا يتطلبه وضع تونس؟  وكان الجواب يومها الاستقلال . لم يضيرهم أن يشهروا الهدف وهم حفاة عراة في وجه  امبراطورية  في عنف شبابها .

إن  تونس اليوم بحاجة للتحرر من نير الاستبداد، هذا الاحتلال الداخلي،  مثلما كانت بحاجة  لتحريرها يوما من الاستعمار، هذا الاستبداد الخارجي.

 الموضوع إذن  هو كيف نقود معركة  تحرير تونس من ثلاثية القمع  والظلم والفساد  لا كيف نميعها ونتفاداها أو ننكر وجود الحاجة إليها .

إن هدف قيام الجمهورية ودولة الحق والقانون عبر انتصاب النظام الديمقراطي  هدف لا مساومة عليه  . كل هذا يمرّ بالقول لا لبن علي , لا لتواصله في الحكم . لا لوجوده في انتخابات 2009 ولا لسابع مكرر . وإذا وضع هذا الهدف نصب عيني الجميع فإن القضية هي السير على الدرب الشاق الطويل كما سار آباءنا على درب الاستقلال الأول لا تصدهم المصاعب ولا يفت في عضدهم توازن قوى كان دوما لصالح العدو،  لكنه لم يمنع من تحقيق المشروع الذي بدا للعاقلين والمتزنين والواقعيين نوعا من الشطط والتطرف والتشدد والمغالاة،  وسبحان من يصف رجلا مثلي بالمتطرف ويا ترى ما الوصف الذي كانوا سيطلقونه علي لو كنت من دعاة العنف .

وفي كل الأحوال فإنه يجب أن نصمّ الآذان عن لغط قوم لعبوا دوما أتعس الأدوار في معارك الشعوب من اجل تحرّرها. وإنما واجبنا التصدي للحرب النفسية التي أشهرتها ضدنا الدكتاتورية وأذنابها و مدعي التعقل   متسلحين بأقصى قدر من الواقعية الحقيقية والتفكير الرصين وشحذ كل طاقات التحليل العميق والقرار الصائب وفي نفس الوقت التسلح  بكل طاقات الروح نستنجد بقيم العروبة والإسلام التي أعطت لشعبنا وأمتنا  في أحلك الظروف الطاقة للمقاومة والنصر .

تبقي الأدوات والآليات .

ولنبدأ بالبت نهائيا في قضية تشغل بال الكثير منكم وهي وحدة المعارضة في مواجهة التسلط    .

لقد  ناديت دوما بتوحيد الجهود ولي الشرف أنني كنت من المبادرين للمحاولات الثلاثة التي فشلت في تجميع المعارضة وهي البديل الديمقراطي سنة 1997 والوفاق الديمقراطي سنة 2001 ومبادرة اكس سنة 2003 . ولعلمكم فإنني سأواصل مع رفاقي في المؤتمر وفي الدائرة الأوسع للممضين على بيان 24 ماي وبدون  دون كلل لا يثنيني فشل ولأنني  بلا تكبر أو كبرياء مع المناضلين والمناضلات وإنما فقط مع المستبدين ،  فإنني  حال وصولي تونس سأذهب  لمقابلة كل الشخصيات الوطنية وكل أحزاب المعارضة  قائلا : هناك خلافات شخصية ، هناك خلافات سياسية .... طيب لكن هل من الممكن تركها جانبا لأن الأبناء لا حق لهم في الخصام وأمهم تغتصب أمامهم.  فلننسق بيننا ما نتفق عليه وليحافظ كل واحد على خصوصياته في التعامل مع الاستبداد . نحن لا نرفض أحدا ولا نخوّن أحدا باستثناء الأحزاب الصورية التي تعطي غلافا ديمقراطيا للاستبداد  وتقبل بصدقاته الانتخابية للجلوس باسم الشعب في  انتخابات تعلم أنها مزورة. أما ما عدا هذا فلم لا نتعاون كل بأسلوبه وبوسائله ؟

لماذا نرفض أن تكون  هناك تيارات مختلفة داخل المعارضة كل حسب رؤيتها وطاقتها والله لا يحمل نفسا إلا وسعها .

 لكن هذه التيارات لن تجذب المؤتمر و الحزام الأوسع لمبادرة 24 ماي إلى المطالب الحقوقية البحتة ولن تسجنه في الحدود الدنيا بحجة وحدة الصف .

إن وضع بلادنا المأساوي  يتطلب العمل الحثيث  لفرض  رحيل الدكتاتور ونهاية الدكتاتورية

 و قيام حكومة وطنية تنبثق من المؤتمر الوطني الديمقراطي  تجمع كل الأطراف التي قاومت الدكتاتورية  دون وصاية طرف أو إقصاء طرف آخر  ثم انتخاب  مجلس تأسيسي لكتابة دستور الجمهورية ودولة الحق والقانون ،  لا حول أي مطلب ثانوي آخر.  نحن   سنمضي في هذا الطريق لا في أي طريق آخر لكننا سننسق مع  من يقبل بالتنسيق معنا حول  كل القضايا  الوفاقية . فلنعمل جميعا بهذه الروح  بدل تضييع الوقت والجهد في عملية شلّ بعضنا البعض أو التسابق على عظم افتراضي  والذئاب تفترس لحم البلاد والعباد.

هل أنا بحاجة للتذكير مرّة أخرى بأن خيار  المقاومة الديمقراطية لتحقيق الاستقلال الثاني  هو العمل السلمي أي  ممارسة حق التظاهر وحق الإضراب وحتى حق العصيان المدني،  شريطة ألا يصاحبه أي عنف،  فهذا الأخير خاصة إن لبس ثوب الإرهاب خطيئة لأنه يعاقب الأبرياء بجريرة المذنبين وخطأ لأنه لا يحقق أي مطلب سياسي ويدعم  نظاما بني  على العنف يغذيه ويتغذّى به . لكن العمل السلمي لا يعني العمل الاستسلامي  أو الاكتفاء لتبرئة الذمة بوضع بعض البيانات على الفاكس والانترنت.

ويسألونك دوما عن البرنامج بلهجة السخرية والتشكيك وأقول بكل وضوح أنه لا يجب  ولا يمكن للمقاومة الديمقراطية أن يكون لها إلا أهداف  سياسية  واضحة  المعالم أي الديمقراطية والهوية والعدالة الاجتماعية . ما عدا هذا ففي أحسن الأحوال ضرب من السذاجة وفي أسوأها ضرب من التدجيل .  نحن واعون بعمق الخراب الاقتصادي أمام تناقص القدرة الشرائية للشعب أو  عندما نرى شبابنا يفرّ من واحة التقدم والاستقرار. لكن  من يعرف حقيقة الوضع الاقتصادي والحال أن حتى خبراء الاقتصاد يجهلون الأرقام الحقيقية  نظرا لسياسة التزييف والتعتيم ؟ من يعرف بالضبط  وعلى وجه التخصص والتدقيق مشاكل  النظام التعليمي والصحي والبنكي الخ .... كل هذه القطاعات مثل المريض المزمن المتعدد الآفات وتجد من يجلس في مكتبه وهو لم يقم بالتشخيص ليضع قائمة من الأدوية دون أن يكلف نفسه بالتساؤل هل هي ناجعة،  ممكنة،  موجودة و خاصة ما هو ثمنها  ومن أين سيأتي به ،  ناهيك على أنه لا يفسر لنا كيف سيصل لمرحلة تطبيق وصفته السحرية .

لذلك أقول اليوم لا برنامج سوى النضال من أجل إقامة النظام الديمقراطي ويوم ينتصب هذا النظام لا بدّ من  دعوة كل قطاع :  القضاء ، الشرطة ، الصحة ، التعليم ، البنوك الخ ، لمؤتمرات وطنية يتمّ فيها التشخيص  الصحيح لحالة القطاع ثم بعدها  جرد  الإجراءات السريعة التي لا تكلف وتلك القصيرة المدى التي تكلف موارد موجودة  والإصلاحات البعيدة المدى مع ما تتطلبه من موارد مالية كبيرة يجب توفيرها .

 هكذا تنطلق برامج الإصلاح  من الشعب وبمشاركة  المعنيين بالأمر ، في كنف الشفافية وبحساب دقيق للموارد المطلوبة،  أما أن يحكّ كل شخص رأسه ويدبج قائمة من الأهداف السحرية  فهذا دجل لن أشارك فيه لأنني أحترم نفسي واحترم الآخرين .

 

الموضوع  مجدّدا  هو مواصلة معركة انطلقت  ضدّ الدكتاتورية منذ انتصابها . أليس من الغريب ان ينسى الجميع أننا استطعنا طوال العشرية الماضية فرض حق الرأي وأن الاستبداد هو الذي لم يعد له صوت اليوم ، أننا فرضنا حق التنظم  بخلق الأحزاب والتنظيمات التي تعمل في وضح النهار ولا يقدر عليها النظام ، أننا عرينا الاستبداد أمام العالم  ونزعنا عنه مساحيق الديمقراطية التي كان ولا يزال يحاول وضعها على القناع البشع . كل هذه الانتصارات في سياق موجة الديمقراطية التي تغمر العالم هي التي تحملنا إلى الأمام وهي التي يجدف ضدّها الدكتاتور ونظامه . إن الطريق أمامنا لفرض التداول السلمي على السلطة واستقلال القضاء أي استكمال أركان الديمقراطية لن يكون  أسهل من ذلك الذي قطعناه طوال هذه السنين الصعبة ولكنه لن يكون أصعب أو حتى أطول .

لقد ترشح الدكتاتور وحده سنة 1989 وفي سنة 1994 ترشحت ضدّه وكان لهذا الترشح دورا هاما في  كسر  المحظور . هكذا أجبر الدكتاتور على المرور إلى مرحلة التعدّدية المزيفة التي نعيش فيها اليوم , لكن الصيرورة التاريخية ستنقل تونس من هذه المرحلة إلى مرحلة التعددية الحقيقية  ومن ثمة أهمية المعركة المقبلة . فإن نحن أدرناها بكل شجاعة وحكمة فإنها ستقصّر الطريق إلى هذه المرحلة . لذلك أدعوكم إلى التجنّد والتجنيد . كلنا مسئولون  عن نهاية الكابوس  ولكل واحد منكم دور ومسؤولية  في المعركة .

الخلود للشهداء وتحي تونس المحرّرة من الاستبداد المطهّرة من دنسه .

                                                                ***   

 


Que demandent les tunisiens ?
Tout simplement le départ de Ben Ali*

 Dr. Sadri Khiari

 Contrairement à ce qu’une observation superficielle pourrait donner à croire et à l’inverse des diagnostics péremptoires des hommes politiques « réalistes », des savants, experts, journalistes et autres politologues, l’exigence du départ de Ben Ali n’est ni irréaliste ni prématurée (et encore moins inquiétante).
En revendiquant le départ de Ben Ali, il s’agit tout bonnement d’exprimer tout haut ce qu’une large majorité de la population pense tout bas et ce qu’une petite minorité n’ose pas encore penser et encore moins dire.
Bizarrement, la majorité des partis de l’opposition, qui se présente pourtant comme « l’élite » ou « l’avant-garde » du peuple, fait partie de cette petite minorité !
Un tel paradoxe est difficile à expliquer. Lorsqu’on lit les textes et autres communiqués de ces partis, il ressort de leurs analyses que le pouvoir (et donc Ben Ali) est discrédité, qu’il n’a plus de légitimité, etc. Autant de formules qui, pourtant, ne signifient rien d’autre que ceci : le peuple ne veut plus du Général !
L’ensemble des partis de l’opposition – je ne parle évidemment pas des léches-bottes qui se font passer pour une opposition – s’était exprimé sans ambiguïté pour dénoncer l’illégalité du pseudo-référendum constitutionnel de mai 2002 et ses visées putschistes. Les conclusions qu’on doit en tirer peuvent être résumées ainsi :
1/la Tunisie n’a plus de constitution ;
2/toutes élections, présidentielle ou législative, organisées dans le cadre de cette constitution imposée sont illégales et illégitimes ;
3/ la candidature de Ben Ali aux élections est nulle et non avenu. Il en résulte que son maintien au pouvoir est un coup d’Etat.
Dans ces conditions, non seulement le boycott des élections s’impose évidemment mais il va de soi également que ce mot d’ordre n’a qu’un sens politique bien limité s’il n’ait pas conçu et affirmé haut et fort, comme un moment dans un processus de mobilisations devant conduire au départ de Ben Ali.
 
Participer aux élections, sous quelques formes que ce soit ; prétendre mener un combat (du reste perdu d’avance !) pour améliorer les conditions électorales ; présenter des listes aux seules élections législatives ; se prononcer timidement pour une « non-participation » ; c’est se mettre en retrait par rapport aux positions exprimées à la veille du référendum constitutionnel; c’est en accepter le fait accompli.
Surtout, c’est se mettre à l’arrière-garde de la volonté populaire.
C’est se tromper de période.
Nous ne sommes plus dans une situation où Ben Ali pouvait encore abuser l’immense majorité du peuple ; où il fallait saisir le moindre espace de liberté pour expliquer l’imposture du 7 novembre, dénoncer la sur-puissance de la police, la misère et le népotisme.
Non ! Aujourd’hui ces idées s’expriment partout. Ce sont des lieux communs, des banalités que tout un chacun répète dans les cafés, les maisons, les rues, au hammam, au boulot.
Le peuple n’a pas besoin d’entendre ce qu’il sait déjà.
L’enjeu du prochain scrutin n’est pas de saisir les minuscules opportunités de prises de parole publique que la dictature concède à ceux qui veulent bien cautionner les élections. L’enjeu est à la fois plus ambitieux et plus réaliste : Il s’agit, pour la première fois, de donner un mot d’ordre politique central et dénué de toute ambiguïté : il faut que Ben Ali s’en aille ! Il faut le faire partir ! Et seule la mobilisation populaire pourra imposer son départ.
Certes, le peuple ne se mobilise pas encore pour imposer le départ de Ben Ali mais la colère est là. Pour se mobiliser, le peuple a besoin d’être convaincu qu’il existe une opposition déterminée à faire valoir son programme ; une  opposition qui ne se contente pas de dissertations politico-philosophique sur les droits de l’homme et les rapports du religieux au politique, mais qui donne des mots d’ordre clairs ; une opposition qui n’hésite pas pendant des mois avant d’exprimer une position ; une opposition qui n’a pas peur de ses propres pensées ; une opposition qui n’espère pas que l’histoire bégaye lamentablement pour nous concéder un 7 novembre bis, remake pitoyable du premier ; une opposition qui n’attend pas d’un Bush qu’il nous donne la démocratie alors que ses troupes tentent d’écraser la résistance nationale irakienne.
Négocier avec Ben Ali pour réaliser la démocratie, c’est le contraire du réalisme ; c’est de l’aventurisme à reculons !
Dénoncer l’illégalité du référendum de mai 02, c’est dénoncer l’illégalité des élections qui viennent, c’est dénoncer l’illégalité et l’illégitimité de Ben Ali, c’est appeler le peuple à exiger son départ.
On n’arrête pas d’essayer de nous convaincre que l’opposition tunisienne est trop faible pour faire autre chose que pleurnicher dans les couloirs du parlement européen.
Sans doute cela a-t-il pu être vrai…
Dire cela aujourd’hui, relève d’une illusion d’optique. Et pour certains, prendre ses désirs pour la réalité…
C’est ne voir que les quelques démocrates dépressifs de la capitale.
C’est ne pas voir les milliers de démocrates, d’islamistes, de syndicalistes, de militants de gauche (je cite par ordre alphabétique !) qui agissent aujourd’hui dans tout le pays pour revendiquer tel ou tel droit, arracher telle ou telle concession, exercer telle ou telle liberté.
C’est ne pas voir tous ceux qui pourraient s’engager plus avant s’ils percevaient l’existence d’une volonté déterminée à aller au-delà de ces luttes éclatées ; une volonté unifiée qui conteste la dictature en son centre névralgique : le palais de Carthage.
Parler de faiblesse de l’opposition, c’est ne pas tenir compte du discrédit profond du pouvoir de Ben Ali au sein des larges couches populaires ; c’est occulter la fatigue et l’usure du système y compris de son appareil répressif, miné par les conflits de cliques et la corruption.
 
Non, je ne dis pas que l’opposition est puissante ; je dis que s’il y a faiblesse de l’opposition, c’est dans le refus de s’en prendre explicitement à la tête du régime, c’est dans le refus de se poser en alternative au régime;
S’il y a faiblesse de l’opposition, c’est principalement dans l’absence de confiance en elle-même et dans le peuple qu’elle réside!
Si l’opposition n’a confiance ni en elle-même ni dans le peuple, comment le peuple pourrait-il lui faire confiance ? Comment, dans ces conditions, surmonter la passivité, le défaitisme et la recherche de solutions individuelles ? Comment empêcher la démobilisation rapide de ceux qui, malgré tout, se mobilisent ?
 
Si à la fin des années 90 et au tout début des années 2000, l’opposition a pu faire reculer la dictature, c’est bien parce qu’elle avait décidé d’aller au-delà d’elle-même ; d’avoir confiance en elle-même alors que tout semblait perdu ; le pot de terre a défié le pot de fer et lui a imposé de sérieux revers. Aujourd’hui, les idées de la minorité sont devenues celles de la majorité. On peut les résumer ainsi : le régime de Ben Ali est une dictature pourrie !
 
Assurément, l’opposition ferait une grande erreur si elle donnait l’impression qu’il y a encore quelque chose à en attendre ; si elle faisait croire que ce régime est encore capable d’auto-réforme morale et démocratique.
 
A l’écœurement profond que suscite désormais largement l’évocation de Ben Ali et des cliques qui l’entourent, il faut donner une forme positive qui marque la volonté de rupture de l’opposition. Le peuple tunisien n’éprouve que du mépris pour le couple présidentiel ; il faut que le mépris se transforme en haine et que la haine se transforme en mobilisation. Pour que le processus chimique s’opère, l’opposition doit jouer son rôle de catalyseur.
Il faut lutter explicitement pour le départ de Ben Ali et la formation d’un gouvernement provisoire de toutes les forces qui ont combattu la dictature.
Que signifie ce mot d’ordre ? Tout simplement ceci : la lutte démocratique est vouée à l’échec si elle n’affirme pas haut et fort la nécessité de chasser les hommes (et les femmes !) au pouvoir; si elle ne trace pas au moins l’ébauche d’un débouché politique. Ce mot d’ordre signifie que le pouvoir démocratique ne saurait être qu’un gouvernement sans ministre destourien et qu’il n’y a nulle réconciliation possible avec ceux qui ont réprimé et volé le peuple. Ce mot d’ordre signifie que ce gouvernement démocratique aura une légitimité provisoire, la légitimité d’être composé de toutes les forces d’opposition sans exclusive ; la légitimité de déclarer la dissolution immédiate de tous les organes de la répression (la police politique, les comités de quartier, le RCD etc…), la légitimité de remettre le pouvoir au peuple à travers l’élection libre d’une Assemblée constituante souveraine qui adoptera une nouvelle constitution et mettra en place les institutions de la démocratie.
Le départ de ben Ali, la question du gouvernement, l’assemblée constituante forment un enchaînement de trois mots d’ordre indissociables qui constituent le fil directeur de toute politique démocratique cohérente.
C’est le programme minimum d’une opposition déterminée à mobiliser le peuple pour engager une véritable rupture démocratique.
 
Moncef Marzouki a décidé de rentrer à Tunis pour porter cette parole énergique ; je ne peux que lui en rendre hommage, saluer son courage et l’assurer de toute ma solidarité.
Avec lui, j’appelle l’ensemble des forces de l’opposition à se joindre à ce combat pour que le coup d’Etat qui vient ne soit pas une nouvelle défaite de la démocratie mais un nouveau point de départ historique dans la lutte pour la liberté, la dignité nationale, l’égalité et la souveraineté populaire.

*)Intervention à la conférence "Quelle mobilisation pour le boycott actif des élections" organisée à Paris le 28/09/04

 
Mon Crime est d'avoir  contesté judiciairement la Candidature  de Zine El Abidine Ben Ali 
pour un quatrième mandat par  un amendement référendaire du 26 Mai 2002  decreté par un abus de pouvoir présidentiel.
 

Pour cette raison , la police politique ne cesse de me harceler avec ses multiples convocations adressées à mon domicile à Sidi Bouzid et à la ferme de mon père au Sers .
Pour ce fait , j'ai refusé d'accepter un torchon policier qui m'a été ramené par un policier au cours de la sièste du  Dimanche 26 Septembre 2004 m'informant que je devrais comparaitre le 28 Septembre 2004 à 10h. devant la police criminelle du secteur Al-Medina à Tunis sans aucune mention du motif  de cette mesure incitant le recours à ma convocation .Cependant
 L'entetement policier ne m'a pas laissé en paix .
Une deuxieme convocation sans mention de motif m'a été laissé hier  à la ferme au Sers  me demandant aussi de me soumettre aux ordres policiers pour assister le jeudi 30 Septembre 2004 à 10h.à une séance d'insultes et d'humiliations sinon à une hospitalité à la façon des bourreaux du GPD Ben Ali .
Ni la prison ni le cimetière me font peur .
Moi , j'ai trop perdu , je n'ai plus rien à perdre .
 Si la Police de Ben Ali tient à me voir , ses agents n'ont qu'à venir me chercher ou me flinguer dans la voie publique .Certainement , ils n'auront honte ni peur de leurs pratiques usuelles d'abus , de violations et de dérives de tout ordre .
Les commanditaires du terrorisme d'état savent où me trouver à n'importe quel moment de la journée .
La fuite n'est pas de mes habitudes .
 Les réseaux des filiatures policières chroniques et accrues peuvent les renseigner sur le moindre de mes deplacements et contacts .


                                                 Dr.SAHBI AMRI
                                     Medecin Privé de sa Medecine
                                      Tel. 00.216.98.22.27.51
                               Adresses:      1 .... Sers.
                                                à la ferme
                                                     2 .... Sidi Bouzid
                                                05 Avenue de Baghdad
                                                     3 .... Dahmani
                                                90 Av.Habib Bourguiba
                                                     4 .... Kef
                                                 Bureau maitre Nejib Hosni
                                                     5 .... Tunis*
                                                 Bureau Maitre Abderraouf Ayadi
                                                   34 Bd Bab Bnet .

 


من ينفض الغبارعن الرهائن فى السجون التونسية ؟؟

 

أبو نور    

 

علمنا من مصادر موثوقة ودوائر عليمة وأخرى مطلعة لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها.. كما علمنا فى ذات الموضوع من تقارير الجهات الوطنية: اللجنة الوطنية للدفاع عن المساجين السياسيين .. المجلس الوطنى للحريات  .. الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبعض النزهاء داخل السلطة نفسها .. ومن الدوائر الدولية الرسمية : تقارير وزارة الخارجية الأمريكية, وزارة الخارجية الفرنسية والبرلمان الأوربى .. والمنظمات الإنسانية والحقوقية غير الحكومية :المنظمة العربية لحقوق الأنسان ,أمنستى وهيومن رايتس ووتش.. أن السلطة فى تونس احتجزت في أقبية السجون والزنازين الآلاف الرهائن بداية التسعينات ، حوكموا بمدد تعادل فى مجموعها السنين التى تعاقبتها الحضارات التى مرت بها البلاد ..فمن هم هؤلاء الرهائن؟ 

 

هم فى الحقيقة خيرة أبناء الوطن وينحدرون من جميع أرجائه: من الشمال ومن الجنوب ,من الشرق  ومن الغرب.. من المدينة ومن الريف ,من السهل والجبل ,هم  المثقف والأمي,  الجامعي ورجل الشارع العادي,هم اطارات الدولة العليا وألمع الكوادر في الشركات الخاصة, هم امام المسجد ومؤذنه والأستاذ وتلميذه ,هم اسود فى الدفاع عن الشغيلة والهموم النقابية والاجتماعية ,هم نجوم فى الكشافة و فى المنظمات الشبابية . منهم المرأة و الشيخ و الكهل والطفل .

فما  بال  هؤلاء ؟ 

 هل هم الوقود والحطب الذي سعرت به الحملات الامنية ؟

أم هم الذين ديسوا  فى اشرس اعتقتلات تعسفية ؟

لا.. هم ليسوا هذا ولا ذاك بل هم الشهداء على الابادة الجماعية مسك دماؤهم عطر ثرى الزنزتنات التونسية  

فما قصتهم و ما قضيتهم ؟ 

هم الذين اختطفوا و اخرجوا من الديار و الجامعات و المساجد و الصانع بغير الحق , مزقت اجسادهمو ازهقت ارواحهم ,ذنبهم انهم امنوا بان الوطن يسع  للجميع  و ان الراى بالراى شرعة ربنا البديع وان الاختلاف فطرة فينا كما الصراخ حق الرضيع. هؤلاء المعذبين منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و من منهم بدد تبديدا. اما الذين ظفروا بالحياة ثانية بعد ان غادروا السجن الصغير اقتيدوا الى سجن اوسع منه هذا الذى يسميه السسجناء التوانسة ـ ˝سفيل˝ و لمن لا يعرف  فالسفيل  هو الفضاء الاجتماعى خارج  جدران  السجن والدف ء العائلى الذى يفترض ان تعود اليه الرهينة بعد اطلاقها و تحريرها .             لان هؤلاء  الرهائن ال مفرج عنهم غير قادرين على تسديد و دفع الفدية (مقابل سراحهم رغم انهم قضوا فترة عقوبتهم   كاملة بل وربما اكثر ) فهم مضطرون اذن لان يركبوا قطار العذاب من جديد حيث يكرهون على التردد على نقاط الامن و الشرطة للامضاء باليل  والنهار عشيا و حين يظهرون ,,,  ممنوعون من الشغل,  منموعون من الدراسة , ممنوعون من كل شى حتى من الجلوس فى المقاهى  .

ولا تعجب اذا سمعت ان بعض هؤلاء ـ الرهائن ـ المحررين  المراقبين  غيرت بطاقات هوياتهم قسرا حيث حذفت  الصفة السابقة  كأن يكون أستاذا أو مهندسا فيصبح بقدرة قادر عاملا  يوميا ؟؟

و ما ذالك الا تشفيا و تنكيلا .انه لو قدر لهؤلاء  كما تندر بعض اصدقائنا ان يجتازوا امتحان  رخصة  سياقة التاكسى لكانوا الاوائل لسبب بسيط وهو انهم خبروا و حفظوا جميع الازقة و الانهج و الشوارع   و الساحات التى تتواجد بها نقاط الشرطة والحرس الوطنى و اكثرها. واما اذا احتاج ـالرهينة المحررـ   الى  زيارة  بعض الاهل المقربين الذين قد لا يبعدون عن محل سكناهم سوى بعض كلمترت فهم مجبرون على طلب تاشيرة عبور ,عفوا , بل تعمير استمارة تشمل ساعة الذهاب و الاياب و شكل وسيلة النقل والتاكيد على الا لتحاق بمركز الامن  المعنى  . 

 صاحب الراى  ـالرهينة ـ  اليوم فى تونس اما طريح زنزانة انفرادية لا نظير لها سوى قبر موحش مظلم يحى فيه عشرات التونسيين و اما  موزع فى غرف الحق العام يعامل معاملة اسوأ من التى  يلقاها اصحاب القتل والاغتصاب و ذوى الشذوذ و هذا حال بعض مئات الرهائن الذين لا يزالون قابضين على الجمر حتى كتابة هاتة السطور . لكن الالاف الذين زعم انهم تحرروا ليسوا باحسن حال  فهم مكبلون بجملة قوانين طوارىء غير معلنة و باعراف امنية لا مثيل لها , مضيق عليهم فى العيش و الرزق ,لا يفرقون بين الامس و     الغد  الا بدرجات التضييق والمصادرة.

ومما هو جدير بالملاحظة ان الخاطفين الجدد فى العراق و الشيشان اكثر وضوحا ,فمطالبهم معلومة واجالهم منضبطة ومحددة  فاما فدية و انسحاب من الوطن واما قطع الراس دون استدامة للعذاب او التلذذ به (طبعا  هذا  مرفوض من قبلنا جملة وتفصيلا ). لكن الخاطفين القدامى فى تونس يصرون على التنكيل برهائنهم بل و تعذيبهم   و تجهيلهم وابادتهم ابادة جماعية ثم تطهيرهم تطهيرا عقليا و سياسيا يذيقونهم موتا زؤاما و بطيئا على  طريقة البدعة التونسية : الموت ,عفوا , الرى قطرة قطرة .

 يفعلون تحت عنوان : كلما ,نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذقوا العذاب. 

انه والحال هذه لا يسعنا الا ان نضم اصواتنا الى اصوات جميع الشرفاء و الاحرار المحليين و الاقليميين والدوليين المنددين بالمظلمة التى يعيشها مساجين الراى ـ الرهائن ـ   فى السجون التونسية و نطالب بتحريرهم و اطلاق سراحهم فورا خصوصا المرضى و العجزو اصحاب العاهات و على راسهم التلميذ السجين نوفل بولعابي يكفيه ما عانى من القهر و السقوط الذى نتج عن كثرة اضرابات الطعام التى قام بها من اجل تحسين ظروفه, اضافة الى الكسر الذى يعانى منه اصلا وقد اصيب به فى احدى رجليه جراء التعذيب الذى مورس عليه اثناء التحقيق معه. 

الم يان للذين تسلطوا عليه ان تخشع قلوبهم و ضمائرهم لام فقدت شبلها الذى احتجز وعمره17 سته ولم تعرف  شفتاها البسمة طيلة 14 عاما قضاها نوفل بولعابى فى المعتقل و لا يزال .                   

انها دعوة ملحة و اكيدة الى المعنيين برفع المظلمة عنه وتمكينه من العودة الى حضن عائلته الذى حرم منه طيلةالسنوات العجاف وتعويضه معنويا وماديا هو رفاقه الذين لا يزالون قيد الاحتجاز .   

 

 

بمناسبة المسرحية الانتخابية الهابطة في تونس :

عصابة النهب المتصهينة تمعن في التنكيل بالاحــــــــــــرار

الحلقة الحادية عشر : لا مكان لحرية المرأة في دولة العصابة

 

الهادي بريك / المانيا

 

لا تعرف تونس في ارجاء الوطن الاسلامي بسوى منع المراة من ارتداء اللباس الاسلامي  ولاشك ان الهجوم البورقيبي الكاسح على المقدسات الاسلامية كان وراء تلك الصورة  .

 

العصابة تتاجر بقضية المراة : تتبرج بحريتها للشاهد الدولي وتمنعها من اختيار لباسها:

طرد والي تطاوين بنفسه من معهد برورمت في بداية السنة الدراسية الفارطة كل تلميذة تستر شعر رأسها بطريقة فظة حيث بادر في حركة هستيرية بتمزيق الاغطية وفي المساء اجتمع باوليائهن متوعدا بقطع ارزاقهم اذا عادت من الغد تلميذة واحدة الى المعهد مغطية شعر راسها . والامر ذاته تكرر في عشرات المعاهد والكليات فعلى سبيل المثال فان الطالبات هالة المصمودي منعت من كلية الحقوق ونادية مسلمي من كلية التكنولوجيا وهي بالسنة الرابعة وبسمة الطالبي من السنة الثانية بيولوجيا والضحايا بالالاف .

 

العصابة تطارد غطاء الرأس حتى في البيوت : فدوى بالعمران الاعلى مثال صارخ:

فدوى طفلة صغيرة لم تتجاوزالسابعة عشر من عمرها تقطن صحبة والديها بالعمران الاعلى  عن لها ان تجلس أمام بيتها ولما كانت الكلاب المسعورة تقوم بدورية ابصرت فتاة أمام بيتها جالسة تغطي راسها فانزوت اليها واشبعتها ضربا ونهشا ثم مزقت غطاء رأسها وجرتها كما تجر الجيف القذرة الى مركزشرطة ثم اقتيد ابوها  فسمع من الشتائم المقذعة ما سمع وبعد اجبارهما على امضاء تعهد بعدم العود الى مثل هذا اطلق سراحهما وكان ذلك في سبتمبر 03 .

 

تونس البلد الوحيد على وجه الارض الذي لا تقبل مستشفياته توليد امراة تغطي شعر راسها:

أجل حدث هذا في منتصف التسعينات لكثير من النساء اللاتي اجبرهن المخاض على وضع مواليدهن على الرصيف بعد ان منعن من دخول المستشفى بسبب تغطيتهن لرؤوسهن وبلغت الفضيحة وسائل الاعلام العربية حتى ان مشاهد الفضائيات اليوم يسمع عنها من افواه ضيوفها تصريحا او تلميحا وذلك فضلا عن الذين دونوا ذلك في كتبهم من مثل الامام القرضاوي .

 

وزير الصحة في دولة العصابة يتفقد بنفسه ذقون الاطار الطبي :

بلى فقد بلغ الهوس بهم الى حد اصدار وزير الصحة منشور عدد 98 بتاريخ 22 اكتوبر الفارط يجدد فيه التحذير من قبول سائر المؤسسات الطبية لاي اطار عامل غير حليق الذقن فضلا عن المرأة التي لا يجب ان ترى الا مكشوفة البدن باقصى حد ممكن . واشتد به  الداء  العضال سيما في الايام الاولى لاصدار المنشور الى حد قيامه هو بنفسه ليراقب عن كثب ذقون الاطار الطبي .

 

وزير التربية في دولة العصابة يعلم الناشئة فن تمزيق شمل الاسرة ويدربها على الطلاق :

اصدر الوزير تعليماته لتدريب التلاميذ عمليا على انشاء الطلاق وارغم الاساتذة على القيام بانفسهم علىتلك العملية التي تقتضي  من التلاميذ التخفف من ملابسهم ذكورا واناثا ثم قرن كل ذكر بانثى في وضع فاضح ثم تتدرب التلميذة باعتبارها زوجة المستقبل علىالتعبير عن كره  الحياة الزوجية وتعبر عن ذلك بحركة جسدها من مثل اشارة عابثة بلسانها ويبادلها زميلها التلميذ ذات الوصفة مرة في وضع تقابل ومرة في وضع تهاجر والعصابة تبرر لذلك بضرورة تأهيل المرأة منذ الان على اكتساب الجرأة  لقطع الزوجية حال نشوز الرجل اقتداء بالاسرة الاروبية . وردا على الفضيحة اصدرت  نقابة التعليم الثانوي  بيانا احتجاجيا وذلك في اكتوبر 03 .

 

العصابة تمنع المراة من حقها في العبادة والاعتقاد والتدين والخروج من المنزل :

اصدر وزير الدين في دولة العصابة منشورا الى سائر الخطباء يدعوهم فيه الى حث النساء على التزام بيوتهن الىحين انقضاء صلاة الجمعة  وهذا موثق في تونس نيوز بنص المنشور وصورته  ولا شك ان الباعث على ذلك هومقاومة العصابة لجيش المرتديات للباس الاسلامي وخروجهن بالمئات الى المساجد يوم الجمعة مما ينبئ بان ثورة نسائية عارمة لا تبالي بمناشير العصابة  وتهديداتها سيما ان وضعا مثيلا قد يؤثر في الشارع باسره فتسري العدوى الى غير المحجبات .

 

العصابة تهين القرآن الكريم في المسجد أمام كاميرات الدنيا :

كان ذلك بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في مسجد عقبة بالقيروان عام 1997 بحضور رئيس العصابة وسائر من تلفه مثل تلك المناسبات الرسمية وكان الموعد مع جامعي يدعى ا لعبدلي الذي قال في محاضرته التي اوردتها الصباح الاسبوعي " القرآن لا يطمأن الى نسبته الى الله  بحكم ان البناء اللغوي في القصة مهزوز "  قال الشقي ذلك بملء فيه أمام مفتي العصابة والطاقم الكهنوتي باسره .

 

الشقي الجريبي وزير الدين بدولة العصابة يفتي التونسيين ببطلان صلاتهم :

قال جلول بان صلاة الجمعة لا تصح الا بالدعاء في الخطبة الثانية لرئيس الدولة . وذلك حرفيا وهو موثق في تونس نيوز ليوم 20 ديسمبر من العام الفارط . وليس معنى ذلك سوى ان كل تونسي وتونسية صلى جمعة لم يدع فيها لمن ذكر الجريبي فان صلاته باطلة .

 

العصابة تهين القران وتعلم التوراة والانجيل :

ماذا ينتظر من عصابة وصل بها الاستهزاء بالاسلام الى حد تجرؤ  الشابي عام 91 حيث قال بانه لو ناقش محمدا ( عليه السلام من عندي ومن عند كل من يؤمن به ) لافحمه وهذا موثق . وما ذا ينتظر من عصابة وصل بها الاستهتار بجامع الزيتونة الى حد قوله وهو يحتسي قهوة متكئا على اريكة من ارائك جهنم ويتفرج على الاجساد العارية في مسبح مختلط بالكلية الزيتونية عام 91 " اليوم تخلصت الزيتونة من عقدتها "؟.

وما ذا ينتظر من عصابة رضعت الكفر بالاسلام  منذ نعومة اظافرها من حلمات اثداء بورقيبه  فهو الذي علم العصابة بان عصا موسى عليه السلام كذب وان القران متناقض وان صوم رمضان لم يعد يناسب عصر التنمية والتقدم والازدهار .

وهل يصدق مؤمن بالله واليوم الاخر في تونس ان عصابة كهذه جادة في تلك الشعارات الكاذبة ؟ واذا كان ذلك حقا فلم يهان القران الكريم في تونس الزيتونة ؟ وهل ان للتوراة والانجيل رب غير رب القران أم ان لهما نبي مختلف عما يدعو اليه نبي القران ؟ وكيف تصدق ان من يهين القران وينفر الناشئة منه في قلبه حبة خردل من ايمان تحمله على حب التوراة والانجيل ؟

لقد ذكر احد زبانية العصابة منذ سنوات للتلاميذ الذين يتلقون كتاب الله سبحانه عن احد المؤدبين الذين غفلت عنهم كلاب العصابة بان تعلم القران " ما يوكلش الخبز " باللهجة التونسية . فهل من صد عن ذكر الله اشد من هذا وهل من تنفير عنه انكى من ذلك ؟

 

كلاب العصابة تعذب شابا حتى فقدان الذاكرة لاجل صلاة صلاها في معهد ثانوي :

 هو النفطي القلعي ( عشرون عاما ) تلميذ بمعهد مارث من ولاية قابس حان وقت صلاة العصر فتنحى جانبا يصلي  فالعلم الذي ينهل منه لا يزيده سوى ايمانا بالله سبحانه فابصر به بعضهم  فجاءت الجحافل تلو الجحافل واقتيد المجرم الى مركز الحرس بالبئر لحمر من ولاية تطاوين وهناك هجمت عليه الكلاب البشرية تهشم رأسه تهشيما فحمل الى المستشفى ليموت بعيدا عن المركز وعاين الطبيب وهو اخصائي خللا في الدماغ افقد الضحية ذاكرته بسبب كدمات كاسحة كثيرة توغلت في اسفل الجمجمة وكان ذلك في صائفة 03 .

 

لم يحدث في التاريخ الانساني على وجه الارض ان عمدت فئة الى تجفيف منابع التدين :

يؤكد الانتروبولوجيون بان حضارة الانسان فوق الارض لم تخل يومامن نزعة التدين باعتباره فطرة في حين اختفت من حين لاخر صور اخرى  من الحضارة . ولا شك ان الخصومات بين الناس بسبب التدين قديمة وضارية احيانا غير انه لم يسجل لنا التاريخ ولو لمرة واحدة بان فئة ما فوق البسيطة عمدت لسبب او لاخر الى خطة تجفيف منابع التدين من دنيا الانسان . فلا عتاة المشركين ولا الماركسيين ولا غيرهم ذهب به الحقد الدفين الاعمى الى حد تجفيف منابع التدين لحسم خصومة سياسية او لتحجيم مجتمع ثائر . الا في تونس .

 

 

عولمة النجومية

وفصام  النخب العربية

 

 أبو يعرب المرزوقي

 الجامعة الاسلامية العالمية ماليزيا

                                     تمهيد:

نعالج في هذه المحاولة مسألتين تعللان ما سننسبه إلى القيم الذوقية (مجال الفنون) والقيم الوجودية (مجال ما بعد التاريخ أو الدين ومابعد الطبيعة أو الفلسفة) التي هي موضوع هذه المحاولة بالقصد الأول ما سننسبه إليهما من دور رئيسي في انواع القيم الثلاثة الاخرى (الرزقية والنظرية والعملية ) التي هي موضوعها بالقصد الثاني. وسنعتمد في علاجنا منهج التحليل التراجعي من العلة إلى المعلول أو من الشرط إلى المشروط لأن القصد هو تشخيص الداء ووصف الدواء علنا بذلك نسهم في التنبيه إلى بعض شروط الشفاء:

1- المسألة الاولى نظرية خالصة: لماذا يعد تحرير القيم الذوقية والوجودية شرط استئناف الحضارة العربية الإسلامية دورها التاريخي الكوني الإيجابي وشرط تحرير الابداعات الثلاثة الأخرى تقديما للابداع الرمزي فيهما على الابداع الفعلي للوجود الانساني من حيث هو أداء الأمانة أو تحقيق شروط استخلاف الإنسان النظري المجرد والمطبق واستخلافه العملي المجرد والمطبق؟

2- المسألة الثانية عملية خالصة: وإذا كان ذلك كذلك فكيف نحرر القيم الذوقية والوجودية من سلطان القيم الرزقية والعملية ومن الدورة الجهنمية التي فرضتها عليها عولمة النجومية التي سيطرت على النخب العربية إلى حد بات فيه جل النخب العلمانية لا يستحون من العودة إلى الوطن راكبين الدبابات الغازية بعقلية المستعمر الذي يخرب ويدمر سواء بمنطق اجتثاث الصحوة الاسلامية المزعومة ظلامية ( الجنرالات وسعدي سعد في الجزائر) أو اقتلاع النهضة العربية  المزعومة دكتاتورية ( عملاء الاستعلامات وجلبي في العراق ) ؟

فالمعلوم أن الكلام على اعتبار التحرير بهذا المعنى شرطا في استئناف الدور التاريخي الكوني الإيجابي يفترض أن تحرير ضربي القيم التي هي موضوع المحاولة بالقصد الأول هدفه تحديد الغايات. أما تحرير الضروب الثلاثة التي هي الموضوع بالقصد الثاني فهدفه تحرير الادوات. ويمكن التحريران الغائي والأداتي الأمة من استئناف دورها الكوني لارتباطهما بالرسالة التي أسست وجود الأمة ذاته فضلا عن الدور الكوني. كما أنه من المعلوم أن الكلام على كيفية التحرير يفترض أن شروطه التاريخية قد أينعت وحان قطافها. فلم يبق إلا الجهد الفكري لتأويلها تأويلا يجعلها تحول كل التناقضات التي تعوقها حاليا إلى محفزات. ورغم أنها من حيث الطبيعة مجرد عوارض خارجية فإنها من حيث الوظيفة أصبحت أهم المكبلات التي تعوق محركات الوجود العربي الإسلامي. وهدفنا أن نحولها إلى محفزات. ذلك أن النخب يمكن أن تكون من المحركات إذا توفرت فيها شروط التحرر من الاستيلاب لتصبح مبدعة في مجالات القيم الخمسة فلا تكون النجومية النخبوية مستندة إلى آليات مغشوشة تعطي الريادة والقيادة لمن غلبت عليهم البلادة والقوادة.

وطبعا فهدف بحثنا هو تعيين الشروط التي نراها متحققة وتحديد كيفيات تأويلها وترتيبها بصورة تحقق التحرير عامة وتحرير النخب بصورة خاصة.  إن تكبيل القيم الذوقية  وتكبيل القيم الوجودية متواليان في الظهور التاريخي بعكس تواليهما في سلسلة العلل. فتكبيل القيم الوجودية هو الذي أفسد الثورة المحمدية بافساد القيم الذوقية والقيم الرزقية والقيم النظرية والقيم العملية كما أثبتنا في غير موضع. وقد ركزنا هنا على القيم الذوقية والوجودية لانهما موضوع المحاولة الرئيسي. فهدفنا الأول فيها هو فهم علل اخراج  الفنون الجميلة من حياة الامة الروحية ومن فكرها. ما العلة التي جففت ذوق الوجود الحساني فلم يبق عند المسلمين من الأذواق المصاحبة للبعد الظاهر من الحياة الا الذوق الغذائي والجنسي من غير ملطفاتهما الفنية؟

لِمَ ارتد العربي والمسلم إلا الغرائز الحيوانية الفجة التي لم يهذبها فن جميل؟ ولم بات المسلم عامة والعربي خاصة غاطسين في شبه حياة بهيمية لا تتجاوز الاكل والنكاح كما يتبين من حياة مترفيهم الذين ذبل منهم الذوق والعقل وانتفخ منهم البطن والكفل ؟ وهدفنا الثاني هو اكتشاف العلة التي  اخرجت كل التجارب الروحية من فكر الامة النظري ( الديني والفلسفي) ومن حياتها فجف ذوق الوجود الوجداني ولم يبق من الاذواق المصاحبة للبعد الباطن من الحياة إلا نفس الذوقين وإن بالسلب بزعم التعفف عن الحياة المادية من غير ملطفات الشهوة الحيوانية السلبية في الفكر الصوفي المنحط فارتد الانسان العربي والمسلم إلى عدمية الفعل التاريخي والاستسلام للامبلاة الوجودية؟

لذلك فلا يمكن أن نتصور المسلمين قادرين على استئناف دورهم من غير حياة هذين النوعين من القيم. ومن اليسير أن يلاحظ القارئ الفصامين اللذين تعاني منهما النخب في الوطن العربي سواء أخدناه قطرا قطرا كما هو الشأن في علاج هذه النخب الأعرج قضايا العصر من المنظور القطري العاجز أو أخذناه من منظور المجال الثقافي الواحد الذي شرع في التوحيد السلبي بينها بحسب منطق اللحظة التاريخية منطقها الذي يفرضه ما يسعى إليه العدو الأمريكي من توحيد لمجال استعداده لعماليق القرن الجديد بالاستحواذ على منابع الطاقة فضلا عن احتلال أفضل قاعدة أرضية قريبة منهم جمعيا . لكن تفسير هذين الفصامين لم ينل حظه من العناية والعلاج النظري لأنه لم يربط بما أصاب أسلوبي عمل الفكر البشري المضاعفين من عطل نتج عن التنافي بينهما من منظور أشباه النخب التي لم تغص إلى أعماق وحدة العقل المبدع رغم اختلاف الأساليب: أسلوب الفلسفة أو العقل ببعديه النظري ( علوم الطبيعة ) والعملي ( علوم الاخلاق ) وأسلوب الدين ببعدية النظري ( العقيدة ) والعملي ( الشريعة ).

والعلة الأساسية في اهمال هذا العلاج هي وهم التنافي بين هذين الاسلوبين والبدائل الزائفة الساعية إلى التخلص من ثنائية اسلوب الادراك البشري: بالرد المتبادل بينهما الذي هو الحد الأدنى من نفي المردود للابقاء على وحدانية المردود إليه. لذلك فنحن نشرع في هذا العلاج آخذين مأخذ الجد الأسلوب الديني لتحديد القيم وادوار النخب المتكلمة باسمها رغم انتساب محاولتنا إلى الأسلوب الفلسفي. وهدفنا في المحاولة هو تفسير الآليات التي تتحكم في نجومية النخب وربطها باطارين قاهرين لا يمكن من دونهما فهم دور النخب عامة والنخب العربية الحالية خاصة لفهم علاقة الفصام الذي أصابها بآليات النجومية في الرأيين العامين العربي الاسلامي والاوروبي  الامريكي:

1- أولهما هو اطار الحرب النفسية التي تعينت في استراتيجية الاعلام والتدخل الأمريكيين لتوجيه مؤسسات ابداع القيم ورعايتها وتبادلها في كل مجتمعات العالم عامة وفي المجتمعات الاسلامية والعربية منها على وجه الخصوص.

2- والثاني هو ردود الفعل في مجالي الاعلام واصلاح مؤسسات ابداع القيم ورعايتها وتبادلها في مجتمعات العالم عامة وفي المجتمعات الاسلامية والعربية على وجه الخصوص.

وسنركز على تفسير الفصامين مقتصرين على النخب العربية نموذحا من النخب الاسلامية أولا ولمعرفتنا بتقازيحها ثانيا فضلا عن كونها ما تزال النواة الرئيسية في الثقافة الاسلامية حسب تصورنا لدورها في التاريخ الكوني. وذلك لعلتين موجبة وسالبة. وكلتاهما ليس للنخب العربية الحالية فيها يد. فأما العلة الموجبة فهي دور الثقافة الاسلامية الناطقة بالعربية عامة ودور اللسان العربي خاصة في تراث كل المسلمين. ومعنى ذلك أن العلة الموجبة لا يدين بها دور الثقافة العربية في الثقافة الاسلامية بشيء للنخب العربية الحالية بل العكس هو الصحيح أي أن النخب العربية التي قد يسمع لها أحيانا لا يسمع لها إل بقدر مواصلتها للثقافة الاسلامية الأولى. وتلك هي العلة في كثرة الطحالب الطفيلية من النخب العربية عامة والعلماني منها  على وجه الخصوص الطحالب التي تتاجر بهذه الثقافة (كباعة الآثار المسروقة ) بخطاب قابل للنفاق في السوق الغربية تأييدا للموقف الغربي من الثراث العربي. والمعلوم أنه لا احد من الغرب يمكن أن يسمع لما يقولونه عن الفكر الغربي من سخافات. وسواء كان من يسمع لهم يدري أو لا يدري فإن ما يقولونه عن الفكر العربي أكثر سخافة مما يقولونه عن الفكر الغربي لكن تأييد الاحكام المسبقة يحقق بعض القبول لغير المقبول بحسب المعقول.

وأما العلة السالبة لأهمية النخب العربية والتي ليس للنخب العربية فيها يد كذلك فأمرها بين حتى للغافلين: إنها علة سعي امريكا للاستحواذ على الوطن العربي لما فيه ولموقعه فضلا عن وجود اسرائيل. اسرائيل وأمريكا لا تحاربان الامة الاسلامية لأنها تعتبر النخب العربية الحالية تحديا فكريا أو علميا أو تقينا كما هو الشأن مثلا بالنسبة إلى النخب الاوروبية والصينية واليابانية والهندية. إنما التحدي علته أن العرب لا يزالون قلب العالم الاسلامي رمزيا ( عروبة القرآن والسنة والتراث الديني الاسلامي ) وماديا ( كون الوطن العربي يوجد في ملتقى القارات الثلاث التي أبدعت كل الحضارات وكون محرك الحضارة المادي أو الطاقة جلها والرمزي أو المشاعر كلها توجد فيه). ولعل ما قوى أثر هذين الاطارين الخاصين بالنخب العربية في حدود دورها في الثقافة اللاسلامية فضلا عن هاتين العلتين ظاهرتان كونيتان لا مرد لهما ظاهرتان تمثلان في الوقت نفسه علامة منزلة الوطن العربي السلبية والايجابية في التاريخ الكوني:              

1- فأما المنزلة السلبية فيمكن استنتاجها من الحقيقة التاريخية التي بدأت بعد تكون الدولة الاسلامية. فكل القوى التي سعت إلى تأسيس نظام طغياني عالمي حاربت المسلمين عامة والعرب خاصة لأنها اعتبرتهم عائقا أمام مشروعها. ذلك أن تمكين الاسلام العرب والمسلمين من تحقيق دار الإسلام حيث هي الآن جعلهم رقما ضروريا في المعادلة التاريخية الكونية بحكم كونهم رقما ضروريا في ما يستمد من االمكان والزمان من مقومات الوجود البشري فضلا عن تعريف القرآن المسلمين بكونهم الشاهدين على العالمين.

 2- وأما المنزلة الايجابية فيمكن استنتاجها من حقيقة تاريخية مناظرة للحقيقة التاريخية الاولى. فكل محاولات التحرر العالمية من الطغيان العالمي القادم من الغرب  بدأت باستئناف العرب دورهم في تكوين قاعدة الصحوة الاسلامية المادية والروحية ( بدءا بالقضاء على بقايا الاستعمار البيزنطي المسيحي في ملتقى القارات الثلاث منطلقا لتكوين دار الاسلام الحالية وختما بالحرب مع أمريكا وتوسطا بكل ما ما حصل بين الحروب الصليبية وحروب التحرر من الاستعمار ). ذلك أن  تحقيق رسالة الاسلام التحريرية يشترط أمرين يتألف منهما معنى  الشهادة على العالمين بالجهاد من أجل: 1- التصدي لافساد الطبيعة ( استغلال الطبيعة استغلالا فاحشا ) وافساد الثقافة ( استغلال الثقافية استغلالا فاحشا ) 2- والتصدي للظلم والعدوان ( حماية المستضعفين اقتصاديا ) وللعنصرية والمفاضلة بين الشعوب في الأرض  ( حماية التعدد السلالي والثقافي ).

وبذلك فإن بحثنا سيتألف من ثلاثة فصول متعددة الفقرات:

1-  أولها يمهد لمسألتي البحث فيعالج مقدمات التأسيس النظري لدراسة آليات تكون النخب عامة والنجومية خاصة  تخصيصا بالنخب العربية في اللحظة الراهنة مع التركيز على دواعيها وأزوفها.

2- والثاني يعالج آليات النحومية في أولى النخبتين المقصودتين بالذات في المحاولة أعني النخبة الوجودية مع التركيز على توضيح نظرية مجالات القيم الخمسة: مجال القيم الذوقية (الفنون الجميلة) ومجال القيم الرزقية (الاقتصاد) ومجال القيم النظرية (العلوم) ومجال القيم العملية (السياسة والقانون) ومجال القيم الوجودية (الفلسفة والدين).

3- والثالث يعالج آليات النجومية في ثانية النخبتين المقصودتين بالذات في المحاولة أعني النخبة الذوقية مع التركيز على استخراج بذرات نظرية الفن الاسلامية من حيث إن الفن هو البعد الرمزي من الفعل التاريخي الشامل بأبعاده القيمية الخمسة التي أشرنا إليها في الفصل الثاني.

               الفصل الأول: مقدمات المحاولة ودواعيها

                 1-  المقدمة الأولى: الأخطار التي تهدد نسيج الوطن العربي

ولنأت الآن إلى تحليل المقصود بالاطارين القاهرين في الظرف العربي الراهن من حيث صلتهما بقضية فصام النخب ومدلول عولمة النجومية في الاضطراب القيادي الذي عم على نخب حركتي النهضة العربية والصحوة الاسلامية:

فأما الإطار الأول فقد حددته ظاهرة كونية جعلت فكر النخب العربية لا يستطيع أن يلتفت إلا إلى ماض يحدده منظور الاعداء. ذلك أن نظرة الحفاظ على الماضي لو كانت من المنظور الذاتي لكان المقصود بها معاني الماضي التي تؤسس للمستقبل. ورغم أن المعاني التي اختارتها نخب الاقطار فتتت الأمة بمحاولة احياء قوميات وهمية متقدمة على التاريخ الاسلامي لتناسب الحدود القطرية فإن العدو لم يعد يرضيه ذلك  لانه لم يكن كافيا للقضاء على مركزي الأمة أعني أكبر قطريها عددا وعدة: مصر زعامة للعروبة والسعودية زعامة للاسلام. وذلك أمر لم يعد يحتمله مستقبل الامبراطورية الاسرائيلية الامريكية. لكن أمريكا واسرائيل لا تستطيعان مجابهته المباشرة. وليس ذلك بسبب قوة المركزين المادية بل لما يعلمانه لهما من قوة رمزية إذ المجابهة المباشرة قد تسرع بداية التوحيد الحقيقي لمقومي الأمة فتصبح أمة لا تقهر: العروبة والاسلام. لذلك نسبنا الماضي الذي التفتت إليه النخب نسبناه إلى منظور الاعداء.  فالعرب ليس لهم اليوم منظور استراتيجي يمكن أن يميز بين ما ينتسب إلى الماضي المعد للمستقبل وما ينتسب إلى الماضي الميت: فهم غالبا ما يدخلون التاريخ دخول القهقرى فلا يرون أن لا دور كوني لهم من غير استئناف دورهم قلبا للاسلام.

لذلك فإن ما يهم استراتيجية العدو في علاجه لمعضلة التغلب على الصمود العربي الإسلامي هو كيفية استغلال بقايا الصراعات العربية العربية الناتجة عن توظيف القومية ( مصر خاصة ) وتوظيف الاسلام  ( السعودية خاصة ) والصراعات الاسلامية الاسلامية لعلمه أن نوعي الصراعات كفيلان بالقضاء على النهضة والصحوة  معا قبل  أن تثمرا ما يخشاه على أدوات فعله في عصر العماليق الذين لاحوا في الافق. وهذان الصراعان لم يبق منهما شيء عربي ولا اسلامي بمقتضى انحطاطهما التدريجي إلى مجرد أداتين في الصراع بين العملاقين ولدى عنصري الاطار الأول الذي حددته ظاهرة اقحام العرب والمسلمين في الحرب الباردة: 1- الارهاب الديني الرمزي والمادي 2- والارهاب اليساري الذي لم يبق منه إلا البعد الرمزي. فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي بات الارهابان مجرد أداتين في الخطة الأمريكية الاسرائيلية: الارهاب الديني لتهديم محاولات الاصلاح في مجال العنصر الروحي الديني  ( قيم الايمان الديني ) ولتهديم محاولات الاصلاح في مجال العنصر المادي القومي باسم الدفاع عن الاسلام والارهاب العلماني لتهديم محاولات الاصلاح في مجال العنصر الفلسفي الروحي ( قيم الايمان العقلي )  ولتحديم محاولات الاصلاح في مجال العنصر القومي المادي باسم التحديث والعولمة الأمريكية فضلا عن استعمال الارهاب الاول لتجنيد الرأي العام الغربي في تأييد مغامرة الاستعمار المكلفة وتجنيد الارهاب الثاني لتحريك الرأي العام العربي في تأييد مغامرة الخيانة المقرفة.

 وأما الاطار الثاني فقد حددته ظاهرة كونية جعلت فكر النخب العربية ملتفتا  إلى مستقبل حدده منظور الاعداء كذلك. فالعرب لا منظور لهم لمستقبل بيٌن بسبب غياب المشروع الذي يكون من مقاس المشروع الذي استند إليه بزوغ الأمة الكوني الأول حتى ولم يكن بالضرورة مواصلا له. فنخبهم بنوعيها قد انكمشت إلى ما دون الاقطار فضلا عن الوطن العربي أو الأمة الإسلامية أو الكون. فعادت بالشعوب العربية إلى العشيرة والطائفة المذهبية والعرقية بعد فشل احياء القوميات الوهمية المتقدمة على التاريخ الاسلامي.

ولما كان العدو "الأمريكي-الاسرائيلي" يسعى إلى توظيف تلك البقايا (الارهابين) وغياب المشروع المستقبلي في سعيه إلى تحقيق التوحيد السلبي للعالم الاسلامي مجالا لفعله الاستعدادي لعماليق القرن الحادي والعشرين أعني فكي الكماشة المحيطة بدار الاسلام ( الهند وتوابعها والصين وتوابعها شرقا ثم روسيا وتوابعها وأوروبا وتوابعها غربا ) فإنه سيحاول كل ما يستطيع لئلا يكون المستقبل ذاتي الغاية. لذلك فإن هذا التوحيد السلبي من أجل مشروع الاستعمار الامريكي الاسرائيلي يحتاج في مرحلة أولى إلى تصفية شروط بقاء المقاومة شروطها التي يمكن أن تنقل المسلمين عامة والعرب خاصة من المنظور الأجنبي للماضي وللمستقبل إلى المنظور الذاتي فنحقق ما لم تحققه حروب التحرير القطرية لتصبح حرب تحرير قومية من أجل تحرير الأمة كلها تحريرا يكون القطب الدولي الذي تحتاجه المعادلة الدولية التي هي بصدد التشكل. وإذا كان الأعداء يعتمدون احياء الفوضى الطائفية والعقدية والعرقية لتفجير ما بقي من كيانات كبرى مثل العراق والسعودية ومصر وسورية والجزائر والمغرب والسودان واليمن فإن الفعل الموجب هو في تحقيق المجال الايجابي لفعل المسملين: فهم الاخطار المشتركة على الأقل في قلب الأمة أعني الوطن العربي ومحيطه الاسلامي المباشر من خلال الصلح بين القوميات الخمس الرئيسية العربية والبربرية والفارسية والتركية والكردية والهندية.

 فإذا سمحنا له بالنجاح في ذلك من دون أن نحوله إلى جزء من خطة لبناء الكيان الكبير من خلال تحقيق الصلح التاريخي بين النهضة والصحوة فإن الوطن العربي سيصبح لقمة سائغة بيد اسرائيل وكيل أمريكا. ذلك هو دور الارهاب والحرب عليه. وتلك هي غاية تغذية العداوة السخيفة بين قوميات الاسلام الرئيسية. فكلاهما معول لتهديم الوطن من الداخل ومن محيطه فضلا عن منع المسلمين من التوحد الشارط لدورهم قطبا دوليا في عالم القرن الحادي والعشرين. كما أن الارهاب والحرب عليه وعدم استقرار العالم الاسلامي عامة العالم العربي خاصة يعدان المحفز الرئيسي لتأليب الرأي العام الغربي وجعله يقبل بكلفة الحرب الاستعمارية الجديدة ضد ما يقدم على أنه خطر على الحضارة والحرية. وهي حرب ضميرها الأساسي هو فرض تصور أساسي يجعل  ما بقي عربيا من الثقافة الاسلامية هو رحم الارهاب في العالم الاسلامي وما بقي اسلاميا في الشعوب الاسلامية هو رحم التخلف والبربرية.

 

          2- المقدمة الثانية: منطق الفصام في الثقافة العربية  

ولنعد إلى الفصامين من دون أن ننسى هذا الوراء الذي شرحناه في المقدمة الأولى وصفا لخاصيات القضية ومنظورنا إليها. فهما يقبلان التعيين بخطين متعامدين يحددان أربعة خانات ممثلة لاصناف الفصام الذي تعاني منه نخب الامة. فالخط الاول منهما يقسم النخب العربية ( ومثلها كل النخب الاسلامية من غير العرب ) عموديا إلى نحلتين لا تتعايشان إلا بمفهوم الحرب الدينية إيجابا من منظور احداهما وسلبا من منظور الأخرى. ذلك أن العلمانيين هم أيضا فكرهم ديني بالسلب تماما مثل الدينيين الذين يمكن اعتبار فكرهم فلسفيا بالسلب. فما يثبته أحدهما لما يدعي الاستناد إليه يكتفي الثاني بنفيه فيكون كلاهما قابلا للتعريف بسلب الثاني. ومن ثم فكلاهما يتناسى أن الفكر البشري لا يمكن أن يخلو من البعدين الديني والفلسفي ليس فحسب بالمعنى الهيجلي للعلاقة التي تجعلهما متحدين بالمضمون ومختلفين بالشكل بل بمعنى أكثر عمقا. فالشكل الفلسفي لم يبق جدليا كما يدعي هيجل بل بات أصحابه يفضلون الشكل التأويلي والمضمون الديني لم يبق عقائد ذات صيغة عاطفية كما يدعي هيجل بل بات أهله يفضلون المضمون ذا النسق العقلي كما هو شأن كل الثيولوجيات. وبذلك فهما قد اتحدا شكلا ومضمونا ولم يبق مختلفا إلا الاسلوب!

 أما الخط الثاني فيشق كلتا النحلتين أفقيا في العمق. فكلتاهما تنقسم بحسب تصور مقومات الفعل التاريخي حصرا إياها في بعدها المتعين في أعراض حصوله الأول أو فتحها على الممكن اللامتناي في الحيز الفاصل بين الحاصل والمثال الأعلى من الوجود الفعلي. لذلك كان الأصلانيون صنفين: احدهما يتصور احد تعينات الاسلام أو ما تحقق منه في الماضي الإسلامي التعين الوحيد الممكن والثاني يراه قابلا لأن يتخذ أشكالا جديدة بحسب التدرج في الوصل بين مثله العليا وتاريخ تعيناتها. كما كان العلمانيون صنفين: احدهما يتصور احد تعينات التحديث أو ما تحقق منه في قرون الغرب الأخيرة التعين الوحيد الممكن والثاني يراه قابلا لأن يتخذ أشكالا اخرى بحسب التجارب اللامتناهية في المستقبل. والغالب على الساحة حاليا هو الصنف الاول من كلا الفريقين: وهما مصدر الحرب الأهلية العربية والحرب الأهلية الاسلامية.

أما الصنف الثاني منهما فهو لا يزال جنينيا في كلا فرعيه. والمفروض أن يكون فرعاه متحدين على الاقل بمقتضى الانفتاح على المستقبل مشروعا وعلى الماضي تأويلا. لكن المحدد الفعلي للحظتنا التاريخية لا يزال متمثلا في الصنفين الغالبين اللذين يعتبران التاريخ محاكاة لأمر حاصل في ماضينا البعيد أو في ماضي الغرب القريب وليس ابداعا لامر لا يقبل التحديد النهائي مسبقا. فأصبح عمل التاريخ مستحيلا في مستوى التصور الرمزي والتحقيق الفعلي بما أصبح المثال ماضيا حاصلا والممثول تكرارا له وليس ابداعا لتصورة الرمزي أولا ولتحقيقه الفعلي ثانيا مع ما بين التصور الرمزي والتحقيق الفعلي من جدل متواصل جيئة وذهابا من أحدهما إلى الآخر حتى يتطابق بعدا الحضارة الرمزي والمادي. وبذلك فإن النخب العربية من كل مجالات التقويم الخمسة تبرز على أرضية الشعب بوصفه منبع الجميع وأصل التقويم والتنخيب فتنقسم بحسب الخطين المتعامدين إلى الاحزاب الخمسة التالية بحسبان المجموعة مع أقسامها حتى وإن لم تكن من رتبتها:

1- حزب المحافظين الديني: تكرار أعراض التجربة الماضية من التاريخ الاسلامي .

2- حزب التحرريين الديني: المشاركة في فتح آفاق جديدة للفكر الديني .

3- حزب المحافظين العلماني: تكرار أعراض تجربة التحديث الغربية .

4- حزب التحرريين العلماني: المشاركة في فتح آفاق جديدة للفكر الفلسفي .

5- أما الحزب الخامس فهو حزب الأغلبية الصامتة التي تنبع منها النخب.

فكل الاحزاب السابقة تنسل من الحزب الخامس أو القسم التام من التصنيف بمجرد أن ينتقل البعض من الصمت إلى التعبير عن أحد أنواع القيم وما يتصل بها من تعارض المصالح بين المتنافسين عليها. لذلك كان الحزب الصامت الحزب الشامل الذي يغازله الجميع لاستمداد شرعية دعواه منه أعني الرأي العام الذي له وجهان داخلي وخارجي مع تعاكس في تغليب الاستناد إلى الخارجي أو إلى الداخلي منه من حيث الايجاب أو السلب. فالحزبان الدينيان يستندان إلى الرأي العام الداخلي إيجابا وإلى الرأي العام الخارجي سلبا. والحزبان العلمانيان يعكسان فيكون سندهما الموجب الرأي العام الخارجي و سندهما السالب الرأي العام الداخلي. وتلك هي آليه التنجيم ( = اعتبره أو جعله نجما وللمعنى صلة بالمعنى الأصلي أعني الدجل التنبوئي عند المنجمين). فجعل أي مبدع أو مفكر نجما يكون إيجابا بمدح منتوجه أو سلبا بذمه. وهو عند النخب الدينية أهلي في المدح وأجنبي في الذم أي إن من يمدحه المسلمون ومن يذمه الغرب من النخب الدينية يصبح نجما عند المنتسبين إلى الحزب الديني. والعكس بالنسبة إلى النخب العلمانية: يصبح العلماني نجما بمجرد أن يدمه المسلمون أو يمدحه الغربيون أو بحصول الأمرين.

إن الفصام الثاني الذي يشق كلا الفريقين الاصلاني والعلماني هو الفصام الاصلي. إنه الفصام الذي يعنينا لكونه يفسر الفصام الفرعي الذي يقابل بين الاصلاني والعلماني فيغوص إلى أعماق آليات التنخيب المستلب الغالب على اللحظة العربية الحالية. فالعلماني يصبح نجما أولا وقبل كل شيء بفضل موقف المسلمين السلبي منه ممثلين بالنجوم الاصلانية والأصلاني يصبح نجما أولا وقبل كل شيء بفضل موقف غير المسلمين منه ممثلين بالنجوم العلمانية. لذلك فهما نخبتان متضامنتان جدا في هذه اللعبة التنجيمية التي برعوا فيها بالدجل على الرأيين العامين. فصارت هذه اللعبة جوهر الازمة الحضارية التي يعيشها المسلمون والعرب منذ قرنين: نخب زائفة تدعي ما ليس لها وخاصة منذ ذهاب الاجيال الأولى التي كانت محاولاتها واعدة والتي قتلها طاغوت الثورات المزعومة قومية الثورات التي وزعت السلطات بين النحل المذمومة والشلل الخدومة بشعار الطبقات المحرومة وبهار الشعوب المظلومة.

إن النوع الاول من الفصام هو النوع الأيسر على الفهم. فنحن نراه بالعين المجردة. ويمكن أن نعتبره الوجه الظاهر من ازمة الأمة الاسلامية كلها أزمتها التي يعد النوع الثاني من الفصام عرضها الأهم. وقد تعين هذا العرض أتم تعين في النخب العربية لما لمقومي الثقافة العربية ( الدين واللسان بمقتضى نصي الدين الإسلامي) من منزلة في تاريخ الأمة الإسلامية. وطبعا فهذه المنزلة يمكن أن تتبخر إذا لم نتداركها فنستفيد من الصحوة لاسترداد منزلتها الاصلية. فالنخب العربية تستمد منزلتها الكونية من دور العروبة في الإسلام ودور الاسلام في العالم. ولذلك فالعروبة ولله الحمد لا تزال هي مصدر أهم الرموز والمقومات الاسلامية في كل دار الاسلام. والشعب العربي بخلاف كل ما يزعم في الاسلام غير العربي سواء كان في آسيا أو في جنوب شرقي آسيا لا يزال الأكبر عددا والأغني ثروة والاعرق تراثا والأقرب إلى الحداثة  الغربية من كل الشعوب الاسلامية. لكن هذه النخب العربية التي جعلها الفصام العميق الذي نحاول توصيفه قبل الكشف عن دائه ووصف علاجه مترددة بين الأصولية الدينية والأصولية العلمانية أنفصمت في العمق بحسب النوع الثاني الذي هو الفصام الأكثر تأثيرا على دور النخب  لكونه يصيبها بالعقم الابداعي في كل مجالات التقويم البشري:

 1- في مجال القيم الذوقية :  فكل الفنون العربية صارت نسخا مضحكة من الابداع الغربي رغم أن من تأثر بآدابنا من ذوي الثقافة الاسبانية مثلا باتوا نماذج على الأقل في الرسم والقص.

 2- في مجال القيم الرزقية : وكل الاقتصاديات العربية توابع هزيلة رغم أن الامكانيات العربية كان يمكن أن تجعل الوطن قطبا عالميا لو وجهت الثروات السائلة التي تشجع العطالة والفساد إلى استثمارات منتجة تقضي على الجهالة والكساد. إذا كانت أغنى الاقطار العربية يمكن أن تفلس بين عشية وضحاها لأن رئيسا أمريكيا مهوسا يمكن أن يجمد رصيدها فهل نحتاج إلى دليل آخر؟

 3- في مجال القيم النظرية : وكل الجامعات ومعاهد البحوث العربية لا  تعدو ان تكون اضحوكات العصر ما ورثناه منها عن الماضي التليد بالتقليد أو ما حاكته محاولات التجديد بالتوريد. ويكفي دليلا أهم تطبيقات العلوم في حكم كل إنسان سوي حتى الأمي: الطب. فإذا كانت الكليات الطبية عاجزة عن حماية أسرار الدول العربية التي باتت صحة قادتها مرهونة بالمصحات الاجنبية بعد قرنين كاملين من التحديث فهل نحتاج إلى دليل آخر ؟

 4- في مجال القيم العملية : وكل المؤسسات السياسية العربية لا تعدو أن تكون مهازل الدهر: إذا كانت أكثر الدول العربية شروعا في العلمنة أعني الدول التي حكمتها الاحزاب القومية قد تبين من أكبرها أنه قد عاد بشعبه إلى العشائرية والقبلية المتقدمة حتى على الإسلام فهل تبقى حاجة لدليل؟

 5- وفي مجال القيم الوجودية : وكل الفكر الديني والفلسفي العربي الحالي لا يحرك أي عمق من أعماق النفس البشرية الحائرة أمام أسرار الوجود لفرط تحوله إلى مضغ ايديولوجي ثقيل عششت فيه طحالب الفكر الكليل لخلو  اصحابه من عميق الحدس وصحيح الدليل.

           3- المقدمة الثالثة: موضوعنا بالقصد الأول

إذا كنا قد احجمنا عن ضرب مثال من الحالة الأولى ( القيم الذوقية ) ومن  الحالة الأخيرة ( القيم الوجودية ) لتعيين القصد في المجالين الأول والثاني فالعلة هي كون فصام النخب فيهما بالذات بيانه هو مطلوب المحاولة بالقصد الأول. ففيهما بالذات تعينت أزمة النخب العربية. فهي عرض المرض الذي ينخر المجالات الثلاثة الأخرى. ذلك أن هذه المجالات توابع المجال الأول تبعية المدفوع للدافع. وهي كذلك توابع المجال الاخير تبعية القيمة المؤسَسة للقيمة المؤسِسة. ولن تتبين هذه العلاقة المضاعفة إلا بعد أن نكشف ما في الفكر المسيطر على هذين الميدانين من دجل وعجل أفقد الثقافة العربية أكبر ثرواتها افقادا يعد ما حصل من نكبات في المجالات الثلاثة الأخرى(نكبات القمي الرزقية والنظرية والعملية) لعب أطفال بالقياس إلى ما حل بالقيم الذوقية والقيم الوجودية. ذلك أن المعادلة التي تحكم تراتب النخب بفرعيه السوي وغير السوي هي عينها المعادلة التي تحكم تراتب القيم في كل الحضارات وفي كل مراحل التاريخ.  وهذا أحد القوانين الكلية التي نبحث عنها في كل محاولاتنا لمواصلة جهد ابن خلدون وابن تيمية في فهم الثورة المحمدية بتغيير نظرية المعرفة والوجود الموروثة عن اليونان ( ابن تيمية ) وبمحاولة تأسيس علوم الانسان بصورة تدعم الثورة الميتافزيقية الناتجة عن هذا التغيير ( ابن خلدون).

ففي الترتيب غير السوي تكون القيم الذوقية ( المجال الأول ) لعبة في يد نخب القيم الرزقية ( المجال الثاني ) خاصة وتكون نجب القيم الوجودية ( المجال الخامس)  لعبة في يد نخب القيم العملية خاصة ( المجال الرابع ) بسبب فشل نخب القيم النظرية ( المجال الأوسط ) في ابداع المؤسسات العلمية والمؤسسات العملية لبناء الوجود الرمزي والفعلي للعمران بالمنظومتين التربوية والسياسية ( مقوما صورة العمران أو الدولة ) بناء يصور مقومي مادته أعني الابداع الذوقي والابداع الرزقي ( مقوما مادة العمران أو المجتمع المدني). أما الترتيب السوي فهو في الوضعية المقابلة أعني في وضعية ابداع المؤسسات التي تحول دون هذين الاستتباعين. وقد اعتبر ابن خلدون النقلة من الترتيب السوي إلى الترتيب غير السوي بداية هرم الدولة وانحطاطها.

ورغم ما أشرنا إليه من غياب المنظور الموجب للماضي والمستقبل ومن ترتيب غير سوي للقيم غيابين كلاهما يقتضي ضرورة عدم وجود نخب مبدعة ومؤثرة حقا فإن لنا مع ذلك من النجوم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية ما لا يكاد يحصيه عد! فما السر يا ترى وكيف نفهم هذه المفارقة التي لا يكاد المرء يجد لها تفسيرا ؟ لذلك فقد اعتبرنا التعريف بمصدر تحديد النجومية في البلاد العربية منطلقا لتحديد بدايات الجواب عن هذا السؤال المحير.  ويقتضي ذلك أن نميز بين وضعيتين جزئيتين كلتاهما مضاعفة بحسب المقابلة بين الظاهر والباطن ثم وضعية ذات صيغة جامعة: 1و2- الوضعية في البلاد التي يكون فيها النفوذ الحقيقي للقوة المباشرة في الظاهر أو في الباطن ( أي القوة العسكرية والبوليسية وهي الوضعية الغالبة في البلدان المتخلفة ) 3و4- والوضعية التي يكون فيها  النفوذ الحقيقي للقوة غير المباشرة في الظاهر أو في الباطن ( أي القوة الاقتصادية والتقنية وهي الوضعية الغالبة في البلدان المتقدمة )  5- والوضعية ذات الصيغة الجامعة أعني منطق النخب في العالم كله بسبب خضوع الوضعية الأولى للوضعية الثانية التي يستخدم فيها أصحاب القوة غير المباشرة الجميع.

1و2- ظاهر وضعية البلدان المتخلفة وباطنها.

3و4- ظاهر وضعية البلدان المتقدمة وباطنها.

5- الوضعية الصيغة الجامعة.

فقد ذكرنا أن النخب الذوقية أصبحت تابعة للنخب الرزقية. لكن ذلك  ليس كذلك لأن المنتَج الفني صار بضاعة سوقية ( بمعنيي الكلمة ) فحسب بل لأن منتِج العمل الفني أصبح مضطرا لبيع نفسه. فهو قد صار يعيش على غذاء صناعي يحقق له القطيعة مع الادراك العادي للجمال ويضطره إلى تعويضها بتجارب ادراكية لا تحصل من دون مؤثرات كيمياوية ثمنها تخلي المدمن عن حريته بالتدريج: أهمها الخمر والمخدرات والجنس والمآدب الباهضة. وطبعا فليس كلامي في هذا الأمر من باب اخضاع القيم الذوقية للقيم الخلقية. فعندما يكون المبدع الذوقي قادرا على ذلك بحيث يكون غنيا عن التنازل عن القيم الفنية ثمنا لارضاء من يوفر له أدوات اللذة فلن يكون عندي مانع أصلا لاستمتاع الفنان بهذه المتع.

فكيف يستطيع السائلون وأبناء السبيل الحصول على مشروباتهم ومأكولاتهم في أفخر الفنادق إذا لم يدفعوا من حريتهم  للأحزاب التي افسدت من كان يمكن أن يصبح مبدعا ففرضت عليه منزلة الكدائين ؟ وفي الحالتين- سواء كان من الأثرياء أو من الكدائين- فإن محفزات الابداع المزعوم التي لا يحيا المبدع المزعوم من دونها دليل قريحة تعمل بالمنبهات كعجوز العضلات أوبالدفع الوارد كالمحرك البارد. فكيف يكون ما انحط إلى منزلة البضاعة الكاسدة ثمرة لتجربة فنية صادقة؟ إن مثل هذه التجارب حتى إذا صدقت فإنها لا تكون حقيقية إلا في حصولها الأول ومرة واحدة. أما إذا تكررت ادمانا فإنها لن تضيف للتجربة الشعورية إلا ثرثرة شعارية فيكون صاحبها بلسان أفلاطون كالاجرب يستمتع بحك بشرته الجرباء وليس مبدعا يرتفع بوجدانه إلى السماء.

وذكرنا كذلك أن النخب الوجودية أصبحت خاضعة للنخب العملية ليس فحسب لأن منتَج العمل الوجودي صار بضاعة سوقية ( بمعنيي الكلمة ) بل لأن منتِج العمل الوجودي أصبح مضطرا لبيع نفسه لانه صار يعيش على سلطان صناعي يحقق له القطيعة مع الادراك العادي للجلال ليعوضه بتجارب ادراكية لا تحصل من دون مؤثرات دعائية باهضة الثمن: أهمها علامات الجاه والشهرة ومغالطة الجماهير الغارقة بالرموز المنافقة. وطبعا فليس كلامي في الأمر من باب اخضاع التجربة الوجودية للقيم الخلقية. فعندما يكون المبدع الوجودي غنيا عن التنازل عن القيم الوجودية ثمنا لارضاء من يوفر له أدوات الشهرة هذه فلن يكون عندي مانع أصلا لاستمتاع الفيلسوف أو رجل الدين بهذه المتع التي هي من جنس حكاك الاجرب. لكن كل سلطان رمزي ليس غنيا عن الاستناد إلى السلطان المادي ليس سلطانا أصلا فضلا عن أن يكون رمزيا. لذلك فبمجرد أن يفقد المثقفون متكأهم تراهم أذل الخلق وأكثرهم تذمرا بعد أن كانوا أشد الناس كبرا وأمشاهم تبخترا.

والمعلوم أن النخب الرزقية والنخب العملية الداخلية متداخلتان ومتناجبتان. فكلتاهما تابعة للاخرى مع غلبة تبعية الأولى للثانية في الظاهر خلال بداية العهود التي تحتاج إلى القوة المباشرة  ( قوة السلاح ) وغلبة تبعية الثانية للاولى في الباطن خلال غايتها التي تحتاج إلى القوة غير المباشرة               ( قوة المال ). ففي بداية العهد تكون القيم الرزقية تابعة للقيم العملية في الظاهر لأن برجوازيتنا إن صحت التسمية والنسبة وصلت إلى الثروة عن طريق السلطة بخلاف البرجوازية الغربية التي وصلت إلى السلطة عن طريق الثروة. والأمركذلك لغياب الدور المؤثر لملطفات القوتين. فالملطف المدني ( المجتمع المدني من حيث هو مصدر القيم: دور التنظيمات غير السياسية لحماية الحقوق المادية والمعنوية مثل النقابات والجمعيات ) والملطف السياسي         ( والمجتمع السياسي من حيث هو مصدر الشرعية: دور الأحزاب أو العشائر أو الطوائف بحسب المجتمعات ) كلاهما شبه معدوم. وفي غاية العهد تكون القيم العملية تابعة للقيم الرزقية في الباطن عندما يصبح للملطفات دور مهم وبعد أن تكون النخب السياسية قد استحوذت على الثروة الوطنية فتسعى للحفاظ على راهن الوضع                 (الستاتيكو) بلعبة دولة القانون والديموقراطية شرط النأي عن سؤال من انتقل من مد اليد للسؤال إلى ملء الجيب بالمال من غير مواريث أو اعمال.

وبذلك فالنخب الذوقية تكون في البداية تابعة بصورة غير مباشرة للنخب العملية بتوسط النخب الوجودية التي تعلل سلوكها والنخب الوجودية تكون تابعة بصورة غير مباشرة للنخب الرزقية بتوسط النخب الذوقية التي تعارض النخب الوجودية. ثم ينعكس الامر في الغاية. لكن التداخل المحدد لتبعية القيم بعضها للبعض لا يقتصر على علاقات نخب الداخل بعضها بالبعض. لذلك فالمعادلة تحتاج إلى تدقيق التحليل. ففي البلدان المتقدمة التي تستتبع البلاد المتخلفة تكون القوة غير المباشرة هي الأساس مباشرة بشراء النخب السياسية وبصورة غير مباشرة بتوجيه الرأي العام تحكما في الآلية الديموقراطية بشراء النخب الذوقية والنخب الوجودية المتواطئتين معها من خلال اضفاء المشروعية على سلوكها. لذلك فينبغي أن نعكس في وضعية البلاد المتقدمة. إذ تكون النخب العملية هنا تابعة للنخب الرزقية مباشرة أو بتوسط دور النخب الذوقية والنخب الوجودية التي تعيش على ما ترميه لها من فتات لتؤثرا في الرأي العام وتسيطرا من ثم على المجتمع المدني في بعده الرمزي.

 أما السيطرة على البعد المادي من المجتمع المدني فهي جزء من سلطان النخب الرزقية سواء كانت من أصحاب رأس المال ونوابهم أو من اصحاب القوة العاملة ونوابهم أو من النخب المتكلمة باسم هؤلاء أو هاولئك من طحالب المثقفين والاعلاميين. ومن ثم فنخبنا تستمد نجوميتها من سلسلة نفوذية معقدة ومركبة يمكن وصفها على النحو التالي. فهي لا تستمد دورها من كونها مبدعة لما تتحدث باسمه فتسمى بالنسبة إليه. وليس ذلك لضآلة الابداع فحسب بل لأن الابداع لم يصبح مصدرا لمنزلة فاعلة في المجتمع فتمكن صاحبها من أن يكون ذا تأثير رمزي يحرك وذلك بسبب ما حل بالذائقة العامة من تبليد لعل أهم اسبابه النسخ المسيخة من الابداع الحقيقي في الغرب وخاصة نسخ الادب الممسرح أو المسنمن. ما تزال الذائقة العربية محكومة بالمفارقة التالية. فالنخب القديمة المؤثرة فقدت تأثيرها لزوال التأثير الرمزي الذي يعد أساس الدور الذي يؤديه فقهاء الشرع والمتصوفة ومتكلمو اللاهوت وشعراء البلاط والنخب البديلة لم تصبح بعد مؤثرة لعدم شروع التأثير الرمزي للدور الذي يمكن أن يؤديه فقهاء الوضع والفنانون ومتكلمو الناسوت وشعراء المخاط. لذلك فإنه يمكن لإعلامي كذوب أو لمغنية طروب أو لراقصة لعوب أن يكونوا أكبر تأثيرا من كلا الصنفين صنف النخب التي دورها فات أو صنف بدائلها التي تزعم أن دورها آت.

وإذن فليس من المصادفة أن احتاجت النخب التي تدعي اداء دور المثقف إلى الاتكاء على سلطان براني يكون سلطان النخب الرزقية أو النخب العملية الأهليتين أو الأجنبيتين. وذلك هو مفهوم الجاه بمعناه الخلدوني. بل إن النخب الذوقية والنخب الرزقية والنخب النظرية والنخب العلمية والنخب الوجودية نخب يحددها ذوق ورزق ونظر وعمل ووجود خمستها سلبي مصدرها لاستنادها إما إلى الماضي الأهلي المعارض لما بدأ ينبت من الماضي الغربي في مجتمعاتنا أو إلى الماضي الغربي المعارض لما بدأ يستعاد من الماضي الأهلي. ومن ثم فالرأي العام المحدد تحديدا إيجابيا ليس هو الرأي العام الأهلي ولا حتى الرأي العام الغربي مصدر القيم في وطنه بل هو المافيات الغربية التي تقاسم المافيات المحلية ثمرات الاستعمار الباطن ( وهو استعمار بالنخب التي نوبها الاستعمار في ادارة مستعمراته السابقة ) الذي وليى الاستعمار الظاهر. ولعل الشكل الظاهر من الاستعمار سيعود من جديد لأن أمريكا بدأت تخشى من التدخلات الخفية للقوى المنافسة. لم يعد التسيير عن بعد يكفي لانفتاح لعب القوى المحلية قريبا انفتاحه على الأقطاب الاربعة في ما تعتبره مجالاتها الحيوية من منطلق الاستعداد للعماليق الأربعة التالية: الصين وتوابعها والهند وتوابعها وروسيا وتوابعها وأوروبا وتوابعها. ولم يبق للرأي العام الاهلي إلا التحديد السلبي فضلا عن امتناع الوصول للرأي العام الغربي المبدع حقا للقيم في بلده.

ويكون هذا التحديد السلبي إما برفض ما بدأ ينبت من الماضي الغربي في مجتمعاتنا (قيم الحداثة وهي ماض لان الحاضر الغربي محكوم بقيم أخرى فضلا عن كون الحاضر لا يحاكى لعدم استقراره وعدم تحدد خطوط قواه ) رفضا يتأسس على تجميد قيم الدين في الشكل الذي حصل لها في ماضي المسلمين أو برفض ما بدأ يستعاد من الماضي العربي فيها ( قيم الأصالة لأن القيم التي تحكم الحاضر مجهولة ومن ثم فتأثيرها مغيب فلا نعلم على وجه التحديد طبيعة القيم المؤثرة في حياتنا الخلقية لغلبة التكاذب الجمعي والنفاق في كل مجالات القيم الخمسة) رفضا يتأسس على تجميد قيم العقل في شكل التحقق الذي حصل لها في ماضي الغرب. ومعنى ذلك أن كلا الموقفين يجمد واقعا قد حصل ( صورة عن الماضي الأهلي أو الاجنبي ) فيحوله إلى مثال أعلى قاتلا بذلك الحاضر وحائلا دون أي تحقيق لمستقبل حر يتحدد عادة بالعلاقة بين واقع حي ومثال أعلى لم يتحقق سابقا حتى يكون الوصل بين الواقع الحي والمثال المطلق مغامرة وجودية فعلية وليس محاكاة لاعراض مجردة من تصورات ميتة لواقعين كلاهما شبع موتا.

         4- المقدمة الرابعة: موضوعنا بالقصد الثاني

وسنقدم في هذه المحاولة فصليها الثاني والثالث مثالين من كلا النوعين من القيم الذوقية والوجودية ببعدي المثال التصوري والتاريخي. إنهما مثالان كلاهما ذو بعدين تصوري وتاريخي يبينان التعامد بين  خط الفصام العمودي (بين الاصولية الدينية والأصولية العلمانية ) وخط الفصام الأفقي ( بين العمل على علم بطبيعة الفعل التاريخي والتخبط للجهل بها ). أما الأنواع الثلاثة الأخرى فلا أظن أحدا يناقش في ما زعمناه توصيفا لأصحابها بحسب التحديد النظري والتمثيل التطبيقي. فنخب القيم الرزقية (نخب الاقتصاد) والقيم العملية  (نخب السياسة) أمرهما بين للعيان ومن ثم فهو غني عن التمثيل. لا أحد يشكك في تبعيتهما أو في كونهما يتسمدان النجومية سلبا ( من لا ترضى عنه نخب مجاله في الغرب ) أو إيجابا ( من ترضى عنه نخب مجاله في الغرب ) من القوى الاستعمارية. لا أحد يمكن أن يزعم أن رجال الأعمال في الوطن العربي يمثلون نخبة ذات ابداع قيمي: ويكفي دليل واحد لبيان شرطي نفي كل ابداع في الحالتين.

فلو كانت نخب الرزق نخبا ذات قوة غير مباشرة مستقلة عن أصحاب القوة المباشرة ( المافيات الحاكمة ) لكانوا أول الساعين للتوحيد العربي على الأقل ليكون لهم قاعدة كافية لخوض صراع الحيتان في السوق العالمية في أي مادة للاعمال. لكنهم في الحقيقة إما ظل لاصحاب القوة المباشرة أو هم هم. فالفصل المحقق لشروط تقابل المصالح بين النخبتين لم يحصل بعد حصولا كافيا يمكن من العمل المستقل. لو كانوا نخبا ذات أفق يتجاوز الأعمال الحقيرة لكانت عيونهم بصيرة ولما بقيت أيديهم قصيرة! لو كانوا حقا نخبا مبدعة لاصبحت القوة المباشرة تابعة لهم بدل أن يكونوا هم تابعين لها ومن ثم لخلقوا قوى سياسية تحقق الوحدة كما حصل في أمريكا سابقا وكما نراه يحصل في أوروبا حاليا وكما هو منطق كل الوحدات في التاريخ الانساني. ولا نستثني من هذا المنطق الوحدات التي حققتها العقيدة الدينية. فالدين عندما يكون دينا صادقا وليس مجرد نفاق كما هو شأن الاديان المحرفة يكون سعيا لارث الأرض ومن ثم فلعامل القوة غير المباشرة دور الدافع الأساسي في تحقيق الوجود السياسي والحضاري للاديان. ولعل أهم مضامين الرسالة القرآنية في قصص الأنبياء بيان هذه الحقيقة التي لاجدال فيها: لا معنى للاخرة من دون مطيتها التي هي الدنيا إرثا لها وحماية من الفساد في الأرض ومن ظلم المستضعفين.

ولو كانت نخب العمل نخبا ذات قوة ذاتية وليست تابعة للمافيات الاستعمارية التي تستبعهم للنخب الرزقية في بلادها ( على الاقل بجعلها في خدمة الصفقات التي هي نهب مشترك ومنظم لثروات بلادنا ) لكانوا أول الباحثين عن شروط استقلال القرار السياسي أعني الحجم الفعلي للارادة تماما كما فعلت نخب أوروبا التي تنازلت عن العقيدة القومية رغم وجود القوميات وجودا فعليا  ( تعدد اللغات والثقافات الاوروبية أكثر من عشرين لغة )  في حين أن نخبنا السياسية هي أكثر النخب الساعية إلى خلق قوميات من عدم باحياء ماض  متقدم على الإسلام لم يعد إلا سلعة سياحية وبالنفخ في بقايا الاستعمار إلى حد تقسيم الوطن إلى جهات مناظرة لمناطق الاستعمارات والتبعيات.

ونأتي الآن إلى النخب النظرية أعني أولئك الذين يتصورون أنفسهم باحثين أو علماء أو اساتذة جامعيين لمجرد كونهم لهم هذا الموقع في أشباه الدول التي تحكم في أقطار الوطن. فأكثر هؤلاء تزعما للتنوير أكثرهم نفيا لشروط القيام الحضاري والتاريخي للامم عامة وللامة العربية خاصة ومن ثم لكل معنى يمكن أن ينسب إليه مشروع التنوير: تجاوز الحدود القومية بل والثقافية إلى الكونية المتوالية في الزمان والمتساوقة في المكان بخلاف ما يسعى إليه أشباه مفكرينا ممن يريدون العودة إلى قوميات شبعت موتا لمجرد أن ذلك يمدهم بمقفاز النجومية. إنهم يريدون أن يحققوا تحديثا فوقيا بحسب ايديولوجيات لم يستعوبوا لوازمها ومن ثم فهي غير مفهومة لهم لمجرد جهلهم بشروط تحقيقها في الواقع التاريخي الفعلي بحيث إن كل ما حصلوه من علم جعلوه وصفات معيارية للتحويل بديلا من التأويل بحسب الزعم الماركسي. وفي حين يكون البحث العلمي عادة عملية صياغة متصلة التعديل لنماذج رمزية هدفها تحليل الموجود وتحقيق المنشود تجد المزعوم علماء في جامعاتنا ومعاهد البحث  أكثر طوباوية من اكثر الناس جهلا بشرطي العمل على علم. فالعمل على علم يقتضي أن يعلم المرء الواقع الموجود وأن يخترع الطرائق والجسور الواصلة بينه وبين المثال المنشود بشرط أن يكون سلوكه من البداية منطلقا إلى الغاية وجهة سلوكا مرتب المراحل ومصحوبا بالروية السابقة استعدادا للانجاز وبالروية المصاحبة تجويدا له وبالروية اللاحقة نقدا تجاوزيا للتطوير حتى يتطابق النظر والعمل تطابقا مهمة التقدم العلمي تضييق المسافة بين وجهيه.

أما أن يكون الواقع مجهولا تمام الجهل وأن يكون المنشود مجرد محاكاة لامر هو بدوره معلوما علما سطحيا فهذا ليس عملا على علم لخلوه من شروط العلم النظري الممتحن والروية العملية المراقبة. لذلك فالأولى به أن يعتبر عين الفساد في الأرض. وما أوصى به ابن خلدون من ضرورة استبعاد المتصدرين للتنظير الذين هم من هذا النوع يبقى حسب رأيي أكبر حكمة قالها هذا العملاق الذي لخص في جملة واحدة عاهة المنظرين المقدمين على العمل السياسي من غير تجربة ولا علم حقيقيين. فيكون ادلاؤهم بدلوهم في الحياة أضغاث احلام تقضي على الحقائق بالأوهام وذلك هو عين السقام الذي نعتبر نخبنا الجامعية التي لا تميز بين ترديد الشعارات والكلام دون خبرة ومعاناة للاجتهاد المبدع لتصورات الموجود وتوقعات المنشود أعني لما لا يمكن للحضارات أن تقوم من دونه.

              الفصل الثاني: امثلة من النخبة الوجودية

                                             المسألة الأولى: مثال من النخب الوجودية

                                                 1- العلاج التاريخي

سنبدأ ضرب الأمثلة بأيسر الأمرين. فالنخبة الوجودية أمر استيلابها أكثر وضوحا من النخبة الذوقية ومن ثم فآليات النجومية فيها أقل حاجة إلى التحليل المعقد منها فيها. فقد أشرنا إلى أن النخب الوجودية بحسب الحصيلة التاريخية للتداخل بين السنتين اليونانية اللاتينية واليهودية المسيحية انفصمت قبل مجيء الاسلام إلى نخبتين متصارعتين هما المتكلمون والفلاسفة إذا أخذنا المسألة الوجودية في مستواها الأنطولوجي صعودا من الطبيعة إلى ما بعدها أو نزولا  مما بعدها إليها والفقهاء والمتصوفة إذا اخذناها في مستواها الأكسيولوجي نزولا مما بعد  الشريعة إليها أو صعودا منها إلى ما بعدها. فالسنة اليونانية اللاتينة كانت بحاجة إلى ما يماثل ما نجده في السنة الييهودية المسيحية لأن العمل بقتضي اليقين العقدي الجماعي ولا يكفي فيه الترجيح العقلي والعكس بالعكس لأن النظر يقتضي الفحص العقلي ولا يكفي فيه التسليم النقلي. فاجتمعت السنتان تصادميا في الأكثر وتكامليا في الأندر في ما  تقاسمته المسيحية والاسلام من معمور الأرض خلال عصر الصراع بينهما من نزول القرآن إلى الآن الصراع الذي رتبت مراحله خمس حروب: حرب الفتح وحرب الصليب وحرب الاسترداد وحرب الاستعمار وحرب التحرير.

وبذلك بات كل واحد من رابوع النخب جامعا للثلاثة الباقية في تكوينه مع غلبة ما يسمى به وصفا غالبا عليه. فكل فيلسوف لا بد أن يكون متكلما ومتصوفا وفقيها ( مثاله ابن سينا). وكل متكلم لا بد أن يكون فيلسوفا ومتصوفا وفقيها (مثاله الغزالي). وكل متصوف لا بد أن يكون فقيها ومتكلما وفيلسوفا (مثاله ابن عربي). وكل فقيه لا بد أن يكون متكلما ومتصوفا وفيلسوفا (مثاله ابن تيمية). لذلك فعندما كان الفقهاء فقهاء فعلا كانوا كذلك جامعين للصفات الثلاث الاخريات بخلاف ما هو عليه الشأن الآن. ولعل آخرهم أجمعهم لكل هذه الصفات. فشيخ الاسلام ابن تيميه يصح فيه أن يعد واحدا من كل هذه الانواع الاربعة في حضارتنا لبلوغه فيها جميعا الذروة رغم ما آل إليه أمره في توظيفه الوهابي الذي كان بالنسبة إليه جنيس التوظيف الستاليني لماركس.

لكن مسلمي عصرنا ليس لهم فلاسفة ولا متصوفة. وذلك أمر لا يجادل فيه أحد. أما متكلمو الاسلام وفقهاؤه المعاصرون فليسوا حاصلين حتى على الصفة التي يتسمون بها لكون علمهم الكلامي أو الفقهي لا يتجاوز حفظ الحاشية والمتن مع تعثر الفهم وتلكؤ الذهن. لا أحد منهم يمكن اليوم أن يعتبر مؤهلا علميا لفهم ما كتبه كبار المتكلمين أو كبار الفقهاء أو كبار الفلاسفة أو كبار المتصوفة هذا إذا سلمنا أنه قد حصل الزاد اللساني والمنطقي فضلا المعرفة المختصة بالموضوعات التي يعالجها اختصاصه من المنظور الديني المعرفة المساوية لما كان ضروريا في تكوين هؤلاء الأعلام وفضلا عن العلوم الادوات والعلوم الموضوعات التي طرأت بعد عصرهم. وصلة هذا الأمر بمحاولتنا بينة لكل ذي بصيرة مهما احتج بغير علم على ما يتصوره قساوة حكم قد يلامس الظلم.                

فمن شروط علم الفقه الذي هو فهم شرع الله فهما مختصا أن يكون صاحبه عالما بخمسة أصناف من العلوم لا يمكن من دونها الكلام عن فقه مختص: 1- أولها علوم تحقيق مصدري التشريع الأصليين أعني القرآن والسنة لمعرفة ما هو منهما وما هو منحول عليهما ثم ما نسخ منهما وما بقى مؤثرا 2- وثانيها علوم شروط أداتي التشريع الأصليتين وتأويلهما أعني الاجتهاد والاجماع ( علوم اللسان والتأويل لفهم النصوص وعلم التاريخ والاجتماع لفهم المواقف الجماعية التي ينسب إليها الاجماع ) 3- وثالثها علوم الاجتهاد والاجماع الاستثماريين لاستخراج التشريعات من المصدرين           ( علوم المنطق والصياغة التقنية للتشريعات الفقهية وعلوم التوازنات القيمية في العمران البشري) 4- ورابعها علوم الموضوع الذي يقنن له الفقيه بتطبيق أحكام الشرع عليه وأهمها العلوم الانسانية والاجتماعية ( كل المجالات التي يشرع لها الشارع موضوعات تعلم بعلوم متقدمة على تطبيق الاحكام عليها: فمثلا فقيه المعاملات لا بد أن يكون على دراية بعلم الاقتصاد شرطا في تأويل أحكامها الشرعية التأويل الصحيح ) 5- وأخيرا الفلسفة السياسية أو الفقه الاكبر بمعنى السياسة  العام وليس بمعنى ممارسة الحكم أعني علم المناسبة بين التشريعات والظرف الذي يجعل تطبيقها محققا للصالح العام ومحافظا على النظام العام الشرعي والخلقي (وهو فوق النظام العام الامني وشرطه) بدل تحوله إلى مصدر فتنة. ولعل أهم قاعدة في ذلك كيفيات تطبيق الرسول الكريم لبعض الأحكام بحسب المناسبة السياسية بتوسط التربية المتدرجة للسملين حتى لا ينقلب التشريع من نظام للعمران إلى مصدر لتخريبه .

ولست مبالغا إذا قلت إن أعلم فقهائنا الآن لا يكاد يبلغ علمه المعرفة الجمهورية للبندين الاولين في الحال التي بلغ إليها العلم في القرون الثلاثة الأولى. والدليل أن أغلب الفقهاء المعاصرين يتصورون الأيمة الاربعة كبارا بمعمول علمهم لا بعمله. فيعتبرون العرفان لهم متحققا بتقليد المضمون العلمي الذي توصلوا إليه بدل العرفان للجهد الذي بذلوه في تأسيس هذه العلوم وابداع الحلول المناسبة لهيئة القضايا المطروحه عندئذ بحسب ما تقتضيه حال العلوم بأصنافها الخمسة التي أشرنا إليها. فحصيلة أي علم إنساني أمر مهم لكن فعل تحصيلها أهم. لأن الابداع وخاصة ابداع التأسيس لا يتعلق بعين المضمون بل بفعل ابداعه فيكون العرفان الحقيقي بابداع مناظر له من حيث المناسبة مع مقصده وليس بتقليد المضمون. أما البنود الثلاثة الموالية فهي مهملة تمام الاهمال فضلا عن كون العلم الذي يحفظون حتى في المعنى الضيق من اختصاصهم لم يعد علما إلا إذا اعتبرنا حفظ الطب الذي كان معمولا به في تلك القرون الثلاثة طبا صالحا اليوم فيغنينا عن الطب الحديث. فإذا كان طب الأبدان الأصغر عند ابن سينا في القرن الخامس لم يعد صالحا رغم عبقرية صاحبه فكيف بطب الوجدان الأكبر الذي هو الفقه يبقى صالحا مهما زعمنا من عبقرية للمؤصلين الأوائل؟

ومن شروط علم الكلام الذي هو العلم بذات الله وصفاته وأفعاله في العقيدة (الطبيعة) وفي الشريعة ( التاريخ ) أن يكون صاحبه عالما بخمسة أمور كذلك لا يمكن الكلام من دونها عن علم كلام: 1- أولها مثل الفقيه 2- والثاني مثل الفقيه مع تغيير المقصود بالتفسير والتأويل لان الهدف هو العقيدة وليس الشريعة 3- والثالث عكس الثالث عند الفقيه: فهذا يستثمر النص ليستنبط منه نتائجه الشرعية وذاك يستمثر النص ليستنبط منه شروطه العقدية أي إن الفقيه يعتبر النص مقدما والشريعة تاليا والمتكلم يعتبر النص تاليا والعقيدة مقدما. لذلك فالثالث هو علوم المقدم الذي يبحث عنه و هو الفرضيات العقلية حول ذات الله وصفاته وذات النبي وصفاته بوصف النصين بدرجتيهما النظرية والعملية وببؤرتهما التي هي الفعل التاريخي للامة لا يفهمان إلا بتلك الفرضيات التي تضفي عليهما النسقية فتجعلهما قابلين للاستعمال التعبدي والتاريخي 4- والرابع هو علوم ما يتكلم فيه النصان من الموجودات الطبيعية والتاريخية وما بعدهما بوصفه يتصف بصفات مستنتجة مما يمكن أن يلائم ذات الله وصفاته واسماءه الحسنى. 5- والخامس والاخير هو تأسيس العلوم والوجود بمسار مقابل للمسار الفلسفي أي إن  المتكلم يذهب من التاريخي وما بعده إلى الطبيعي وما بعده والفيلسوف يعمل العكس في عهدي الفكر الفلسفي القديم والوسيط.

                      2- العلاج التصوري

لكن الحل الكلامي بات مسيطرا على الفلسفة الحديثة منذ ما يزعمه السطحيون قطيعة مع العصور الوسطى وبداية الحداثة. وقد اتضح الأمر خاصة في الفلسفة المعاصر التي أصبحت تعتبر المدخل التاريخي وما بعد التاريخي المدخل الوحيد المقبول عقلا لفهم الطبيعة وما بعدها حتى إنه ليحق لنا أن نزعم أن علوم الطبيعة تأنسنت بعد أن كان السعي إلى طبعنه العلوم الانسانية. لذلك فإنه يمكن أن نقول إن الفلسفة الغربية الحديثة كلها مجرد ترجمة لكل مقولات اللاهوت القديم والوسيط بعملية تعويض بسيطة جدا في خانة المبدأ. كان الله فصار الانسان. وكان اللاهوت فصار الناسوت. بعد الثيولوجيا تأتي الانثروبولوجيا بنفس المضامين التي لا تدق حتى عن الغافلين.

فما يسمى بما بعد الحداثة هو علم الكلام الناسوتي الذي يكرر جدل علم الكلام اللاهوتي رغم جهل العلمانيين بمنطق تطور الفكر الغربي وبالعلاقة الوطيدة بينه وبين الاسلام ما يجعلهم يتصورون العلاقة الصدامية بين الفكرين مجرد عرض سياسي علته تخلف المسلمين. وما أظنهم قرأوا أو تدبروا ان فرضنا أنهم تصفحوا شيئا من العلل التي تفسر أساليب الفكر الغربي المسيطرة في لحظته الراهنة: 1- الهرمينوطيقا (التأويل الثقافي من دلتهاي فصاعدا والوجودي من هيدجر فصاعدا ) 2- والانالوطيقا (التحليل المنطقي في بداية حلقة فيينا واللساني في نهايتها ) 3- وأثر الأولى في الثانية أو ما يسمى بفكر التفكيك 4- وأثر الثانية في الأولى أو ما يسمى بالنقد الاجتماعي ثم الثقافي 5- ووحدة الكل في علم الكلام الناسوتي أو الانثروبولوجيا سواء كانت تاريخية تحاول أن تكون علمية أو ميتاتاريخية تزعم التأسيس إما على ميتافزيقا الفلسفات أو ميتاتاريخ الاديان. وقد يتصور البعض أن هذه الأساليب المسيطرة وانتقالها من الثيولوجيا إلى الانثروبولوجيا أمر وليد المصادفات التاريخية أو خاصية غربية. لكن الفهم العميق لتاريخ الفكر البشري يبين أن المحدد الحقيقي يرجع إلى عاملين: أولهما "لساني-منطقي" خالص والثاني "معرفي- وجودي" خالص. وكلاهما كوني بالمعنيين التوزيعي والمقوم:  فهو يوجد في ما صدق الحضارة أشخاصها شخصا شخصا وفي مفهومها لكونه احد مقومات تصور الحضارة.

فأما العامل الأول أو البعد اللساني المنطقي فيرجع إلى التنازع الدائم بين بعدي المفيد الدالي وبعدي المفاد المدلولي في عملية المعرفة إلى حد تحويل نحو الدال ومنطق المدلول إلى مادة تشكيلية تصاغ بحسب التناظر المطلوب بينهما. فبعدا الدال والمدلول الأولان يمكن أن يعتبرا صادرين عن نسبتهما إلى فاعل الافادة الدلالية فيكون تطابق وجهي البراغماتيكا (الدلالة من حيث علاقة المتخاطبين بعضهم بالبعض ) أعني التطابق بين الأفعال التعبيرية والمواقف القضوية وبعداهما الثانيان يمكن أن يعتبرا صادرين عن نسبتهما إلى مفعول إلافادة الدلالية فيكون تطابق وجهي السيمانتيكا ( الدلالة من حيث علاقة الرموز بالمرموز المحال عليه أو المرجع ) أعني تطابق الصيغ القضوية والمعاني القضوية. وبذلك لا يبقى لنحو القول أو السانتاكس (الدلالة من حيث علاقة الرموز بعضها بالبعض ) ومنطق المقول أو الترابط الضروري بين الظاهرات (القوانين العلمية) أدنى تأثير لأنهما يتحولان إلى مادة عقلية تنتسج فيهما استراتيجية فعل النطق المصوغة في الرموز لتحقيق التطابق الأول فيحصل ما يمكن أن نسميه هرمينوطيقا أو التطابق الثاني فيحصل ما نسميه أنالوطيقا. ولما كان السانتاكس والترابط الضروري بين الظاهرات عصيين على هذين الردين فإن الحاصل فعلا هو أثر التطابق الأول من حيث هو غاية في التطابق الثاني من نفس الحيثية ( التفكيك ) أو أثر التطابق الثاني في التطابق الاول ( أو النقد ) من نفس الحيثية كذلك.

تلك هي معادلتنا من منطلق العامل الأول. لكنها لا تكتمل إلا إذا بينا أن الأثرين علتهما أن فاعل الدلالة لم يعد ذاتا لا ذاتا مجردة ( الذات المتعالية ) ولا ذاتا معينة  ( الذات النفسية) بل بات حالَ فاعليةٍ لثقافة ومجتمع معينين في احدى لحظاتهما التي هي حصيلة وقوعها ووعيها بوقوعها في علاقتها بفعل الدلالة. كما أن مفعول الدلالة لم يعد موضوعا مجردا ( الموضوع المتعالي) ولا موضوعا معينا                   (الموضوع التجريبي) بل بات حالاً انفعاليةً لنفس تلك الثقافة المعينة في نفس تلك اللحظة بما في حشاياها من متراكم. أما التطابق بين الحالين فهو التفاتح Mutual disclosure  بين الثقافة من حيث هي حال فاعلية والثقافة من حيث هي حال انفعالية في تلك اللحظة التي هي منظور التفاتح لكأن الحضارة كائن مدرك                    (وهي طبعا ليست كذلك ) يتألف من تراكمِ وعيِ بوعيٍ (مركب) يسعى إلى التطابق مع تراكم وعي (بسيط) إلى لا نهاية. فيكون حاصل هذه العملية: التأويل والتحليل حدين غائيين لا يتحققان خالصين أبدا ثم من تصادمهما يتحقق تأويل التحليل أو التفكيك وتحليل التأويل أو النقد الثقافي.

وما من ثقافة بلغت درجة الصياغة الواعية بنفسها  لفكرها  الوجودي الكلي بأسلوبيه النقلي والعقلي إلا ولها هذه الابعاد التي علامتها الرئيسية البلوغ إلى محاولات فلسفة التاريخ والسعي إلى تأسيسه معرفته العلمية. وبذلك يتبين أن البنية التي وصفنا ليست خاصة بحضارة بعينها بل إن كل حضارة لا بد أن تعرف هذه الابعاد الخمسة ضرورة في لحظة النضوج التاريخي: حدان مثاليان ووسطان بينهما ناتجان عن تفاعلهما ثم وحدة الكل التي هي الحضارة من حيث هي كيان حي تتراكم أفعاله الترميزية في أفعاله الترميزية إلى مالا نهاية. والأمر الوحيد الذي يمكن أن يكون خاصا باللحظة الغربية الحالية هو أنها  أولى اللحظات التاريخية البشرية التي أدركت غاية ذلك ( بالمعنى الاول من الادراك أي وصلت إليها ) دون أن تدرك دلالته ( المعنى الثاني من الادراك أي فهمت معناه ) لأنها لم تسطع تحديد طبيعتها. وتلك هي العلة التي جعلتها تستنج  منها عكس ما توجبه.

فهي لا تؤدي إلى النسبوية كما يتصور الفكر الغربي الحالي إلا من حيث المادة الحضارية. لكنها كونية من حيث الصورة: أي إن مخمس المواقف يحصل بصورة كلية فلا تخلو منه حضارة بلغت ما وصفنا بصفة النضوج التاريخي كما يتبين من محاولة ابن خلدون. ويمكن أن نفهم ذلك بالمماثلة مع قانون تراكم الفاعلية التصويرية للوظائف في الظاهرات الحية بفضل توالي أشكال التعضي في الاجسام الحية العينية. فالصورة والمادة في الظاهرات الحية لا توجدان إلى وجود الغاية في التحليل المنطقي للكائن الحي: لا توجد مادة من غير صورة ولا صورة من غير مادة إلا في التجريد الذهني. أما الموجود حقا من الكائنات الحية فهو أثر فاعلية التصوير في المادة أو التصوير وأثر فاعلية التمديد في الصورة أو التمديد وحصيلة العمليتين هي التعيين المادي أو صيرورة الكلي جزئيا ( تعين النوع في الفرد أي إن الفرد يحمل خاصيات النوع ) والتعيين الصوري أو صيرورة الجزئي كليا ( تعميم الخاصيات الشاذة المساعدة على التكيف من الافراد الذين ظهرت فيهم إلى نسلهم أعني أنها تصبح موروثة ) في الوجود الفعلي.

وأما العامل الثاني أو البعد المعرفي الوجودي فيرجع إلى التنازع الدائم بين بعدي الآلهية ( الانسان من حيث هو مدرِك للالهي ) و بعدي المألوهية ( الله من حيث هو مدرَك  للانساني ) في عملية الوجود الفعلي حتى في البعد المعرفي لأن ما يقع في الذهن درجة من درجات الوجود إذ لا معنى لأمر موجود ولا يعد من الوجود: المعرفة ضرب من ضروب الوجود. ويصل التنازع إلى حد تحويل نحو الوجدان ( بنية عملية المعرفة ) و منطق الايجاد ( بنية عملية تحقق الموجود ) إلى مادة تشكيلية تتحقق بحسب التناظر المطلوب بينهما في مجرى الوجود وفي علمه الذي هو ضرب من ضروب الوجود (وبه يتحدد الانسان). فبعدا الآلهية (الإنساني- الإلهي) الاولان يمكن أن يعتبرا صادرين عن قيس الاول على الثاني بالاطلاق الوهمي مع التشبيه التام للخاصيات الوجودية الفعلية. فمن الكثرانية الجزئية للالهي ( لكل قبيلة آلهة متعددة) إلى الكثرانية الكلية (آلهة متعددة مشتركة بين القبائل المتحدة ) إلى الوحدانية الجزئية  ( إله واحد خاص بالقبيلة: رب بني اسرائيل مثلا ) إلى الوحدانية الكلية المطلقة ( الله في الاسلام ). وجملة ذلك تؤلف مفهوم الألهي في حصول العلاقة الصاعدة من الانساني (الوجدان) إلى إلالهي (الايجاد) حصولا فعليا ( في الممارسات الحية لكل الشعوب وخاصة في المشاعر والفنون ) وحصولا ادراكيا ( في الفلسفات الحية لكل الشعوب وخاصة في فلسفة الدين وفلسفة التاريخ): ودلك هو حقا ما يعنيه قص القرآن لتاريخ الفكر الديني.

 ثم ينعكس الامر فيقاس الالهي على الانساني بشبه تنازل من الوحدانية الكلية (الطبيعة الانسانية) إلى الوحدانية الجزئية ( العنصرية ) إلى الكثرانية الكلية ( بعض  النماذج الثقافية تستحق صفة الانسانية ) إلى الكثرانية الجزئية ( النسبوية الثقافية). وجملة ذلك تؤلف مفهوم الانساني في العلاقة النازلة من الالهي إلى الانساني. وبذلك نفهم لماذا لا يختلف الفكر الحالي عن الفكر الوسيط إلا بشيء واحد. يكفي أن  يعوض المرء كلمة الله بكلمة الانسان في كل ما كتب في العصور الوسطى في الثيولوجيا وعلاقة الله بالعالم وبالانساني حتى يجد ما يكتب اليوم في الانثروبولوجيا وعلاقة الانسان بالعالم وبالالهي لو عوض المرء فيه كلمة انسان بكلمة الله. ما يعني أن الفكر الانساني لا يزال حبيس التماثل السطحي بين العالمين الأكبر والأصغر ولكن بمعنيين: المعنى المادي مقايسة للعالم الطبيعي بجسم الانسان والمعنى الروحي مقايسة لما يتصور روح العالم ( الله ) بما يتصور روح الانسان ( النفس البشرية ).

وتبدو النقلة في بادئ الرأي من الصعود إلى الهبوط من الصدف. لكننا إذا ربطناها بآخر مراحل الصعود وأولى مراحل الهبوط نفهم أمرين يمثلان اليوم قلب التاريخ الكوني: 1- كون الرسالة الخاتمة ليست رسالة جديدة بل تصحيح لتحريف الرسالات السابقة 2- وكون منزلة الاسلام معضلة الحضارة التي حققت كل مراحل النزول إلى حد اعتبار علاجها موضوع الحرب العالمية الرابعة. فاطلاق الوحدانية الكلية للالهي قد تحققت دون منازع في الاسلام. لذلك فإنه يحق لنا أن نعتبره نهاية الصعود ومن ثم الدين الخاتم إذ لم يبق بعد ذلك من تصور للالهي أسمى من التصور الذي حددته عناصر الاخلاص الخمسة بموجبتين وسالبتين وأصلهما المتقدم عليهما: "(قل): { 1- هو } { 2- الله احد (+)} { 3- الله الصمد (+)} { 4- لم يلد ولم يولد (-)} { 5- ولم يكن له كفؤا أحد(-)}".

واطلاق الوحدانية الكلية للانساني قد تحققت دون منازع في المسيحية. لذلك فهي قد رمزت لذلك ببنوة المسيح لله. لذلك فإنه يحق لنا أن نعتبر المسيحية بداية النزول الذي اكتمل في النسبوية ما بعد الحداثية غاية للنزول. ويمكن أن نعتبرها بهذا المعنى قابلة للتعريف بعكس معاني الاخلاص الخمسة بمجرد قلب علامتي الايجاب والسلب مع قلب الترتيب أعني بقرأءة السورة من النهاية إلى البداية: "{ له كفؤ أحد (=ابنه)} { ولد (ابن الله) ويلد (كل من يحل فيه المسيح وخاصة البابا )} { ليس صمدا ( لأنه مؤلف من ثلاثة )}                { وليس أحد  (لأن له شركاء)} { وإذن فلا تقل هو  ( بل قل هم )}". وليست المقابلة من اختراعي. فهي مضمون سورة آل عمران:" ما كان لبشر  ( عيسى عليه السلام) أن يؤتيه الله الكتاب ( النقل ) والحكم ( العقل) والنبوة ( القدرة على الجمع بينهما) {وذلك هو تعريف الرسول في القرآن الكريم} ثم يقول للناس (تبليغ الرسالة ) كونوا عبادا لي من دون الله. بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ( التنزيل) وبما كنتم تدرسون (الحكم)" ( آل عمران 79). لذلك فهذا الفهم للنقلة من التسامي إلى أكثر تصورات الله تنزيها من التشبيه مع أسمى المخلوقات إلى التداني إلى أكثرها تشبيها به فهم قرآني خالص ليس لي فيه فضل إلا ربطه بتطور التاريخ الفعلي للفكر الديني خاصة مع الكتاب مطبقا على الحكم وموضوعه والفكر الفلسفي عامة مع الحكم مطبقا على الكتاب وموضوعه. وهدفنا من بيان الصلة تحرير المتطفلين على الفكر من المقابلات السطحية بين الديني والفلسفي إلى حد نسيان ما تميز به فكر الحداثة من اعتماد على اصلاح ديني قبل إي اصلاح آخر فضلا عن تعريفها الأكمل عند هيجل بداية وهيدجر غاية بالمنظور المسيحي للاهوت في صلته بالناسوت.

لكن تاريخ الدينين المسيحي والاسلامي يفرض علينا علاج المشكل التالي: كيف تقدمت بداية النزول إلى حضيض التشبيه على نهاية الصعود إلى اوج التنزيه ؟ الجواب عن هذا السؤال عسير جدا. لكن علينا قبل علاجه أن نفهم امرين. الأول هو جواب هيجل على ما يناظر هذه المسألة. والثاني هو جواب القرآن الذي نؤخره في تحليلنا لعلاقته بالجواب عن المشكل الثاني. فقد اعتبر هيجل الاصلاح البروتستنتي ثمرة للمخاض الطويل الذي مر به هذا  المعنى المسيحي ( الذي يعتبره أصل الحداثة أعني اكتشاف الذاتية أو مفهوم الانسان الكلي بتوسط بنوة المسيح لله وموته فداء للانسانية ) بالمقارنة مع النجاح السريع المستند إلى الاسلام الذي يعتبره عبادة الكلي المجرد ويطلق عليه اسم الثورة الشرقية التي تلغي كل تعين فتجعل الانسان عبدا لله باطلاق. ومعنى ذلك أن هيجل يعتبر المسيحية آخر الاديان رغم أنه لا ينكر الدين الاسلامي ولا ينفي نبوة محمد بخلاف المفكرين المسيحيين. وإذن فالحل الذي يراه هيجل هو اعتبار الدين المسيحي مر بمرحلتين: ما قبل الاصلاح وما بعده. والمرحلة الاولى مجرد فكرة والمرحلة الثانية تحقيق لتلك الفكرة لأن الذاتية ينبغي أن تمر بمرحلة الوعي لتصل إلى مرحلة الوعي بالوعي ومن ثم فحقيقة المسيحية حسب هيجل هي الاصلاح الجرماني الذي قرأ الانجيل وفهم نصه اليوناني الذي أول بضوئه كتاب التوراة العبراني: وتلك هي العلة العميقة للصراع بين الصهيونية والنازية. فكلتاهما تقول بالشعب المختار دينيا عند الأولى وفلسفيا عن الثانية. وهكذا فقد اجتمعت مراحل النزول من اطلاق إثبات الانسان إلى حد التأليه إلى اطلاق سلبه إلى حد التسفيه فأصبح ريشة في مهب رياح الجدل العضواني(داروين) والتاريخاني (ما بعد الحداثة).

أما الثاني فهو الجواب القرآني. وهو ذو درجتين. أولاهما هي الأصل الذي يعتبر الاسلام لا يقبل الترتيب بحسب التوالي الزماني للاديان لانه ليس دينا جديدا. فهو الديني في كل دين طبيعيا كان الديني أو منزلا ومن ثم فهو الأول والآخر. فالدين حسب القرآن هو الاسلام. وهو الفطرة. لكن ذلك لا ينبغي أن يستنتج منه المتعجل أن التوالي الزماني خال من المعنى عند نسبته إلى الاسلام. وتلك هي العلة في وجود الدرجة الثانية من الجواب. فحقيقة الديني في كل الاديان هي ما يذهل عنه الانسان فتصبح نسيا من النسيان يقتضي استئناف البيان. وذلك معنى الذكر في القرآن: التذكير بهذه الحقيقة الواحدة. وهو بذلك متمم مكارم الأخلاق بمعنى أنه الحائل دون الاخلاق التي تنكص بالبشرية إلى الغفلة والنسيان في مجالات القيم الخمسة: قيم الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود. وهو خاتم بهذا المعنى رغم أن الرسالات تامة في كل مرة ولا تحتاج إلى استكمال. إنها جميعا واحدة  من حيث الحقيقية الكامنة في كل رسالة متقدمة. لكن  الرسالتين الاخيرتين قبل الختم المحمدي أفسدتا الرسالتين الاوليين بما طرأ عليهما من تحريف حولهما إلى عكسهما ولم ينج من التحريف إلا الرسالة الوسطى أعني رسالة ابراهيم عليه السلام لذلك اعتبرها التذكير الخاتم بداية التدبير الحاسم.

كيف نجيب الآن عن السؤال أعني كيف نفهم تقدم بداية النزول نهاية الصعود فنعللها بمقتضى ما يجري في التاريخ الفعلي ؟ جوابنا في الحقيقة ليس جوابا عن السؤال في صيغته الساذجة لأنه يقتضي قبل ذلك بيان أعصى المسائل عن الحل في  قضية الترتيب من خلال اعتراض بين لكل ذي بصيره على جواب القرآن بدرجتيه عودة من الأخيرة إلى الأولى. وهذا الاعتراض بفرعيه هو عينه حجتا التكذيب بنبوة محمد حجتاه الرئيستان. فما الذي يضمن أن يكون التذكير المحمدي أخيرا ؟ أفتكون الانسانية أصبحت منزهة عن النسيان فتستغني عن استئناف البيان بعد القرآن ؟ الرد بوعد الحفظ لا يكفي لانه لا يقنع به غير المؤمن بالقرآن فلا يكون رد البرهان. وكيف يمكن أن يكون الدين كونيا بالمعنى التوزيعي أي أن يكون لكل أمة نبي بلسانها ثم نزعم القرآن موجها للبشرية كلها بل وللانس والجان لأنه عين الحقيقة الدينية الكلية في كل الأديان طبيعيها ومنزلها؟ أتكون البشرية كلها ناطقة بلسان العرب  حتى يكون الخطاب الموجه بهذا اللسان مغنيا عن غيره من البيان؟

رد الاعتراضين بالحجة العقلية يجيب عن سؤالنا لأنه يبين طبيعة الحجة التي لا جدال فيها. فالتذكير الذي لا ينسى ينبغي أن يكون تذكيرا متواصلا في احداث التاريخ الفعلي ومن ثم فهو تذكير فاعل في ساحتي التاريخ البشري أو بعدي الابداع الحضاري: بعد القوة الرمزية وبعد القوة المادية في أصناف القيم الخمسة. أما التواصل فدليله قائم ومشهود بالعين المجردة. فهو عين الصراع الدائم مع ممثلي درجات النزول الخمسة من تأليه الانسان في بداية التحريف المسيحي إلى تسفيهه في غاية التحريف المسيحي أو المسيحية الصهيونية. ومنذ نزول القرآن إلى اليوم لا يزال التاريخ الكوني معركة بين التذكير المحمدي بمراحل الصعود والفرض الغربي لمراحل النزول. والمعركة لم تحسم بعد لذلك فلا يمكن ان نحكم على نتائجها فنزعم أن المسلمين هم المهزومون في مجالات القيم الخمسة. فهزيمتهم رغم طول عهدها في الظاهر ليست هزيمة بل امتحان وفرصة للاستئناف. و عدم حصول الهزيمة المزعومة يمثل الدليل الذي لا غبار عليه على صحة الدعوى. فلا يمكن نسيان التذكير المحمدي من دون القضاء على الحضارة الاسلامية. لكنها تملك قلب العامل وخمس سكانه مع شروعها الفعلي في استئناف دورها الكوني فضلا عن كون المسلمين هم شباب العالم بخلاف الحضارة الهرمة التي تحاربهم.

وأما علاج المفارقة الناتجة عن خصوصية اللسان وكونية البيان في القرآن  فذلك هو العلة الحقيقية للبحث في الابداع القيمي عامة وفي تركيز هذه المحاولة على ابداع القيم الذوقية والوجودية وما قد يصيبهما من أدواء بسبب النجومية. فلو بقي الاسلام مجرد خطاب لا يبلغ إلا باللسان لبقيت الرسالة مقصورة على العربان أو على من يتعلم العربية من بني الانسان. لكن دعوته حواملها كل حوامل القيم التي يحددها للذوق والرزق والنظر والعمل والوجود ليس في مستواها الرمزي من حيث هي مثل عليا فحسب بل في مستواها الفعلي من حيث هي مشروع سياسي يحقق أمة تكون المعلم الحضاري الذي تتعين فيه هذه القيم. وبذلك تكون أدوات التبليغ اللسانية أقل الأدوات استعمالا ولا يلجأ إليها المسلم إلا إذا اراد لعلمه بالقرآن استكمالا.

لكن الضمور الذي أصاب المستوى الرمزي من الابداع الذوقي والرزقي والنظري والعملي والوجودي في الحضارة الاسلامية بسبب معركة الديكة بين النخب الاصلانية والنخب العلمانية في عصرنا وبين نخب العلوم النقلية ونخب العلوم العقلية في العصور الوسطى كاد يقضي على أدوات التبليغ الكونية في الرسالة المحمدية التي تحولت إلى هذائيات أرقاها ثرثرات أيمة الجمعة والباحثين عن الصيت والسمعة في الفضائيات. نسي الجميع أن علوم الآيات بمعناها العام ( التي تعود إلى الوجود كله الذي تقيمه أصناف القيم الخمسة ) التي تتلكم فيه الآيات بمعناها الخاص ( التي هي وحدات نص القرآن الدنيا ) والعمل على علم بتلك العلوم بحسب قيم موضوعاتها (إذ إن العلوم نفسها أحد الموضوعات المقيمة) كانت ولا تزال أهم ادوات التبليغ الغني عن التشدق باللغو المتلفز والمذيع.

وطبعا فقد يتصور الكثير أن كل هذا مجرد تأويل لا يؤيده حكيم التنزيل. لكأن الآيتين 104 و110 من آل عمران ليستا من القرآن.  فالآية الأولى انشائية: " ولتكن  منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" إنها تأمرنا بأن نكون الأمة التي تتصف بصفات هي عينها الصفات التي تؤهلها لأن تكون خير أمة. وذلك ما أكدته الآية  الثانية في صيغة الخبر الذي ينبغي أن يفهم فهم جواب شرط مقدر:" كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم. منهم المؤمنون. وأكثرهم الفاسقون": فمدلولها أننا نكون خير أمة إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وآمنا بالله.

ويكفي فهم منطق الآيات الخمس المتوسطة بين الآيتين حتى نعلم القصد من اختلاف الصيغتين شكلا ومضمونا. فالانشائية تحدد شروط الفلاح فتحصرها في طبيعة الدعوة (الدعوة إلى الخير) وفي مضمونها ( الامر بالمعروف والنهي عن المنكر). لكنها تقف دون الاثبات الخبري. أما الخبرية ( الآية 110) فشرط الاتصاف بها أن يستجيب المرء للامر ( الآية 104) ليضيف إلى الطبيعة (دعوة الخير )  والمضمون ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) الغاية ( الإيمان بالله). ولو وقفت الآيتان عند هذا الحد لكان الأمر عديم الصلة بموضوعنا. فالآية 110 تشير صراحة إلى المقابلة مع أهل الكتاب. وما بين الآيتين يشير إلى علة إضافة الايمان بالله للانتقال من الانشاء إلى الخبر بخصوص تكليف المسلمين بالرسالة. فدعوة المسلمين إلى الخير تكون بأخلاقهم قولا وفعلا لئلا يكونوا مثل المذموم من الشعراء ( أعني تحقيق القيم الخمس بحسب قوامها السوي لكي يصدق وصف الرسول بعثته بكونها لتتميم مكارم  الأخلاق ) فيحصل الفلاح الدنيوي والاخروي: وتلك هي وسائط التبليغ المعالجة للمفارقة بين خصوصية اللسان وكونية البيان في القرآن.

وأخيرا فإن التذكير بغاية الصعود ينبغي أن يأتي بعد حصول بداية النزول المتضمنة لغايته. ذلك أنه لا معنى لعلاج مرض لم يحصل. فلو لم تمرض البشرية مرضا يدفع بها إلى البحث  بعقلها ووجدانها عن العلاج الشافي لكانت في غنى عنه. لذلك فإن أصل الوجود يصبح منتظرا أن يجود بالحل المحمود. وذلك ما حصل بفضل الرسالة الخاتمة التي لا تدعي الاتيان بمضمون جديد بل تذكر بالمضمون الواحد في كل الأديان عند تخليصها من التحريف المادي ( تغيير دال الرسالة) والمعنوي ( تغيير مدلول الرسالة). وتذكيرها لا يعتمد على مجرد الدعوة الدينية بالكلام بل هو مشروع سياسي ذو نظام يحقق القيم في وجود الأنام حتى لا يكون التذكير مجرد أحلام. إنه قيم حية يتواصى أصحابها بالحق اجتهاد في مجال الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود ويتواصون بالصبر جهادا لتحقيقها بالفعل. لذلك اعتبرنا محاولتنا استكمالا لمشروع ابن خلدون وابن تيمية في تحقيق شروط الاصلاح المتواصل أعني المعنى الحقيقي للاجتهاد بمعيار التواصي بالحق والمعنى الحقيقي للجهاد بمعيار التواصي بالصبر في مؤسسات حددنا بعضها في غير موضع.

ولنختم هذا الفصل الثاني بتحديد المؤسسات التي وضع القرآن الكريم أصولها لتحقق مكارم الاخلاق فتكون وسائط الدعوة المكملة للسان المؤسسات التي فشلت الحضارة الاسلامية في ابداع آلياتها فكان فساد ما حصل منها حصولا عفويا ودون روية نظرية علة انحطاطها. أما علة الحاجة الملحة راهنا لاعادة تحديد مقومات النهوض الفعلي والاستئناف الذي لا يمكن أن يكون إلا بحجم البداية بتحقيق هذه المؤسسات فهي الرد على الدعاوى السخيفة التي يزعم أصحابها أن الاسلام لم يحدد نظاما سياسيا بين المعالم بدءا بصاحب الحكم في الاسلام الذي تصور اطلاعة السطحي على الصحافة الانجليزية كافيا للفهم في الفلسفة الدستورية. إنها قضية نوعي المؤسسات التي يعتبرها القرآن الكريم شرط استثناء الانسان من الخسر في سورة العصر. وكلا النوعين من المؤسسات له وجودان: 1- وجود في صورة العمران أو الدولة من حيث هي نظام سياسي ونظام تربوي 2- ووجود في مادة العمران أو المجتمع من حيث هو نظام اقتصادي ونظام ثقافي:

 1- مؤسسات التواصي بالحق أو نظام الابداع الرمزي الذي يمثل احلام اليقظة الجمعي. وموضوع هذه المؤسسات  تصوير الابداع القيمي في المستوى الرمزي من حيث هو فعل العقل يصاغ في الاعمال الفكرية المتعلقة بالقيم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية. ولنطلق عليها اسم مؤسسات الاجتهاد العام.

 2- ومؤسسات التواصي بالصبر أو نظام الابداع العملي الذي يمثل تحقيق احلام اليقضة الجمعي بتطبيق الابداع الرمزي. وموضوع هذه المؤسسات هو تحقيق الابداع القيمي من المجالات الخمسة تحقيقه في المستوى الفعلي من حيث هو  فعل الارادة يصاغ  في الاعمال التاريخية المتعلقة بنفس تلك القيم.. ولنطلق عليها اسم مؤسسات الجهاد العام.

ويعد هذان النوعان من المؤسسات سدى العمران البشري ولحمته. لكن العمران لن يكتمل من دون مؤسسات من القوة الثانية ترعى المؤسسات من القوة الأولى. فالمؤسسات من القوة الاولى تعد بحسب لغة عبد الرحمن ابن خلدون مادة العمران أو المجتمع المدني ببعديه الرمزي ( النوع الاول ) والمادي ( النوع الثاني ). أما المؤسسات التي من القوة الثانية فهي بلغة ابن خلدون صورة العمران البشري أو المجتمع السياسي ببعديه الرمزي والمادي اللذين علينا تحديدهما حيننا هذا. فرعاية مؤسسات التواصي بالحق موكولة لمؤسسات البعد الرمزي من المجتمع السياسي أعني نظام الأمة التربوي ورعاية مؤسسات التواصي بالصبر موكولة لمؤسسات البعد المادي منه أعني  نظام الأمة السياسي. وإذن فالنظام التربوي هو نظام رعاية مؤسسات التواصي بالحق والنظام السياسي هو نظام رعاية مؤسسات التواصي بالصبر. ويجمع المستويات الاربعة أصلها جميعا في التصور القرآني أعني الخلافة ببعديها الروحي والسياسي وهي فيهما كليهما سلطة رمزية. وذلك لأنها خلافة ( رئيس الدولة الاسلامية ) خلفاء الله ( كل المواطنين ) في الأمة بمعنى الرئاسة المعنوية التي تقبل طوعا وليست بمعنى السيادة التي تقابلها من حيث كونها لا تكون إلا كرها. والخليفة بهذا المعنى ينبغي أن يكون انتخابه من الدرجة الثانية أعني أن ممثلي الامة في المستويين الأولين هم الذين ينتخبونه ليكون ممثلا لمادة العمران أعني مؤسسات التواصي بالحق ومؤسسات التواصي بالصبر تاركا السلطة التنفيذية لمؤسسات رعاية مؤسسات التواصي بالحق ومؤسسات التواصي بالصبر. وهذه السلطة التنفيذية يعينها من ينتخبهم الشعب لرعاية الرعايتين ( ادارة الشأنين التربوي والسياسي الراعيين لمؤسسات التواصي بالحق والتواصي بالصبر ) أي الحكومة التي  يختارها ممثلو القوى السياسية أو الأحزاب التي تربح الانتخابات الحرة والعلنية.

                 الفصل الثالث:  النجومية في النخبة الذوقية

                   المسألة الثانية: مثال من النخب الذوقية

                            1- العلاج التصوري          

لن نتكلم في النخب الذوقية المبدعة للاعمال الفنية حتى لو سلمنا بأن مجتمعاتنا يمكن ألا تكون خالية من بذراتها رغم قلة ثمراتها. سنتكلم على المتكلمين في الابداع وهم من أكبر الاتباع. فمزاعم النقد عندنا يفضل كم الابداع فيها بما فيه من الفقاع. لكن أصحابها مع ذلك يحددون القيم الذوقية التي منها النقد الذوقي سواء جمع أصحابه بين الابداع والنقد او قتصروا  على النقد المتفرج مع سلوك الخيلاء والتبرج. وقد يتصور القارئ المتسرع أن مجال الذوق حكر على النخب المتكلمة باسم العقل بمقتضى كون النخب المتكلمة باسم الدين قد حسمت المشكلة بأن أخرجت الفنون من حياة المسلمين لفرط تفاهة فكرهم المزعوم دينيا وفقهيا. لكن ذلك مجرد ظاهر من الأمر. فموقف الفقهاء الذي تدنى وتجنى ليس كافيا لتبني الفكر الديني الاسلامي للفنون لو لم يعضده ما أصاب المتكلمين باسمها من انحطاط ذوقي ومجون آل بهم إلى التحطيم الذاتي بأسباب الهرم البدني والجنون ناكرين الديني الأهلي في اعمالهم رغم استمدادهم اياله من تقليد الفن الغربي.

فهذا الفن مثله مثل الفكر الفلسفي الغربي مشبع بالفكر الديني المسيحي ( الرموز التوراتية  الانجيلية ) واليوناني (الاساطير اليونانية ) والجرماني ( الاساطير البربرية ). ولا يغفل عن ذلك إلا مأفون اطلاعه على الابداع في مجالي الفلسفة والفن لا يتعدى سطحيات أشباه المفكرين الذين يزعمون أنهم من العلمانيين أو من الماركسيين. لذلك فهم لم يخرجوا الديني عامة من الفن لاستحالته بمقتضى كون الديني من حيث هو ديني  والفني من حيث هو فني هما عين المقدس. إنما أخرجوا الاسلام دون سواه مستبدلين رموزه برموز دينية يستعملونها في سرقاتهم الأدبية بوعي أو بغفلة غبية. ويصح هذا الوصف عن مزعوم ابداعهم سواء كان بالاداة اللسانية مباشرة ( كالشعر والقص ) أو في  ترجماتهما الدرامية إما ترجمة مباشرة  ( المسرح ) أو مسجلة ( السينما والتلفزة).

وحتى نفهم هذا الظاهرة لا بد أن نبدأ بالبعد التصوري من الفصام الحاصل في ميدان قيم الذوق بين نخب الحضارة العربية الإسلامية قبل الكلام على البعد التاريخي. فإرادة اخراج الفنون من الحياة عند المتخلف من المتكلمين باسم الدين لم يخرجها من الحياة بل أخرج أصحاب المحاولة منها. حتى إن المرء ليتساءل هل منهم من قرأ القرآن وهو حقا صاح؟ هل منهم من فهم ما وعاه الغزالي في المضنون الصغير إذ اعتبر الادراك النبوي من جنس التفرد العبقري في الادارك الفني تمثيلا بالشعر والموسيقى؟ أو المحاسبي في التوهم عندما صار عنده وصف الجنة نموذجا لدرس آمال النفوس التي تجعل المتخيل من جنس المحسوس فتتطابق العيانات والحدوس ؟ لذلك فليس الفن هو الذي خرج من الحياة بل الدين الإسلامي الذي فصلوه عن الفن هو الذي أصبح على هامش تجارب الحياة الصادقة.

ولا غرابة! فلا يمكن لمن هم في أرذل العمر أشباه الموتى أن يفهموا أن الحياة هي الفن تعبيرا عن أسمى التجارب الروحية وأنها عبادة للمألوه بتوسط الرموز التي ندرك بها الالهي في آياته التي هي تجلياته الحية. لذلك فلا بد من فهم هذه الظاهرة التي أعتبرها أخطر على الاسلام من كل علامات الانحطاط الأخرى. ولا بد من التمثيل لها حتى نفهم مدلول عولمة النخب بما في ذلك النخب الدينية التي حددتها العولمة بالسلب: فهي تتحدد سلبا زعما إياها صمودا أمام الغزو الثقافي ومعارضة للعولمة الحالية بصورتها المشوهة وتعتمد على صورة أكثر تشويها حول عولمة الاسلام الماضية بدل ادراك الكوني في كل الحضارات من حيث هو الافق المبين الذي تطل منه على آيات رب العالمين .

وإذا كان المتكلمون باسم الدين قد أخرجوا الإسلام من الحياة لاخراجهم الفنون منه فإن المتكلمين باسم العقل قد أفقدوا حياة المسلمين معناها لانهم أخرجوا ضروب تجلي المقدس عندهم من الفن الذي حصروه في المدنس مرتين: بأن استعاروا الرموز التي يأباها الوعي الديني الاسلامي وبأن صوروا ذلك تحريرا للفن من الدين في حين أنه اخضاع له لأديان أخرى. فالفنان صار عبدا لسيد هواه الذي يمول ملهاه ليجعله " في كل حانة يهيم إدراكه بهيم ووعيه سديم فلا يصح لحدسه نفاذ يمكن لنور قلبه أن يستقيم" إلى أن يتعنس فيتكنس. وتلك هي الوظيفة الاستلابية التي حذقتها مافيات الاحزاب القومية ثم بعد افلاسها نابتها فيها قبائل الوبر بفضل  جلوسها على زيت الحجر. لذلك فقد انقسمت نجوم الحياة الذوقية إلى نوعين. فأما النوع الأول فنجد ممثليه في المتكلمين باسم الدين: شيخ خرف جعل محاربة الفنون بكلام ذي شجون ترهب الفنانات وتلهب لا وعيهن خلطا بين سوي المعقدات ومرضي الخرافات جعلها غاية الحديث. وأما النوع الثاني فنجد ممثليه في المتكلمين باسم التنوير والتغيير:  قزم صلف جعل مقايضة المسكرات بالمقدسات في سوق الاستعلامات سليلا لجرأة كل داعر  على التشاعر  بزاد لساني ووجداني شاغر جعلها غاية التحديث.

لم يعد الفن تعبيرا عن تجربة الحياة والسمو الموجب بتجليات مفاعليها السمو الذي تكون فيه قيم الذوق آفاق الولوج إلى معاني الوجود للتعبير عن أفضل أبعاده الحية بتحرير الجسم بدل تخديره الذي يمارسه فنانو الحك الذاتي عند الأجارب.  فالجسم هو المشعر المقدس الأسمى من منظور الإسلام. إنه المشعر الذي بناه الرب ووضع فيه بعض نفسه بنفسه. لذلك فهو أكثر قدسية من كل المشاعر التي بناها الانبياء فضلا عن التي بناها الناس العاديون. لذلك فطاقات الجسم الحية أو غرائزه بمعزل عن توظيفها سموا أو سفلا هي تجليات المشعر المطلق وحياته. وهو بحياته ومفاعليها الجميلة عينة من التنفس الالهي عينه فيه. فإذا لم يكن الفن الصراع الحي لتجلي مفاعيل الغرائز الفعلي سموا من مجرد الحياة إلى الحياة بمعناها الأتم فلن تكون متعة اللذة لذة الوعي بالمتعة. لن يكون تحقق الذات التطابق التام بين وعي الذة ولذة الوعي تطابقا هو حقيقة الحياة. فتصبح الحياة عيش بهيمي لا يختلف عن اللذة التي يجدها الحمار في أكل العشب والخضار أو عن اللذة التي يجدها بيادق المتشاعرة في الفنادق الفاخرة حيث يصبح اغراء العسل والكحول بعد حياة البصل والفول الشغل والمشغول الذي ينسي المبادئ والأصول. لا ذوق ولا ابداع لمن هو في سكر موصول. كيف وهو عن الصحو مفصول!؟

ومن ثم فهذا النوع الثاني من النخب ينفي غاية مفاعيل الحياة بحصر الفن في بداياته الاصطناعية بالبهارات والمخدرات مثل الرياضي الذي يتحرك بالمنشطات. لم يفهم هؤلاء أن الوعي بملتهب الشعورات سوانح مفطورات وقمة وجدانات شعورا قدسيا درجته الاولى هي العبادات وادراك فاني الحياة التي يذوقها المرء بلا تناه في كل تجل وتماه: معاملات الجوارج التي يعد الوعي بلذة الجماع أفضل رموزها لا معنى لها إذا لم تكن تعبيرا عن الشعور بالحياة الفانية آية للحياة الباقية. أما النوع الأول من النخب فينفي حياة الغرائز بحصر الدين في بداياته غير العفوية بالشعارات والتهديدات مثل مغاسيل الدماغ بالايديولوجيات. لم يفهم هؤلاء كذلك أن الوعي بلاهب السؤلات هو غاية الشعور الفني من حيث هو إدراك لما ترمز إليه حيرة الوجود من توق إلى الخلود والتشبه بالواحد المعبود: عبادات الجوارح التي تعد الصلاة أفضل رموزها لا معنى لها إذا لم تكن تعبيرا عن الشعور بالتواصل بين الحياتين الفانية والباقية.

كلتا النخبتين لم تدرك بعد بسبب ما أصاب فكر الانحطاط من تبلد ذهني أن ما بين البداية والغاية الفنيتين هو عينه ما بين الغاية والبداية الدينيتين. إنهما تتبادلان الغاية والبداية حتى تتطابقا في تمام اللانهاية. فلولا عبادة الجوارج لامتنع الشعور الفني: وأرقاها عبادة المصلي. ولولا معاملة الجوارج لامتنع الشعور الديني: وأرقاها معاملة الرقص.  ذلك أن عبادة الجوارج ليست الحركات العادية بل هي خضوع المشعر ( الجسد) الإرادي للروح الالهي الذي نفخ فيه. ومن ثم فهو إدراك يربي الارادة من أجل تحقيق التناغم بين المشعر والشعور شوقا تزول فيه الحواجز بين الشاعر والمشعور. ومعاملة الجوارج ليست اللذائذ البهيمية بل هي ظهور المشاعر ( حياة الجسد ) الارادي للوعي بصدور الروح من المشعر. فيكون الفن بذلك بدايته غاية الشعور الديني: من دون شعور بالمطلق لا معنى للتعبير الفني. ويكون الدين بدايته غاية الشعور الفني: من دون عيش المطلق في الذات والتعبير عنه لا معنى للشعور الديني. ولولا ذلك لما كان ينبغي أن يكون تصور الجزاء في القرآن الكريم بدنيا وروحيا ولصحت أفكار الفلاسفة السخيفة أفكارهم التي تقصر البعث على الروح من دون البدن بل وبعث النفس الكلية من دون النفوس الجزئية بلسان الفلسفة القديمة والوسيطة.                      

                   2- العلاج التاريخي

ولنأت الآن إلى العلاج التاريخي. فهو مضاعف مثل العلاج التصوري. فتاريخ الموقف الفني في علاقته بالموقف الديني يمكن أن يعرض نسقيا برده إلى جنسين كلاهما ذي بداية ونهاية مضاعفتين. فالجنس الأول بدايته تمثلت في فهمين غير سويين لانهما يحطان من الحياة الطبيعية معتبرين إياها شريرة بالذات أو بسبب الخطئية الأصلية: 1- الفهم الفلسفي ( الأفلاطونية ) 2- والفهم الديني ( المسيحية ). أما غايته فتمثلت في اطلاقهما إلى حد البلوغ بهما إلى نقيضيهما بشبه قلب نيتشوي أعني: 1.1- الواقعية الماركسية 1.2- والنفعية المسيحية الصهيونية. فبات الفن مجرد أداة موظفة لخدمة إيديولوجيا مزعومة فلسفية أو موهومة دينية وليس أحد سبل الابداع الرمزي والفعلي المحدد لآفاق ادراك القيم وتحقيقها.

أما الجنس الثاني فبدايته تمثلت في فهمين سويين ينميان الحياة الطبيعية: 1- الفهم الفلسفي (الارسطية) 2- والفهم الديني ( الحنيفية). لكن نهايته لم تتحقق بعد لأن كل محاولاتهما ما تزال تعاني من تعثر البداية بمفعول بداية الجنس السابق ( في قتل الغرائز الصوفي والغاء الفقهاء الحياة الروحية من الدين باخراج الفنون منه ) فضلا عن مفعول غايته ( بالفن التخديري وتسيب الغرائز البهيمي). وتلك هي علة حرب المسيحية الصهيونية على سعي القيم الذوقية  التي حددها أرسطو  (بالعقل ) وحددها محمد ( بالوجدان) وعلى مجالي تجليهما أعني الطبيعة والتاريخ نحو غايتهما. وينبغي أن تكون الغاية نقل ما كان مجرد تصور إلى حقيقة لأن المنطق في هذه الحالة لا يمكن أن يكون جدليا من النقيض إلى النقيض إذ إن التناقض في حقيقة الفن تم تجاوزه من البداية في الحلين الارسطي والمحمدي ولم يبق الاكتمال مقتضيا التجاوز بل التحقيق فيكون التوالي بين التصور والانجاز: أي إن غاية الفن الحقيقية هي استكمال البداية الأرسطية والمحمدية ببعديهما.

فادراك الممكن والتطهير من منطلق ما في الشخص الانساني من خصائص طبيعية ( أرسطو) يصبح من منطلق ما بين الاشخاص من أواصر اجتماعية ( محمد ) تحقيق الحريات القيمية في الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود تحقيقا مضاعفا في الابداع الرمزي وفي الابداع التاريخي. وذلك هو ما يسميه القرآن الكريم التنافس في الخيرات. لذلك فغاية الجنس السوي من الفن نقل التحديد الارسطي والتحديد المحمدي من مجرد التصور إلى التحقيق. وما يهمنا هو التحديد المحمدي الذي يجهله أشباه علماء الدين فضلا عن أشباه علماء الدنيا. فأغلبهم يذهب بهم الغباء إلى حد تصور الدين الاسلامي والفلسفة متنافيين.  لكأنه يمكن من دون إيمان بوجود الحقيقة وإيمان بقدرة العقل البشري على البلوغ إليها يمكن للعلم أن يشرع في الوجود فضلا عن تحقيق أهداف الانسان شرطين لكل فكر فلسفي. أو يمكن لدين يحتج لدعوته باعتبار الآيات الطبيعية والخلقية أن ينافي الحقيقة العلمية والفلسفية.

إن ملخص التحديد الأرسطي يمكن أن يرجع إلى قضيتين: ففي كتاب الشعر يعرف أرسطو الشعر ببعده المعرفي الطبيعي ( النمذجة الرمزية: موضوع الادارك الفني يتوسط بين التاريخي أو العيني والفلسفي أو الكلي ) وببعده الخلقي الطبيعي ( التطهير: ثمرة الادراك الفني تتوسط بين اشباع الفعل بحركته الطبيعية من فعله أو اشباعه بحركة رمزية من خلال الانفعال بحدوثه رمزيا في الأثر الفني ). لكن أرسطو يعلل الأمرين ادراكا معرفيا وادراكا خلقيا بالاليات النفسية والعضوية لم يذهب إلى ما هو أعمق من هذا الفهم. لذلك فإن التحديد الديني المحمدي لابعاد الفن هو الذي سيغوص إلى هذه الاعماق. فالتحديد المحمدي للفن يضيف إلى منطور التحديد الطبيعي المنظور التاريخي لعمل الابداع والاثر الفني في الجماعة وراء المنظور الطبيعي للفرد: علم نفس الفرد الذي بنى عليه أرسطو نظرية الفن ليس كافيا لكون الفرد في المنظور الديني عقدة وجودية تلتقي فيها المفاعيل الطبيعية والتاريخية فعلا وانفعالا ومن ثم فهو ليس مصدرا لأي منهما حتى وإن كان محطة ضرورية في بث الفعل وتلقيه بداية وغاية للتفاعل الفني في الوجود التاريخي للجماعات. فالرمز المعرفي في الابداع عند أرسطو وسيط بين علم الكلي الفلسفي وعلم الجزئي التاريخي. لذلك فهو عنده المتعين الحقيقي من الإنسان, المتعين الذي يقبل الحصول في كل مكان وزمان. والتطهير الخلقي في الابداع عنده وسيط بين فعل العنف وانفعاله الطبيعين. وكلاهما بعد من الإنسان من حيث هو ناطق الحيوان.

وبذلك يتبين أننا بين البداية والغاية في الجنس الأول من النظريات النقدية انتقلنا من نفي الوجود الحسي باسم الوجود العقلي والمثالي ( طرد الشعراء الذين يحولون الواقع إلى مثال بأدبهم ) إلى نقيضه نفيا للوجود المثالي باسم الوجود الحسي ( الواقعية الأدبية التي تجعل التاريخ المادية التاريخية مثالا أعلى) ومن نفي الدفاع عن الذات باسم حب الجار والحياة الجنسية باسم العفة ( أخلاق الرهبان التي يذمها القرآن الكريم)  إلى نقيضيهما في الفن المعتمد على العنف والبرنوغرافيا غرضين شبه وحيدين للابداع الفني (الفن الأمريكي). وبذلك فإن هذا النوع من النقلة من النقيض إلى النقيض علته ميتافيزيا وميتاتاريخ مطلقين ونهائيين يعتمدان على علم محيط مزعوم يحدد ما ينبغي أن يكون عليه الانسان ويكلف سلطة روحية معصومة بمراقبة الابداع الرمزي لئلا يفسد العقيدة والشريعة سواء كانتا عقليتين ( أفلاطون ) أو نقلية ( المسيحية).

أما في الحالة الثانية فالنقلة علتها عدم القول بالعلم المحيط واعتبار الابداع الفني والابداع التاريخي مسهمين في تحقيق الادراك المتدرج للقيم ولتحقيقها تماما كما يحصل الامر في المعرفة العلمية المتدرجة للموضوعات ولكيفيات التعامل معها مع ما ينبغي من الحذر في التجريب العلمي. ولما كان أثر الفن في التاريخ لا يقل وقعا من أثر العلم فيه فإن نفس الحذر ينبغي أن ينطبق. فنحن لا نتهور فنجرب الابداع النظري من دون اخضاعه لمعايير منهجية تقرها الجماعة العلمية بوصفها سلطة نقد اجتهادي. وينبغي أن يكون الأمر بالمثل في الابداع الفني بشرط أن يقاس الأثر وتحدد المعايير بنفس السلطة الاجتهادية من دون أن تتحول سلطة النقد إلى سلطة رقابة. فنميز في الابداع الذوقي بين مستويين كما نفعل في الابداع العلمي: حرية البحث المطلق والتجريب العقلي مع الحذر الواجب في التجريب والتطبيق الفعليين.

فلا يعقل أن نعمل بالحذر التجريبي في مجال الصحة العضوية ونحجم عن استعماله في مجال الصحة النفسية: ويكفي لفهم ذلك دراسة آثار العنف والجنس في الفن الامريكي على الاطفال في العالم. ومثلما ميزنا بين التجربة العقلية المجردة التي هي مطلقة الحرية وتجربة التطبيقات في الفنون عامة الآداب خاصة على نظيريهما في العلوم لما لكلا صنفي الابداع من التأثير في حياة الناس العضوية والنفسية وخاصة الأطفال فإنه ينبغي كذلك أن نميز بين أنواع الفنون. فما  كان منها مباشر التأثير يكون فيه الحرص على هذا التمييز أكثر صرامة وما كان منها لا يؤثر إلا بمقدار ما يستدعي من جهد فكري لا يتم من غير النضوح الكافي عند المتلقي فإن حرية المبدع تكون أكبر. ومن ثم فإن الفنون ذات التأثير المباشر أعني الفنون التمثيلية أوغير المجردة ( مثل الرسم التمثيلي والمسرح والسينما ) هي التي لا بد فيها من الحذر الصارم. أما الفنون المجردة مثل الموسيقى أو الرسم غير التمثيلي فإن حرية المبدع فيها ينبغي أن تكون مطلقة لما أسلفنا من عدم تأثير هذه الفنون كرها لكون أثرها بما يقتضيه الوصول إليها من حهد فكري يكون طوعا.

                المسألة الثالثة: مدلول إنما أتيت لاتمم كارم الأخلاق

                         1- مفهوم الاخلاق

ونأتي الآن إلى التحديد القرآني لغاية النظرية الفنية وعلاقتها بمنزلة الاسلام في تاريخ الرسالات الاسلامية ومعنى كونه اتماما لمكارم الاخلاق. وقبل تحديد هذه العلاقة لا بد من تفسير غياب عنوان القيم الخلقية في منظومة القيم الخمسة التي اعتمدت عليها تحليلاتنا. فالأخلاق ليست عندنا ضربا من ضروب القيم بمعزل عن القيم الأخرى أو بجوارها بل هي تمامها أعني قيامها السوي: إنها مثال مجالها الأعلى جمعا لمعنيي المثال أعني تمام الخلق (جهدا تحصيليا: ومعنى ذلك أن كل موجود من حيث هو موجود جهد قيام يشرئب إلى كماله الذاتي) والخلقة  ( حصولا: ومعنى ذلك أن حصيلة الجهد هي في كل لحظة من لحظات التحصيل كمال صوري يوحد ما تقدم من مراحل التحصيل ويوجه ما يلي منها ). ومن ثم فنسبة الأخلاق بهذا المعنى إلى أصناف القيم الخمسة هي عينها نسبة الإسلام إلى الأديان الكونية المنزلة ( قبل تحريف بعضها ليتحول إلى أديان قومية ) الخمسة الرئيسية التي تقدمت عليه. فمثلما لا تعد الاخلاق ضربا سادسا من القيم بل هي معنى كونها تلك القيم فإن الاسلام ليس رسالة سادسة بل هو معنى كون تلك الرسالات هي تلك الرسالات. لذلك كان الاسلام دينا نقديا للتحريف بالجوهر واستئنافا واحياء للرسالات لا رسالة جديدة. فكان مجيء محمد بهذا المعنى متمما لمكارم الاخلاق. فالأخلاق لا تعني ما فهمه الفقهاء حصرا إياها في احدى ثمراتها اعني سياسة التعامل بين البشر بل هي تمام القيم من حيث فعل تحصيلها وحصيلة هذا الفعل. ذلك أن السياسة يمكن أن يستغني أصحابها عن الأخلاق إذا عدمت فهم الأخلاق كما نراه في كل الآفاق من الوطن الذي يعاني من الاختناق من الكذب والنفاق. فتكون مجرد منظومة من الحيل للنجاح كما هو الشأن عند الساسة والتجار وكل محتال من النخب التي تريك العجب بما تحذق من التلون والكذب.

وهذه الرسالات التي سيكون الاسلام تمامها الخلقي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما هي: 1- الرسالة الآدمية تأسيسا لنظام الحياة الاسرية على الذوق والجمال 2- والرسالة النوحية تأسيسا لنظام الحياة الاقصادية والمال  3- والرسالة الابراهيمية تاسيسا لنظام الحياة المعرفية على النظر والسؤال 4- والرسالة الموسوية تأسيسا لنظام الحياة المدنية تأسيسا على العمل والجلال 5- والرسالة العيسوية تأسيسا لنظام الحياة الروحية وادراك المتعال. ولما كانت الرابعة والخامسة قد حرفتا تحريفا أفسدت به الخامسة الأولى بأن نفت مبدأها أعني حلية الجنس وتحرير آدم وأبنائه من الخطئية وأفسدت به الرابعة الثانية بأن نفت مبدأها أعني كونية الرسالات وانجاء كل البشر من الغرق كان لا بد أن يأتي من يذكر بها جميعا من منطلق الرسالة الثالثة التي لم تحرف والتي كفرها التحريفان. وقد أنطلق منها الاصلاح المحمدي لأن القرآن الكريم أجاب ابراهيم عليه السلام: " واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمت فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لن ينال عهدي الظالمين" ( البقرة 124). فكانت الرسالة المحمدية مسك الختام احياء للحنفية التي هي بناء على ما تقدم عليها واعداد لما تلاها من غير تحريفاتها. لذلك فهي بهذا المعنى تمام مكارم الأخلاق.

وإذن فالمقصود بالسوي ليس أمرا معياريا. إنما القصد كون الاصناف تحصل بحسب ما تقتضيه فطرة الله التي فطرتها. فإذا كانت قيم الذوق وقيم الرزق وقيم النظر وقيم العمل وقيم الوجود ما هي كان ذلك هو المقصود بالحالة السوية. ولنضرب مثالا. فالقيم الذوقية يمكن أن تكون غاية لذاتها. ويمكن أن تكون مجرد أداة لغيرها. فتسعمل في التسويق ( اقتصاديا ). كما تستعمل في الدعاية                    ( ايديولوجيا). فيكون الفن عندئذ قد أصبح أداة للشر. لم يبق فنا سويا. بل هو لن يبقى سويا حتى لو استعمل أداة في الخير. فلم يكن خيرا لذاته. وكذلك الرزق. فهو قيمة إذا كان رزقا للحياة ورمزا لشروط الاطمئنان لتقلبات الزمان الاطمئنا الذي يحرر الفرد والجماعة من التبعية الناتجة عن الحاجة. أما إذا تحول أداة كبر وتعد على الآخرين فإنه يصبح غير سوي لأنه لا يحرر بل يستعبد. وهكذا بالنسبة إلى كل أنواع القيم التي أحصينا: ذلك أن تمام الخلق هو الطابع السوي للخلقة ومن ثم فهو كون الشيء موافقا لمفطوريته التي فطرته عليها فطرة الله.

الآن يمكن أن نسأل عن نظرية القيم الذوقية كيف أتمها الاسلام في صيغتها النهائية أو كيف كانت الرسالة المحمدية تمام نظرية القيم الذوقية. وقد نجد أكبر الأدلة النقلية في أمرين يهملهما من لا يفهم طبيعة الثورة المحمدية ولا قيمتها إلى حد جعلها ضديدة نفسها: الأول هو تبرئية اللذة عامة واللذة الجنسية خاصة تبرئتهما من التأثيم والثاني هو العناية بالجسد إلى حد تحقيق أكبر ثورتين في تاريخ الوقاية الصحية أعني نظافة المدخل والمخرج بالنسبة إلى الصلة الحيوية بين حياة الجسد وحياة الكون أو الغذاء. أما الجواب العقلي فهو بتعيين ما أضافه التحديد المحمدي ذي المنطلق التاريخي وما بعده للتحديد الأرسطي ذي المنطلق الطبيعي وما بعده ببعديهما المعرفي والخلقي. فكيف صار البعد المعرفي والخلقي اللذين يعدان غاية تاريخ الانسان الطبيعي في هذا منظور أرسطو الطبعاني منطلقين لجعل الإنسان مبدع تاريخه الثقافي الدال على كونه فاعل تاريخه ( انتقال نظرية الذوق من علم النفس إلى علم الاجتماع ) بالسنن التي ينظم بها حريته تنظيما لا يكفي فيه التفسير الطبعاني رغم أن الدين المحمدي يؤسس كل شيء على مفهوم الفطرة الذي ظنه أصحاب الفكر الكليل من جنس مفهوم الطبيعة الفلسفي؟

إن دور الفن عامة والأدب خاصة هو المرحلة الرمزية من صنع التاريخ الحضاري للامم طابقا أعلى فوق التاريخ الطبيعي في الرمز بالحيز المكاني رغم كونه متقدما عليه في الرمز بحير الشرف والدور. فهو فعل  فطري بشرط أن نفهم الفطرة  بمعنى الخلقة القرآنية لا بمعنى الطبيعة الأرسطية. فالقرآن لا ينسب الفطرة إلى المفطور بل إلى الفاطر: فهي فطرة الله لا فطرة الانسان وإذن فهي تعود إلى الفاطرية لا إلى المفطورية. ومن ثم فالمقصود عملية التحصيل الحي الناتج عن النفخ الالهي في الانسان من حيث هو في كل لحظة من لحظات مجراه حصيلة مبدعة: قيم الذوق هي التعين الأول للنفخ لأنها أصل كل الادراكات التي هي تذوقات بالأساس ومن ثم فهي اتصال حي بالكون كله اتصالا هو في نفس الوقت ادراك وقيام يجعل الطبيعة تشرئب إلى ما يسمو عليها كما حول النفخ الطين إلى كائن متنفس. لذلك فنسبة الابداع الفني إلى الابداع التاريخي في مجالات القيم الاخرى جميعا هي نسبة الرؤى الصادقة إلى اليقظة. وإذن ففنون الأمة هي أحلام اليقظة التي يحاكيها تاريخها الفعلي من حيث هو الابداعات في اصناف القيم الاخرى. ومن ثم فإذا انحط الفن صار محاكاة للتاريخ بدل أن يكون مثالا اعلى له. ذلك ما يمكن أن نستنتجه من سورتي يوسف والشعراء تحديدا للبعد المعرفي والبعد الخلقي من منطلق التحديد التاريخي وما بعده ببعديه الموازيين لما يناظرهما من التحديد الطبيعي الارسطي وما بعده.

        2- بعد الذوق المعرفي (= يخص العقل) من منطلق التاريخ

ففي تعريف البعد المعرفي من منطلق التاريخ يقول جل وعلا في قرآنه الكريم:            " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" ( يوسف 3) محددا الهدف المعرفي التاريخي لفن القص القرآني. إنه التنبيه من الغفلة بأحكام العمران البشري والتاريخ الانساني في صلتهما بما بعد التاريخ كما تحددت في سورة يوسف عليه السلام. وإذن فأفعل التفضيل تعني هنا أن ما ورد في قصة يوسف من الأحكام يعد المثال الأعلى لطبيعة العلاقة بين ما يحصل في الابداع الرمزي وما يتحقق في الابداع الفعلي. فكيف يحدد القص في سورة يوسف منطق التاريخ  الإنساني كله في صلته بما بعد التاريخ؟ فرضيتنا هي أن القص فيها يظهر هذه الصلة في التفاعل بين أصناف القيم الخمسة التي هي رهان العلاقات البشرية في المؤسسات التي لا يخلو منها عمران لكونها من جنس الوظائف العضوية في الكائنات الحية. وتعد هذه القيم غايات والمؤسسات أدوات شرط السلم الاجتماعية في مجريين متطابقين:

1- مجرى الحصول الرمزي في الرؤى التي تفهم بالتعبير معنى أولا لعلم تأويل آيات الله ومجرى الحصول الفعلي لعمل التأويل. لذلك فالسورة ورد فيها التأويل بمدلوليه القرآنيين:  أعني تعبير رموز الرؤيا لاستخراج مدلولها ( وهو ما قام به يوسف ثلاث مرات في القصة: تأويل رؤيي السحينين معه وتأويل رؤيا الحاكم )

2- ومجرى التحقيق الفعلي لما يتوصل إليه الحصول الرمزي من مقومات يقتضيها الواقع التاريخي بسحب النضوج المتدرج للوعي النظري والتحقيق العملي وهو المعنى الثاني من معاني التأويل القرآني( وهو ما حصل فاكتفي يوسف بملاحظة حصوله في التأويل الأخير للرؤيا الأولى التي بدأت بها القصة).

وإذن ففي سورة يوسف تفاعلت صراعات القيم ( الغايات ) في مؤسسات العمران البشري ( الادوات ) بأصنافها الخمسة الرئيسية ( مؤسسة التربية ومؤسسة الاقتصاد مؤسسة التعليم ومؤسسة السياسة والمؤسسة الدينية ) لتمثل المحرك الفعلي للتاريخ من خلال تحريك يخضع لمنطق حبكة القصة الحادثة في مابعد التاريخ رمزا إليه بالرؤى الأربع ( رؤيا يوسف ورؤيا السجيين ورؤيا الفرعون) وفي التاريخ رمزا إليه بالتحقق المتدرج للرؤى الاربع. فتكون القصة اعتبارا يوقظ من الغفلة للوعي بآليات التاريخ البشري في صلته بالارادة الالهية صلة ترتبط مباشر الارتباط بأنواع القيم الخسمة. لذلك فقد كانت حبكة القصة لحمتها منطق  المؤسسات العمرانية من حيث هي حيز درامي للعلاقات البشرية وسداها صراع القيم التي هي هدف الحياة الجماعية وموضوع التشريعات الاهية كانت أو بشرية بحسب الأفضل الذي يتوصل إليه الاجتهاد          ( علما) والجهاد ( عملا) الانسانين: القيم الذوقية ( التي وردت مرتين جمال يوسف ومنزلة يوسف عند أبيه ) والقيم الرزقية (التي وردت مرتين: يوسف والتجار ثم يوسف وتنظيم الثروة بحسب التوقعات المناخية ) والقيم النظرية ( التي وردت مرتين تأويلا للرؤى وتوقعا للمستقبل ) والصلات العملية ( وزارة  يوسف واشرافه على تنظيم الحياة الاقتصادية المصرية )  والقيم الوجودية (استناد كل القيم السابقة على صلة يوسف وأبيه بالله وعدم نسيانه في اللحظات الحرجة).

ولعل مقارنة سريعة بين نصائح يوسف للفرعون كما رودت في التوراة وكما أوردها القرآن تفهمنا علة وصف القصص هنا بكونه أحسن القصص وعلة كون الاسلام متمما لمكارم الاخلاق. فهو قص للنماذج التي بفضلها يكون الفن وسيطا بين ما بعد التاريخ والتاريخ وساطة تنقل ما يحدده الأول مثلا تدرك ادراك رؤى إلى ما يحدده الثاني تحقق تحقيقا يتعاضد بفضله الابداع الوجودي في مابعد التاريخ والابداع الخلقي بتوسط الابداع الفني في القص القرآني. ففي التوراة جعل التحريف القصة تظهر يوسف وكأنه صاحب سوء ينصح حاكم مصر بخزن المؤن للسنوات العجاف ليسترق بها كل المصريين مقايضا إياهم أراضيهم بالغذاء. لذلك فهو  أصبح في الصورة المحرفة مؤسس الاقطاع في مصر القديمة وليس النبي الذي يحدد القرآن الكريم أخلاقة السامية في علاقات الرحم والخدمة والعلم والنصيحة السياسية ومباشرة الحكم. أما في القرآن فهو قد أصبح ممثل مفهوم العدل الاسلامي ومؤسس التوزيع العادل للرزق شرطا للاخوة البشرية: وذلك هو المقصود بمكارم الأخلاق لأن تمام القيم هو كونها غايات بذاتها وليست وسائل للظلم والعدوان.

      3- بعد الذوق الخلقي (= يخص الارادة ) من منطلق التاريخ

أما في تعريف البعد الخلقي من منطلق التاريخ فيقول جل وعلا في سورة الشعراء : "والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" ( الشعراء 224-227). وليس من اليسر فهم هذه الآية إذا واصلنا قراءتها من منطلق مدلولها السطحي دون ربطها  بالمعنى المعرفي من الادراك الفني في المفهوم القرآني الذي حللنا من منطلق سورة يوسف. وأولى ملاحظاتنا هي أن الأمر لم يعد متعلقا  بالمعنى النفسي من التطهير. لن نعامل النفس معاملة طبيعية بوصفها محل الفعل والانفعال العاطفي الذي يطهر الفن تجلياته وتعبيراته بل سنعاملها معاملة تاريخية بوصفها ملتقى العلاقة الوطيدة بين الابداع الذوقي والابداع الخلقي أساسين للحياة الجماعية والفاعلية التاريخية فيكون التحقق الرمزي ممهدا للتحقيق الخلقي بالمعنى العام الذي يتضمن تمام أنواع القيم الاخرى جميعا: كيف يتحقق التطابق بين القول والعمل في فعل الانسان الذي لم يعد غافلا؟ ولا يعني ذلك فهما أفلاطونيا للفن فنطرد الشعراء لئلا يشوشوا على الجمهورية ونعيدهم إليها بشرطه  الذي هو عين شرط  الفقهاء والغاية التي وصل إليها المنظور غير السوي في الواقعية الماركسية والنفعية المسيحية الصهيونية .

كذلك فهمت الآية الأخيرة إلى حد الآن. وذلك لأنها قرئت بمعزل عن دور أباديع الذوق في القرآن نفسه فضلا عن الدور الذي يحدده لها في الحياة المدنية. فدور الفن في القرآن نفسه لا بد من ربطه بأول فهم للاعجاز القرآني بدر إلى ذهن الأمة: إنه الاعجاز الفني سواء تعلق الفن بخصائص التعبير اللساني العادي أو بالفنون المستعملة لغة من القوة الثانية للتبليغ وخاصة لغة القص القرآني. وأما الدور الذي يحدده له في الحياة فهو مضمون الآية الاخيرة من آيات الشعراء الخاصة بالشعراء بشرط ربطها بمعنى الاعجاز الفني وبمعنى الآيات الثلاث المتقدمة عليها:

1- فالآية 224 تشير إلى طبيعة تأثير الشعراء المذموم: أعني ما آل إليه الفن عامة والأدب خاصة في الغاية التي انحط إليها الفن كما تعين في نقيض الحل الافلاطوني المسيحي.

2- والآية 225 تشير إلى بطالتهم: أعني ما آل إليه حال المبدعين الذي صاروا يعيشون على ما يجعلهم عبيدا لاصحاب القيم الرزقية الذين يعولونهم ويغذونهم بالسموم كما تفعل الأحزاب المافياوية الحاكمة عندنا.

- والآية 226 تشير إلى الفارق بين قول الشعراء وعملهم علامة على عدم الصدق ليس بمعنى الصدق المطابقة مع الموضوع ( وإلا لصار ذلك دعوة للواقعية التي هي المطابقة مع الوقوع أو السقوط) بل الصدق بمعنى المطابقة مع الذات التي تخلصت من الغفلة.

 وبذلك نحافظ على الاباديع fictions  دون أن يؤول الابداع إلى التوهيم التخديري الذي يوطد الغفلة عن المقدس.  فالفن هو محاولات السمو إليه بالرسم الأمين للصراع القيمي بأنواعه الخمسة وصراع التعامل مع الذات ومع الآخرين من أجل القيم الخمس في العمران البشري. لينتهي في الآية الأخيرة إلى تحديد المعيار الذي يحدد طبيعة الشعر ورسالته. فأما طبيعة الشعر فهي معرفية مابعد تاريخية أعني التنبه إلى المقدس وعبادته وهو عكس الغفلة. وأما رسالة الشعر فهي خلقية تاريخية أعني التغلب على الظلم. فيتبين من المقارنة بين التحديدين الديني والفلسفي أن ارسطو قد اهتم بالوظيفة الطبيعية من بعدي الفن من حيث هو ادراك معرفي ومن حيث هو سلوك خلقي دون أن يعالج الكيفية التي تحقق بها الوظيفة الطبيعية هذين البعدين المعرفي والخلقي في الوجود التاريخي. لكن التعريف المحمدي يبين كيف يكون ادراك الممكن (الادراك الفني حسب أرسطو) وسيطا بين ادراك الضروري (الفلسفة) وادراك العرضي (التاريخ) شرط ادراك الضروري وشرط ادراك العرضي بل وكذلك شرط وجودهما الفعلي لأن الفن ليس أدراكا لسابق الوجود بل هو إيجاد لما لم يوجد بعد بفضل كونه شرط نقل الإنسان من الغفلة عن آيات الله إلى اعتبار ها ( بداية سورة يوسف) وشرط نقله من الاقتصار على الابداع الرمزي ( الهيام في الوديان ) إلى الابداع الفعلي ( عمل ما يقول) بفضل الصدق في ادراك المتعالي والعمل على مصارعة الظلم.

وقد يفهم سطحيو الفكر أن تأويلاتنا التي تصل الفن بالدين تنتهي إلى جعل الفن بهذا الفهم خاضعا للفكر الفقهي. وما ذلك إلا للظن السخيف بأن الدين هو تصوره الفقهي. فالدين من المنظور الفقهي ليس إلا مصدرا للتنظيم التعبدي والقانوني للحياة الخاصة والعامة. فيكون الدين لو حصرناه في منظور الفقه فكرا يجعل الآخرة مطية الدنيا أن العقيدة تصبح عندئذ في خدمة الشريعة والشريعة في خدمة المصالح الدنيوية غاية بذاتها وليس مطية لما يسمو عليها. فتكون الشريعة مجرد قواعد لضبط السلوك وسلطة خارجية تراقب تطبيق هذه الضوابط فتتدخل بطلب من صاحبه ( الفتوى) أو من غيره ( القضاء ) أو من السطة العامة بحسب درجات تدخلاتها في العقائد ( النظام العام). والمعلوم أن جل علماء الاسلام الكبار يعتبرون أغلب الفقهاء لهذا السبب بالذات أقل الناس علما بجوهر الدين بل وأقلهم عملا بقيمه الحقيقية. فأغلبهم يصيبه عيب مهني يجعله أكثر الناس تحيلا على قيم الدين الحقيقية من أجل ظاهر الحياة العملية التي تكاد تقتصر على ما لا يتعارض مع مصالحهم المادية.

ولولا ذلك لما احتاج الغزالي إلى التفكير في احياء علوم الدين بالتصوف                  ( ذوقا وجدانيا ) والفلسفة ( علما عقليا ) حتى يتخلص من قتلهم الدين وعلومه. عساهم نسوا أن الله  لو كان يريد سياسة سد الذرائع التي يتوخونها لأغناهم عن الذرائع بعدم خلق الغرائز وبعدم امتطاء الدنيا للاخرة بل وبعدم خلق الانسان أصلا ولاستمع إلى احتجاج الملائكة الذين يعتبرون الإنسان غير أهل للاستخلاف لكونه يفسد في الارض ويسفك الدماء. ما كان يمكن للانسان ان يسمو إلى المتعاليات من دون مصارعة المتدانيات. لذلك علمه الله التسمية ليكون قادرا على الصياغة الرمزية ذوقا قبل الصياغة المعرفية علما والصياغة التقنية تطبيقيا للذوق والعلم فيتمكن من السلطان على صراعاته القيمية التي هي لحمة العمران وسداه بدءا بالمتدانيات التي تعد معاناتها سلم السمو إلى المتعاليات في مجالات القيم الخمسة.

وهدف الفن دراسة دراما هذا الصراع بصورة لا تقصره على ما يحصل مع من يستطيع بيسر أن يبلغ القمة كما فعل يوسف. نبينا يبين أن التغلب والتسامي يكونان أتم إذا بدآ من أدنى السلم إلى أقصاه عندما يكون التحصيل بحسب ما هو في مستطاع الانسان العادي بهدي من النماذج دون الزعم بالتطابق معها: ولولا ذلك لكانت حجة من يريد أن يخرج السياسة والجهاد من الدين حجة صحيحة ولأصبح الدين الدين الاسلامي خاضعا لاخلاق تجانس النفاق البابوي والرهباني ورعا وتقوى في الظاهر و" أكثرهم فاسقون" في الباطن. وما أظن أحدا بحاجة إلى التذكير بأن الرسول الكريم برأ الغرائز والصراع من أجل مطلوباتها تبرئته لصراع الارادات في التاريخ لأن معاناة الأولى هو معين مكارم الأخلاق مثلما أن معاناة الثانية هو التسابق في الحسنات بمنطوق القرآن الكريم نفسه.

وهذه التبرئة هي التي جعلت السياسة تصبح أسمى أعمال الانسان إذا كانت في خدمة القيم ومثلها الفن إذا كان اجتهادا لمعرفة كمائن النفس البشرية رمزيا لعلمها والسلطان عليها والارتفاع بها إلى مكارم الاخلاق. لم يلغ الاسلام الحرب والقتال والصراع الرزقي بل هو وضع لهما قيما لتحقيق الوعد بأن الارض يرثها العباد الصالحون. ولم يلغ الغرائز والصراع الذوقي بل وضع لهما قيما لتحقيق الوعد يعد السمو الدنيوي إلى الرفعة الاخروية. وسورة يوسف تبين نموذج الغاية وتشير إلى منطلق البداية لذلك فهي لا تكون ذات معنى إلا بكل ما يمكن من النقلة من البداية الى الغاية.

ولا يحصل ذلك من دون الجمع بين الابداع الرمزي في كل أجناس القيم والابداع الفعلي فيها ليحصل الابداع التاريخي. فالابداعان يتحدان في الابداع التآنسي لأن أجمل الفنون هو فن التقاسم المعيشي بين البشر حيث يلبغ الفن ذروته في الادراك المشترك للذة والسعادة الدنيوية عينة من الوعد: علما وعملا. وذلك هو البعد المقدس من الفن الذي لا ينبغي أن يرتد إلى المتعة الذاتية من دون مشاركة جماعية إذ اللذات الحقيقية لا تكون فردية بما في ذلك اللذات الجسدية. فأسمى هذه اللذات  هي اللذة الجنسية وهي لا تكون كونها الحقيقي إلا توحيدا بين الجنسين بدليل أن أكبر دليل على فشل الفعل الجنسي حصول اللذة القاصرة لاحدهما من دون الآخر. لذلك فقصة موسى لم تنزهه عن مفعول الغرائز بخلاف ما يحاول الفقهاء والمفسرون عمله. فهو وامراة العزيز كلاهما هم بالآخر. الفرق ليس في حدوث الهم  فقد جربه الاثنان بل في عدم حدوث التذكر الذي غاب عند زوجة العزيز.

  ولا يمكن لمن يحسن القراءة أن ينكر أن كل اللذات التي يمكن تصورها حتى في الخيال الجامح أوردها القرآن في وصف الجنان بما فيها من لذات وولدان. وقد بنى عليها المحاسبي محاولته في التوهم لكي يبين أن اللاتناهي الذي يصل إليه الانسان ليس متعلقا بكم اللذات بل بلاتناهي القدرة على ابداعها بمجرد تخيلها فيصبح فعل الادراك الانساني مبدعا وجوديا وراء الابداع الرمزي المعبر عما يدرك من الموجود الحاصل بل هو يصبح من جنس كن الالهية: يبدع كل ما يفكر فيه فيكون فعل الادراك فعل ابداع رمزي متقدم على المرموز بل وموجد له. وتلك هي غاية الفن حتى في الدنيا. فإذا توفرت فيه الشروط التي وضعتها الآيات التي شرحنا يصبح مبدعا للآفاق الجديدة في الامكان المطلق الذي يعرف ارادة الانسان الخلاقة رمزيا في الفنون والآداب وفعليا في الاخلاق والسياسة خاصة بوصفهما شرطي الخلق في مجالات القيم جميعا. وإذا تخلصنا من الأوهام كانت نسبة الفن المبدع حقا إلى الفن الموهم هي نسبة الجنس الحقيقي إلى الاحتلام.         

                               الخاتمة

وفي الجملة فإن النخب العربية بكل أصنافها تخلت تخليا شبه تام عن المؤثر الرمزي المستمد من الحضارة الاسلامية لسيطرة النخب العربية غير الاسلامية على النجومية الفكرية. ذلك أن النخب التي تتكلم باسم الدين ليست أقل اهمالا لهذا المؤثر من النخب المتكلمة باسم العقل. فهم لم يفهموا بعد أن الرمز لا يواصل التأثير بمجرد علاقة بالماضي مقصورة على التذكير وعلاقة بالحاضر منحصرة في التشهير بل لا من التدبير والتحيير. فمن دون التدبير يكون التذكير مجرد تغبير. ومن دون تحيير يكون التشهير مجرد تكدير. فهم بذلك قد خلقوا كل النجوم العلمانية التي تجتر سطحيات فكر التنوير وثرثرات فكر التثوير بعلم زائف وعمل ناحف. والتحيير مستحيل من دون الاجتهاد والتخيير لأن قدر العقل الجول والصول بين الأزل والأبد دون سد أو حد.

لذلك أقدمنا على مجازفة التحيير في أهم مجالين قتلهما إلى حين ترديد التذكير وتشديد التشهير: مجال القيم الذوقية ومجال القيم الوجودية. ذلك أننا نعتقد أنه لا يكفي لتفسير انحصار شبه الابداع في العرب المنتسبين إلى ملة أخرى او إلى بقايا الفرق الغالية أو إلى العلمانية الليرالية أو الماركسية كما ينسب ذلك البعض إلى شيخ النقاد المرحوم احسان عباس. فلا بد أن نعلل العقم بقتل آفاق التحيير للجهل بأن الابداع مصدره الحيرة الوجودية التي من دونها لامعنى للنبوة من حيث هي مناظرة في القيم الوجودية نظرية العبقرية في القيم الذوقية ومحو شروط التخيير للغفلة عن أن الابداع لا يمكن أن يحصل من دون مطلق الحرية في التجريب. ومن السخف تطبيق الاحكام الشرعية في فعل الابداع حتى من المنظور الشرعي: فهو عمل رمزي من جنس السرائر او حديث النفس الذي برأه النبي نفسه من الخضوع للاحكام. لكن القتل والمنع مع ذلك بلغ حدا حال دون المسلمين من العرب والاسهام الفعلي في الحضارة الرمزية بعد ما كان لهم في الجاهلية حتى باتت الابداعات الفنية لا تصل إليهم إلا في مستوياتها الردية - بعد أن صارت نبتة مرمية- وبتوسط الاقليات الهامشية في الحضارة العربية الاسلامية.

لكن العلاج الفلسفي لما أصاب النخب والقيم في مرحلتنا التاريخية الحالية وحده لا يكفي. فلا بد من التصدي للآزف من المآسي بنفس المنطق المتجاوز لامراض النخب التي قضت على وحدة الأمة. ذلك أن استراتيجية العدو ذات المنظورين الاستلابيين اللذين أفسدا تصور الماضي والمستقبل تعتمد على نوعين من الحلفاء الداخليين. ولعل خطر الأعداء الداخليين أكبر من خطر العدوين الخارجيين حاليا ومن خطر فكي كماشة الأعداء المنظورين. فحلفاء الأعداء في أضيق الداخلين ( الوطن العربي) وفي أوسعهما ( العالم الاسلامي) كلاهما أخطر على الأمة من امريكا واسرائيل إذا لم نحسن التعامل مع صورتي الماضي والمستقبل المشوهتين تعاملا يلغي شرور الفتنة الداخلية بهذين المعنيين. لكن خطر ممثليهما من النخب الثلاث التي ضربنا منها أمثلة وجيزة يبقى دون خطر النخبتين اللتين خصصنا لهما فصلين لأن علاج النوعين من العداء مرهون بعلاج خطر الفصام الذي أصاب هاتين النخبتين. والمعلوم أن تعينات العداوتين وشراستهما تختلفان من حيث الحدة بحسب التجمعات الجهوية العربية الخمسة تنازليا: بدءا بمجموعة الهلال فمجموعة الخليج فمجوعة القرنين فمجموعة النيل فمجموعة المغرب العربي. لكنها تشترك جميعا في ما أدى إليه تصورا  الماضي والمستقبل هذان من أدواء كامنة هي أسباب الفتنة بنسب متفاوتة بعضها موجود قبل الاستعمار وبعضها أوجده الاستعمار أو هو بصدد إيجاده كما هو الشأن بالنسبة إلى التنصير في بعض مناطق افريقيا الاسلامية ما دون الصحراء وما فوقها.

ولعل أفضل ممثل لتعين هذه العلل وشراستها ما نراه في العراق. ولعل ذلك هو ما يعلل كونه أول بلد سعى الامريكان إلى تفجيره. وقد يليه السودان. ولعل دور السعودية فسورية فليبيا فالجزائر فالمغرب فمصر ليس بالأمر المستبعد إذا لمن نتدارك الامر بخطة جريئة تبدأ بحماية العراق مما فيه من ميسرات لعمل العدوين ومن تحويله إلى بؤرة بيد الارهاب فضلا عن ابقائه مجرد ورقة في المقايضة الإيرانية مع أمريكا. فلم يعد بالامكان التردد في الرد بالسرعة والدقة اللازمتين. ففي العراق نجد كل هذه العلل بأقصى ما يمكن أن تبلغه من الحدة: 1- علة العرق في ( بين العربي والكردي مثلا ) 2- وعلة النحلة ( بين السني والشيعي مثلا ) 3- وعلة الملة ( بين المسلم والمسيحي مثلا) 4- وعلة التمايز الجهوي ( بين المناطق البترولية والمناطق غير البترولية)  5- وعلة الثقافة ( بين الأصولية الدينية التي عادت إلى العشائرية والاصولية العلمانية التي عادت مع الدبابة الأمريكية ).

لكن أي رد لا ينطلق مما يقتضيه الوضع المحدد والملحلل بصورة موضوعية لفهم ما فيه من ميول وتوجهات حقيقية لن يكون ذا جدوى تذكر. ولحسن الحظ فإن كل الظروف حول العراق تحول دون توجه آثار هذه العلل الوجهة التي يريدها لها العدو إذا نحن أحسنا العلاج وترتيب الأوليات. فيمكن قلب الأمر على الأعداء الخارجيين إذا ركزنا على الفصل بينهم وبين الاعداء الداخليين. ذلك أنه لو كانت هذه العلل لا تهدد إلا العراق وحده أو العرب وحدهم لأمكن للعدو أن يستغلها بصورة تؤدي حتما إلى تفجير العراق والانتقال إلى تفجير الكيانات العربية الكبرى الأخرى. فاللحظة التاريخية فرضت على أمريكا خيارا  تصورته أحسن بداية فكان أسوأها: العراق. تفجير العراق في حد ذاته أمر يسير. لذلك بدأت به أمريكا. لكن تفجيره يمكن أن يكون بداية لفوضى عارمة ستعم كل المنطقة بقومياتها الثلاث المؤثرة ( العرب والفرس والترك ).

وهذا يقتضي أن أمريكا نفسها ستراجع حساباتها. ستعتبر ذلك مضرا بمصالحها في سعيها للتوقي من الاقطاب المقبلة. ومن ثم فهو يوجب عليها السعي إلى التحالف مع البعض ضد البعض أو مع كل المسلمين إذا حزموا أمرهم فنظموا شبة تنسيق استراتيجي ايجابي يناسب مفهوم الشرق الأوسط الموسع. ولما كان الأمر يهدد الجميع في المنطقة فإنه لا يمكن لأمريكا أن تنجح في تأليب الأتراك والفرس مثلا ضد العرب ولا هؤلاء ضد أولئك. لذلك فالفرصة سانحة للرد الموجب المؤثر.

لا بد من الشروع في العلاج بدءا بالعراق وبصورة سريعة. فسلبا يمكن للحرب الأهلية العراقية أن تحول العراق إلى افغانستان ثانية خطرها علينا أكبر من خطر الاحتلال الامريكي لأن العرب اليوم ليست لهم الشجاعة حاليا فضلا عن عدم نضوج الشروط لخوض حرب أهلية شاملة للتحرر من الاستعمار وعملائه سلبا وللتوحيد القومي إيجابا. أما إيجابا فإن أي نجاح حتى وإن اقتصر على السلب ( منع العدو من تحقيق أهدافه) سيضغف الميل إلى نفس المغامرة العراقية في المجموعات الأخرى. ومن ثم فقد بات من الواجب أن يخير العرب والمسلمون أمريكا بين حلين:

 1- إما ترك العراق للجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي يعيدان إليه الاستقرار ويحافظان على وحدته بتكليف من مجلس الأمن فيكون ذلك أول اعتراق دولي بفضاء جغرافي سياسي إيجابي ( لان هذا الفضاء معترف به سلبيا على الأقل في مفهوم الشرق الأوسط الموسع ) تعالج فيه القضايا العربية الاسلامية  علاجا تقره المنظمتان وإن بالتعاون مع المجتمع الدولي.

 2- أو الدخول العلني والصريح في الحرب ضدها وعدم قصر المقاومة على المعارضة التي لا تمثل إلا وجه واحد من الفعل السياسي حتى في حال اعتراف الانظمة الحاكمة بها اعترافا ينبغي أن يكون مشروطا بخضوعها لاستراتيجية اسلامية غير مقصورة على الفوضى الحالية: لأت استعمال القوة بمنطق المقاومة الشعبية من دون خطط سياسية مؤثرة للوصول إلى الحلول السياسية التي هي بالطبع حلول تدريجية ليس مفيدا ما لم يكن في اطار استراتيجية لا تستثني التفاوض مع العدو بل تقتضيه وتوجبه.

وهذا الخيار الثاني آت لا ريب فيه. فأمريكا واسرائيل ستضطران لاعلان الحرب على كل المواقع الصامدة بمجرد أن يتبين لهما أن ما يجري حاليا هو حرب استنزاف طويلة لا يقدران عليها حتى وإن لم تكن مقصودة من القيادات العربية ولا مخطط لها. لذلك فالأفضل أن يكون تعميم الحرب التحريرية فعلا يبادر به العرب والمسلمون بالقصد والتخطيط في مرحلة أولى ثم بالتصريح والاعلان إذا حان الأوان الذي حددته الخطة مع عرض صريح للمقايضة مع أمريكا واسرائيل بدل من أن يجبروا عليه في شكل رد فعل فلا يكون بحسب ما يرسمونه من أهداف. والمعلوم أن ايران وتركيا لن تسعيا في مثل هذه الحالة للتدخل المعارض لهذا العلاج أولا لانهما تسهمان في الحل من خلال المؤتمر الاسلامي وثانيا لأنهما تخشيان انفراط عقد العراق خشية العرب منه. فيكون الحل الحفاظ على الخريطة السياسية الحالية جغرافيا ( كما هو الشأن في أوروبا ) وتعالي الفعل السياسي عليها بمنطق جغرافي سياسي موجب يقلب منطق الاستعمال السالب من قبل أمريكا تحت مصطلح الشرق الأوسط الموسع ليجعله الشرق الاسلامي الواسع: أي إن مناسبة الصلح بين العرب والفرس والترك باتت أمرا غير مستحيل ومن ثم فجعله راجحا بات امكانية سياسية معقولة تتجاوز سايكس بيكو وتعيد المبادرة لأصحاب المنطقة وتوفر فرصة الصلح بينهم وبين القوميات الثلاث الاخرى أعني الكرد والبربر والزنج.

وفي هذه الحالة يمكن أن تكون البداية في علاج ملف العراق بوصاية الجامعة والمؤتمر الاسلامي على العراق لعلاج العلل التي تنخر كل الكيانات الاسلامية عامة والكيانات العربية خاصة وصاية مقبولة من العراقيين ومن مجلس الأمن ومشفوعة بخطة بآجال مسماة: 1و2-العلة الدينية بفرعيها  ( النحل والملل ) 3و4- والعلة التاريخية بفرعيها ( العرقية والاقتصادية ) 5- وأصل جميع العلل أعني العلة الثقافية التي تعبر عنها حرب الأهلية بين الأصلانيتين. وبذلك فإن أعداء الداخل الاوسع يصبحون حلفاء على اعداء الداخل الأضيق بمجرد الحيلولة دون استعمال العدو لكلا النوعين من العداوة فيتحد المجال الجغرافي السياسي إيجابيا بعد توحيد العدوه له سلبيا.



29septembre04

Weboscope Mesure d'audience, statistiques, ROI
Classement des meilleurs sites, chat, sondage

 

قراءة 842 مرات