الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر -0001 00:00

29out08a

Home - Accueil

في كل يوم، نساهم بجهدنا في تقديم إعلام أفضل وأرقى عن بلدنا، تونس

Un effort quotidien pour une information de qualité sur notre pays, la Tunisie.

Everyday, we contribute to a better information about our country, Tunisia

 

TUNISNEWS
8 ème année, N°3020 du 29.08.2008
 archives : www.tunisnews.net 

حــرية و إنـصاف: بوراوي مخلوف مهدد بفقد البصر
المنصف زيد : رسالة توضيحية الئ الرأي العام
سي.أن.أن: محكمة تونسية تصدر أحكاما بالسجن بحق "مسلحين مسلمين"
الصباح: نتائج مؤتمر الـ«ح.د.ش» تثير ردود فعل جديدة: هيئة مؤقتة تطالب بمجلس وطني عاجل لانتخاب مكتب سياسي جديد
عادل القادري : إلى متى حجب المواقع والمدونات في تونس ؟
زياد الهاني : إلى الزميلة سهام بن سدرين : لا تسمحي بانحدار مجلة "كلمة" إلى درك صحف الحضيض..؟ 
 
سليم بن حميدان : خريف سياسي أحمر في تونس ؟
منصف المرزوقي : الديمقراطية وموطن النقص الحقيقي
محمد الهادي بن مصطفى الزمزمي : ردّا على مقال الدّكتور عمر النّمري : ومـا أمــر فرعـــون تــــونس برشــيد:(الجزء الثالث والأخير) 
يوسف الاخضر : ردا على الرد: الى أبي جعفر العويني
 ا ف ب: ادخال تعديل جزئي على الحكومة التونسية
الصباح:ماذا في لقاء الوزير الأول بالاطراف الاجتماعية؟: دعوة إلى تسريع المفاوضات الاجتماعية... وتجاوز المسائل العالقة
قدس برس: الملامح العامة لتظاهرة القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2009
رويترز: قرطاج السينمائي يعرض فيلما مغربيا استبعد من مهرجان الاسكندرية
قنا: الاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة للمواصفات بين تونس وليبيا
احميدة النيفر : حدود (3).. معضلة الهويّة بين تركيا وأوروبا
توفيق المديني : أبعاد زيارة الرئيس الأسد لموسكو
فتحي العابد: رحلة العربية بين الأفـواه
بشير موسى نافع : من التحالفات الغربية والقواعد الأجنبية إلى عدم الانحياز
عماد فوزي شعيبي:  نهاية الكوزموبوليتية الديمقراطية في الشرق الأوسط 
سي أن أن : اعتبارا من الآن.. الرئيس الليبي أصبح "ملك ملوك إفريقيا معمر القذافي"
بيان صادر عن الرابطة الليبية لحقوق الإنسان:: ليبيا: فقدان الحياة تحت التعذيب... ملف تصفية الشيخ البشتى والسيد الثلثى
قدس برس : سياسي جزائري: صراع الأجنحة الأمنية جزء من سيناريو لترهيب الناس
العرب : بعد أكثر من عقدين على تواجدها : المغرب: «جماعة العدل والإحسان» تعلن عن مشروعها السياسي
رويترز: فرنسا وأمريكا تهددان بفرض عقوبات على المجلس العسكري في موريتانيا
 رويترز:   قائد الجيش التركي يحذر من تصاعد التدين  
د. محمد نورالدين: اشبوغ:المثقف والواقع

(Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe Windows (
(To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic Windows)

اسماء السادة المساجين السياسيين من حركة النهضة الذين تتواصل معاناتهم ومآسي عائلاتهم وأقربهم منذ ما يقارب العشرين عاما بدون انقطاع. نسأل الله لهم  وللمئات من الشبان الذين تتواصل حملات إيقافهم منذ أكثر العامين الماضيين فرجا قريبا عاجلا- آمين 

1- الصادق شورو

2- ابراهيم الدريدي

3- رضا البوكادي

4-نورالدين العرباوي

5- الكريم بعلوش

 

6- منذر البجاوي

7- الياس بن رمضان

8- عبد النبي بن رابح

9- الهادي الغالي

10- حسين الغضبان

11-  كمال الغضبان

12- منير الحناشي

13- بشير اللواتي

14-  محمد نجيب اللواتي

15- الشاذلي النقاش

16- وحيد السرايري

17-  بوراوي مخلوف

18- وصفي الزغلامي

19- عبدالباسط الصليعي

20- الصادق العكاري

21- هشام بنور

22- منير غيث

23- بشير رمضان

24- فتحي العلج 


أنقذوا حياة السجين السياسي المهندس رضا البوكادي
حــرية و إنـصاف
33 نهج المختار عطية 1001 تونس
الهاتف / الفاكس : 71.340.860
البريد الإلكتروني :عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تونس في 27 شعبان 1429 الموافق ل 29/08/2008
بوراوي مخلوف مهدد بفقد البصر 
 
قضى الآن السجين السياسي السيد بوراوي مخلوف المعتقل حاليا بسجن المنستير ما يقرب من ثمانية عشر سنة بمختلف السجون التونسية أصيب خلالها بعدة أمراض ، و قد تعرض منذ سجنه إلى إصابة خطيرة بعينه اليمنى نتيجة لتدهور وضعه الصحي من جراء التعذيب و التوتر الذي أصبح يلازمه لطول بقائه في السجن ، و قد أصبحت عائلته تخشى عليه من فقدان البصر رغم خضوعه في الماضي لثلاث حصص معالجة بأشعة الليزر فإن وضعه الصحي لم يتحسن.
و حرية و إنصاف
1)    تطالب بإطلاق سراح المناضل السياسي السيد بوراوي مخلوف لتمكينه من العلاج على نفقته الخاصة و في ظروف ملائمة للعلاج حتى لا يتسبب له طول بقائه بالسجن في فقدان البصر.
2)    تدعو الإدارة العامة للسجون إلى تحمل مسؤولياتها و ذلك بتوفير رعاية صحية خاصة للسجين السياسي السيد بوراوي مخلوف كعرضه في أسرع وقت ممكن على الطبيب المختص لاستكمال علاجه الذي توقف بدون مبرر ، و تدعوها أيضا إلى إيلاء الملف الصحي للمساجين مزيدا من الاهتمام و الرعاية حتى يتم إيقاف نزيف الموت البطيء في انتظار إطلاق سراحهم.
 
عن المكتب التنفيذي للمنظمة
الرئيس
الأستاذ محمد النوري
بسم الله الرحمان الرحيم
رسالة توضيحية الئ الرأي العام
 
 
إنني الممضي أسفله المنصف زيد أوضح الى الرأي العام ان لا علاقة لي بحركة النهضة لاتنظيميا و لا سياسيا و ا وضح كذلك  ان انشطتي كانت في اطار الاتحاد العام التونسي للطلبة  في اطاره القانوني والشرعي  من سنة 1988 الى سنة 1990
 
المنصف زيد
باريس يوم الجمعة 29 اوت



 محكمة تونسية تصدر أحكاما بالسجن بحق "مسلحين مسلمين" 

 
تونس العاصمة، تونس (CNN) -- أدانت محكمة تونسية الخميس 19 "مسلحاً إسلامياً" بتهم تتصل بالتخطيط لتنفيذ هجمات في دولة بشمال إفريقيا أو إرسال مقاتلين إلى العراق.
وتسلم 13 مشتبهاً به العقوبات والتي تراوحت بين السجن لمدة عامين وثمانية أعوام، وفقاً لما ذكره المحامي سمير بن عمور.
ووجه الادعاء العام لهؤلاء تهمة محاولة تشكيلة خلية إرهابية لشن هجمات داخل تونس، فيما سعى بعض أعضائها إلى إرسال مقاتلين إلى لبنان، وفقاً للأسوشيتد برس.
وزعم بن عمور أن المحكمة التونسية لم تمنح محامي الدفاع الوقت الكافي للتحضير لقضاياهم أو عرضها، كما لم تسأل المشتبه بهم أثناء المحاكمة.
وفي حالة أخرى داخل المحكمة نفسها، أدين ستة متهمين الثلاثاء بمحاولة إقامة معسكر تدريب عسكري في منطقة الكاف بشمال شرقي تونس، وذلك لتدريب المسلحين من أجل إرسالهم للقتال في العراق. 

وقال بن عمر إن أحكام السجن بحقهم تراوحت بين عامين وستة أعوام.
وأضاف محامي الدفاع عن المتهمين أن الادعاء العام لم يقدم أي بينة إدانة ضد المشتبه بهم، مشيراً إلى أنه تقدم بطلب لاستئناف الحكم في القضيتين.
يشار إلى أن الحكومة التونسية تتعرض بين الفترة والأخرى لاتهامات حول تجاوزات منتظمة واعتقالات تعسفية تحت غطاء الأمن وقانون مكافحة الإرهاب.
ففي العام 2006، اتهمت منظمة العفو الدولية "أمنستي" الحكومة التونسية بارتكاب تجاوزات منتظمة واعتقالات تعسفية شملت المئات، من بينهم أطفال، تحت غطاء الأمن منذ سن قانون مكافحة الإرهاب عام 2003.
وقالت "أمنستي" إن السلطات التونسية تستخدم التعريف الفضفاض لـ"الإرهاب"" لتجريم أنشطة مشروعة وسلمية للمعارضة.
وتعرض العديد من المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة واحتجزوا في زنزانات انفرادية كما أرغم بعضهم على الاختفاء خلال السنوات الخمس الماضية، وفق تقرير المنظمة الدولية: "تجاوزات روتينية باسم الأمن في تونس.."
ومنذ يونيو/حزيران عام 2006، اعتقل 977 شخصاً على الأقل، وأنزلت بحقهم أحكاماً طويلة بالسجن أو حتى الإعدام عقب محاكمات غير عادلة أمام محاكم عسكرية ومحاكم أخرى، بحسب ما ورد في موقع المنظمة. 

( المصدر : موقع "سي.أن.أن." عربي بتاريخ 29 أوت 2008 )

 نتائج مؤتمر الـ«ح.د.ش» تثير ردود فعل جديدة:
هيئة مؤقتة تطالب بمجلس وطني عاجل لانتخاب مكتب سياسي جديد
 
 
 
تونس ـ الصباح: طالب عدد من كوادر حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، بعقد مجلس وطني عاجل لانتخاب مكتب سياسي يعبر عن غالبية أعضاء المجلس..
وقال بيان "للهيئة المؤقتة"، التي تتألف من عدة أعضاء في المكتب السياسي المتخلي ومن المجلس الوطني الذي أفرزه المؤتمر الثامن للحركة، أن هذا المجلس الوطني كان يفترض انعقاده مباشرة إثر المؤتمر..
 وكان المجلس الوطني المنبثق عن المؤتمر الثامن للحركة، قد انعقد بعيد المؤتمر بيوم واحد، ولكن حالة الفوضى التي شهدها نتيجة الخلاف حول تركيبة المكتب السياسي، وإصرار غالبية أعضائه على اعتماد صندوق الاقتراع لانتخاب تشكيلة المكتب السياسي بدل الوفاق، عطل الخروج بحل جماعي ما دعا بعض كوادر الحركة إلى تشكيل ما يسمى بـ"الهيئة المؤقتة"، في محاولة لـ "تصحيح الوضع" صلب الحركة، على حدّ تعبير البيان الذي تلقت "الصباح" نسخة منه..
وأعرب أعضاء الهيئة المتألفة من ستة أعضاء، عن "مساندتهم للوفاق"، لكنهم اشترطوا "أن يحترم موازين القوى في الحركة ولا يقفز عليها"، حسب نص البيان..
واعتبرت المجموعة، أن هذا البيان، "تعبير عن وجهة نظر قيادات في الحركة، من حقها الادلاء بموقفها صلب الحزب، بحسب ما يضمنه القانون الداخلي للحركة، التي هي حركة ديمقراطية تحتكم للرأي والرأي الاخر"..
وشددت الهيئة المؤقتة، على أنها "لا تتحرك خارج أطر الحركة، وأنها لا تعتمد أيا كان مهما كانت صفاته وخصاله، ما دام خارج الاطر وبعيدا عن أي تمثيل قاعدي"، كما جاء في البيان..
دعوة للتعامل الحضاري
وكانت هذه المجموعة، اتهمت من قبل بعض أعضاء المكتب السياسي بالتحرك خارج أطر الحزب، ما يجعل أي مبادرة تتقدم بها، خارج اعتبارات الحزب وحساباته.. وهو ما يفسر دعوة الهيئة كافة كوادر الحركة وقياداتها، إلى "التعامل مع البيان بطريقة ديمقراطية متحضرة، وبعيدا عن أي تشنّج أو حسابات شخصية ضيقة، أو محاولات تشويش أو بثّ شائعات لا طائل من ورائها" على حدّ قول المجموعة..
وأعرب أعضاء الهيئة في هذا البيان الذي وقعه أعضاؤها الستة بزعامة السيد عبد اللطيف البعيلي، الذي تم الاتفاق على تعيينه منسقا عاما لها، عن أملهم في "تفهم موقفهم من قبل جميع مناضلي الحركة ومناضلاتها في مختلف المستويات التنظيمية، احتراما لنواميس الحركة وقوانينها الداخلية، وباعتبارها مضرب الامثال في الممارسة الديمقراطية التي كانت الحركة أول من رفعت شعارها منذ النشأة"..
وكانت الهيئة اجتمعت أول أمس بالعاصمة، وتدارست نتائج المؤتمر الثامن للحركة، وما تمخض عنه من مكتب سياسي تحكم فيه الوفاق "غير المجزي لطبيعة التوازنات داخل الحركة"، وقررت في هذا السياق البحث عن مخرج لهذا الوفاق غير المرغوب فيه، على حدّ تعبير أحد أعضاء الهيئة، عبر تفاهمات جديدة تعيد الاعتبار لصندوق الاقتراع، بحيث يكون المكتب السياسي منتخبا، ما سيوفر له أرضية عمل بتزكية جماعية من مناضلي الحركة وكوادرها في العاصمة والجهات الداخلية..
وشددت المجموعة، على حرصها على عدم العودة إلى ما قبل المؤتمر التوحيدي الذي انعقد العام 2004، وهو ما يعني ضمنيا، عدم استعدادها لشق صفوف الحركة، بقدر ما يهدف تحركها إلى تصحيح الوضع الناجم عن المؤتمر، عبر الدخول في حوار جدي مع رموز الحركة بهذا الشأن..

صالح عطية
(المصدر:  جريدة الصباح ( يومية – تونس)   بتاريخ 29 أوت 2008)
 

إلى متى حجب المواقع والمدونات في تونس ؟

 
بالرغم من كل الإجراءات الرائدة والقرارات الهامة والمشاريع الواعدة والإمكانيات المرصودة والملتقيات الوطنية والمؤتمرات الدولية والقمة العالمية، بقيت شبكة الانترنت في تونس أوهن من بيت العنكبوت بسبب تواصل حجب العديد من مواقع الواب والمدونات. وتشكل هذه المسألة المثيرة فعلا للجدل نقطة سوداء في وجه كل ما أنجزته بلادنا في مجال تكنولوجيات الاتصال. و ما زالت علامة منع النفاذ المميزة 404 تصدم آلاف المبحرين التونسيين الذين ضجت أنفسهم وضاقت صدورهم بما تفعله بهم دون احترام أو سابق إعلام الوكالة التونسية للانترنت في فضاء تواصلي كوكبي يفترض أنه الأكثر انفتاحا وحرية، وإن كان الأرجح أن هذه الوكالة الخاضعة لسلطة إشراف وزارة تكنولوجيات الاتصال قد تكون مجرد أداة تنفيذ. ويبدو جليا أن شرطة المرور الافتراضي في بلادنا قد تجاوزت حدود المعقول والمقبول والمبرر، حيث توسعت دائرة المواقع غير المرغوب فيها ولم تعد تقتصر على عدد من المواقع السياسية والحقوقية والإباحية والمتطرفة والمدونات الشخصية  لتشمل أهم المواقع ومحركات البحث العالمية "المحايدة" والتي يبلغ عدد المشتركين في بعضها مئات الملايين من الأشخاص،  فبعد حجب موقع يوتيوب ذي المرتبة الثالثة عالميا وموقع دايلي موشن المتخصصين في التنزيلات السمعية البصرية منذ فترة طويلة جاء الأسبوع الفارط دور الموقع الالكتروني الخامس في العالم وهو الفايسبوك ليلبس بدوره حجابا تونسيا أصيلا ... واتخذت هذه العملية الأخيرة التي استهدفت أهم شبكة تواصلية اجتماعية في العالم حجم فضيحة حقيقية نعتقد أن المسؤولين التونسيين عنها لم يقدروا أبعادها وتداعياتها. وهل يعقل أنه بسبب نافذتين أو ثلاثة نغلق شبكة بملايين الروابط المفيدة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وعلميا وتربويا ...
وقد يقول بعض خبرائنا إن حجب المواقع غير ممكن تقنيا في إشارة إلى أنه يمكن النفاذ إلى أي موقع في العالم باستعمال البروكسيات، ولكنهم يعلمون جيدا أن  أغلب مستخدمي الانترنت لا يسلكون هذه الطرق الملتوية ويكتفون بمضائق الطرق الشرعية وما أكثرها في بلادنا...
ومع كل ذلك، لسنا ممن يرفعون شعار "الحرية كل لا يتجزأ " على الإطلاق، كما أننا لا ندعو إلى الإلغاء الكامل للرقابة على الانترنت لأن العديد من المواقع المحرضة فعلا على العنف والإرهاب والكراهية والعنصرية أو المسيئة للأخلاق الحميدة والمهددة للأطفال وغيرها تستحق ليس فقط الحجب  بل حتى متابعة أصحابها ولكن نعتقد أن أغلب المواقع والمدونات الممنوعة عندنا ولا سيما التونسية منها ليست من هذا الصنف كما أن عملية المنع أو الحجب لا تخضع لأي ضوابط أو معايير واضحة قانونية مثلما هو معمول به في العديد من البلدان الأخرى التي يستند بعضها إلى حكم قضائي معلل قبل إغلاق أي موقع، في حين يغلب عندنا الطابع العشوائي والاعتباطي فيما يعتبره بعض المسؤولين تنظيفا للشبكة من العناكب السوداء المتهمة بالإساءة لصورة البلاد . والواقع يؤكد أن عملية حجب المواقع الالكترونية والمدونات التونسية وغيرها قد أساءت لسمعة بلادنا وصورتها في العالم أكثر من أي شيء آخر بما في ذلك بعض الأحداث الاحتجاجية والاضطرابات التي تحدث طبيعيا في أرقى البلدان، ويعتقد أنه بسبب التسجيلات المتعلقة بها تم إغلاق بعض المواقع.
وإذا كان الشباب هم أكثر من يستخدمون الانترنت في بلادنا، فإنه يمكن القول بالاستناد إلى شعار تونسي رفعناه هذه السنة 2008، إن حرية الإبحار على شبكة الانترنت هي الحل وليست المشكل. وعلى المسؤولين عن الإعلام والاتصال عندنا مراجعة أنفسهم ومواكبة روح العصر والمعنى الحقيقي لمجتمع المعلومات لا أن يكتفوا بتقنياته وبرمجيات الفلترة وصناعة الذكاء، لأن ما يقومون به ليس فقط تجاوزا لسلطاتهم وللقانون بل اعتداء مباشر على ذكاء الإنسان التونسي الذي لم يعد قاصرا.
 

عادل القادري  (جريدة الوحدة)

 إلى الزميلة سهام بن سدرين : لا تسمحي بانحدار مجلة "كلمة" إلى درك صحف الحضيض..؟
 
 
زياد الهاني
 
كمتابع لمجلة "كلمة" الالكترونية التي تديرها الزميلة سهام بن سدرين، وكمدافع عن حق هذه المجلة في الوجود القانوني ومندد بمنعها تعسّفا وتسلّطا، لا يمكنني أن أرضى البتّة بمستوى بعض مقالتها التي أعتقد جازما بأنه لا يمكن لصحفي يحترم نفسه أن يضع عليها توقيعه..
هل هذا هو الإعلام البديل الذي يطمح إليه المتعطشون للحريّة؟
من منّا يمكنه أن يقبل بهذا المستوى من التخاطب (سخافات، تافهين، غربان ناعقة، الحمار الذي يحمل أسفارا، إلخ...؟
من منّا كان يصدّق أن "كلمة" يمكنها أن تصدر مثل هذه "المقالات"...؟
كمال بوخدير الذي تمّ التعريض به ونهشه زميلنا، ولن نسمح بأن يتطاول عليه المتطاولون أيّا كانوا.. وأملنا كبير في أن يعدّل المخطئون مسارهم..؟
 
من تحف صحافتنا الوطنيّة (4)
حبّــــــــة ملحْ أم 'حبّـــــة في المخّْ'

تتواصل محنة المتابعين للسّخافة التونسيّة مع كائنات لم نجد لها تعريفا إذ تواصل نشر كلّ ما يجول بخاطرها تحت غطاء العفوية والبساطة ــــ وهي في الحقيقة 'بسالة'.

أحد أكبر هذه المنابر المفتوحة لسخافات كلّ من هب و دب هي الصّريح التي تمتلك و الحقّ يقال جيشا من التّافهين و الغربان النّاعقة.

وكان لها الإسهام في مزيد تدنّي وعي التّونسي بمشاكله الحقيقية وإبعاده بطريقة خبيثة عن واقعه بأشياء ــــ 'نستحي من تسميتها 'مقالات' ـ و الأصحُّ أن تسمّى مقلاة (و إن كانت هذه الأخيرة تصلح في المطبخ)' لا يمكننا إذا وصف أصحابها بالصحفيين لأن ذلك شرف لا يستحقّونه.

وسخيف هذه المرّة هو كمال بوخذير الذي تطالعنا صورته بضحكة بلهاء في أعلى 'مِقلاتهِ' ليكتب خبرًا عن امرأة أمريكية اقتيدت الى مركز البوليس لتأخرها في إعادة كتابين قد استعارتهما من المكتبة العمومية و تغريمها بـ170 دولار ثم مجموعة من الجمل المنفصلة ــ 'إلّي لا عندها لا راس لا ساس' ليستنتج 'عيني ما تضرّو' أنّه لو طبّق هذا القانون في تونس لجنى أموال تمكنّه من بعث مشروعِ تجاري بما أنه أعار العشرات من الكتب و لم يستعدها.

هذه الكتب لم تكن لها أي فائدة مادام 'كمال(يكمّل عليه بمخّو)' بهذا المستوى الرديء في الكتابة و في التفكير. و أقترح عليك اسما آخر يليق بك ألا و هو 'الحمار الذي يحمل أسفارًا' بما أن هذه الكتب لم تساعدك في تحسين مستواك. أقترح أيضا على ' الحاجّة' عفوا صالح الحاجّة بإسناد منحة إنتاجية لأكثر المحررين و المساهمين تفاهة لأن الصريح في حقيقة الأمر هي 'سقيفة حمّام نساء' بمعنى الثرثرة و التفاهة.

في الأخير أشجع صاحب المقلاة على آخر سطر كتبه أي أن يذهب لفتح دكان لبيع 'الزلابية والمخارق' و أن لا ينسى اصطحاب الحــــاجــّـة 'لتلف' ليلف له 'المخارق' بأوراق الصّريح خير لهما من أن يحاكما بانتحال مهنة صحفي.

(المصدر: مجلة 'كلمة' (اليكترونية شهرية – محجوبة في تونس) بتاريخ 27 أوت 2008)

خريف سياسي أحمر في تونس ؟
 
 
بقلم: سليم بن حميدان

يبدو واضحا للعيان توتر الأوضاع التونسية على كل الجبهات وعجز النظام الحاكم عن ملاحقة الأحداث والاحتجاجات بما يحمله ذلك من مؤشرات لوقوفنا على أعتاب نقلة جديدة في نظامنا السياسي.

فعلى الجبهة الاجتماعية، يمثل تواصل انتفاضة الكرامة لأهلنا في الحوض المنجمي، للشهر الثامن على التوالي، حدثا عميقا ونوعيا في دلالاته السياسية حيث شكل عجز السلطة عن تطويق الأزمة، فضلا عن حلها، إثباتا عمليا لفشل الخيارات التنموية وخيانة موصوفة لشعار 'دولة القانون والمؤسسات'.

لقد فضلت السلطة كعادتها التعاطي الأمني مع المشكلة الاجتماعية ولم تلجئ للحوار إلا لأغراض التمويه وربح الوقت أملا في تراجع قوى التمرد والاحتجاج أمام سطوة الآلة القمعية التي لم تتردد في ارتكاب جرائم قتل المدنيين وتعذيبهم ومحاكمتهم بسبب رفضهم للجوع والفساد.

إن نداءات الاستغاثة التي توجه بها عديد المسؤولين الحكوميين، رئيسا ووزراء وإعلاميين، إلى رؤوس الأموال من أجل الاستثمار في 'مناطق الظل' ومزيد العناية بها هو اعتراف صريح بإخفاق الدولة وعدم قدرتها، في ظل أزمة الغلاء العالمي الناتج أساسا عن ارتفاع أسعار المحروقات، على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

يدرك التونسيون أن شريحة رؤوس الأموال التونسية التي أنتجها النظام الحالي لن تستجيب أبدا لنداءاته لأسباب عديدة أهمها أنها تعيش هي الأخرى، كما سائر الشرائح الاجتماعية، في وضع أسر واختناق وتبعية كاملة للمتنفذين في أعلى هرم الدولة.

أما خيار الاندماج الأعمى في العولمة المتوحشة والرضوخ اللامشروط لإملاءات صندوق النقد الدولي وسائر مراكز التمويل والإقراض فلم يفرز لنا سوى ''فئة كومبرادورية'' لا يتجاوز دورها الوساطة بين المنتج الأجنبي والمستهلك المحلي ضمن شبكة علاقات زبائنية تضع الربح السريع في صدارة أولوياتها ولا تكترث أبدا لإنتاج الثروة الوطنية وتحسين شروط المنافسة في السوق الدولية.

إن الاقتصاد التونسي قائم، بشهادة أهل الاختصاص، على ''آلية التعديل خارج دائرة السوق'' أي أنه لا يستطيع مقاومة اختلالاته البنيوية بغير الضخ الخارجي، المشروط طبعا بعلاقات التبعية والولاء السياسي.

وباعتبار أن أزمة الغلاء العالمي مرشحة للتفاقم في المستقبل القريب، خصوصا مع عودة شبح الحرب الباردة واحتمال تفجر حروب ونزاعات جديدة، فإن الضخ الخارجي سوف يتقلص وستبحث دول المركز عن حماية مصالحها بوسائل أقل كلفة من دعم بعض الأنظمة الدكتاتورية الفاشلة، ولن يكون ذلك بغير إجبارها على إدخال تعديلات جوهرية في بنية أنظمتها السياسية تمكنها من احتواء 'بعض' المطالب الاجتماعية والسياسية.

على الجبهة السياسية يتصاعد الاحتجاج أيضا لدى كل أنواع الطيف الإيديولوجي والسياسي.

ولئن كان التمايز واضحا بين أنصار' المشاركة الاحتجاجية' القائمة على المطالبة بتوسيع المشاركة وإصلاح المنظومة الدستورية والتشريعية ودعاة 'المقاومة المدنية' القائمة على رفض النظام الحاكم باعتبار عدم قابليته للإصلاح فإن الوحدة الموضوعية بين التيارين تتجلى في إجماعهما حول مطلب الإصلاح السياسي الشامل المرتكز بدوره على عقيدة سياسية واحدة ترفض الشرعية القائمة وتنادي بسيادة الشعب ودولة الحريات والديمقراطية الحقة.

هذه الوحدة الموضوعية تتجلى في مطالبة كل الأحزاب السياسية الجادة والممثلة بضرورة التخلي عن التعاطي الأمني مع الملفات الساخنة وضرورة فتح حوار وطني شامل يقي البلاد شرور اهتزازات قادمة لا مصلحة لأحد فيها كما تتجلى أيضا في تصعيد خطابها الاحتجاجي ونسق حركية مناضليها في مختلف الأطر الجمعوية والنقابية والإعلاميةط.

 يمكننا اعتبار أحزاب ''الوفاق الديمقراطي''، أي الحزب الديمقراطي التقدمي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وحزب العمال الشيوعي التونسي، رغم حالة النخبوية المفروضة والخلافات الداخلية المفتعلة، حلقات متقدمة في جبهة الاحتجاج هذه، بل إن غباء الاستبداد يزيدها كل يوم تضامنا وتقاربا إلى الحد الذي لا يجد فيه التونسيون تفسيرا لعدم توحدها جميعا في جبهة وطنية ديمقراطية دائمة.

 كما تمثل حركة النهضة فاعلا رئيسيا في هذه الجبهة إلى الحد الذي يعتبرها كثير من المراقبين مالكا حقيقيا لفيتو الانفتاح السياسي حيث لا معنى لأي ديمقراطية تقوم على إقصاء خصم بلغت شعبيته حد بروز ما عرف في العقدين الأخيرين بظاهرة الاستقطاب (سلطة / حركة إسلامية).
وبالرغم مما يشاع من وجود تيار داخلها يدعو'للملاينة' مع الاستبداد، بذريعة الواقعية بمفهومها الساذج كمصالحة مع الواقع، فإن نزعة 'المغالبة'، فيما هي سعي لتغييره، تبدو أكثر واقعية ، لدى قيادة هذا التنظيم وأنصاره، متغذية في شرعيتها من استمرار معاناة مساجينها ومواصلة اضطهاد المسرحين منهم ومن تواصل هجمة النظام الحاكم على كل قوى المجتمع المدني، هذا فضلا عن مرجعيتها الدينية وإرثها التاريخي الذين يمجدان التضحية والصبر في مقارعة الظلم ويربطان مفاهيم الأمانة وخلافة الإنسان بمقاصد العدل والحرية.

الفاعل الآخر في جبهة الاحتجاج السياسي هو بعض القيادات النقابية اليسارية، المستقلة والنزيهة، التي شكل حضورها الميداني وتغطيتها الإعلامية لأحداث الحوض المنجمي رسالة ذات مضمون وطني أصيل قد تخرج اليسار التونسي من أزمته عبر استعادة دوره التاريخي في تجذير المطالب الاجتماعية والاقتصادية والولاء للطبقات الفقيرة والفئات المهمشة.

أما الجبهة الحقوقية فتكاد تتحول إلى حقل ألغام يستحيل على النظام ولوجه دون خسائر فادحة. فقد نسجت شخصيات سياسية بارزة وجمعيات حقوقية ذات صيت عالمي شبكة علاقات دولية واكتسبت خبرة ومهنية فائقة بحيث أصبحت مستعصية على العقل الأمني للسلطة وأضحت أساليب هذه الأخيرة في محاصرتها من مضحكات الاستبداد.

تعدد الملفات الحقوقية وبراعة الحقوقيين التونسيين، على قلتهم، في إبلاغ صوتهم وتظلمهم إلى نظرائهم في العالمين العربي والغربي أفسد حسابات السلطة في تسويق نموذج البلد الآمن أو 'الديمقراطية الناشئة' رغم تخصيص مبالغ مالية ضخمة وتسخير إمكانيات بشرية هائلة تشهد بها وكالة الاتصال الخارجي وصحافة القصر.

انتشار ظاهرة التعذيب وتعميم الاضطهاد على الطبقات الاجتماعية الكادحة وفرض حالة الطوارئ غير المعلنة أو حصار مدن بأكملها جنوب البلاد فضح للرأي العام الوطني والدولي ذريعة 'مكافحة الإرهاب' كتبرير للحملات الأمنية والانتهاكات الإنسانية الفظيعة التي عانى منها آلاف التونسيين من ذوي التوجهات الإسلامية واحترقت بنارها أكباد مئات الآلاف من ذويهم.

كما أن جريمة التغريب ومنع مئات التونسيين من حقهم في العودة الآمنة والكريمة إلى بلادهم لمدة تفوق العقدين، عند بعضهم، بسبب الاضطهاد السياسي والمحاكمات الجائرة، وإصرار هؤلاء في المقابل على استرداد حقهم في إطار مبادرة شعارها 'العودة حق واسترداده واجب' سيضر كثيرا بـ'سمعة النظام' ويضعف من مصداقيته، المتهاوية أصلا، لدى كثير من نزهاء صناع القرار وفي أوساط النخبة الغربية 'صديقة الشعوب' بعد أن تعرفت هذه الأخيرة على 'اللاجئين التونسيين'' مباشرة وعاينت نزاهتهم واعتدالهم وتعاطفت مع قضيتهم كما تأكدت من فرادة النموذج التونسي في 'الديمقراطية' وبراعته في فنون التمويه والخداع على المجتمع الدولي.

وبكل يقين وأمل نستطيع الجزم بأن التطورات الداخلية الأخيرة على الجبهة الحقوقية وتوسع خلاياها العنقودية يشكل حصانة قوية للقوى الاجتماعية والسياسية المتمردة هذا فضلا عن قدراتها المتزايدة في توجيه ضربات موجعة للنظام الاستبدادي وتمكنها من فضحه خارجيا إلى درجة أصبح معها مدانا وغير مرغوب فيه لدى أغلب العواصم والنخب الغربية رغم مواصلة تدفق الدعم من حكوماتها لضرورات إستراتيجية قابلة للتعديل وحتى للمراجعة الجذرية في عالم التحولات السريعة.

لا يختلف الأمر فيما يتعلق بالجبهة الإعلامية حيث نسجت كفاءات تونسية شبكة عنكبوتية متطورة امتدت خيوطها في كل الاتجاهات وتمكنت أقلام وطنية حرة من اكتساح أوسع الصحف العربية والأوروبية انتشارا منبهة الرأي العام العربي والدولي إلى حقيقة ما يجري في ''بلد الياسمين''.

ورغم أن العالم الافتراضي لم يسلم هو الآخر من مداهمة البوليس السياسي، تضييقا على المدونين الأحرار وحجبا للمواقع الحزبية والجمعياتية وصدا لفضاءات التقاء عالمية، كاليوتيوب والفيس بوك، لمنع مرتاديها من التآمر على أمن البلاد وتهديد 'ديمقراطيتنا الناشئة'، فإن الرد جاء سريعا ومصمما من آلاف الشباب الغاضب على سياسة القمع والملاحقة الافتراضية بل إنه أعاد التجمهر والتنظم عبر عريضة الـ' 25 ألف تونسي للضغط على الوكالة التونسية للانترنيت لكي تفتح الفايس بوك'، مؤكدا للمرة الألف أن المجتمع الحي ينتج آليا دفاعاته المدنية كمضادات حيوية لمقاومة داء الاستبداد.

ليس الحال أقل توترا واضطرابا على الجبهة الثقافية بدليل ''فوضى المهرجانات'' والسياحة المتوحشة وما يرافقها من مظاهر العربدة والسكر والأخلاق الهابطة والتي تؤشر كلها على تفاقم ظاهرة العنف الداخلي كشكل من أشكال التنفيس الاجتماعي عن الاحتقان والغضب. هذا العنف الداخلي بدأ يجد مسالك جديدة للتعبير عن نفسه خارجيا في إطار ما عرف السنة الماضية بـ''فوضى الملاعب'' حيث تحولت هذه الأخيرة وباستمرار إلى ساحات لتفجير غضب جيوش الناقمين والعاطلين، وتحولت الجماهير إلى وحش كاسر يصعب ترويضه لأنه لا يفقه كثيرا في علوم المنطق والقانون والسياسة. رقعة هذه الفوضى مرشحة للتوسع واكتساح مساحات جديدة بل ربما تلتقي مع تمرد الجامعات والنقابات والسجون والمناجم. 

الوضع على كل هذه الجبهات ينذر بتصعيد خطير قد يفتح البلاد، خلال الخريف القادم، على فوضى لا يتمناها أي تونسي غيور على وطنه خصوصا وأن الضحايا كانوا في السابق غالبا من الفقراء والكادحين.

ولعلني أفاجئ القارئ الكريم إذا اعتبرت أن للاستبداد وجرائمه بعض المنافع لأنه ساهم، عكسيا، في إنتاج دفاعات صلبة للمجتمع المدني يقوم عليها مناضلون شرفاء أشاوس، نذروا بقية حياتهم وكل غال عندهم، للذود عن كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته في وجه كل أنواع الانتهاكات والمقايضات. بل إنني أراه الطريق الطبيعي الذي سلكته ''مجتمعات الحداثة السياسية'' حيث تتكون الجمعيات المدنية الفاعلة، كسلطة مضادة ودعامة أساسية للديمقراطية، عادة من نواة صلبة لمناضلين عانوا الاضطهاد والعنصرية فأدركوا أن الحرية قيمة متعالية لا تتحقق أرضيا بغير مسلك التحرر الدائم.

الحصيلة هي أن أغلب المؤشرات تدل على أن النظام الحاكم أضحى في وضع حصار' داخلي'' من طرف قوى المجتمع المدني وجماهير الشعب الغاضبة، و''خارجي' من طرف قوى دولية هي أحرص على استقرار الأوضاع وضمان مصالحها الإستراتيجية منه على مواصلة دعم حليف يجرها، بكبريائه وعناده، إلى فقدان كل شيء.

ولن يتيسر للنظام الحاكم فك هذا الحصار بغير ابتكار حلول عقلانية 'جديدة' تتجاوز غريزة البقاء، المعبر عنها في القاموس السياسي والإعلامي بالحفاظ على الأمن، إلى الانفتاح الحقيقي على المجتمع وقواه الحية.   

وللأسف فإنه يحاول اليوم عبثا تخفيف التوترات الاجتماعية والسياسية عبر سياسات قديمة بالية تقوم من جهة على اجترار الوعود الزائفة أو الاستجابة لبعض المطالب الهامشية، ومن جهة أخرى على أساليب استخباراتية عفى عنها الزمن من مثل استمالة بعض قدامى المحاربين أو محاولة زرع الفتنة والانقسام داخل الجماعات الاحتجاجية.

عبثا أيضا تراه يراهن على استمرار الدعم الخارجي كسند أساسي لبقائه لأن الكلفة أصبحت باهظة وربما غير متناسبة مع رداءة الخدمات التي يقدمها بدليل تصاعد ظواهر السلفية والهجرة السرية و الفقر والجريمة بمختلف أشكالها مما يهدد مباشرة أمن وسلامة دول الضفة المقابلة ويوهن مبرر دعمها للدكتاتوريات لدى شعوبها على حساب رفاهيتهم المتناقصة تدريجيا.

الخارج ''شاطر جدا'' ولن يجازف أبدا بحركة الجماهير أو انفجار الأوضاع بالكامل، وخصوصا في الضفة الجنوبية للمتوسط، وهو يدرك تماما أن الأوضاع التونسية بدأت تخرج فعلا عن سيطرة النظام الحالي وأن المطلب الديمقراطي الذي تأجل كثيرا تحت ذرائع الوحدة الوطنية ثم التنمية الاقتصادية فمقاومة الإرهاب، لم يعد يحتمل التسويف أكثر، لكنه ربما يحاول مرة أخرى إنقاذ الاستبداد من حماقاته عبر تجديد قشرته الخارجية دون المس طبعا من جوهر علاقات التبعية.

كارثة أخرى تحل بنا لو حدثت، لذلك ينبغي أن يكون ذكاءنا الوطني في مستوى حدية محنتنا وأرقى من ''شطارتهم'' حتى لا نلدغ من جحر واحد ''مرتين''.

علينا إذن أن نمنع الاستبداد من التجدد، ولن يكون ذلك بغير مواصلة النضال والصمود، تجذيرا لثقافة المقاومة المدنية وتمسكا بالمطالب الديمقراطية والاجتماعية ونشرا للوعي السياسي في كل الفضاءات العمومية.

التغيير حتمي وديناميكيته في تسارع، وسيكون 'التحدي' هو شعار المرحلة القادمة، تصادره هذه المرة الحركة الديمقراطية من غريمها (الحزب الحاكم) بعد أن كانت دائما في وضع الضحية التي سرقت منها كل الشعارات (الديمقراطية – حقوق الإنسان – التغيير – الحرية – الحوار الوطني...).

 تغيير لن يكون قطعا في صورة ثورة شعبية عارمة فمشهد الثورات ممنوع بالفيتو الأممي في أوطاننا، ولكنه تغيير في بعض وجوه الحكم وتعديل لأساليبه.

فلنعمل جميعا، فرادى وجماعات ما استعصى التنسيق والتوحد، من أجل أن يكون هذا التغيير في منهج الحكم حقيقيا لا وهميا، هذه المرة، تمهيدا لتغييرات قادمة تطال جوهر النظام السياسي، عسانا نغادر الزمن الضائع ونلج فعلا حقبة '' الدولة الوطنية'' كإطار لممارسة قيم 'المواطنة الحقيقية'.


 الديمقراطية وموطن النقص الحقيقي
 
بقلم: منصف المرزوقي (*)

مقالة 'نهاية الكوزموبوليتية الديمقراطية في الشرق الأوسط' التي نشرتها الجزيرة نت لكاتبها عماد فوزي شعيبي تلخيص لكل الأفكار المعادية لمشروع غرس الديمقراطية في وطننا العربي مشرقا ومغربا، تضاف إليها سخرية خفيفة من 'هزال مطلبية' 'عتاة مثقفي الديمقراطية' وهم في أحسن الأحوال 'من المثقفين السذج' وفي أسوئها متواطئون مع مشروع تشظية دولنا العزيزة.

ثلاث ملاحظات يتقدم بها واحد من 'عتاة مثقفاتية الديمقراطية' إلى مثقف عربي غير ساذج.

الملاحظة الأولى أنه إذا كانت الديمقراطية فعلا نتاج الحضارة الغربية وصيرورتها التاريخية ومن ثم هي ظاهرة تمتاز بها لأنها من صلب ثقافتها، لا تزرع ولا تنمو إلا في هذه الثقافة، فكيف يفسر أن الغرب الأوروبي أنتج أكبر وأبشع دكتاتوريات العصر، أي الفاشية والنازية وحتى الستالينية، لأن الروس شاؤوا أم أبوا جزء من الغرب منذ عهد بطرس الكبير.

ثم كيف يفسر أن الديمقراطية انتصبت في الهند منذ أكثر من نصف قرن وثبتت فيها، بل أفشلت كل المحاولات للانقضاض عليها ومن أخطرها تلك التي قادتها أنديرا غاندي في السبعينيات وكلفتها حياتها.

هل لأن الثقافة والصيرورة التاريخية في الهند نفسها في الغرب المسيحي؟ وبالمناسبة يجب التذكير بأن الهند بمليار ساكن تزن مرة ونصفا كل الغرب بجزءيه الأميركي والأوروبي، ولا أتحدث عن أميركا الجنوبية وجنوب أفريقيا، ومن ثم الدعوة لتعديل ساعة مفكرينا غير السذج وانتباههم أن الديمقراطية، كانت، لكنها لم تعد شأنا غربيا.

والملاحظة الثانية هي ما جدية وما قيمة خطاب صقور المحافظين الأميركيين بخصوص فرض الديمقراطية علينا الذي استشهد به الكاتب كثيرا للتدليل على خطورة المؤامرة التي تتعرض لها أمتنا؟

إنه حقا لأمر مضحك أن نضع من جهة الديمقراطية وفي المقابل الوطنية، والحال أن كل الأمة أصبحت واعية أن العدو الأول والأكبر للوطن والمواطن ليس الاستعمار والصهيونية والإمبريالية وإنما أنظمة الاحتلال الداخلي.

كيف نستشهد بآراء تقابلها آراء في مجتمع حرّ، ونتجاهل سياسيات فظة ميكيافيلية كلها داعمة للاستبداد العربي؟ وعوض التركيز على مؤامرة وهمية لدمقرطتنا بالقوة، يجب الانتباه للظاهرة السياسية الموضوعية الوحيدة وهي أن الحكومات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية تحمي وتؤيد كل الدكتاتوريات العربية شريطة أن تنساق في برنامج هيمنتها.

وأمثلة على ذلك بلدان الخليج، وعراق صدام، وجنرالات الجزائر، والنظام البوليسي في تونس، دون نسيان القذافي الذي غسلت كل ذنوبه، لا لأنه تاب عن الاستبداد، لكن لأنه تاب عن 'الإرهاب'. أضف لهذا خوفها المتعاظم من انتخابات حرة يمكن أن تأتي بنظم إسلامية.

ما يعتقده بقوة عتاة المثقفين والسذج الديمقراطيون العرب أمثالي أنه إن وجدت الديمقراطية يوما طريقها لبلداننا فلن يكون ذلك بالتعاون مع سياسات الدول الغربية وإنما ضدها.

أما الملاحظة الثالثة فهي أن خشية المثقفين غير السذج من تشظي أوطاننا وتمزقها وعودتها لما قبل الحقبة الوطنية أمر شرعي، لكن من أوصلنا لهذه الحالة: الديمقراطية أم الاستبداد؟

ثم ما الحل لنحافظ على القليل المتبقي من تماسكنا؟ أن نصرخ وداوني بالتي هي الداء، وأن نزداد تعلقا باستبدادنا الوطني ومكوناته المعروفة –التعذيب الوطني والفساد الوطني والتوريث الوطني.. إلخ- أم علينا أن نجد مخرجا من الوضع الذي أوصلنا له الاستبداد؟ وآنذاك ما هو؟ أي بديل تقترحون؟

صراحة، يجب أن يرفع المثقفون غير السذج من مستوى عدائهم للديمقراطية وها أنا أدلّهم على 'عيب' رئيسي فيها، كان من الأحسن التركيز عليه.

'العيب' أو النقص الهيكلي هو الذي نستشفه من خلال تطور المؤشرات التي تقيس في أقوى دولة ديمقراطية انعدام المساواة من الناحية الاقتصادية مثل مؤشر جيني وهو بصدد التراجع.

ففي سنة 1947 كان 20% من الأميركيين يتقاضون 43% من المداخيل السنوية، وفي سنة 2006 أصبح نفس الـ20% يتقاسمون 50.5% أي أن الأثرياء زادوا ثراء.

المثير في الأرقام ما يختفي وراءها. ففي الفترة الفاصلة بين التاريخين حصل تغيير كبير هو توسع الحقوق المدنية والسياسية للجميع وخاصة للأقليات وعلى رأسها السود.

كأن توسيع رقعة المساواة السياسية وارتفاع درجة ممارسة الحريات الأساسية لم يؤد إلا لتنويع النخبة. كأن كل الانتصارات الديمقراطية التي تحققت في الولايات المتحدة قرابة نصف قرن لم تفعل سوى فتح باب هذه النخبة للسود والنساء والأميركيين من أصول إسبانية.

أما الفقراء البيض فقد بقوا على فقرهم بل تزايد عددهم وكذلك الأمر مع الفقراء السود.

في الواقع شيء كهذا غير مستغرب. خذ الهند التي اعتمدت الديمقراطية منذ نشأة دولتها الحديثة. لقد بقي فيها الفقر مستشريا إلى اليوم، في حين يتراجع في الصين الاستبدادية.

ثمة قانون يمكن سنه دون خوف كبير من الاستثناءات: الديمقراطية لا تلعب دورا حتميا في تفعيل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأغلبية الفقيرة في أي مجتمع، ولا تحقق العدالة الاجتماعية ولا تقلص الفوارق بين الطبقات.

هذا ما رأيناه على امتداد نصف قرن في الهند، ومن أكثر من قرنين في بريطانيا أو أميركا، حيث لا يتوفر إلى اليوم أربعون مليون فقير على الحيطة الاجتماعية ويمكن أن ينتهوا في الشارع بين عشية وضحاها.. بالرغم من كل الانتخابات الحرة والنزيهة.

هل يعني هذا أن علينا رمي الديمقراطية في سلة المهملات كما يفعل المثقفون غير السذج، خاصة في عصر عاد فيه شبح المجاعات وأصبحت القضايا الاجتماعية هي الشغل الشاغل للأغلبية في بلداننا وبقية بلدان العالم؟

ربما يجب قبل المسارعة للأمر التذكير ببعض البديهيات ومنها أن النقيض أي الاستبداد، خاصة عندما لبس ثوب الاشتراكية العلمية، لم ينجح لا في محو الفقر ولا في تقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء، بل أنتج ولا يزال طبقة حاكمة تجمع بين الفساد المالي والوحشية القمعية.

أما تجربة الصين الحالية فيجب على المنوهين بها أن ينظروا لما خلف الستار أي التوسع المخيف للهوة بين الأغنياء والثلاثمائة مليون عاطل ومشرد الذين يشكلون قنبلة موقوتة في بلد النمو السنوي برقمين.

بطبيعة الحال يمكن هنا العودة للمساجلة الأيديولوجية المبتذلة وكل فريق يرمي الآخر بالحجج التي لا يأتيها الباطل من أمامها ومن خلفها وكل واحد يريد التدليل على صحة خياره وفشل الخيار الآخر.

إنها طريقة عقيمة في النقاش لا تنفع إلا في توتير الأعصاب ولا تقدم شيئا لفهم ما نواجهه.

المطلوب التقدم بتقييم صحيح للديمقراطية أو لأي منظومة فكرية نعتمدها كمفتاح للفهم ومشروع للعمل.

نعم هي على تعلق الديمقراطيين بها، بداهة الديمقراطية نظام غير قادر على تحقيق العدالة الاجتماعية، بل من الممكن أن تكون في بعض جوانبها أداة لتوسيع الفوارق لأنها تضمن توسيع النخب وتقويتها وتضع بين يديها كل وسائل التأثير الفعال على العقول والقلوب.

السؤال هنا هل هذه مهمة الديمقراطية؟ والردّ في تفحص القيم التي تخدمها والتي تسعى لترسيخها. بالتمعن فيها نكتشف أنها تحوم كلها حول الحرية متمثلة في الحريات الفردية والحريات العامة والمساواة أمام القضاء وأمام صندوق الاقتراع.

المشكلة أن المجتمعات لا تعيش بقيمة واحدة على أهميتها، وهي بحاجة إلى قيم أخرى تلبي حاجيات أخرى للإنسان ومن أهمها العدالة.

ما لا نفهمه عادة أن المجتمعات تتباين في جملة من المعطيات وأساسا في ترتيبها لسلم القيم. نحن العرب والمسلمين نضع منذ بداية نهضتنا الأولى، أي عند بروز الإسلام، العدل كأول قيمة.

أما الغرب فقد اختار الحرية. لكن كما لا بدّ للغرب من كمّ من العدل مع الحرية، لا بد لنا نحن العرب من كمّ من الحرية بجانب العدل. هذه المعادلة هي التي فشلنا فيها لحد الآن.

فالاستبداد ولو كان إسلاميا لم يحقق يوما العدل لغياب حرية هي صمام الأمان ضد كل تجاوزات الحاكم الفاسد وبطانته. وفي المقابل لم ينجح الغرب في إحلال العدل بجانب الحرية التي وفرتها له الديمقراطية.

معنى هذا أن عتاة الديمقراطية السذج أمثالي يعرفون حدود النظام الذي يدعون إليه لكنهم يعرفون أن الحرية بكل إيجابيتها السياسية هي أيضا شرط ضروري وإن كان غير كاف للعدل.

لذلك إذا أردنا لبرنامج الاستقلال الثاني أن يتحقق فلا بد أن نجعله يمشي على رجلين الديمقراطية وهدفها تنمية الحريات والحفاظ عليها.. وشكل جديد من الاشتراكية هدفها تنمية العدالة والحفاظ عليها. وعندما يتحقق هذا فلا خوف على أوطان أنهكها وأذلها غياب العدل وغياب الحرية.

المشكلة الكبرى للفكر العربي المعاصر في شقه السياسي أو الديني ليست السذاجة والسطحية وإنما التبعية.. التبعية لماض مخيل توضع فيه كل حلول مشاكل الحاضر والمستقبل.. التبعية البارحة للتجربة السياسية للروس واليوم للغربيين.

كأننا دوما تلامذة أمام مربين. نحن لا نفهم أننا أمام تجارب تاريخية جبارة يجب تقييمها موضوعيا بعيدا عن الرفض غير المشروط والقبول التام، أن علينا تشريحها لتقول لنا ما الإيجابيات وما السلبيات، ماذا حققت وماذا أخفقت وما حدودها وكيف وقع الاستيلاء عليها وتفويضها وإفراغها من أهدافها الأصلية. وما الذي تعلمنا لنبتكر نحن الجديد في التحليل والممارسة.

ويوم نخرج داخل أدمغتنا من هذه التبعية الطفولية سنبدأ فعلا الخروج من التخلف الفكري الذي ما زلنا اليوم ندور في حلقاته المفرغة.

المطلوب من كل من يريد الفهم، لا السيطرة على الآخر بالعنف أو بالخديعة أو بالبلاغة، هو التعامل مع القيم كما لو كانت جلده ومع أفكاره كما لو كانت ثيابه الداخلية.

(*) كاتب تونسي

(المصدر: ركن 'وجهات نظر' بموقع الجزيرة.نت (الدوحة – قطر) بتاريخ 29 أوت 2008)
 


        
بسم الله الرحمن الرحيم
 والصلاة والسلام على محمد النبي الصادق الأمين

ردّا على مقال الدّكتور عمر النّمري:
(الجزء الثالث والأخير)
 
ومـا أمــر فرعـــون تــــونس برشــيد


 
- وأما الطامّة الكبرى التي أتى بها السيّد النّمري في ختام مقاله، فهي وصفه سياسة السّلطة التونسية بالرّشيدة!! حيث قال " ان هذه السياسة الرشيدة غير المعلنة من طرف السلطة بخصوص مسألة الحجاب... ".
وصف السيّد النّمري آنفا موقف السّلطة من مسألة الحجاب بأنه "غير معلن" وها هوذا يؤكّد مرّة أخرى أنّ السياسة الرّشيدة!! للسّلطة بخصوص مسألة الحجاب كذلك "غير معلنة ". فما السرّ في هذا التكتم يا ترى؟! وبأيّ وجه يجري إخفاء هذه السّياسة وعمّن تُخفى؟! ومتى سيتمّ الإعلان عنها؟!
وإذا كانت هذه الأمور تجري في طيّ الخفاء والسرّ والكتمان! بعيدا عن دائرة الإعلام والإعلان! فكيف أمكن للسيّد النّمري إذاً الاطّلاع عليها مع خفائها وعدم إعلانها؟! ألا يدعو هذا إلى التساؤل عمّا إذا كان للسيّد النّمري صلة ما "غير معلنة"! كذلك بالسّلطة، أمكنه بواسطتها الوقوف على هذه الأمور؟!
وكيف يصحّ وصفها بأنها "غير معلنة" بعد كشف السيّد النّمري لها في مقاله هذا؟!
وإذا كانت هذه الأمور من أسرار السّلطة، فكيف تجرّأ السيد النّمري على إعلانها؟! ألا يخشى على نفسه تبعة هذا الإعلان؟! باعتباره جريمةَ إذاعةٍ لأسرار الدّولة! أو خيانة مؤتمن! أم أنّ السيّد النّمري هو وحده! من بين جميع التونسيّين المفوَّض تفويضا خاصّا بمعرفتها والإفصاح عنها؟!
إنّ فضيحة المنشور 108 وسواه من المناشير القاضية بحظر اللباس الشرعي، ونشر التبرّج والعري، ليست من الأمور السرّية، فلقد ذاع  خبرها، وشاع ذكرها في قارّات الأرض الخمس! واستنزل بسببها حكّام السّابع من نوفمبر على أنفسهم سخط أهل الأرض والسّماء! ذلك أنّ حربهم على الحجاب والمحجّبات طوال هذه السّنوات لم تكن سرّا، ولا خافية عن أحد، فلماذا يكون وقفها إذا سرّا وغير معلَن!؟
فما موجب إخفاءِ السّلطةِ موقفَها من الحجاب؟ إن كانت حقّا قد تراجعت عن حظْره! أما كان حريّا بهم أن يعلنوا اليوم مسالمتهم للحجاب كما أعلنوا بالأمس محاربته! فإنّ في إعلانهم على الملأ وقف هذه الحرب، وترك النّاس وشأنهم في أمورهم الدّينية والشخصية، والإقرار بحقوقهم الفطريّة الشرعية والدستورية، تحسينا لصورتهم الشائهة في الخارج.
وأمّا في الدّاخل، فإنّ في وقف السّلطة هذه الحرب العدوانية، واعترافها للأهالي بالحقوق الشرعية والحرّيّات الأساسية...ومنها حرية التديّن واللباس..الخ، إطفاء لنار فتنة وإصلاحا لذات البيْن، ومحوا لأسباب العداوة والضغينة، ونشرا للسكينة، وإذهابا للأحقاد الظاهرة والدّفينة، وصونا للأعراض والحرمات، وطمأنة للنّفوس وإراحة للقلوب، واستلالا لما في الّصدور من سخيمة، وتأسيسا لقاعدة من قواعد المصالحة الوطنية، ومجلبة للوفاق والوئام بين المحكومين والحكّام.
وأيّ حكمة يا ترى في إخفاء أمور حقّّها الإعلان، بحكم تعلّقها بمصالح عموم التونسيّين الذين من حقّّهم أن يعلموها ويعرفوها لتطمئنّ قلوبهم، وترتاح نفوسهم، ولئلاّ تساورهم الشكوك والمخاوف من احتمال التّراجع والنكوص، فتستبدّ بهم الأوهام وتذهب بهم الظنون كلّ مذهب.
وإذا كان داعي السّلطة إلى التّكتم عن هذه الأمور وعدم إعلانها، تحرّجها من الظهور بمظهر الهزيمة أمام خصومها في معركة الحجاب! فإنّ مراجعة الحقّ خير من التّمادي في الباطل، كما أنّ الرجوع إلى الحقّ فضيلة.
ولقد كان بوسع هذه السّلطة أن تتفادى مثل هذا الحرج، لو أنّها أذعنت لقرار المحكمة الإدارية[1] الصّادر بتاريخ 09. 12. 2006. والقاضي بإلغاء المنشور 102. فلقد كان صدور هذا القرار عن محكمة قضائية وطنية محايدة تابعة لمجلس الدّولة، يمثل مخرجا مشرّفا لحكومة السّابع من نوفمبر، كان بوسعها أن تستغّله للتّدليل على مدى عدالة قضائها الإداري وإذعانها لقراره، وفي ذلك التزام صادق منها بشعار "دولة القانون والمؤسّسات" الذي طالما تشدّقت به دون إجراء العمل به، ولو أنّهم فعلوا لكان ذلك أحد مظاهر السياسة الرّشيدة. ولكنّ القوم ما أن علموا بالقرار حتى غمرهم الهلع وعمّهم الفزع! وهرعوا مذعورين للطّعن فيه بالاستئناف[2].
ولسنا ندري ما عسى أن يكون قد لحق القضاةَ الذين أصدروه من استجواب أو تجريح أو لوم أو توبيخ أو نُقلة عقابية! أو حرمان من ترقيات أو تجريد من مِنح وعلاوات!
- إنّ استئناف وزير التّعليم للقرار، دليل آخر يجعل حجّة السيّد النّمري في ادّعائه توقّف السّلطة عن العمل بتلك المناشير، ووقفها للحرب على الحجاب، داحضة!
ذلك أنّ الطّعن في القرار بالاستئناف، يؤكّد بصفة قطعية لا مرية فيها، تمسّك السّلطة بسريان مفعول المناشير، وإصرارها على تنفيذها، ومواصلة إجراء العمل بها! فأين هو الرشد المدَّعَى في هذا الموقف يا ترى؟!
- أليس جديرا بصاحب السّياسة الرشيدة كذلك، أن يكون خاضعا في حكمه لمقتضيات الحقّ والعدل والحرية، فينصت إلى آراء مواطنيه ويستطلع رغباتهم ويستجيب لطلباتهم ما دامت مشروعة، ولا يستخفّ بهم، فيعاملهم معاملة القصّر! والسّفهاء! فيتحكم في ملبسهم وهيئتهم ومظهرهم كأنهم عبيده وملك يمينه!! على طريقة فرعون الذي قال لقومه (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)[3].
إنّ الحكم الرشيد - يا سيّد النّمري - يقتضي من القائم عليه الصّدق والعدل والتّواضع والعمل بالشورى والشفافية والوضوح والمصارحة والمكاشفة...الخ، ليقيم بمنهجه الرشيد ذاك للناس الأسوة الحسنة والقدوة الصّالحة، كي يتأسّوا به في سلوكهم وتصرّفاتهم ومواقفهم، فيهتدون بذلك إلى مراشد أمورهم، خصوصا وأنّ النّاس -  كما قيل - على دين ملوكهم.
والرّشد كما عرفه صاحب اللسان نقيض الغَيّ. رَشَد الإِنسان يَرْشُد رُشْداً. ورَشاداً فهو راشِد ورَشيد، وهو نقيض الضلال، إِذا أَصاب وجه الأَمر والطريق"[4].
والرُّشْد يستعمل في كُلّ ما يُحْمد، والغَيّ في كلّ ما يُذَمّ[5].
- إنّني بناء على هذا التعريف، أسائل السيّد النّمري عمّا إذا كان المنشور 108 وسواه من المناشير القاضية بحظر اللباس الشرعي، تدخل في باب الرّشد أم في باب الغيّ؟! وهل حظر حكّام السّابع من نوفمبر للحجاب، ومطاردتهم للمحجّبات هو ممّا يُحمد شرعا أو ممّا يُذمّ؟!
لا مفرّ للدكتور النّمري للإجابة من أن يختار بين أمرين أحلاهما مرّ!
فإذا كان إجراء العمل بالمنشور 108 وسواه من المناشير، وحظر الحجاب ومطاردة المحجّبات في حكم السيّد النّمري من الأمور المحمودة، وتدخل في باب الرّشاد، فما موجب ابتهاجه إذن بما ادّعاه من تعطيل العمل بها، ومناشدته للحكومة بإلغائها بقوله " ان هذه السياسة الرشيدة غير المعلنة من طرف السلطة بخصوص مسألة الحجاب ينبغي أن تشفع بقرار شجاع من طرفها تعلن فيه إلغاء المنشور 108 ورديفه..". أليس هذا تناقضا منه في الموقف؟! 
وأمّا إن كنت يا سيّد النّمري! ترى أنّ إجراء العمل بهذه المناشير، وحظر الحجاب ومطاردة المحجّبات من الأمور المذمومة، وتدخل في باب الغيّ، فبأيّ وجه تؤكّد وصف سياسة السّلطة بالرّشيدة؟! مع ما بينّاه لك من استمرارها في غيّها  بالدّلائل القاطعة والبراهين الساطعة؟! وهذا تناقض آخر أوقعت نفسك فيه ولا مخرج لك منه!
فأين تجد يا سيّد النّمري مظهر الرّشاد أو أثر الرّشد في سياسات حكّام السابع من نوفمبر كلها؟! وخصوصا في مسألة الحجاب والمحجّبات؟! مع إقرارك بإبقائهم هذه المناشير دون إلغاء!
إن حكّام السابع من نوفمبر لم يكتفوا بالإبقاء على المنشور 108 دون إلغاء - باعتراف السيّد النّمري نفسه – بل زادوا في الغيّ، فأردفوه بمناشير أخرى جاءت تترى من كلّ وزارة ومئسسة وإدارة، بلا حدّ مما جعلها تكاد تستعصي على الحصر والعدّ! وكأن القوم في سباق محموم أيهم يفوز بقصب السبق في محادّة الله سبحانه ومحاربة شرعته ومنهاجه. ولولا ضيق المقام لسردنا عددا منها؛ ولكن نقتصر على ذكر آخرها إلى حدّ هذه الساعة وهو المنشور المؤرخ في 23 أفريل 2008 بموجب القرار عدد 752 الصّادر عن المدعوّة عقيلة بالطيب - مديرة إقليم الشمال الشرقي بنابل التابعة لوزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنّين - والموجّه إلى مديري ومديرات رياض الأطفال يقضي بمنع ارتداء الحجاب "[6].
أيّ رشاد تدّعيه يا سيّد النّمري لحكّام نذروا أنفسهم على رءوس الأشهاد - لهتك أعراض الحرائر من نساء تونس وبناتها! مسخِّرين في ذلك كلّ مقدّرات الدّولة! ثم ها أنت ذا تثني عليهم بما ليس فيهم! متوهّما أنّك بهذا الخطاب (المُداهن)! تغريهم بالتخلّي عن تلك المنشورات! وتستثير (حياءهم)! - كأنّ بهم حياءً! - للكفّ عن هذه المطاردات!
إنّ مثل هذا الثّناء منك على الظَّلَمة هاتكي الأعراض والحرمات، ومنتهكي حرمة الدين والمقدّسات في بلادنا، أمر محرّم شرعا، لكونه يدخل في باب  المداهنة في الدين والمجادلة عن الظالمين! أما تقرأ قوله تعالى (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً  يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)[7] .
وما كنت يوما أتوقّع من السيّد النّمري - الذي عرفته - أن يقف مثل هذا الموقف!
أم هي ضريبة العودة؟! التي تطوّع السيّد النّمري من تلقاء نفسه بأدائها، عرفانا منه بالجميل! لمن منّوا عليه بعفو مهين! وتفضّلوا عليه بجواز للسفر وزيارة البلاد؛ وكأن ذلك منهم نعمة لا يستحقّها!! منُوا بها عليه ليذكرها ويشكرها، ويعرف لأهلها حقّهم! فلا يعقّهم!! فلم يجد السيد النمري من سبيل لمكافأتهم على منّتهم المهينة تلك التي ظنّ أنهم طوّقوا بها عنقه! إلاّ بإعلان الولاء للمُنعمين!! وإزجاء آيات الثناء على الظّالمين على حساب المظلومين من إخوانه الشّهداء والمعذّبين والمنكوبين، ومواطنيه المقهورين من رجال تونس ونسائها وشبابها!
وإنّي أسائل السيّد النّمري مرّة أخرى: ماذا لو وقعت إحدى محارمك – لا قدّر الله – عَرَضاً في قبضة أولئك الجلاوزة المتوحّشين - بل الجوارح المكلَّبين - أثناء زيارتك لتونس أو "بن قردان"، أو "مدنين"، فمزّقوا خمارها، وهتكوا على رءوس الأشهاد سترها، وجرّوها من فرْعها – شعرها - قسرا إلى مركز الشّرطة، وهناك احتجزوها رهينة في انتظار مجيئك، لإمضاء تعهّد منك بمنعها من العوْد لارتكاب (جريمة)! لبس الحجاب! أكنت ترى ذلك الصّنيع الشّنيع بحُرمتك من مظاهر السّياسة الرّشيدة! غير المعلَنة؟! وهل ستظلّ مصرّا على موقفك هذا مُغضيا عن تدنيس عِرضك! على أنّه تصرّف  " نشاز ربّما افتعله بعض أصحاب الأهواء أو المتنفذين من اليسار" وأنّه " لا تعبّر بالضّرورة عن السياسة العامّة للسلطة " وأنّ هذه السلطة الرشيدة! بريئة من تدنيس عرضك براءة الذّئب من ابن يعقوب؟! أم تراك ستقلب لهم ظهر المجنّ، إباء منك للضّيْم ورفضا للذلّ والظلم، فتصفع بذاك الجواز وجوههم، وتقطع اليد التي امتدت لحرمتك بالسوء، ثأرا لعرضك وانتقاما لشرفك ودينك؟! وتغادر بلدك - الذي هُتك فيه عرضك وانتهك فيه شرفك - غير آسف عليه، عملا بقول عنترة بن شدّاد:
حَكِّمْ سيوفك في رقاب العُذّل    وإذا نزلتَ بدار ذلٍّ فارْحلِ
فإذا كنت  - يا سيّد النّمري - لا ترضى الضّيم في محارمك - وهذا الظنّ بك - فكيف إذن ترضاه لإخواتك وبناتك وأمّهاتك من حرائر تونس؟! كأنّ بك رغبةً بعرضك عن عرضهنّ وإلاّ فكيف تتجاهل ما يجري عليهنّ كلّ يوم على مدى هذه الأعوام والسّنين، ثم تأتي اليوم لتكيل المديح للمعتدين على أعراضهنّ والمنتهكين لحرماتهنّ؟!
ألاَ يكفي السيّدَ النّمري ما ارتضاه لنفسه من عودة ذليلة! أعطى بها الدّنيّة في دينه، فأحبط بها أجر هجرته وجهاده، وخذل بها صفّ دعوته، وفرّق بها شمل جماعته، ووهّن عزم إخوانه، وأقرّ عيون أعدائه!؟ ألا يكفيه كلّ هذا؟! حتى يأتي ليقف اليوم هذا الموقف الخذول!!
وكنت أعُدّك للنّائبات    فها أنا ذا ألتمس منك الأمانا!!
فهل عُدتَ - يا سيّد النّمري - إلى تونس بداعي الغيرة على حرمات الله، مقرّا العزم على حشد الحشود وجمع الجموع من إخوانك المطعونين في أعراضهم والمنكوبين في شرفهم لمواجهة تلك الوحوش الكاسرة! وصدّها عن هتك أعراض الحرائر في الأزقة والطّرقات والمدارس والجامعات ووساط النّقل والمؤسّسات؟! أم عدتَ فقط لإحصاء أعدادهنّ وتكاثرهنّ، ومن ثمّ الثناء على منتهكي حرماتهنّ من حكّام "السابع من نوفمبر" بأنّ لهم الفضل في انتشار الحجاب وازدياد عدد المحجّبات" بهذا الكمّ الهائل في المجتمع ومؤسساته المختلفة " .
إنّ حكّام السابع من نوفمبر - يا سيد النمري - لا يفتأون يحاربون كلّ مظهر إسلامي في بلادنا؛ وما حربهم الضّارية المستمرّة حتى اللحظة على الحجاب والمحجّبات - والتي زعمت توقفها - إلاّ دليل على مدى عداوتهم لله ورسوله ودينه وشريعته وشعائره، وسعيهم في بثّ العُري والفسق والإباحية في الدّيار التونسية إحياء منهم للخطّة الشيطانية!
ذلك أنّ مردّ العُري الآدمي يرجع في أصل نشأته إلى تلك الخدعة الشيطانية الكبرى التي توخّاها الشيطان - لعنه الله - ضمن خطته الرّهيبة للإيقاع بأبينا آدم وزوجه حوّاء – عليهما السّلام - وإخراجهما إلى دار الشقاء.
فقد كشف لنا القرآن الكريم عن منشأ العري وبدوّ السوأة الآدمية ،وعزاه إلى خطّة الشيطان وخديعته المنكورة لإغواء آدم وزوجه؛ فقال تعالى ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)[8].  (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى)[9].
توخّى الشيطان طريقة الوسوسة - وهي حديث النّفس والهمس الخفيّ[10] - والتظاهر بمظهر النّاصح الأمين مُقسما على ذلك (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)[11] كلّ ذلك سعيا منه في إقناعهما بوجاهة فكرته وسلامة قصده وصدق نصيحته!
وهي طريقة، بل حيلة ماكرة، ولكنّها – مع ما انطوت عليه من المكر والخديعة - خالية من أيّ إكراه أو قهر أو إلزام؛ ألا ترى – يا سيّد النّمري - أنّ الشيطان لم يعمد في تنفيذ خطّته تلك إلى استخدام العنف أو العسف! أو التهديد أو الوعيد! لاستكراه آدم أو زوجه على الإذعان لأمره، أو النّزول على رأيه. ولكنّه تلطّف لاستنزالهما بافتعال طريق النّصح والإقناع! دُونَ أن يلجأ إلى سَنّ قََانون أو تعميم منشور أَوْ إصدار فََرَمَانٍ! أَوْ توجيه تهديدٍ بِعقاب أَوْ حرمانٍ!
كذلك كان منشأ العُري وبُدوّ السّوأة الآدمية أوّل مرّة، كما حكى القرآن الكريم ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ)[12] ( فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)[13]. قال العلماء فلمّا أكلا " تطايرت عنهما ملابس الجنّة، فظهرت لهما عوراتهما..وكانا قبل ذلك لا يريانها من أنفسهما ولا أحدُهما من الآخر "[14].
ولمّا كان الشيطان هو أوّل من جنى على الأبويْن بتلك الحيلة الماكرة، فتسبّب في فضيحتهما وإبداء سوآتهما؛ فقد حذّّر الله تعالى بني آدم من مكايد الشيطان وألاعيبه، ونبّههم إلى أنّ خطته في الإيقاع بأبويهم لم تتوقّف عندهما ولم تذهب بذهابهما؛ بل هي مستمرّة. وأنّ الشيطان الذي استطاع بأثر كيده ولطف وسوسته إلقاء آدم في الزلّة الموجبة لإخراجه من الجنّة - كما قال الإمام الرازي - فبِأَنْ يقدر على أمثال هذه المضارّ في حقّ بني آدم أَوْلى.
فبهذا الطّريق حذّر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وساوس الشيطان وحيله، لئلا يقعوا في شباك فتنته؛ فقال: ( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)[15] وذلك ليكونوا من مكايده على حذر؛ وليحترزوا ممّا في وساوسه من خطر عليهم وضرر.
ولمّا كان كشف العورة وإبداء السوأة تدبيرا شيطانيا – كما بينّاه – من نصوص القرآن الكريم؛ فإنّ كلّ من سعى ويسعى من الأناسي في نشر العُري والتهتك فإنّما ينفّذ من جديد الخطّة الشيطانية ويلعب دور إبليس في إفساد الإنسانية!
وفي ذلك السياق يندرج إصدار حكّام تونس للمنشور 108 وسواه من المناشير والقرارات والتراتيب، وسعيهم المنكور في تطبيقها على حرائر تونس.
أَوَمَا دَرَوْا أنّهم بصنيعهم هذا إنّما يُحيون من جديد سنّة إبليس - لعنه الله - في أرض تونس! ولكن مع اختلاف عنه في الطريقة والأسلوب.
لقد رأينا كيف تعامل الشّيطان اللعين مع آدم وحوّاء عليهما السلام بطريقة – لو جاز وصفها بأنها – (حضارية)!! حيث كان في مسعاه في غاية الأدب! والتلطّف، وحسن الإقناع، وبراعة الإغراء! في الوسوسة والتظاهر بالنّصيحة، وحسن النيّةّ! وسلامة الطويّة! مؤكّدا ذلك بالقَسَمِ واليمين.
ولكن كيف تعامل حكّام السّابع من نوفمبر مع بني آدم من أهالي تونس لإقناعهم بسلامة مقصدهم ووجاهة فكرتهم في تطبيق الخطّة الشيطانية؟
إنّهم - بعكس الشّيطان - لم يتوخّوا في مسعاهم المنكور - غير المشكور- طريقة الوسوسة والإغراء، ولا احتالوا بأسلوب النّصيحة والإيحاء! بل عمدوا إلى تعميم المناشير! وتحشيد الحشود! وتنجنيد الجنود! وإعلان الحرب على العفّة والطّهر والفضيلة، وإصدار الأوامر بالهجوم الكاسح على العفائف ومطاردتهن وملاحقتهنّ في كلّ مكان! تطبيقا للمنشور 108 الشيطاني حيث يقول: " فالمرغوب من السّادة الوزراء وكتّاب الدّولة توجيه التعليمات اللاّزمة إلى المصالح الإداريّة والمؤسّسات العموميّة الرّاجعة إليهم بالنّظر كي يحافظ الأعوان على اللّياقة المفروضة واتّخاذ ما يلزم من الإجراءات لتنفيذ توصيات رئيس الدّولة "[16].  وتبعا لذلك وحفاظا على سمعة معاهدنا وأبنائنا وبناتنا فإنّني أهيب بجميع رؤساء المعاهد ورئيساتها أن يحرصوا على تطبيق التراتيب المُشار إليها بما ينبغي من الجدّ والحزم وأن لا يقبلوا من يتعمّد مخالفتها "[17].
إن الله جل وعلا قد أمر المؤمنات بارتداء اللباس الشرعي بقوله تعالى ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[18] ولكنّ هؤلاء الذين وصفتهم بأصحاب السياسة الرشيدة! يرون هذا اللباس أمرا مشينا لسمعة معاهدهم وأبنائهم وبناتهم!! يتعيّن مقاومته بما ينبغي من الجدّ والحزم! ألا ترى أنّ هذا عين صنيع قوم لوط بالمؤمنين من أتباعه حيث نفوهم من قريتهم قائلين ( أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)[19] لا لذنب جنوه سوى أنهم آثروا الطّهر والعفاف على الدّنس والرذيلة والإسفاف.
فكيف مع كلّ هذا الإلحاد والإفساد؟! تتجرّأ يا سيّد النّمري على الشهادة لمن يصنعون صنيع إبليس بالرّشد أو الرشاد؟!
- إن فرعون يا سيّد النّمري - على ما كان منه من جراءة على الله بادّعاء الألوهية وإزهاق الأرواح الآدمية - لم يكن يجرؤ على كشف السّوءات وانتهاك الحُرُمات؛ فقد كانت أمّ موسى - عليه السلام - يؤتي بها يوميّا - وهي محجّبة - إلى قصر فرعون! وفي عربته! على أنّها ضِئُرٌ لترضع ولدها موسى، وكذا كانت أخته تعمل في قصر فرعون هي الأخرى محجّبة! بل كانت آسيا زوج فرعون - رضي الله عنها – محجّبة، وكذا كانت ماشطة ابنته محجّّبة كذلك، ومع انتشار الخحاب داخل قصر فرعون وخارجه، فما عُلم أن فرعون، ولا أحد من أعوانه أمر يوما بتطهير القصر الفرعوني من المحجّبات! ولا أرسل أزلامه في البلاد يطاردون الحرائر العفيفات!
هكذا كان نظام الحكم الفرعوني – على كُفره – أمينا على الأعراض والحُرمات، فأين حاكم السابع من نوفمبر؟! الذي يدّعي - كذبا وزورا - حماية الحمى والدّين! من عفّة فرعون وصونه للأعراض، وقبوله بالحجاب في داخل قصره! فضلا عن خارجه.
ومع كلّ هذا، فقد نفى الله سبحانه، صفة الرّشد والرّشاد عن حكم فرعون حيث قال تعالى (فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)[20] وقال عن سياسة حكومته ( وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ)[21] فكيف تجرؤ أنت يا سيّد النّمري على الشّهادة لبن علي - فرعون تونس – وحكومته، مع انتهاكهم للأعراض والحرمات، بالرشد والرّشاد! سبحانك هذا بهتان عظيم!
ألا تدرك يا سيّد النّمري، عاقبة شهادة الزّور هذه التي شهدتها في فرعون تونس؟! مع علمك بخلوّ أمره من كلّ رشد!! أما علمت أن شهادتك هذه ستكتب عند الله، وأنّه سبحانه سيسألك عنها! أم لم تقرأ قوله تعالى (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)[22] فماذ أنت قائل لربّك غدا يوم تلقاه بهذه الشهادة؟!
عصمنا الله وإياك من  مزلاّت الأقدام! وأعاذنا وإيّاك من مزالق الألسن والأٌقلام! والسّلام.
كتبه فقير ربّه:
 محمد الهادي بن مصطفى الزمزمي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



[1] -  القرار الصادر عن الدائرة الإبتدائية الخامسة بالمحكمة الإدارية في القضية عدد : 10976 - 1  تاريخ : 9 ديسمبر 2006.
[2] - حيث رُسم طلب الوزير لاستئناف الحُكم بكتابة المحكمة الإدارية تحت عدد 26255 .
[3] -  سورة [غافر : 29] .
[4] - لسان العرب  لابن منظور. ج 3 ص 175. (الموسوعة الشاملة).
[5] - تاج العروس  لمرتضى الزبيدي.  ج 1 ص 1985. (الموسوعة الشاملة).
[6] - مديرة إقليم الشمال الشرقي بنابل: عقيلة بالطيب/  وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنّين/ الإدارة الإقليمية للشمال الشرقي بنابل.
[7]  -  سورة [النساء :107 - 109].
[8]  -  سورة [الأعراف:20] .
[9] -  سورة [طه : 120] .
[10] -  والوسوسة هي الخطرة الرديئة وأصله من الوسواس وهو صوت الحلي. مفردات القرآن [ جزء 1 -  صفحة 1577 ]  .
[11] -  سورة [الأعراف : 21] .
[12] -  سورة [الأعراف:22] .
[13] -  سورة [طه: 121] .
[14] - البحر المحيط  ج 5 ص 324. لأبي حيان الاندلسي.
[15] -  سورة [الأعراف: 27] .
[16] ـ  جريدة الصباح التونسيّة بعددها الصادر في  23 ـ 9 ـ1981.
[17] ـ  جريدة الصباح التونسيّة في عددها الصادر في23 ـ 10 ـ 1981.
[18] -  سورة [النور : 31] .
[19] -  سورة [الأعراف : 82] .
[20] -  سورة [هود : 97] .
[21] -  سورة [الأعراف : 146].
[22] - سورة [اطلزخرف : 19] .

ردا على الرد: الى أبي جعفر العويني:

 
دع المكارم لا ترحل لبغيتها                   واقعد فإنك انت الطاعم الكاسي

سرني ان أجد ردا لما اكتب  بعد ان يئست من هذا الإمكان  ولم أجد غير من يستفسر عن هويتي من انا ومن اكون  وكنت أعجب من هذا البحث الذي لا طائل من ورائه ولكني في نفس الوقت  كنت اعذر الباحثين عن هويتي لأني اعرف سابقتهم في العمل الإسلامي ونضالهم من اجل الوطن ولم أجد منهم غير الاحترام والتقدير رغم أنهم لم يعرفوا أنني يوسف الأخضر لان هذا ليس أسمي الحقيقي. وحين قرأت هذا اليوم 29 اوت ردا من أبي جعفر العويني عجلت لأعرف محتواه ظنا مني ان بداية التفاعل الثقافي والفكري  داخل التيار الإسلامي بدأت لكن فوجئت بمحتوى الخطاب الذي لم اتوقع ولن اتوقع يوما ان يصدر مثل هذا الإسفاف ممن يزعم انه إسلامي  وتسارع الى ذهني قول العرب تسمع "بالمعيدي خير من ان تراه."
وأحسب أن أبا جعفر هذا الذي يستبق الردود قبل ان تنشر المقالات الأصلية (انظر نشرية تونس نيوزعدد28 اوت) لم يكن هدفه من المقال إلا التعرف على هويتي ولكن بمنطق مخالف لمنطق إخوتي الذين تحدثت عنهم في البدء  وحتى أريحه من هذا التعب أقول انا يوسف الأخضر من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا يوسف الأخضر قضيت في سجون السلطة التونسية عشر سنوات كاملة غير منقوصة لذلك لم يسمع لي أبو جعفر الذي كان يعاني ترف الغربة ونعيمها ولذة السير بين جميلات أوروبا "ذكرا ولا ركزا" كما قال ولو كلف نفسه بعد ذلك متابعة ما اكتب لعرف معنى الذكر والركز.
 انا لا اعرف من لحن القول فلست لحان قول ولست منافقا كما تريد ان تعرض بي  وكان أحرى بك ان تتجنب  منح صكوك الإيمان والنفاق خاصة على الذين كانوا يعذبون من اجل صلاة الصبح في السجن وكنت أنت هناك في أوروبا تحترم فارق التوقيت.
لن أشكك في نيتك كما فعلت فما أنا الإ ضحية محاكمة النوايا التي بنى عليها النظام سياسته تجاه الحركة الإسلامية ولكن اهمس إليك ان لا تعطي دروسا في مسائل تجهلها حول نظام الأحزاب وقوانينها، فالذين تتحدث عنهم وعما قدموه للحركة ليس لهم أية مزية في ذلك لان ذلك من واجباتهم وإن كنت تريد الاحتكام الى القانون الداخلي للحركة فالقيادة القانونية هي قيادة الداخل وليس الخارج وإن كان منتخبا كما تقول لان التنظيم أصلا وقع حله وهذه إشكالات أخرى ليس مجال شرحها..
- فعلا كنت في الكهف لكنه كهف السلطة الذي لم يمنعني من التفكير في مستقبل الحركة والعمل الإسلامي ومصلحة البلاد ولكن بعقلية نقدية لا تخشى ان تحرم عطاءات اللجوء السياسي ولا نعم "المواطنة بالخارج" ولا التقرب من أصحاب القرار ... فما أفسد علينا أمرنا إلا المتملقون  وقد كان الشيخ الغنوشي وهو الذي لم تعرفه قبلي ولم تصاحبه صحبتي أعقل منك  فلم يستنكر علي الاصداع برأيي.

أما عن اللغة الحمارية التي لا تليق بالباحثين الجامعيين كما زعمت يا أبا جعفر "البرمكي"  عفوا العويني فاترك التعليق للقراء وأقتطف لهم جزء من قولك وأحيلهم على مقالي للمقارنة
  وهذا هو المقتطف مما قلت"عجبا لهذه اللغة الحمارية، يا يوسف الأخضر (باحث جامعي)التى لا تجدر بباحث جامعي، إلاّ أن يكون علمانيّا متهافتا يعمل لشقّ الصفّ الإسلامي , وهنا أتعجّب من هذا النّوع من البشر ،إذ منذ سقوط جدار برلين صاروا أيتاما، فتبنّتهم الأمبريالية الرأسمالية الماسونية، فتأقلموا معها دون جهد، مكلّبين مروّضين، صاروا أشدّ علينا من الغرب ذاته، أقول لك وبكل صراحة ومصداقية، أرجعوا إلى جحوركم ياخفافيش الظّلام، فقد بزغ الفجر الجديد وأشرقت شمس الإسلام ولن تغطّوها بالغربال." أما بقية ما ورد في ردك فهو في رأيي لا يصلح للتعليق عليه لان ما سبق ان ذكرت كاف لأولي الالباب اما الذين في اذهانهم خلط  فليس لي إلا قول المتنبي "لك يا منازل في القلوب منازل.... " وأترك بقية القصيد لعلك تفهم ما أقصد إن كنت قادرا على الفهم.
إن ما يؤسفني حقيقة هو الوقت الذي أمضيته في كتابة رد على مقال مثل هذا، بل وفي قراءة الوقائع الغريبة لسقطات أبي جعفر، لكن ولأن المقال كان دون خف حنين بكثير فإني أستغله فقط مناسبة لأذكر من من ادكر "ولست منهم يا أبا جعفر قطعا لأن التعقل مراتب وكل و قسمته منه" أنّ ما يهلك كل اجتماع بشري أيا كان حجمه ومستواه انتشار التملق "وهزان القفة" بدلا عن الحضور الواعي والفطن... فالسياسة التي لا تعرف كنهها فن الممكن، والممكن مرتبط بالواقعي سريع التحول، والتعامل معها بالقوالب الجاهزة والشعوذة كلامية أو فعلية هو من باب تسريع الخروج من التاريخ والتيه في زواريب الواقع... وليس هذا من باب مصادرة حقك في الكلام، وأي كلام، وإنما من باب ان تعرف حدود قدرتك وانظر وتأمل ما قاله الحطيئة للزبرقان بن بدر في تصدير المقال.
يا أبا جعفر سأجمل لك ما يعسر على فهمك ولكن لعله يصيب فهما أكبر من فهمك... إنّ للإجتماع البشري قوانينه وسننه، والأحزاب والمنتظمات البشرية أيا كان حجمها وهدفها تخضع لها وأهمها انّ تعاملها هو بالأساس تعامل مع الواقع، وهذا الواقع متبدل ومتجدد ومتغير بين اللحظة و واللحظة، وكل منتظم لا يُحسن إدراك كنه الفضاء الذي يتحرك فيه سيُصاب لا محالة بأحد مرضين وكلاهما قاتل... الأول يكمن في الحرص على تدوير نفس الأفكار والشقشقات اللفظية إطمئنانا واهما إلى صحتها مطلقا ... والثاني يبرز حين يحاول تغيير الواقع يجد أن بضاعته أوهى من أن تحل مأزقا في الفكر او العمل، فعوض أن ينكب ناقدا لمرجعية النظر يتحول مرضيا لنحاكمة موضوعه، بالشتم تارة وبالتزلف للرموز طورا ... والويل لمجموعة او حركة يصيبها الداءان، ومفرخته  ذهنيات مثل ما تملك يا قرير العين.
أنهي بالقول "أعمى يزايد عن بصير لا ابا لكم *** قد ضل قوم ابا جعفر هاديهم مع الإعتذار لبشار.

 يوسف الاخضر باحث جامعي
 
ادخال تعديل جزئي على الحكومة التونسية
 
 
تونس (ا ف ب) - اجرى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الجمعة تعديلا جزئيا للحكومة طال ست وزارات ذات طابع اجتماعي واقتصادي بينها وزارتان ترتبطان بالعمل والشباب.
 
واعلن التعديل اليوم رئيس الوزراء محمد الغنوشي الذي احتفظ بمنصبه كما ابقى اغلب وزرائه في مناصبهم.
 
وبموجب هذا التعديل دخل سليم التلاتلي وسمير العبيدي الحكومة الاول وزيرا للتشغيل والادماج المهني للشباب والثاني وزيرا للشباب والرياضة والتربية البدنية.
 
ورقي حاتم بن سالم وزير الدولة السابق للشؤون الخارجية الى منصب وزير التربية والتكوين في حين عين رؤوف الباسطي الذي كان يشغل منصب وزير دولة للخارجية ايضا في منصب وزير الثقافة والمحافظة على التراث.
 
كما دخل الحكومة بموجب هذا التعديل وزيران آخران هما عبد السلام منصور الذي عين وزيرا للفلاحة والموارد المائية وصلاح الدين مالوش الذي عين وزيرا للتجهيز والاسكان والتهيئة الترابية.
 
كما عين في اطار هذا التعديل وزيرا دولة جديدين هما شكري المامغلي (للتجارة الخارجية) وبشير الوزير (للرياضة).
 
ويعود آخر تعديل في الحكومة التونسية الى 3 ايلول/سبتمبر 2007 وشمل خمس حقائب وزارية ذات طابع اقتصادي واجتماعي.
 
(المصدر: وكالة الأنباء الفرنسية( أ ف ب )  بتاريخ 29 أوت 2008 )
 ماذا في لقاء الوزير الأول بالاطراف الاجتماعية؟
دعوة إلى تسريع المفاوضات الاجتماعية... وتجاوز المسائل العالقة
 
 
تونس ـ الصباح: علمت "الصباح" أنه تم ظهر أول أمس لقاء جمع السيد محمد الغنوشي الوزير الاول بالسادة علي الشاوش وزير الشؤون الاجتماعية والتضامن والتونسيين بالخارج والهادي الجيلاني رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والسيد عبد السلام جراد الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وقد تركز هذا اللقاء حول  سير المفاوضات الاجتماعية في القطاعين الخاص والعام وضرورة تسريع نسقها.
 وأوضحت مصادر نقابية مطلعة أن هذا الاجتماع كان إيجابيا جدا حيث تم التطرق خلاله الى المسائل العالقة والى ضرورة تجاوزها والعمل على اعتماد نسق سريع وعميق باتجاه إنهائها في أقرب الاجال.
 
 وأفادت نفس المصادر أن هناك حرصا جماعيا على دفع المفاوضات سواء في القطاع العمومي أو الخاص خلال الفترة القريبة القادمة.
 
علي الزايدي
 
(المصدر:  جريدة الصباح ( يومية – تونس)   بتاريخ 29 أوت 2008)
 


الملامح العامة لتظاهرة القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2009
     
 
تونس ـ خدمة قدس برس :أنهت اللجان المختصة لإعداد التظاهرة الدولية 'القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية' أعمالها الأوّلية، ومن المنتظر أن يتمّ في الأشهر الأخيرة من هذا العام بعد المصادقة على البرنامج المقترح إتمام التراتيب الخاصة بتوجيه الدعوات للمشاركين وإعداد الملصقات والنشريات الدعائية وإعداد الوسائل اللوجيستية وتهيئة المدينة (القيروان) والفضاءات وتحديد أماكن الإقامة وغيرها، وذلك قبل الشروع في تنفيذ البرنامج في مفتتح 2009.

ويشتمل برنامج التظاهرة حسب مسوّدة أوّلية حصلت 'قدس برس' على نسخة منها على مهرجانات وندوات دولية ومعارض ومسابقات وعروض مسرحية وسينمائية وفنية وأشرطة وثائقية ونشر كتب ودورات تدريبية وورشات وأمسيات شعرية.

ومن المتوقع تنظيم مهرجان للإنشاد الصوفي ومهرجان للأزياء والفولكلور الإسلامي.

ومن بين الندوات المقترحة ندوة دولية حول دور التربية في تعزيز قيم الحوار في الإسلام في المناهج التعليمية وملتقى دولي حول إسهامات علماء القيروان في التراث التربوي الإسلامي وندوة إقليمية حول الفجوة الرقمية ومتطلبات مواجهتها في العالم الإسلامي وندوة حول القضاء في القيروان والمغرب الإسلامي، وندوة حول القيروان في كتابات المؤرخين وأخرى عن القيروان وإشعاعها على محيط المتوسط.

ومن المعارض المزمع تنظيمها، معرض لترويج التراث المعماري وفنون الزخرفة الإسلامية ومعرض للجرائد والدوريات الصادرة بالقيروان ومعرض عن دور القيروان في الحركة الوطنية ومعرض المخطوطات الإسلامية.

واقترحت المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإيسيسكو) تنظيم مسابقة لأحسن منتج للصناعات التقليدية بالقيروان وتخصيص جائزة أخرى للمبدعين من الطلاب والأساتذة والفنانين حول القيروان. أمّا وزارة الثقافة التونسية فاقترحت تنظيم مسابقة أخرى لأحسن إنتاج رقمي حول القيروان.

وسيتم بمناسبة هذه التظاهرة إعادة نشر رسالة ابن أبي زيد القيرواني الفقهية بترجمتها الفرنسية للمستشرق 'ليون بارشي'، وذلك برعاية المركز التونسي للترجمة. ونشر 'موسوعة القيروان' التي أشرفت على إعدادها لجنة علمية متكونة من محمد اليعلاوي ومنجي الكعبي ومنيرة شبوطو وراضي دغفوس، بالإضافة إلى نشر كتب أخرى لبيت الحكمة ووزارة الثقافة.

ومن البرامج التي وضعت برعاية منظمة الإيسيسكو تنظيم دورات تدريبية حول ترميم المخطوطات وصيانتها وحول حماية حقوق التأليف والملكية الفكرية وورشة عمل حول توثيق الموجودات المتحفية في دول المغرب العربي باستخدام نظم المعلوماتية إضافة إلى تنفيذ مشروع متحف الإيسيسكو الافتراضي للفنون الإسلامية.

وستجري معظم فعاليات هذه التظاهرة الدولية التي تنظم على مدار السنة المقبلة بمدينة القيروان (وسط تونس) وتعقد على هامشها بالعاصمة تونس الدورة الثلاثون للمجلس التنفيذي للإيسيسكو والمؤتمر العام العاشر للإيسيسكو ومؤتمر دولي حول تفعيل الحوار بين الثقافات والحضارات.

وكان قد تم اختيار الشاعر والأديب جعفر ماجد منسّقا عاما للتظاهرة وهيئة تنفيذية تضم شخصيات تمثل أهم الأطراف المساهمة كوزارة الثقافة ومنظمة الإيسيسكو ووزارة الشؤون الدينية وغيرها

(المصدر: وكالة قدس برس انترناشيونال (بريطانيا) بتاريخ 28 أوت 2008)


 قرطاج السينمائي يعرض فيلما مغربيا استبعد من مهرجان الاسكندرية
 
 
تونس 29 أغسطس اب/رويترز/  قال منظمو الدورة المقبلة من مهرجان قرطاج السينمائي الذي يبدأ في شهر اكتوبر تشرين الاول المقبل انه سيتم عرض فيلم مغربي استبعد من العرض الافتتاحي بمهرجان الاسكندرية السينمائي المقام حاليا بمصر.
وذكروا ان ادارة مهرجان الاسكندرية قد ألغت عرض فيلم /كل ما تريده لولا/ في الافتتاح بعد ادراجه في البرنامج بحجة ان المستوى الفني للفيلم متوسط كما أن بعض أحداث الفيلم التي تدور في مصر //تسيء الى الشخصية المصرية// واعتبرت أن الفيلم أمريكي الجنسية.
وقالت درة بشوشة مديرة المهرجان //ان فيلم /كل ما تريده لولا/ مقترح في المهرجان وان ادارة مهرجان الاسكندرية حرة في اختياراتها//.
ومن المقرر ان تفتتح الدورة المقبلة لايام قرطاج السينمائية يوم 25 اكتوبر وتستمر اسبوعا بحضور عدد من نجوم السينما في افريقيا والعالم العربي. ولم يعلن حتى الان عن البرنامج النهائي للمهرجان. واثار استبعاد فيلم /كل ما تريده لولا/ المغربي من مهرجان الاسكندرية السينمائي الدولي جدلا في اوساط السينما في العالم العربي.
 
(المصدر: وكالة (رويترز) للأنباء بتاريخ 29 أوت  2008)
 


 

 الاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة للمواصفات بين تونس وليبيا
 
 
تونس في 28 اغسطس / قنا / اختتم هنا اليوم الفريق الفني المشترك التونسي ـ الليبي في مجال الاعتراف المتبادل بشهادات تقييم المطابقة للمنتجات اجتماعه الخامس عشر بتحديد الاختبارات الاساسية لاسناد شهادات المطابقة حسب القطاعات.
ويندرج الاجتماع الذى كان قد بدأ اعماله امس الاول وشارك فيه عدد من الكوادر المتخصصة في المجال من الجانبين في اطار الاستعداد لبداية تنفيذ قرار اللجنة العليا المشتركة التونسية ـ الليبية بشان الزامية العمل بشهادات المطابقة بين البلدين اعتبارا من الاول من شهر سبتمبر المقبل.
وكان برنامج الاعتراف المتبادل بشهادات تقييم المطابقة للمنتجات الموقع في طرابلس في شهر فبراير عام  قد دخل حيز التنفيذ بصفة اختيارية اعتبارا من شهر يناير 20080.
 
(المصدر: وكالة الأنباء القطرية (قنا) بتاريخ 28 أوت  2008)


حدود (3).. معضلة الهويّة بين تركيا وأوروبا
 
 
احميدة النيفر 
 
لماذا تُصرّ تركيا على المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟ ولماذا تواصل في طلبها الذي بادرت به منذ عام 1959 إلى اليوم، وبقيادة العدالة والتنمية - الحزب المحافظ في مرجعيته الثقافية، العلماني فكراً وسياسة - مع الإدراك بأن ممانعة أوروبا ستظل شديدة؟
يجيب بعض الساسة الأتراك عن هذا التساؤل بعبارة موجزة: ولِـمَ لا نُصِــرُّ؟! ليس هذا الجواب من قبيل المشاكسة التي اعتاد الفرنسيون أن يصفوا بها كل مخالف عنيد بقولهم: «عنادُ أتراك»، بل إنّه يختزل رؤية معاصرة لقضية الانتماء والهويّة.
نتجت هذه الرؤية من مسيرة تركية ممتدّة كان هدفها اللّحاق بأوروبا التي لم تفتأ هي بدورها مشدودة إلى تركيا وإلى عالم الشرق ومتوجسة منهما. في سياق أوّل كانت مباشرة القضية من تقاطع عالَمين متجاورين متنافسين، ثم مع إقامة النظام العلماني عولجت قضية الحدود بصورة مغايرة اقتضت الانسحاب من المجموعة الإسلامية للالتحاق بالغرب وسياساته ومصالحه.
مع العقدين الأخيرين، أعيد طرح قضية «الحدود» من جديد باعتبار ما أفضت إليه التجربة التركية من أزمات سياسية خانقة وأوضاع اجتماعية متردية، إلى جانب التحوّلات الدولية وما أضافه تحدي العولمة من ضرورة المراجعة وإعادة البناء.
لتوضيح جانب من قضية الحدود بطابعها الإشكالي المركَّب الذي يعاد طرحه في كل طور، يبرز أمامنا مثال نموذجي هو الملف الشائك لعلاقة تركيا بأوروبا. إضاءةً لجانب من هذه العلاقات نقدّم الومضات التالية:
- جغرافيًا، تقع معظم الأراضي التركية ببلاد الأناضول، غرب آسيا أو آسيا الصغرى، لكن جزءاً صغيراً من تركيا الحالية (4%) يقع في القارة الأوروبية مجاوراً بلغاريا واليونان. تضاف إلى هذا الموقع الحدودي خصوصيةٌ استراتيجية نادرة لم تزدها أحداث هذا القرن الجديد إلاّ خطورة، تتمثّل من خلالها تركيا بوّابةً مثلّثة. هي فاتحة على جوار غنيّ عربي وكردي في الجنوب (العراق وسوريا)، وعلى المجال الفارسي المتوثب وما جاوره من أذريين وأوزبك وأرمن وطاجيك في الشرق، ثم على فضاء روسي متحفز في الشمال من خلال البحر الأسود، الطريق الوحيدة للعبور إلى البحار الدافئة حيث مراكز التجارة والمدنيّة والسياسة الدولية.
يساعد هذا الجوار المتنوّع والثريّ والثائر على إبراز مركزيةً جغرافية - سياسية متميّزة، تفسح المجال لإعادة صياغة التوازنات السياسية الداخلية، خاصة ما يتعلّق منها بهيمنة الجيش التركي على مقاليد الحكم. هذه المركزية تحقق في الآن ذاته جانبا من الطموح التركي الساعي إلى ترجمة هذا الموقع الاستراتيجي إلى اختيار فاعل في الاتحاد الأوروبي الناشئ، بدل التوظيف الظرفي لسياسات الحلف الأطلسي.
لذلك، لم يعد من التبجّح قول بعض الساسة الأتراك عن مركزية بلادهم: «إذا خسر الغرب تركيا خسروا كل شيء».
- تاريخيا، يدرك المتتبع لتطوّر الأحداث في الدولة العثمانية منذ مطلع القرن السابع عشر تطلّعا أكيدا لما يعتمل في الغرب الأوروبي من تغييرات، وحرصا متناميا لدى حكّام اسطنبول على تحديث مؤسسات الدولة العلِيّة وفي مقدمتها المؤسسة العسكريّة. جاء هذا السعي نتيجة التفطّن إلى تقهقر السلطان العثماني المتزامن مع يقظة الجار الأوروبي الذي استطاع أن ينتقل من موقع الدفاع إلى الهجوم. لذلك، لم يكن غريبا أن تشهد الفترة الممتدة من العام 1617 إلى العام 1793 عزل نصف السلاطين الذين اعتلوا العرش ومقتل بعضهم في حركات عصيان كان العامل الأساسي فيها عسكر الإنكشارية الرافض لأي تحديث. تواصلت حالة الاضطراب إلى أن تولّى السلطان محمود الثاني، معلنا عن جملة من الإصلاحات السياسية والإدارية المعروفة بـ «التنظيمات»، والتي تطلّبت القضاء على عسكر الإنكشارية (1826) لتمردهم ورفضهم قبول النظم الحديثة في فرقهم مسايرة لباقي فرق الجيش العثماني.
ما سيقوم به أتاتورك من تحديث قسري بعد ذلك بقرن لم يكن قراراً مفاجئاً ومبادرة غير مسبوقة، إنما كان تواصلاً وتتويجاً لمساعي الإصلاح السياسي والإداري والعسكري الذي انطلق مع السلاطين منذ أكثر من قرنين. من ذلك إصلاحات «خط هامايون» (1856 التي واصل بها السلطان عبد المجيد، خليفة محمود الثاني، الجهود الإصلاحية في مجالات القضاء والتعليم والإدارة والشؤون المالية والجبائية، فضلا عن القطاع العسكري.
لقد بلغ الحرص السلطاني على الإصلاح حدًّا جعل بعض الأوروبيين يدعون إلى ضرورة التريّث وحسن الاقتباس من الحضارة الأوروبية بما يناسب المؤسسات التركية ويحافظ للدولة على خط سير خاص.
هذا السعي إلى التقارب مع أوروبا كان قديماً متدرجاً في الاقتباس عنها، وإن كان أشدّ وضوحاً فيما اتصل بالمظهر. لقد سبق أن حمل مصطفى كمال الأتراك على لبس القبعة والزي الغربي، قرار شبيه به من السلطان محمود يقضي بالإلزام بتقصير اللحى وحظر لبس العمامة وحمل الناس على لبس الطربوش.
- ثقافيا، تتميّز المنظومة القِـيَميَّة التركية بقيمة بارزة لدى النخب التركية المختلفة، بل عند عموم الشعب التركي، وهي المتمثلة في الاعتزاز بالجذر الجامع الذي يجعل الأتراك يعتقدون أنهم بناة إمبراطوريات ومشاريع حضارية ضخمة. لا تتصل هذه القيمة بتعصب عرقي بقدر ما هي شعور بالثقة الشديدة في مستقبلهم، وكأنّ ماضيهم يحصّنهم من المخاطر العديدة المحدقة بهم. ساعد على تركيز هذه العراقة الأصولُ التركمانية للأُغوز المنحدرين من قبائل مترحلة من أواسط آسيا والمنتشرة جنوباً وغرباً بما جاوز حدود أوروبا بحضور مباشر في البلقان وبلغاريا والنمسا. أتاح تَمَثُّـلُ هذه المسيرة الجماعية من الشرق نحو الغرب للمخيال العام الاعتقاد بأن التوجه نحو الغرب ضامن للمستقبل. كان أتاتورك أشد من عبّر عن هذا المعنى سياسياً حين اعتبر أن: «الأمة التركية حافظت على ثابت أساسي، وهو التحرك من الشرق صوب الغرب»، معللاً تدهور الدولة العثمانية بانتصاراتها الحربية على الغرب، و»قطع علاقاتها بالأمم الأوروبية»، مضيفاً: «كانت تلك غلطة لن نكررها».
غير أن المنظومة الثقافية التركية لم تكن في اعتزازها بالذات قد انتهت إلى مركزية ثقافية مجحفة تتجاهل الآخر أو تعمل على استئصاله. لقد حرصت على قدر من المثاقفة، خاصة في أطوار البناء والازدهار، بما أتاح لها تحقيق تنوّع ديني ولغوي وعرقي وثقافي منذ البداية.
عند الاكتفاء بهذه الجوانب الثلاثة يبدو للإصرار التركي على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أكثر من مسوِّغ. أشد ما يثير الاستغراب هو أن الوثائق الرسمية للاتحاد تعترف بالتقدم الذي أحرزته تركيا في الإيفاء بمعايير الاتحاد، وذلك بإقامة مؤسسات مستقرة تضمن الديمقراطية وسيادة القانون، وتحفظ حقوق الإنسان وتحترم الأقليات والمعتقدات.
لماذا إذن كل هذه المخاوف الأوروبية؟
يبرز إشكال «الحدود» كأحد أهم عناصر الإجابة عن هذا السؤال. لقد تجنّب الاتحاد الأوروبي الخوض في الموضوع عند كل توسيع لعدد الأعضاء المنضمين إليه، بما أبقى مسألة «من هو أوروبي؟» دون تحديد تجنّبا لضبط طبيعة الهويّة الأوروبية. من ثم، اكتفت مبادئ قمة كوبنهاغن عام 2002 بمعايير سياسية ومالية عامة لا تلامس ما في مسألة هويّة أوروبا من تشابك وتركيب بين عناصر ثقافية ودينية وعقدية واختيارات استراتيجية.
حين نقارن قصور الاتحاد الأوروبي وإعراضه عن تحديد هويّته بما حققه النموذج التركي في المجال ذاته عبر مؤسسة واحدة للدولة ذات هويات متعددة ساعية إلى مزيد من التفاعل، وذلك بتجسيد مفهوم معاصر للانتماء إلى تراث وماض يركّز على ما يتضمنانه من حراك متواصل تختلف أهميته من طور إلى آخر، حين نقف على هذه المفارقة فإننا مضطرون إلى الإقرار بأن التجربة التركية المعاصرة حَريّة بكل اهتمام. إنّها في معالجتها لمعضلة الهويّة لم تر فيها تكراراً للأصل ولا تعبيرا عن كيان ثابت مُستَنسَخ، بل اعتبرتها درجةً من الانتماء ضمن سيرورة تتشكل حسب مقتضيات الزمن ومتطلبات التغيير ودرجة الوعي الجماعي. إنّها تجربة تبدو مرشّحة أكثر فأكثر لتكون ذات أثر في النخب العربية ضمن مشروع إعادة بناء الهوية للخروج من مرحلة التهميش الإقليمي والاستلاب الدولي.
• كاتب تونسي
 
(المصدر: جريدة العرب (يومية - قطر) بتاريخ 29 أوت  2008)

 
أبعاد زيارة الرئيس الأسد لموسكو
 

توفيق المديني

في زمن الحرب الباردة كانت العلاقات السورية - الروسية متطورة جدا، إذ إن كلاً من البلدين سوريا والاتحاد السوفييتي كان بحاجة إلى الآخر. كانت تلك إحدى حقائق السياسات الجيوبوليتيكية في منطقة الشرق الأوسط، التي أسست لها معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة في عام 1980 بين الزعيمين الراحلين حافظ الأسد وليونيد بريجنيف. فسوريا كان مصدر تسليحها الأساسي الاتحاد السوفييتي، وهي بحاجة إلى هذه الأسلحة لردع العدوان الإسرائيلي  المستمر، ولموازنة التفوق التكنولوجي والعسكري الصهيوني الكاسح بفضل الدعم الأمريكي غير المحدود، والسوفييت كانوا بحاجة لإعادة الثقة بسمعة أسلحتهم العالية الأداء وكذلك بموقعهم السياسي الاستراتيجي في العالم العربي، في ظل الصراع التنافسي مع الولايات المتحدة.
وكانت كل صفقة صواريخ تبرمها سوريا مع الاتحاد السوفييتي تثير أزمة إقليمية ودولية من جانب إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة بعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام ،1982 واستعادة الأسد الأب  زمام الأمور في لبنان من خلال إسقاط اتفاقية 17 أيار/ مايو ،1983 والصراع السوري - الأمريكي الذي انتهي برحيل قوات المارينز الأميركية والقوات المتعددة من لبنان عام ،1984 وسطوع نجم سوريا في فضاء السياسة الإقليمية والدولية كلاعب أساسي في معادلات الشرق الأوسط.
 ورغم أن سوريا حليفة الاتحاد السوفييتي آنذاك، إلا أنها لم تستطع أن تحقق أي توازن استراتيجي مع الكيان الصهيوني، في ظل التباين الكبير في قدرات الدولتين، الملموسة وغير الملموسة، ويأتي في مقدمتها مستوى التقدم التكنولوجي والنسق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للسكان إسرائيل .وفي أعقاب انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي في ديسمبر/كانون الأول ،1991 تحولت السياسة الخارجية الروسية، وعلى مدى عقد التسعينات من القرن الماضي تقريبا، توافقا واستجابة مع المواقف الأميركية، وانسحبت روسيا من بعض المواقع التي كان وجودها فيها يمثل نوعا من التحدي الموجه للولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل على حد سواء، و لاسيما في منطقة الشرق الأوسط.
وفضلا عن ذلك، كانت روسيا من بين كثير من دول العالم التي حاولت استثمار أحداث 11سبتمبر2001 للتقارب مع الولايات المتحدة. فراحت تقدم نفسها على أنها الشريك والحليف الذي يعتمد عليه في محاربة الإهاب، وفي سبيل ذلك قدمت روسيا تنازلات سياسية وأمنية وعسكرية في آسيا الوسطى، كان البعض يعتبرها إلى عهد قريب من المحرمات في السياسة الروسية.
وبالمقابل، أدركت سوريا مبكرا التحولات والتطاحنات الكبرى التي شهدها العالم مع سقوط جدار برلين عام ،1989 حيث أن العصر الجديد الذي ولج هو العصر الأمريكي، عصر القطب الأوحد بلا منازع، فانحنت للعاصفة الهوجاء. وأدرك الرئيس الراحل حافظ الأسد أن حرب الخليج الثانية قد غيرت راديكاليا من معطيات الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها الصراع العربي - الصهيوني، لذا قبل الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر/تشرين الأول عام ،1991 برعاية واشنطن التي أصبحت لديها اليد الطولي في تقرير كل شيء في المنطقة بعيدا عن أي نفوذ روسي.
وبعد حرب الخليج الثانية، وتدمير قوة العراق العسكرية، قبلت سوريا حليفة الاتحاد السوفييتي سابقا بتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وفق رؤية براغماتية، واصبح خيار السلام خيارها الاستراتيجي، وهو الأمر الذي جعلها تشارك في مفاوضات السلام مع الكيان الصهيوني التي حصلت جولاتها جميعها على أرض أميركية وبرعاية مباشرة من البيت الأبيض، ولكن في الحدود التي لا تتعارض مع دور إقليمي كانت سوريا تحلم به، ومن خلال تأكيد سوريا على شمولية الحل، أي إقامة تسوية شاملة وعادلة تحفظ الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وتحقق انسحابا صهيونيا متزامنا من جميع الأراضي التي احتلت في العام 1967.
وتأتي زيارة الرئيس بشار الأسد إلى موسكو ، بعد أن شهدت المنطقة تحولات غاية في الجذرية، ومنها الاحتلال الأمريكي للعراق وما شكله من متغير استراتيجي لم تفلت من آثاره سوريا بحكم قربها الجغرافي والسياسي من العراق. فقد كان العراق رغم الاختلافات السياسية بين نظامي البعث في البلدين يشكل عمقا استراتيجيا تستند إليه دمشق في أوقات الشدائد من الصراع العربي - الصهيوني. أما الآن فالقوات الأمريكية أصبحت رابضة على الحدود الشرقية لسوريا، وازدادت درجة حصار دمشق سياسيا واستراتيجيا، وازدادت معها التهديدات الأميركية لسوريا مع تصاعد أعمال المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي ودخول السياسات الأميركية في دائرة التخبط والورطة داخل المستنقع العراقي. ولعل أخطر هذه التهديدات فرض العقوبات الاقتصادية على دمشق، والتصعيد القانوني من جانب الأمم المتحدة لتنفيذ القرار 1559 الذي كان وراء انسحاب القوات السورية العاملة فب لبنان فب نيسان 2005،والذي ينص على وقف التدخل في شؤون لبنان  الداخلية، ووقف التعامل مع المنظمات الفلسطينية الموجودة في دمشق واغلاق مكاتبها وإنهاء دعم حزب الله، والتخلص من مخزونات أسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية ووقف المساعي لامتلاك أسلحة نووية، والسيطرة الكاملة على الحدود السورية - العراقية ووقف أي أنشطة تعتبرها واشنطن عدائية ضد القوات الأمريكية في العراق تنطلق من الأراضي السورية، واتخاذ مجموعة إجراءات سياسية داخلية.
وانطلاقا من هذه الأخطار المحدقة بسوريا، تكتسي زيارة الرئيس الأسد إلى موسكو منسجمة مع التحرك الدبلوماسي والسياسي السوري، الذي بات يربك القيادة الأمريكية والإسرائيلية ، ويخفف الضغوطات على سوريا ، و لاسيما بعد حضور الأسد قمة باريس في 13 تموز الماضي و التي برز فيها نجما بلامنازع ، و التي ستفتح له أبواب توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وتطوير اتفاق الشراكة مع تركيا التي باتت تلعب دور الوسيط في المفاوضات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة ، وتطوير علاقات التحالف الاستراتيجي مع إيران، وأخيرا إعادة الاعتبار للعلاقات التاريخية مع قوة عظمى بحجم روسيا. فروسيا  واحدة من الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن , ودورها الدولي في تصاعد مستمر ,وبالتالي , فإن خلق شراكة استراتيجية معها يحصن ويدعم سياسات سورية المستقلة, ويعزز دورها الإقليمي .‏
 ومن جهة ثانية هناك رغبة روسيا المستاءة من استراتيجية التطويق والحصار المفروضة عليها من جانب أميركا عبر دخول معظم بلدان أوروبا الشرقية في منظمة الحلف الأطلسي، وهو ما دفعها أخيرا إلى خوض  الحرب في القوقازلاستعادة مجالها الحيوي في جورجيا، وعبرإعادة تفعيل الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط، واستعادة موقعها على الصعيد الدولي ،حيث تشكل سورية في هذا الإطار بوابة مهمة إلى المنطقة بالنسبة لموسكو لما لها من دور وتأثير إقليمي يقرّبه الجميع ,وكذلك
من هنا يشكل اللقاء السوري - الروسي فرصة تاريخية لنهج بوتين الاستراتيجي، الذي يجسد نهجا قوميا روسيا، فالرئيس الأسد يشاطر الموقف الروسي من أزمة القوقاز، إذ قال الأسد في حديثين الى صحيفتي "كومير سانت" و"غازيتا" الروسيتين عشية زيارته الى موسكويوم الإربعاء 20 آب الجاري : "إن جورجيا هي التى بدأت الأزمة، بينما يتهم الغرب روسيا بذلك. وهذا بالذات ما عانت منه سوريا في السابق عندما واجهت محاولات تقويض الاستقرار في البلاد وتحريف الوقائع وازدواجية المعايير في تقييم ما يجري.و أضاف الأسد:"إن بعض الدول حاولت على مدار كثير من السنوات عزل سوريا فماذا كانت نتائج هذه الأعمال.. إن هذه البلدان بالذات تجد نفسها اليوم في عزلة دولية متزايدة ولا يجري بدون سوريا حل ولو مسألة واحدة من المسائل الهامة في المنطقة.. ان الشيء ذاته يمكن قوله عن محاولات عزل روسيا التي لا تحل بدونها قضايا آسيا الوسطى ومناطق أخرى".
ما يعزز التماهي السوري – الروسي بشأن الحرب في القوقاز، أن الجيش الجورجي كان مسلحا من قبل إسرائيل التي هي عدو سورية، وأن ضباطا وجنرالات إسرائيليين قاموا بتدريب القوات الجورجية وتزويدها بالسلاح لمواجهة روسيا عسكريا.وبذلك فإن لروسيا و سوريا خصم واحد هو إسرائيل ،وان زيادة قدرة الجيش السوري القتالية واستعداد سورية للدفاع عن نفسها يشكلان ايضا ضماناً لامن روسيا وسيادتها.‏و من هنا، فإن الحرب في القوقاز تفرض وجودها، وتلزم سورية وروسيا معا بان تدركا ضرورة جعل العلاقات بينهما متناسبة مع وقائع العالم الراهن.‏
وقد أعلن الرئيس السوري  بشار الأسد ، استعداد  دمشق للقبول بنشر منظومة صواريخ روسية على الأراضي السورية، رداً على نشر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، معتبراً أن الحرب الأخيرة في القوقاز كشفت الدور الإسرائيلي و الأميركي ، ليفتح بذلك باب التعاون العسكري بين دمشق  و موسكو على مصراعية و من دون أي عراقيل.
       و احتلت زيارة الأسد لموسكو الخبر الرئيس في الصحافة الإسرائيلية، إذ كتب ايلي بردنشتاين واخرين في صحيفة معاريف بتاريخ 21/8/2008:"أن على جدول الاعمال توجد امكانية ان تزود روسيا سوريا بنوعين من الصواريخ المتطورة: صواريخ ارض – جو من طراز اس300 وصواريخ اسكندر ايه – وهي صواريخ بالستيه تعتبر من الاكثر تطوراً في العالم ويبلغ مدى صاروخ اسكندر 280كم ويحمل رأساً متفجراً بوزن 480 كيلوغرام. يحتمل ان يكون الصاروخ قادراً على ان يحمل ايضا رأساً متفجراً غير تقليدي".
 لقد باتت موسكو ترى أن بوابة العبور إلى المياه الدافئة وعالم البحار المفتوحة وصولا إلى أوروبا وآسيا واحتلال موقع مهم في خريطة الشرق الأوسط، تمر عبر سوريا وصولا إلى المنطقة العربية والخليج العربي وتركيا وإيران. وانطلاقا من هذه المعطيات، أثارت الحكومة الإسرائيلية و لا تزال تثير ضجة عالمية مفتعلة بسبب قضية صفقة الصواريخ الروسية من نوع (إسكندر-آي) التي تعتقد أن الرئيس الأسد  سيوقعها مع الرئيس ميدفيد يف خلال زيارته إلى موسكو. وهي صواريخ تكتيكية ودفاعية تطلق من على الكتف ويمكن أن تهدد الطائرات الصهيونية  فوق سوريا وجنوب لبنان.
 
( المصدر: صحيفة الشرق (يومية قطرية) بتاريخ 29 أوت  2008)

 رحلة العربية بين الأفـواه
 
 
بقلم: فتحي العابد

اللغة إخواني هي الوعاء الكبير الذي نضع فيه كل رموز بقاءنا وكل إشارات طريق التقدم.. من خلال التمسك باللسان العربي يمكن لنا أن نستشرف مستقبل ثقافة الأمة كما عبر عنه الكاتب والروائي الجزائري الطاهر وطّار. على الرغم من أنه وُلد في بيتٍ يتكلّم الأمازيغيّة، ليس فيه ورقة مكتوبة بالعربيّة غير المصحف، وعلى الرغم من أنه ليس برجل منغلق، ولا تقليديّ، ولا 'إسلاميّ'، بالمعنى الحركيّ السياسيّ، ولا جاهل بلغة أجنبيّة، وقد تُرجمت أعماله إلى مختلف لغات العالم، فإنه يصرّح: 'لو خيّرتُ بين هؤلاء الإسلاميّين وبين هؤلاء الإقصائيّين، لاخترت الإسلاميّين، لأني أومن إيمانًا جازمًا وقاطعًا بأن هؤلاء الإقصائيّين ضِدّ استقلال الوطن، وضِدّ اللغة العربيّة، ضِدّ الوطن من خلال معاداتهم للغة العربيّة، وارتباطهم بالخارج'.

إن النظر في التراث العربي القديم يثبت أن 'آدم الإنسان العاقل الأول'، قد تولد بشراً من بويضة في أرض السراة من شبه الجزيرة العربية، وكذلك حواء وبقية الآدميين، وعاش البشر الذين تخلقوا وقتئذ همجا بعيدين عن مفهوم الإنسانية وقيمها، إلا أن آدم الإنسان العاقل الأول قدّرت له المشيئة الربانية أن يدخل الجنة، وهناك أودعت روح آدم وعقله ليكون مهيئا لحمل الأمانة الربانية، وهناك علّم آدم الأسماء كلّها وبقي فيها حتى معصيته التي أدت إلى خروجه من الجنة. فآدم خرج في هذه الأرض ليبث علومه التي تزود بها في الجنة، ولولا التخليق في جينات آدم العاقل لما أمكنه أن يعرف أسرار العلوم والفكر، ولما كان لديه الاستعداد لإدراك هذه اللغة التي أنجبت هذا التراث العربي العظيم، والوارد والله أعلم أن آدم لم يخرج من الجنة مجرد معجم كلمات عربية لمسميات الأشياء، بل إن آدم أدرك أسرار اللغة التي هي عينها مفاتيح الفكر، والمسميات التي جاءت عبر هندسة لغوية متقنة بما تحمل من علاقة وتناسب عظيمين بين الأشياء ومسمياتها، وما تحمل من سمة إعجازية للنظام الرقمي الفلكي للغة العربية، التي تعد أساسا للقول بتوقيفية اللغة، كما أسماها علماء اللغة، أي أن اللغة نشأت بتعليم رباني، ومن خلال التخليق الرباني للجينات الوراثية الخاصة بالقدرة على النطق، وما تتطلبها القدرة اللغوية من خيال، وإدراك وتحليل، وتركيب وتذكر، واستدعاء وغيرها من خواص اللغة، هي التي انتقلت من جينات آدم الإنسان الأول إلى ذريته، يقول تعالى في سورة الرحمان: [الرحمن* علّم القرآن* خلق الإنسان* علّمه البيان].

فاللغة العربية بدأت بآدم الإنسان العاقل الأول ثم تطورت وفيها قابلية التطور، والفصحى التي نتحدث عنها والتي بدأ انطلاقها من شبه الجزيرة العربية، قديمة قدم الإنسان كما رجّحه بعض الباحثين، ولو كانت هذه اللغة بعيدة عن التعليم الرباني لما أمكنها أن تكون أم اللغات، وأن تستوعب التراث العربي القديم وما يحوي من حقائق علمية لا افتراضية، والتي هي أساس الحضارات في العالم. إن اللغة التي نعنيها في البحث ليست هي اللغة التي تؤدي الدور العادي للاتصال البشري، وإنما الذي يهمنا بحثه هي اللغة الإنسانية الراقية التي ترتقي بفكر البشر إلى إنسان صانع الحضارة، إلى الإنسان الذي يستوعب إرادة السماء، يدرك مهمته في الحياة ويؤدي دوره المناط به، وما من شك أن اللغة هي الوعاء للفكر والحاضن الأمين له، وما بين الفكر واللغة علاقة جدلية؛ وبمقدار ثراء أحدهما إثراء للآخر.

فلذلك ثمّة كمٌّ هائل لكلماتٍ عربية لا يُمكن تحصيل معناها في القواميس، لكونها مجرّد اجتهادات لغويّين وتخميناتهم بتتبّع لسان العرب. إنّ جذر الكلمات العربية يقوم على 'حروف صوتية'، وكل لغة لسان يختلف عن الآخر، وتعددها 'اللغات'، يعني تعدد الألسنة، وللتدليل على معنى اللغة ورد بيتان للشاعر العراقي صفي الدين الحلي المتوفى سنة 750 هـ في ديوانه يقول فيهما:

بقـــدر لغـات المرء يكثر نفــعـه         فتلك له عنـد الملمات أعــوان
فهافت على حفظ اللغات وفهمها         فكل لسان في الحقيقة إنسـان

فهل السريانية والآمورية لغات وألسنة؟ أو هي لهجات شقيقات مع العربية للغة واحدة ، وهي العربية العرباء ذات أل 22 حرفا، والتي تطورت بعد سنين متطاولة وأدخلت ستة حروف صوتية فأصبحت 28 حرفًا، وهي الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم. وكانت الحروف صوتيّاً تُعطي مدلولها الطبيعي الموافق لصوتها الدالّ، قبل مرحلة تجريد اللغة، لذلك ثمّة كلمات هي تصويتيّة بامتياز، أي إسم صوت، يُعبِّر عن النغمة الطبيعة نفسها، كالعواء، المواء، الخرير، الصهيل، النعيق، النهيق، الأزيز، الحفيف، الصليل، الشخير...الخ، كلّها تمثيلٌ صناعيّ بشريّ مقيَّد بحروف أبجديّة اللغة، لمحاكاة النغمة الصوتيّة لتلك المصادر الطبيعيّة.

إن ما وقفنا عليه عند بعض الباحثين العرب والمستشرقين الذين تناولوا ما يسمى 'اللغات السامية'، أثبتوا أن هذه اللغات أو اللهجات 'حسب اختلاف مصطلحهم'، إنما هي تابعة للغة أمّ واحدة وهي اللغة العربية، معتمدين على علم التاريخ وعلم الآثار والدراسات المقارنة في أصول اللغة المشتركة لهذه اللهجات.

أما الدكتور أحمد داوود صاحب كتاب تاريخ سوريا القديم، فيطرح رأيا يفسر فيه نشأة العربية والسريانية والآمورية معا، حيث يقول: 'أنه قد تميز من بين الآباء العرب القدامى مجموعة كبيرة من الأسماء، كان من بين أبرزها جميعا ثلاثة هم: (سر) و(مر) و(رب) وكل منها يعني (السيد)، أما (سر) الذي تؤكد كلّ الدلائل على أنه كان متميزًا في منطقته الشرقية، أي شرق شبه الجزيرة العربية، فيعني السيد العلي، ومؤنثه (سرت) و(سري) وتعني السيدة العلية، فكلمة (سري) تعني السيد العالي، وسراة القوم سادتهم، والسراة الجبال المرتفعة، والسروات القمم، والسرو الشجر المرتفع، و(سارة) هي السيدة والملكة، وإذا ما أضفنا نون الجمع تصبح (سرن) وتعني السوريين، أو السريان، لأن العربية القديمة لم تكن تكتب الصوتيات (و، ا، ي). أما (مر) فيعني (السيد) ومؤنثه (مرت) وتعني (السيدة) و(السيدة البيضاء) و(مرت) لا تزال تستعمل في العربية الدارجة حتى اليوم. و(رب) تعني السيد أيضا ومؤنثه (ربت) وتعني (السيدة)، وإذا ما أضفنا الألف (وهو أول حرف من الحروف الأبجدية العربية، والذي يعني الثور وهو رمز الخصوبة) بداية (سر، مر، رب) فتصير أسر وهم أبناء السيد سرّ وهم السريانيون. وكلمة أمر هم أبناء السيد مرّ وهم الآموريون، وكلمة أرب هم أبناء السيد ربّ وهم عرب بعد إبدال الألف عينا كما يحدث في اللهجات العربية، وكذلك حرف الألف هذا الذي هو رمز الخصوبة إذا صار نهاية كلمة (سر) لتكون الكلمة (سرأ)' فتعني أخصب، وسرأت السمكة أي باضت، وسرأت المرأة كثر أولادها و(مرأ) أخصب وألقح، والمروءة في أصلها كمال الفحولة الإخصابية، ومرع تعني أخصب، وهي عينها مرأ بإبدال الألف عينا، فهؤلاء الآباء (سر، مر، رب) هم الذين انتشر أبناؤهم في كل الأرض العربية. وكما نزح السريان شرقا، فقد نزح الآموريون غربا ومنهم الفينيقيون. أما أبناء رب وهم (أرب) التي تعني عرب فهم الذين بقوا في جوف شبه الجزيرة العربية. وهؤلاء الآباء الثلاثة المتميزون (سر، مر، رب) الذين هم أساس السريان والآموريين (الفينيقيين) والعرب هم أبناء (آنوش ابن شيث)'.

 فلو سألنا: ما الصوت الذي تصدره الدجاجة؟ لمثّلناه تقريبيّاً بأبجديّتنا المكتوبة: 'قاق/ قيق/ قوق/ كيك/ كاك'.

إذا فتحليل اللغويّين لكلماتٍ ذات جذور وقواعد أسبق وجوداً من الفصحى، بمشارط قواعد الفصحى، يُبعد إمكانيّة فكّ شفرتها، 'فالدال/ د' القديمة كانت تعني 'الدال/ د' و'الذال/ ذ' معاً، واللغة القديمة جعلت 'الدال/الذال' أداة تعريف للمذكّر و'التاء' للمؤنّث، الفينيقيّة/ الأوروبيّة، والتي ذاتها تضمّنها إسم الإشارة (ذا) (هـا+ ذا) والموصول (الـّ + ذي)، ومؤنّثها (تي): 'هاتي/ هاتان، التي/ اللّتان'، هذا أمرٌ فات قدامى اللغويّين، فلذلك بأمثال كلمة 'دجاجة'، حيث الدال للتعريف (دَ+ جاجة)، غلطوا، فقالوا مجتهدين: 'دجاجة'، مِن فعل (دجّ) أي دبّ وتهادى'، مع أنّهم لا يلفظونها 'دَجّاجة' بالتشديد، كاسم فاعل مبالَغ لـ (دجّ)، بل 'دَجاجة ودِجاجة'!

كان عليهم بحثُ معناها تحت جذرٍ معجميّ آخر قالوا فيه: (القَاق/ القَيْقُ/ القَقْوُ/ القَوْقُ: صوتُ الدجاجة إذا أرادت السِّفاد) و(قاقت: صوّتت)، ولا نزال بالعامية نقول (قاقت الدجاجة وكاكت)، وحسبمايقول أحد الباحثين في اللغة أن: صيَغ اللغة القديمة/ السريانية: 'ذا/ دا + قاق/ كاك = دِقاق/ دكاك'، وتعني الذي يُقوّق ويُكاكي. وهذا تماماً وصفُ الدجاجة، حتّى أنّ الدجاجة يُسمّونها أحيانا 'القاقيّة/ الكاكيّة'، وقالوا: 'القيقيّة: قشرة البيضة الرقيقة'، 'القيقة/ الكيكة: بيضة الدجاجة' عند المشارقة، وهذه يلقّنونها أطفالهم أيضاً، وسُمّيت بذلك لأنّ الدجاجة تُصدر صوت 'قاق/ كاك' حماية لبيضها، وتصدره أيضاً إذا باضته، فتصيح 'قاق'! عجيب، أليس كذلك؟!

يتساءل أحد الباحثين في علم الكلام: 'ما الرحلة التي سلكتها (دِقاق) لتُصبح 'دِجاج'؟

إنّ القاف تُلفظ قديماً 'گ' أيْ جيماً بدويّة، بل هي 'دِگاگ' بالأصل، كما يلفظها المصريّون اليوم، والبعض حوّل 'گ' 'ج' صرفة، والبعض ينطق أساساً 'القاف' 'جيماً' فيقول 'أقعد/ أجعد، قطع/ جطع، قاسم/ جاسم، قدّوم/ جدّوم'، فكلاهما تحوّلت لديه 'دِقاق/ دِگاگ' إلى 'دِجاج'، والفصحى لافتقاد حروفها الـ28 جيماً بدوية، أحلّت الجيم المحضة بدلها، وبمرحلة لاحقة تواصلت رحلة التحوير الشفويّ للذين يُحوّلون 'الجيم' 'ياء)، فصُيّرت مع الزمن 'دِياج/ دياگ/ دِياك'، والتي منها جاء إسم 'ديك/ ديكة'، وآخرون استبدلوا الجيميْن ياء 'دِياي'، وكلّ هذا موجودٌ ومؤصّل في لهجاتنا العربيّة للآن، كبصمة لسيرورة تطوّرية وتحوّرية، واختلافٍ ألسنيّ.

فكلمة 'ديك/ ديَك' و'دجاج' تعني الشيء نفسه. الطير الذي يقوّق، القاقي/ الكاكي، الذي يقول 'قاق / قيق/ گاگ/ كوك'، لذلك نجده باللغات الأوربيّة نفسه. ولو سألناهم: لماذا سمّيتموه هكذا؟! لأجابوا أنّهم أخذوه عن اللاتينيّة! والجواب الصحيح حسب  الدكتور القصاب أنّه إسمٌ لصوته 'كوك/ كاك/ كيك/ كوكو' فهو ذاك!.

الخطأ المنهجي الأخر: أن البعض تقيّد بعقائد معلّبة تجاه نظريّات اللغة، سواءً المستوردة من الفكر الغربيّ ولسانيّاته، أو المرسومة بفقه الأوّلين، وعدمُ تبنّيهم الاستقراء منهجاً، لاستنباط أصول الكلمة 'ذاك المُسمَّى بالإيتمولوجي'، فالاستقراء أداة مُعينة لتحصيل العلوم، وباستقراء نطق الكلمة لدى الشعوب ولهجاتها، سيتكشّف أصلها.

يتسائل أحد الباحثين في اللغة: 'هل تُجدي صراعاتنا (الديكيّة) المتعصّبة بين لهجاتنا الشعبيّة؟! ومصادمتها بالفصحى، سيّما بعد اتّضاح (صحّة جميعهم) بالسواء، كمواضعةٍ لغوية واستعماليّة بشريّة، واتّضاح (خطأهم جميعاً) أيضاً وفق منطق (الدجاجة) التي تزعق بغرغرتها أنّ إسمها الحقيقي (دقاق/ دگاگ/ دكاك)، هذا مثال مصغَّر لصراعات عديدة، مذهبيّة، وثقافيّة، صنعها تاريخنا البشريّ المأزوم، وكلّ فريق يتمسّك بنصيبٍ صحيحٍ يظنّه الحقّ كلّه، والوحيُ المُنزَل!'

الملاحظ في الكتابات الحديثة على مختلف ألوانها ظاهرة سلبية، قد تكون لها جذور قديمة، أخذت اليوم تستفحل. هذه الظاهرة هي أداة المرسل في تواصله مع الآخرين، ومن المعروف أَنَّ الكاتب لا يمكن أن يبدع ويؤثر في أي مجال من مجالات الأدب والمعرفة والفكر، إلاَّ إذا توفرت الشروط اللازمة لهذا الإبداع والتأثير، ولابد قبل كل شيء للكاتب الناجح أن يتقن أداته، أي اللغة. فهو باللغة يكتب للقراء، وهم باللغة يقرؤون له، وباللغة ينشئ الكاتب تواصلاً من نوع ما مع القرّاء، وباللغة يتم التفاعل بين صاحب الأثر وبين المتلقين، ينقل إليهم الواقع كما يراه، ويعكس لهم في كتاباته خبراته وتجاربه، وآراءه ومواقفه في الحياة، وباللغة أيضاً يرى الكاتب غيره من الأدباء والمفكرين، ومواقفهم وآراءهم وخبراتهم، وعلى هذا يمكن أن تكون اللغة إلى حد ما المعادل الموضوعي لحياة الإنسان، ويمكن أن تتوقف دقة هذا المعادل أوعدم دقته على تمكّن هذا الإنسان من اللغة أوعدم تمكنه منها، لكنّ التمكّن من اللغة لا يأتي اعتباطاً وإنما يتطلب في أقل تقدير الإحاطة باللغة، إذا لم يتطلب الإطلاع على أسرارها والغوص في أعماقها وإتقان كل ما يتفرع منها، وهذا يحتاج، ولا شك، إلى جهد غير قليل، والأديب معنيّ بإتقان لغته، وبكل ما يتفرع منها، بل مطلوب من الأديب سواء أكان كاتباً، أم شاعراً، أم ناقداً، أم قاصاً، أن يمتلك ناصية اللغة قبل سواه من الكتاّب الآخرين، أمّا الكتّاب الآخرون على اختلاف مشاربهم وتباين اتجاهاتهم، فهم معنيّون أيضاً باللغة، ولا بد لهم من الإحاطة بها، والتمكّنُ من اللغة قد يسهم إسهاماً في التأثير على الآخرين، فقد يكون من يمتلك ناصية اللغة أكثر تأثيراً في القراء، من ذاك الذي لا يلمّ بها، لأنّه عارف أسرارها، مطلّع على مواطن التأثير فيها.

 وقد كان القدماء يطلبون من الأديب أوالمتأدب أن يقرأ علوم اللغة، ويقرأ أمهات الكتب القديمة : أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ والنوادر لأبي علي القالي، كما كانوا يطلبون من الشاعر الناشئ فضلاً عما تقدم، حفظ عشرات القصائد بل المئات كي تستقيم لغة هؤلاء، وتتجمّل أساليبهم. ليس من الضروري أن نلتزم بما وضعه القدماء للشاعر والأديب من مقاييس فللقدماء حياتهم، ونحن لنا حياتنا، لهم مقاييسهم التي تلائم عصرهم وأذواقهم الأدبية، ونحن ينبغي أن تكون لنا مقاييسنا التي تلائم عصرنا وأذواقنا الأدبية، فما دامت الحياة مختلفة، فالمقاييس مختلفة، والأذواق الأدبية مختلفة، لكن مهما اختلفنا مع القدماء فإنَّ شيئاً واحداً يظلّ يجمعنا بهم، ينبغي أن لا نختلف عليه، أونقلّل من شأنه أبداً مهما يكن من أمر ذلك، هو الثقافة اللغوية التي ينبغي أن يتحصّن بها كل من تكون اللغة أداته، ونتعايش مع الكلام الفصيح قراءة وتذوقاً وتحليلاً وتأليفاً، وأن نكلف أنفسنا على الأقل عناء الدنو من ينابيع اللغة والأدب والشعر.

(المصدر: موقع 'الحوار.نت' (ألمانيا) بتاريخ 28 أوت 2008)


من التحالفات الغربية والقواعد الأجنبية إلى عدم الانحياز
 
 
بشير موسى نافع 
في الحادي والعشرين من هذا الشهر، تناقلت وكالات الأنباء خبر تقديم الرئيس السوري بشار الأسد عرضاً للرئيس الروسي ميدفيديف بنشر صواريخ روسية في الأراضي السورية. العرض المفاجئ والمذهل بكل المقاييس، جاء في سياق تصاعد التوتر بين موسكو وواشنطن. في اليوم التالي مباشرة، صدر عن العاصمة السورية بيان رسمي، ينفي كلية وجود مثل هذا العرض. والواضح أن نشر قواعد صواريخ روسية في سوريا لا يمكن أن يعتبر رداً على الاتفاق الأميركي-البولندي. فإن كان الحساب الاستراتيجي للبطاريات الأميركية في بولندا ينبع من كون الأخيرة تقع في الجوار الجغرافي والأمني الروسي، فإن سوريا بعيدة جداً عن الولايات المتحدة، ولن يكون لمثل هذه الخطوة من معنى، على أية حال، سوى تحول سوريا إلى محمية روسية. مهما كان الأمر، فإن الضجة التي أثيرت حول العرض لابد أن تفتح نقاشاً عربياً جاداً حول مستقبل العلاقات الدولية والموقف العربي من المتغيرات المتسارعة في الوضع الدولي.
بانهيار الكتلة الشيوعية وتفكيك الاتحاد السوفيتي، شهد العالم وضعاً دولياً غير مسبوق منذ قرون: بروز الولايات المتحدة باعتبارها قوة كبرى متفردة. لم تختفِ القوة الروسية الاستراتيجية النووية، لكن الاقتصاد الروسي عانى من تراجع سلبي، صاحبه انحدار اجتماعي متسارع. أصبحت روسيا دولة مدينة، وانسحبت كلية من مواقع نفوذها العالمي. المعارضة النسبية للتفرد الأميركي جاءت من أوروبا التي طالبت بالمشاركة في القرار العالمي. وقد شهدت التسعينيات مفارقة مدهشة في الوضع الدولي، فمن ناحية مثلت الولايات المتحدة أكبر اقتصاد على ظهر المعمورة، وأكبر قوة عسكرية، الدولة التي تمتلك مقدرات علمية وتقنية فائقة، وصاحبة الأثر الثقافي الأوسع على شعوب العالم. ومن ناحية أخرى، لم تنجح الولايات المتحدة في تحديد ما الذي تريد أن تفعله بهذه القوة الهائلة والمتفردة. عندما تدهورت الأوضاع في البوسنة، لم تستطع أوروبا التدخل في فنائها الخلفي بدون أميركا، لكن القوة الأكبر لم تأخذ قرار التدخل إلا بعد أن تحولت البوسنة إلى ميدان للمجازر، وبعد توسلات فرنسية معلنة وخفية.
خلال الشهور الأولى من إدارة الرئيس بوش الابن، أظهرت واشنطن توجهات انفرادية وانسحابية على السواء، معلنة التخلي من طرف واحد عن معاهدة الصواريخ البالستية، وعزمها بذل جهود أكبر لتطوير نظام صواريخ مضادة للصواريخ، كما رفضت التوقيع على اتفاقية كيوتو البيئية، والانخراط في معاهدة المحكمة الجنائية الدولية. بمعنى أن واشنطن طرحت التفرد الأميركي باعتباره إدارة الظهر للمنظومة الدولية، وحريتها في أن تفعل ما تريد.
ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتصنع انقلاباً جديداً في الوضع الدولي. نشرت الولايات المتحدة قوتها العسكرية الباطشة، ليس فقط لإطاحة نظام طالبان في أفغانستان، ولكن أيضاً لتأسيس شبكة من القواعد العسكرية في أنحاء العالم المختلفة. بذلك وضعت أسس نظام دولي تقوده الولايات المتحدة وتسيطر على قراره بقوة السلاح. لكن الإدارة الأميركية دفعت حظوظها بعيداً عندما بدأت التحضيرات لغزو العراق، وهو ما ولد أول محاولة جدية لمعارضة التفرد الأميركي، قادتها فرنسا، وتمثلت في رفض مجلس الأمن توفير غطاء دولي للحرب.
في السنوات القليلة التالية، عززت الولايات المتحدة من مكاسبها في أوروبا ووسط آسيا، لكنها عانت من تراجعات ملموسة في مناطق أخرى من العالم. صعد الموالون لواشنطن للحكم في أوكرانيا وجورجيا وقرقيزستان، ابتعدت أذربيجان عن موسكو، وبدأت الولايات المتحدة في إقامة قواعد لها في بلغاريا ورومانيا وبولندا وتشيكيا، بينما انتشر الخبراء الأميركيون في جورجيا. لكن احتلال العراق تحول إلى كابوس من المقاومة السنية والتحالف الشيعي مع إيران. وسرعان ما انهار الوضع الأمني في أفغانستان، واندلعت حرب أهلية في باكستان. الوضع في لبنان وفلسطين لم يمضِ كما تشتهي واشنطن، وإيران استمرت في برنامجها النووي. وبينما أكدت الصين من مقدرتها الاقتصادية المتصاعدة، ساعد الارتفاع الهائل في أسعار النفط على إعادة الاستقرار في روسيا، وعلى بناء القوة العسكرية الروسية من جديد. وقد عملت إدارة الرئيس بوتن على إحكام قبضة الدولة بدون التضحية كلياً بالإطار الديمقراطي، مما وفر التفافاً شعبياً حول الحكم.
كانت الأزمة الجورجية مناسبة لإعلان بداية تحول في الوضع الدولي، الوضع الذي انصاع له كثيرون بدون كثير من الرضا والاطمئنان. توقعات اندلاع حرب باردة جديدة هي توقعات مبالغ فيها إلى حد كبير، فروسيا اليوم ليست الاتحاد السوفيتي، لا اقتصادياً وعسكرياً ولا على صعيد النفوذ العالمي. لكن العلاقات الروسية-الأميركية، كما قال معلق روسي، ستكون أكثر واقعية عما كانت عليه، بمعنى التوكيد على المصالح الروسية. ولا تتعلق الأمور بروسيا وحسب، بل بالقوة الاقتصادية الصينية، تليها دول مثل الهند والبرازيل بخطى حثيثة. الأوروبيون الكبار لن يقطعوا مع الولايات المتحدة قط، ربما ولكن دولاً مثل فرنسا وألمانيا قد تصبح أكثر إصراراً على تعزيز دورها العالمي. خلال السنوات القادمة لن يبقى تمركز القوة على ما هو عليه. ستكون الولايات المتحدة القوة الأولى لفترة قادمة غير محددة، لكن قوى أخرى ستنافسها، وتشاركها القرار. وهذا بالتأكيد ما سيطرح على دول الصف الثاني والثالث أسئلة هامة حول دورها وموقعها. أحد الخيارات هو الانقسام على أساس من خارطة القوة الجديدة، بمعنى أن تبحث دول مثل سوريا، ومصر، والسعودية، والجزائر، عن التحالف مع أحد الكبار، تصبح منطقة نفوذ له، تؤيد سياساته وتستمد منه الحماية، تفيد من انتصاراته وتتحمل بالتالي تبعات إخفاقاته. سيتبلور مثل هذا الخيار في تراجع القدرة على التحكم في القرار الوطني، كما سينعكس في مزيد من الانقسامات والتدافعات الإقليمية. الخيار الثاني هو أن تفيد الدول العربية والإسلامية من التنافس بين الدول الرئيسة، بدون أن تضع نفسها في فلك أي من هذه القوى، أي محاولة تطوير سياسة عدم انحياز جديدة. ولأن القطيعة مع إحدى دوائر العالم المهمة ستعود بالخسارة على الأمم الصغيرة والمتوسطة، فإن من الأفضل الانفتاح على كل الدوائر، ما لم يؤدِ ذلك إلى الخضوع للعدوان والمساس بالمصالح الوطنية. بل إن سياسة عدم انحياز قد تسمح للدول الصغيرة والمتوسطة بتحقيق طموحاتها بقدر أقل نسبياً من الجهد. إن كان من مصلحة الدول العربية، مثلاً تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بينها، فإن خارطة القوة العالمية الجديدة ستوفر ظروفاً مواتية أكبر مما كان متاحاً من قبل.
بيد أن سياسة عدم انحياز جديدة تتطلب التخلص من الكثير من تبعات العهود السابقة، من القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في دول عربية عديدة، إلى التحالفات الخاصة جداً مع هذه الدولة أو تلك. قد لا يمكن تحقيق فك الارتباط مع التحالفات القديمة سريعاً، لكن ذلك لن يكون مستحيلاً خلال سنوات قليلة، وبالتوازي مع متغيرات القوة العالمية. مثل هذا التوجه لا يعني بالضرورة توتير العلاقات مع الحلفاء السابقين، أو اتباع سياسة معادية لأي منهم، بل التوكيد على خيار الحياد والاستقلال.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
(المصدر: جريدة العرب (يومية - قطر) بتاريخ 29 أوت  2008)


 

نهاية الكوزموبوليتية الديمقراطية في الشرق الأوسط            

 
 

 
عماد فوزي شعيبي

ككل الظواهر السياسية في العالم الثالث، سجلت المسألة الديمقراطية نوسانا بين حدة مطلبية مثقفاتية ونوع من الحضور السياسي الدولي في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي؛ نعني المرحلة الانتقالية بين نظامين عالميين أحدهما أفل والآخر لما يتبلور بعد.

'
أسس المحافظون الجدد نظريتهم عن تعميم الديمقراطية بناء على فلسفة ليو شتراوس وآلان بلوم التي تقسم السياسة إلى فلاسفة يمتلكون الحقيقة وسادة يعطون جزءا منها والرعاع أي الشعوب التي يجب أن تخضع لما يخططه السادة
'
ومع غياب الصيرورة التي صنعت الديمقراطية في الغرب كان لافتا حجم الاختلاط المثقفاتي بين مجموعة من المفاهيم؛ نعني الديمقراطية كتبادل حزبي للسلطة وكانعكاس لموازين قوى اقتصادية سياسية، وبين الحرية كمفهوم أقصى، وبين المجتمع المدني كوسيط بين الدولة والجمهور وكوسيط بين المؤسسات التمثيلية والمطالب الشعبية.

الملاحظ أنه قد غاب عن هذه المطلبية أهم عنصر في أي مسألة سياسية وهو مفهوم 'الصيرورة'، ونعني هنا بدقة الانتقال من المطلبية إلى التاريخانية بما فيها من 'تحاقب' زمني ومادي ومفهومي وبالتالي نظري.

كان واضحا حجم هزال هذه المطلبية، عندما أرادت أن تغيّب أو تزور صيرورة بدأت مع التحول البرجوازي في الغرب، ودور الكنيسة الذي أسس مفهوم السلطة وتصفية آثار دور محاكم التفتيش وبلورة مفهوم التسامح إثر مائتي عام من الحروب الأهلية وظهور الاستقطاب العلماني إثر استقطاب ديني طائفي عين البروتستانت في مكان والكاثوليك في مكان آخر، في فرز لم تعرفه التجربة المشرقية التي أضفت التعددية في سياق آخر أخذ عنوان أهل للذمة.

أضيفت لكل هذا حروب عمت أوروبا وساهمت في تشكيل ثنائية مفهوم الحرب والسياسة الكلاوزفيتشية مرورا بحروب قومية بلورت مفهوم الدولة الأمة، وانتهى عمليا مع الحربين العالميتين واقع الإمبراطوريات المباشرة لتكون سلسلة الحروب هذه المدفوعة الثمن -لأكثر من 600 مليون ضحية عبر ثلاثة قرون- فرصة لتشكيل مفهوم الواقعية السياسية ومبدأ السياسة الوظيفي الأداتي البراغماتي.

يضاف إلى ما سبق بلورة حقوق المرأة التي لم تكف الثورة الفرنسية ومبادؤها أن تجعلها واقعا إلا بقدر واقعية دورها في سوق العمل بعد أن خرج الرجال إلى الحرب، إذ لم يكن كافيا أن يظهر مفهوم العدالة والمساواة حتى يمنع ميرابو من أن يقول لنساء الثورة: 'ماذا أفعل لكُن إذا كانت الطبيعة لم تنبت لي أثد'.

بمعنى آخر لم تتجسد المرأة كإنسان سياسي إلا بناء على دور حدده ميزان القوى، فأضيف مفهوم ميزان القوى إلى جملة المفاهيم التي أسست الديمقراطية، ولعل هذا ما يفسر أن المرأة الفرنسية لم تنل حقها في التصويت إلا في أربعينيات القرن العشرين.

وأخيرا وليس آخرا، فقد أمنت الوفرة المالية المادية الاستعمارية فرصة لبناء ديمقراطية تنتقل من الإكراه المباشر إلى الإكراه غير المباشر (الضبط)، دون أن يكون في ذلك أدنى ثمن مضاف إلى الحراك الاجتماعي.

وهذا نفسه سرعان ما يعود إلى وضعيته الخام الأولى، نعني الإكراه، وذلك في لحظة الحقيقة، أي في لحظة المواجهة مع الآخر سواء أكان حضارة أو دولة أو إرهابا، وهو ما يفسر كيف توقف فرنسا -أمّ الديمقراطيات- أي مشتبه فيه أربع سنوات وكيف تبرر بريطانيا الاعتقال حتى دون مجرد السؤال لمدة ستة أشهر.

ولكن القضية الديمقراطية ليست فقط في غياب الصيرورة والاكتفاء بمطلبية بائسة ويابسة وعدوانية أحيانا تلغي الآخر كما يلغيها وربما تزيد عليه، إنما في عدم حضور الفهم الواضح للديمقراطية المعولمة المراد تعميمها لكونها نتاجا لقرار عالمي بتوحيد اللغة السياسية بين الدول، انطلاقا من مركزية أوروبية صنعت الدولة وتريد تعميم السيطرة -أي الضبط- على العالم بتعميم منتجها الصيروري السابق الذكر، أي الديمقراطية.

ولشرح هذا لا بد أن نتذكر أن تأسيس الدول بعد الحرب العالمية الثانية كان بقرار دولي توافقت عليه الدول المنتصرة بعد تلك الحرب لتعميم الهوية التي تريدها لغة للعالم، ولم تكن حملة تصفية وتشذيب وربط المنظمات بدءا من حركات تحرر الشعوب إلى الألوية الحمراء إلى الجيش الأحمر الأيرلندي ونظيره الياباني.. إلا بمثابة ضبط أخير لما تبقى من فلول من لا يتكلم اللغة الأساس أي الدولة.

وكان لا بد من منظمة دولية تضبط اللغة نفسها وتؤطرها، فجاءت الأمم المتحدة بشقيها: الثقافي، أعني الجمعية العمومية التي تفسح المجال للقول الثقافي الماكروسياسي دون أي نتاج أو تأثير، والسياسي ممثلا في مجلس الأمن الذي كرس ميزان القوى العالمي وشدد تحت الفصلين السادس والسابع القدرة على التلويح بالعصا ومن ثم استخدامها ليكون هو السياسة أو بالأحرى الماكروسياسة.

هنا ضبطت المسألة وتحولت الشعوب إلى دول تنصاع لإرادة ماكروسياسية ينظمها الكبار.

'
المشروع الأميركي ليس محض نقل أخلاقي للديمقراطية إلى دول تفتقدها، إنه بكلمة واضحة مدخل إلى السيطرة وهو ما سوف يشرحه الفلاسفة الجدد للمحافظين القدامى وسيعمل على تنفيذه السياسيون
'
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تداعى رهط من مثقفي الولايات المتحدة الأميركية، دعوا بالمحافظين الجدد، تربى بعضهم على خلفية تروتسكية تؤمن بثورة (مطلق ثورة) مستمرة، تحولت عن الاشتراكية والليبرالية إلى الديمقراطية لعدة أسباب.

أولها تعميم النموذج الأميركي على العالم كهوية سياسية، وثانيها إعادة توزيع القوى العالمية كنوع من الغنيمة الإستراتيجية وهي ما تمنحها، عبر الديمقراطية لدول لم تحقق كل المنجز الصيروري السابق الذكر، فرصة السيطرة دون الحاجة للمرور عبر الدولة ذاتها.

أسس المحافظون الجدد نظريتهم عن تعميم الديمقراطية بناء على فلسفة ليو شتراوس وآلان بلوم التي تقسم السياسة إلى فلاسفة يمتلكون الحقيقة وسادة يعطون جزءا منها والرعاع، أي الشعوب التي يجب أن تخضع لما يخططه السادة.

فالرجال المتفوقون -أي الفلاسفة- هم الذين يقدمون للقطيع كل ما يحتاجه من معتقدات دينية وأخلاقية وغيرها، رغم أنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن هذه المعتقدات كلها أكاذيب.

وهؤلاء 'السادة' الذين يصبحون ساسة ورجال دولة، يستمرون في تلقي النصح من الفلاسفة، وحكم الفلاسفة عبر رجالهم الذين دخلوا في الحكم هو ما يسميه شتراوس 'المملكة السرية' للفلاسفة.

فالفلاسفة بحاجة لأصناف مختلفة من البشر تخدمهم منهم 'السادة' الذين يتلقون تدريبا عقائديا في التعليم 'الخارجي للجمهور' أو التعليم العام، منهم من يدرب على الإيمان بالدين والأخلاق وحب الوطن والخدمات العامة، وبعضهم يدخل في الحكومة.

إذا المشروع ليس محض نقل أخلاقي للديمقراطية إلى دول تفتقدها، إنه بكلمة واضحة مدخل إلى السيطرة، وهو ما سوف يشرحه الفلاسفة الجدد للمحافظين القدامى برنارد لويس وفؤاد عجمي، وسيعمل على تنفيذه السادة/السياسيون أمثال زلماي خليل زاد وبولتون ورمسفيلد وتشيني.. وستسبح ببركاته الأكاديمية القادمة من هارفرد والمتشيعة على خطوط التماس بين تيار التمامية المسيحية والشتراوسية، كوندوليزا رايس.

هؤلاء لا يمكن اعتبارهم روادا لليبرالية؛ فهم ضدها حتى العظم وضد التاريخانية والنسبوية، ولهذا إذا أردنا أن نفهم عقلية تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة فإن علينا أن نراهم باعتبارهم خيارا ثالثا بين الليبرالية التي أقامت موقفا متسامحا من أفكار الآخرين، وهو غير مقبول لدى من يؤمن بحقيقته المطلقة، وبالتالي إزاء الحقيقة، حيث لكل الناس حقيقته وهو غير مقبول منهم، وبين التاريخانية التي تعتبر أن القيم متغيرة بتغير التجربة والتاريخ الخاص لكل المجتمعات ولكنهم بالتأكيد ضد النسبوية لأنهم لا يريدون إلا أن تكون الحقيقة مطلقة.

فهم يريدون أن يكون العالم كله ديمقراطيا في كل المؤسسات والنظم السياسية لتسهيل ضبط وحكم العالم معا، لكنهم لا يريدون أية ليبرالية نسبوية في القيم الاجتماعية، حيث إن الهدف هو ضبط المجتمعات أو المجموعات البشرية في المآل الأخير عبر منظومة من القيم الدينية التي يعززها (علمانيون!) لاعتبارات براغماتية محضة يمارسونها عندما تكون المسألة مرتبطة بمشروعهم، رغم رفضهم لكل قيم الحداثة بدءا من الميكيافيلية إلى البراغماتية إلى الأداتية فالوظيفية.

ينطلق المحافظون الجدد من فكرة شتراوس التي تتركز على العنصر الأول المتمثل في رؤيته بأن الديمقراطية يجب أن تكون قوية بصورة كافية حتى تستطيع أن تقف في وجه 'الطغيان' الذي يشكل الخطر الأمثل على البشرية.

هذا التوصيف الأخلاقي لا يكتفي بالبقاء أمام الجرعة الأيديولوجية الأخلاقوية التي ستدغدغ الرعاع من الشعوب بمن فيهم المثقفون المطلبيون، لأنه سينتقل عمليا إلى نموذج آخر هو تنميط العالم تمهيدا لإحكام السيطرة عليه.

وهو ما سيقدمه برنارد لويس وفؤاد عجمي في نظريتهما عن ضرورة إنهاء القومية العربية وإحكام السيطرة على الشعوب في المنطقة وبالأخص في الشرق الأوسط عبر إنهاء الأنظمة المركزية التي وحدت ما لا يوحد وهو: الطوائف والعشائر والقبائل والأديان.. وكل التظاهرات ما قبل القومية.

'
عبر تدمير الأنظمة المركزية بشعارات أخلاقية كإزالة الطغاة يمكن العودة بمنطقة الشرق الأوسط إلى وضعها الأساسي أي إلى التشظي الما قبل القومي، الديني والطائفي والعشائري والقبائلي
'
وبالتالي وعبر تدمير هذه الأنظمة بشعارات أخلاقوية كإزالة الطغاة يمكن العودة بها إلى وضعها الأساس أي إلى التشظي الما قبل القومي: الديني والطائفي والعشائري والقبائلي أو المناطقي والحاراتي.. أي إلى العماه (Chaos) الذي ليس هو الفوضى كما يترجم خطأ.

فهم يرون هذه المنطقة كعماه غير قابل للتنظيم، ويعتبرونها ساحة عمليات للانتقال إلى النظام العالمي الذي يرونه أحادي القطب، يعكس ميزان القوى النوعي الذي تأسس بعد انتصار الولايات المتحدة الأميركية على الاتحاد السوفياتي منفردة!

وهذه هي طريقة الأميركيين في ضرب المناطق الضعيفة والغنية لإرهاب الكبار من ناحية، والإمساك بصنبور وشريان حياتهم؛ نعني النفط، ودفعهم إلى حافة المأزق برفع سعره إلى الحد الذي أفلت منهم وأغرق العالم في تجويع وإفقار متتال لا يتوقف.

يرى شتراوس أنه لا يجوز للسياسة أن تحرم استصدار أحكام بالقيم الخيرة، وأن من واجب الأنظمة الخيرة أن تدافع عن نفسها في مواجهة الأنظمة الفاسدة.

فالطغيان والتوتاليتارية كلاهما عند شتراوس نتاج لنمو ترافق مع رفض القيم الأخلاقية والفضيلة.

وهذا نتاج -كما أسلفنا- للتاريخية الفلسفية عند ماركس وهيغل التي أنتجت رفضا لأي قيمة عليا، ولليبرالية النسبوية التي اعتبرت أن كل المواقف الأخلاقية نسبية في المآل الأخير، مما أفقد المجتمعات الصناعية والمعصرنة في كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة أهمية الاعتراف بمرجعية عليا أخلاقية تكون مقياسا للخير دون الشر.

هذا هو البعد الأيديولوجي المفرط بتداول نظرية 'القوة لأجل' أو 'القوة لغاية'، وهي التي على أساسها يتم نقد الأمم المتحدة ومجلس الأمن لعدم قدرتهما على ردع الخطر الاحتمالي، وهو ما أسس لفكرة الحرب الاستباقية، تماما كما فعلت عصبة الأمم المتحدة مع ألمانيا عندما اعتمدت المسايرة والاحتواء والحوار مع نظام قمعي نازي خطير على الديمقراطية.

وهذا ما نظر له ريتشارد بيرل (أمير الظلام) كثيرا قبل الحرب على العراق التي حولت النظام الطاغية -حسبما روجوا- إلى عماه خلاق.

كالعادة، تصنع سياسات بعض الدول الصغيرة بالتماهي مع المتسلط الذي استلم زمام أمور العالم إثر تغير ميزان القوى؛ فإذا كانت الهوية العالمية الموحدة بالإكراه العالمي قد أسست لنظام عالمي الدولة رائزه ومرجعه؛ فأسست كاريكاتيرات دول دون سياقها الحداثي الذي أنتجها في الغرب، فإن هذه الهوية العالمية المتجددة اليوم في نظام عالمي تحاول إنتاج الهوية الملحقة الجديدة الديمقراطية.

ومرة أخرى تحاول ذلك بكاريكاتير يتراوح بين العماه الخلاق الذي لا يكترث -باسم الديمقراطية- بأرواح البشر، وبين ديمقراطية ترتكس بدولها إلى المرجعيات الطائفية والقبلية.. وما قبل القومية وتحقق التشظي الذي سيجعل المرجعية لهؤلاء للولايات المتحدة وليست لأوطانهم، كما يؤكد على ذلك الثنائي لويس وعجمي دون أي وازع، معتبرين لبنان الأنموذج الأرفع لديمقراطية كزموبوليتية مرتبطة بالخارج.

عالم بأكمله يراد أن يتغير ويتخذ منطقة الشرق الأوسط ساحة عملياته واستعراضه، والديمقراطية شعاره الأخلاقي البراق الذي يستهوي المثقفين السذج.. والرعاع (الشعوب)، كما يقول برنارد لويس دون أن يرف له جفن ودون أن يتنبه له بعض عتاة مثقفي الديمقراطية في بلدان المطلبيات، بل ويتواطؤون معه أحيانا.

(*) كاتب سوري

(المصدر: ركن 'وجهات نظر' بموقع الجزيرة.نت (الدوحة – قطر) بتاريخ 7 أوت 2008)

اعتبارا من الآن.. الرئيس الليبي أصبح "ملك ملوك إفريقيا معمر القذافي"
 
 
سي أن أن :بنغازي، ليبيا: توّج ملوك وسلاطين وأمراء وشيوخ وعُمد إفريقيا الرئيس الليبي معمر القذافي ملكاً لهم وبايعوه بإعتباره "ملك ملوك إفريقيا." وطالب ملوك وسلاطين وأمراء وشيوخ وعُمد إفريقيا أن يسمى الرئيس الليبي اعتباراً من الأمس "ملك ملوك إفريقيا معمر القذافي." وأعلنوا في بيان أصدروه، في ختام ملتقاهم بمدينة بنغازي الليبية، تشكيل أمانة دائمة للملتقى الذي سينعقد سنوياً في اليوم التاسع من الشهر التاسع من كل عام.
وقرروا ضرورة تشكيل الحكومة الاتحادية الإفريقية في القمة القادمة للاتحاد الإفريقي وضرورة إصدار العملة الإفريقية الواحدة وجواز السفر الموحد للمواطن الإفريقي، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الليبية. وجاء في البيان "نحن ملوك وسلاطين وأمراء وشيوخ عُمد إفريقيا المجتمعين في مدينة بنغازي بالجماهيرية العظمى في 28 أغسطس/آب 2008 .. ولأول مرة في حدث غير مسبوق.. نحيي ونثمّن عالياً الدور التاريخي للأخ القائد "معمر القذافي" من أجل تحقيق حرية وعزة إفريقيا وبناء وحدتها.
وأضاف البيان قائلاً: "ونقدر ونعترف بمساهمته الفعالة في تحرير إفريقيا من الاستعمار بدعم حركات التحرر الإفريقية تدريباً وتمويلاً وتسليحاً، والقضاء على نظام الفصل العنصري في جنوبها وبدوره الرائد والأساسي في تأسيس وبناء الاتحاد الإفريقي العظيم والإعلان عن تأسيسه في 9/9/1999 في مدينة الرباط الأمامي سرت."
وأعربوا في بيانهم عن استعدادهم "لتحمل أعبائها والقيام بمسؤولياتنا بتحريك جماهير ممالكنا وسلطناتنا وقبائلنا من أجلها تحت قيادة القائد معمر القذافي الحكيمة إيماناً منا بالقائد الذي أسس الاتحاد الإفريقي العظيم وأسس فضاء 'س. ص' قاعدة الهرم الإفريقي، حجر الأساس للإتحاد الإفريقي، والذي قطع آلاف الأميال برا عبر الصحراء وأدغال القارة في مرات عديدة ليقف بنفسه على أوضاع جماهيرنا في مختلف المناطق ويعيش معاناتها، مؤكداً انحيازه الكامل لها وحرصه الشديد على إنقاذها من براثن الجهل والفقر والمرض والتخلف."
وتطرق البيان الذي نقلته وكالة "أوج" إلى مقررات ملوك وسلاطين وأمراء وشيوخ وعُمد إفريقيا، التي جاءت على النحو التالي:
أولاً: مبايعة الأخ القائد معمر القذافي ملكاً لملوك وسلاطين وأمراء وشيوخ وعُمد إفريقيا، ويسمى اعتباراً من هذا التاريخ "ملك ملوك إفريقيا معمر القذافي."
ثانياً: تأسيس ملتقى الملوك والسلاطين والأمراء والشيوخ وعُمد إفريقيا ليكون إطاراً اجتماعيا ينظم العلاقة فيما بيننا، ويعتبر القائد القذافي رئيساً له، وينعقد مرة سنويا على الأقل وأن يكون موعد انعقاده في اليوم التاسع من الشهر التاسع من كل عام.
ثالثاً: تشكيل أمانة دائمة للملتقى تكون مدينة سرت مقراً دائماً لها.
رابعاً: نقرر ضرورة تشكيل حكومة الاتحاد الإفريقي في قمة الاتحاد بأديس أبابا عام 2009 على أن تضم هذه الحكومة وزراء للخارجية وللدفاع وللتجارة الخارجية وللنقل والمواصلات كأساس لوحدة إفريقيا.
خامساً: التأكيد على إنفاذ ميثاق الاتحاد الإفريقي لعدم الاعتداء والدفاع المشترك.
سادساً: نقرر ضرورة إصدار العملة الإفريقية الواحدة.
سابعاً: إتاحة حرية التنقل والحركة للمواطن الإفريقي في مختلف مناطق القارة وذلك بالإسراع في إصدار جواز السفر الموحد للمواطن الإفريقي.
 
(المصدر: موقع إيلاف الإخباري بتاريخ 29 أوت  2008)

بيان صادر عن الرابطة الليبية لحقوق الإنسان:
ليبيا: فقدان الحياة تحت التعذيب... ملف تصفية الشيخ البشتى والسيد الثلثى

 
1.تابعت الرابطة الليبية لحقوق الإنسان، بأسف واندهاش، مسلسل قدمته 'مؤسسة القذافى للأعمال الخيرية والتنمية' مؤخرا ضمن تسجيلات فديو لبعض الليبيين الذين تمت تصفيتهم جسديا وقتلوا خارج نطاق القانون اعترف فيها الضحايا/المتهمين بكل 'الجرائم' السياسية التى نسبت إليهم وحتى التى لم تنسب إليهم. ويبدو واضحا من أسئلة 'المحققين' و'الشهود' على السواء وطريقة طرحها أن ليس لهؤلاء علاقة لا بالعدالة ولا بالحقيقة وان كل المطلوب هو تدوين 'الإعتراف' كإجراء وقائى من الملاحقات التى سوف تطال عاجلا أم آجلا كل المتورطين فى تعذيب أوقتل أي ليبي خارج نطاق القانون. ويبدو من سياق المسلسل، أن القتلة على دراية جيدة بهذا القانون الطبيعى وأرادوا من خلال هذا المسلسل إظهار المغدور بهم وكأنهم متآمرين وعملاء للأجنبى من جهة وإظهار القتلة وكأنهم فى وضع الدفاع عن النفس من جهة اخرى. ولا يسع الرابطة إلا أن تشجب هذا العمل اللامسؤول وتستغرب تبني 'مؤسسة القذافى للاعمال الخيرية' - التى تدعى الدفاع عن احترام حقوق الإنسان- لهذا العمل المنافى لأبسط حقوق الإنسان باعتباره عملا موجها فى الأساس الى أهالى وأقارب المغدور بهم لتعذيبهم نفسيا وتحميلهم أكبر قدر من الإهانة والإذلال. ان هذا العمل لا يختلف فى جوهره على التمثيل بجثث الموتى المنافى لأخلاق جميع الثقافات والذى يذكرنا بجرائم القتل والشنق التى نفذتها 'اللجان الثورية' فى أروقة الجامعات والساحات العامة فى السبعينيات والثمانينيات والمهرجانات 'الثورية' للتمثيل بجثث القتلى التى كانت تتبع 'مهرجانات' القتل والإعدام التى كانت اللجان الثورية تقوم بتنظيمها بغية  الإهانة والتشفى والإنتقام.


2.      وأول سؤال يتبادر لذهن اي عاقل هو إذا كانت اعترافات 'المغدور بهم' حقيقية ولم تنتزع تحت التعذيب والإكراه ولربما التخديرأيضا، فلماذا لم يحالوا الى القضاء للبث فى جرائهم ومعاقبتهم فى ضوء مايقرره القضاة ويحدده القانون؟ لماذا اغتيلوا ولم يقدموا الى القضاء وهم الذين اعترفوا بارتكاب أكبر الجرائم وأخطرها؟  والرابطة تعتقد جازمة ان السبب الأساسى الذى حال دون تقديمهم الى محاكمة، ولومحاكمة صورية مثل كل المحاكمات السياسية التى عرفتها البلاد خلال العقود الماضية... السبب هو بالتحديد التعذيب والذى نعتقد انه كان من الوحشية بحيث ترك آثارا بدنية ونفسية جسيمة على المغدور بهم لا يمكن إخفائها. إن 'الإعترافات' التى سمعناها فى المسلسل هي 'اعترافات' خطيرة بكل المقاييس وقد كانت تؤدى الى احكام قاسية لو قدم أصحابها الى القضاء حتى لوكان هذا القضاء قضاءا عادلا ومستقلا ( والذى لم يتوفر فى ليبيا خلال العقود الأخيرة). ولا يمكن إذن تفسير قتل (التخلص) السيد الثلثى والشيخ البشتى، خارج نطاق القانون وعدم تقديمهما الى المحاكمة على 'الجرائم' موضوع الإعتراف، إلا بقصد إخفاء حجم ونوع التعذيب الذى مارسته اللجان الثورية لنزع تلك الإعترافات والآثار البدنية والنفسية الخطيرة التى تسبب فيها ذلك التعذيب اللاإنسانى والذى لم يكن بالإمكان إخفائه وقد يتسبب فى ملاحقات، فيما لو اكتشف أثره من طرف القضاء، ضد من قاموا به فى حالة لو قدم الشيخ البشتى والسيد الثلثى لأية محامكة مهما كانت صورية. وتجدر الإشارة بأن القانون  يحظر التعذيب بما في ذلك المعاملة اللاإنسانية والقاسية والمهينة والإساءات المهدرة للكرامة الإنسانية والإكراه البدني أو المعنوي وغيره من أشكال المعاملة السيئة في جميع الأوقات، ولا يجيز استعمال اعترافات أخذت تحت وطاة التعذيب كادلة أو حجة فى أي قضية.  ويعتبر حظرالتعذيب مطلقا وليس هناك استثناء فى هذا الحظر المنصوص عليه فى جميع النصوص والإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. ويمكن الرجوع الى هذا الحظرالشامل والكامل الذى لا يقبل أي استثناء فى المادة 5 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والمادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاإنسانية أو المهينة والمادة 5 من الميثاق الافريقى لحقوق الإنسان والشعوب. والجدير بالملاحظة ان ليبيا تتمتع بعضوية كل هذه الإتفاقيات الدولية.

3.      يعد الحصول على المعلومات الهدف الرئيسى للتعذيب وكثيرا مايجبر المعتقل على ذكر اشخاص او مؤسسات (السفير السعودى مثلا، حزب البعث الى آخره ...) 'مشاركة' فى 'الجريمة' بغية تجريم المعتقل وتأكيد نظرية المؤامرة التى يزيدها التعذيب رسوخا فى ذهن الجلاد. وللتعذيب أهداف أخرى متداخلة منها مثلا إقناع المعتقل بالتخلي عن أفكاره واتجاهاته السابقة وتبنىِ أفكارا واتجاهاتا جديدة مقبولة لدى السجان والهدف النهائي لذلك هو تغيير الولاء كما يحدث في عملية غسيل المخ. أما الترهيب وهو هدف آخر مهم للتعذيب فيقصد به ترهيب الناس من خلال جعل أساليب التعذيب معروفة لدى الجمهور ، ومن ثم منعهم من القيام بأي فعل لا تقبله السلطة. والبئة التى تحتضن التعذيب وتنميته هي تلك البئة التى يتحكم  فيها نظام حكم سياسى استبدادي لا يحترم حقوق الإنسان  ويجرم الرأي الآخر ولا يعطى أهمية للحق فى الحياة وماهومن مستلزماته ومتمماته، ويوفر الحماية والإطمئنان لممارسي التعذيب والجلادين من الملاحقة القضائية ويحول دون تحقيق المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص.

4.      لقد كنا نتوقع من مؤسسة تدعى الدفاع عن حقوق الإنسان بالتحقيق فى خلفيات الفديو، بدل عرضه وتوزيعه على نطاق الأنترنت، وتقديم شكوى عاجلة باسم المغدور بهم الى القضاء لمنع عرض الفديو، مؤقتا على الأقل، لحين معرفة الظروف المحيطة  بهذا الفديو المشبوه بغية إعلام المشاهد بها وتحذيره. ولا يمكن للقضاء من القيام بواجبه فى هذا الخصوص دون استدعائه  لكل المتورطين فى إعداد هذا الفديو من 'محققين ثوريين' وشهود، ربما زائفين، بغية التحقيق معهم فى الكيفية التى تم بها انتزاع هذه الإعترافات الخطيرة وأيضا الكيفية التى اغتيل بها الشيخ البشتى والسيد  الثلثى وإصدار القضاء للقرارات المناسبة لمعالجة هذه القضية بما في ذلك إصدار مذكرات اعتقال، إذا استلزم الأمر، ضد كل من يشتبه فى تورطهم فى تعذيب ثم قتل الشيخ البشتى والسيد الثلثى وربما أيضا التحفظ على شريط الفديو، بدل عرضه، كدليل قضائى لمحاكمة وإدانة المتورطين فى جريمة التعذيب والقتل.

وبناءا على ما تقدم تطالب الرابطة:

أولا:  بالسحب الفورى لشريط الفديو من على شبكة الانترنات وتقديمه الى القضاء لدراسة محتواه وإصدار حكم بشأن تداوله

ثانيا:   تكوين لجنة مستقلة للتحقيق فى ملفات التعذيب والقتل خارج نطاق القانون تأسيسا على القاعدة القانونية التى تفرض ان لا يكون الخصم حكما.

ثالثا:   الإقرار قانونا بكل الوفيات التى عرفتها المعتقلات الرسمية وغير الرسمية مثل 'المثابات الثورية'. ولا بد ان يشمل الإقرار  ضحايا معتقل بوسليم وضحايا سياسة 'التصفيات الجسدية' التى مارستها الدولة ضد الليبيين فى الداخل وفى المنافى.

رابعا: تسليم رفاة المتوفيين لذويهم حتى تدفن وفق الشروط الإنسانية والفروض الدينية التى تعارف عليها المجتمع وذلك بعد التحقق من هويتهم.



خامسا: إن تنفيذ هذه المطالب وحل ملفات التعذيب والقتل خارج نطاق القانون هو أحد الركائز الأساسية فى مسار بناء دولة الحق والقانون والتى بدونها سيستمر أمن الفرد فى ليبيا، كما ظل مدة ال39 سنة الماضية، اسيرا لمزاج ونزوات السلطة التى برهنت خلال الاربع عقود الماضية على انها لا تعير احترام حقوق الإنسان أي اهتمام.

28 اغسطس 2008


سياسي جزائري: صراع الأجنحة الأمنية جزء من سيناريو لترهيب الناس
 
لندن - خدمة قدس برس

حذر ناشط سياسي جزائري معارض من أن تزايد الخشية من انتفاضة شعبية عارمة لتصحيح الأوضاع السياسية والأمنية بما يحافظ على سيادة ووحدة الجزائر، صعد من الصراع بين جناحين في الحكم أحدهما يتزعمه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والآخر يمسك بتلابيبه رجال الاستخبارات العامة.

وكشف الديبلوماسي السابق والناشط السياسي الحالي في حركة 'رشاد' المعارضة في الجزائر محمد العربي زيتوت النقاب في تصريحات خاصة لـ 'قدس برس' عن أن صراعا محتدما بين جناحين نافذين في الحكم الجزائري يتفاعل باتجاه التصادم وإدخال البلاد في حالة من الرعب الذي يحول دون استمرار الاحتجاج الشعبي باتجاه المطالبة بالتغيير.

وأشار إلى أن استمرار عمليات العنف التي يقوم ببعضها عناصر محسوبة على الجماعات الإسلامية في حين ينفذ أغلبها عناصر تنتمي لكتائب الموت التي تعمل بالتنسيق المباشر مع أجهزة الاستخبارات بعيدا عن أعين وزير الداخلية يزيد زرهوني، الذي يقف إلى جانب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في العمل على كبح جماح نشاط الجماعات المسلحة ومقاومة العنف المستشري، بينما تعمل جهات نافذة في الاستخبارات على إعادة الحياة للميليشيات الأمنية التي كانت سائدة في تسعينات القرن الماضي والتي تصنفها إما تحت اسم 'الباتريوت' أو جماعات الدفاع الذاتي، أو الحرس البلدي الذي يبلغ عدد تعداد عناصره 200 ألف رجل أمن تمت تسميته مؤخرا كشرطة جوارية، أما الباتريوت وجماعات الدفاع الذاتي التي هي عبارة عن ميليشيات قديمة كان قد سحب منها السلاح وقطعت رواتبها فهنالك جهود لإعادة تأهيلها من خلال بث مظاهر الرعب وتسهيل عمليات كتائب الموت التي نفذت مجموعة من العمليات الانتحارية مؤخرا، على حد تعبيره.

وأوضح زيتوت أن العمليات الانتحارية التي جرت مؤخرا في عدد من المناطق الحساسة بالجزائر كانت ضربات مؤلمة للنظام من ناحية، لكنها كانت تخدم مصلحة جهة الاستخبارات التي تريد إجهاض سياسات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والوقوف ضد محاولات وزير الداخلية الحالي يزيد زرهوني الذي يعتبر أحد رجالات وزارة التسلح والتنسيق العام التي تشكلت عام 1956 وكان الرئيس الراحل هواري بومدين قد حلها فيما بعد بعد أن أقال مؤسسها بوصوف، وأسس بدلا عنها مؤسسة الأمن العسكري الذي كان يزيد زرهوني أحد أبرز قادته، حيث يعمل زرهوني على إعادة المكانة لهذه المؤسسة التي تسمى 'المالق'، وهم من الذين يعتمد عليهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لإيقاف العنف، بينما الجنرالات لا يريدون ذلك، والصراع بين هذين التيارين النافذين داخل الأجهزة الأمنية هو ما أفرز استمرار العنف الذي يتوقع له أن يستمربوتيرة متصاعدة، كما قال.

وحذر زيتوت من أن الدعوة لإعادة الحياة للميليشيات القديمة من الباتريوت وجماعات الدفاع الذاتي هي عمليا دعوة لبعث العنف من جديد على مدى واسع، لأن الجزائر تتجه إلى انتفاضة الشارع العظمى، والحل الوحيد لمواجهة هذه المخاوف هو خلق بؤر توتر أمني في عدة مناطق بحيث يفضل الناس معها بالعودة إلى تسعينات القرن الماضي على أن يواجهوا ويلات القتل الأعمى، وهذا يمهد لمجازر ههنا وهناك غايتها ترهيب الناس، كما قال.

(المصدر: وكالة قدس برس انترناشيونال (بريطانيا) بتاريخ 29 أوت 2008)

 
بعد أكثر من عقدين على تواجدها
المغرب: «جماعة العدل والإحسان» تعلن عن مشروعها السياسي

الرباط - العرب                                                           
بعد حوالي عقدين على تأسيسها من طرف الشيخ عبدالسلام ياسين أعلنت جماعة العدل والإحسان (جماعة إسلامية شبه محظورة في المغرب) لأول مرة في تاريخها عن برنامج سياسي واضح حدد موقفها في عدد من المسائل التي ظل موقف الجماعة منها غامضا.
وفي سياق ذلك، أكد مصدر مسؤول من جماعة العدل والإحسان لـ «العرب» أن «البرنامج السياسي المطروح يأتي في إطار خطة إعلامية جديدة تبنتها الجماعة من أجل مواكبة المستجدات التي تعرفها البلاد، وكذلك لمواجهة حملة التشويه وسياسة التعتيم وأساليب الحصار المنتهجة ضد الجماعة بهدف قطع الطريق على كل من يتحدث باسم الجماعة دون معرفة بمشروعها السياسي والدعوي».
إلى ذلك، حدد الفصل الثالث من الوثيقة السياسية الجديدة التي حصلت «العرب» على نسخة منها هوية جماعة العدل والإحسان بأنها «حركة مجتمعية مهمتها الدعوة إلى الله عز وجل». وأضافت الوثيقة أن «السياسة بعض شأننا، نحرص أثناء مزاولتها على التوازن بين اهتمامنا بالشأن العام للأمة والشأن الخاص للإنسان، لاقتناعنا أن لا فائدة ترجى من إدارة الشأن العام والإنسان خرب قلبه بالآثام، ومحشو عقله بالمشوشات الحاجبة عن معرفة الله عز وجل، ومكبلة إرادته بإكراهات الواقع وضغوطاته. الهم السياسي جزء لا يتجزأ من فكرنا وعملنا».
وأكدت الوثيقة أن شعار «العدل والإحسان» «يختزل برنامج وأهداف الجماعة، فلا ترضى الجماعة بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المؤمنين والمؤمنات دون الإحسان، ولا تفصل واحدة عن أخرى».
وبخصوص الخط السياسي، أكدت الوثيقة أن العدل والإحسان لا تعارض من أجل المعارضة، ولا تحصر معارضتها على مستوى تدبير المعاش، مضيفة أنه «نعصي الحكام لأنهم خرجوا عن الإسلام وخربوا الدين وارتضوا أنصاف الحلول وباعوا الأمة لأعدائها. لا ندعو إلى عنف أبداً لاقتناعنا أن ما بني على عنف لا يجنى منه خير، ولأننا أمرنا بالرفق والرحمة وحقن الدماء في زمن الفتنة، ولأن الذين يعوزهم الإقناع بالحجة والدليل هم الذين يلجؤون إلى أساليب الإرهاب والعنف. سياستنا رفق ورحمة بالخلق والمخلوقات».
وحول النظام السياسي المنشود أوضحت الوثيقة السياسية «أن الجماعة تدعو إلى إقامة نظام سياسي على قاعدة الإسلام، تشكل الشورى والعدل ركيزتيه، والإحسان روحه، والمشاركة العامة والتعددية السياسية وسلطة المؤسسات وسيادة القانون الضامن لاستمراره وحيويته، والحوار والاحتكام إلى الشعب وسيلة ترجيح الخيارات فيه». موضحة «أن العدل والإحسان ليس لها مع الديمقراطية نزاع إن نحن عرفنا حقيقة ظواهرها وبواطنها، ليس لنا معها نزاع فيما أنتجته من دروس في تنظيم الخلاف وترتيب تعددية الآراء في نظام تعددية الأحزاب، وفيما تقره من حق للمعارضة أن تكون ضدا أو رقيبا أو ناقدا أو بديلا، وفيما تقترحه من حرية للشعب في اختيار حكامه وإقالتهم، وفيما تخطه من ضوابط لحسن سير البلاد مثل فصل السلطات واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير وسيادة القانون والتداول على السلطة. الديمقراطية في بعض أهدافها شطر مما نسعى إلى تحقيقه، وطلبتنا التي لا بديل عنها إلا الاستبداد».
وأخذت الوثيقة السياسية للجماعة على الديمقراطية «أنها لا تقترح على الإنسان مخرجا من الكفر وهو الظلم الأكبر، إضافة إلى لازمتها وضجيعتها اللاييكية التي تستبعد كل ضابط أخلاقي فإذا بالحرية تتجاوز كل الحدود وتتوق إلى كل ممتنع، ونحن قمة حريتنا أن نكون عبيدا لله».
كما أخذت عليها «أنها فلسفة ضد الإسلام وآلية مقطوعة عن الله، والشورى عبادة وليست شكلا تواضع عليه الناس، والتحلي بها استجابة لأمر إلهي، وصفة إيمانية تتوج صفات أخرى». وأضافت الوثيقة السياسية «أن العدل والإحسان تنظر بعين إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبعين أخرى إلى كتاب العالم، وتنفتح على التجارب الإنسانية تستنطق ما أودع الله فيها من أسرار، وتتعظ من دروسها وعبرها. الحكمة ضالتنا أنى وجدناها فهي مطلبنا والإسلام لا يمنع الاستفادة من تجارب الأمم».
وأشارت الوثيقة أن نظام التعددية السياسية «مزية نعترف بفضلها، ولا ينازع في صوابها عاقل، ولا ينكرها إلا تواق للاستبداد. وهي باب للتنافس الشريف في الخير خدمة لمنافع عامة يعمل لها الجميع إذا ما حكمها ضابط الوضوح والمسؤولية والجدية»، وطالبت بـ «تعددية مسؤولة متعاقبة على الحكم، تعددية معبئة للجهود في قنوات منتظمة بدل الفوضى والعنف. تعددية تتراضى على الحلول المثلى وتؤطر الشعب وتنير له الطريق».
أما بخصوص التداول على السلطة فترى الوثيقة أنه «حكمة بشرية تعصم المجتمع من الاستبداد، وتمنحه مناعة ضد التسلط الأبدي، وتمكنه من التطور وجودة تدبير الشأن العام».
وتوضح الوثيقة أن مبدأ سيادة الشعب «مزية مهمة يؤكد جدواها والحاجة إليها ما يعيشه المسلمون من استبداد وفتنة وسيطرة القائد الملهم الذي لا راد لقوله ولا معقب لحكمه، لا يُري الناس إلا ما يرى».
أما فصل السلطات وسيادة القانون فتوضح أنه «حكمة بشرية، وميزان توزن به الدول في مجال الترقي الإنساني، وعاصم من نموذج دولة تسير بهوى الحكام ومصالح صنائعهم، وتؤسس لدولة يعرف فيها كل فرد ومؤسسة حقه وواجباته، وأسلوب حضاري لتفادي الفوضى والعشوائية».
وأكدت الوثيقة أن الحريات العامة «هي نقطة لقاء بين الجماعة وبين الداعين إليها ينتقل بها الناس من رعية مسلوبة الإرادة وذهنية رعوية إلى مواطنين لهم كرامتهم وإرادتهم يستخدمونها للحفاظ على كيان مجتمعهم وحماية مصالحهم وهويتهم».

(المصدر: صحيفة 'العرب' (يومية – قطر) الصادرة يوم 28 أوت 2008)


 فرنسا وأمريكا تهددان بفرض عقوبات على المجلس العسكري في موريتانيا

 
باريس (رويترز) - قالت فرنسا والولايات المتحدة يوم الخميس انهما مستعدتان لفرض عقوبات على اعضاء المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا بعد تقاعسه عن اطلاق سراح الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.

وعلق البلدان بالفعل بعض المساعدات غير الانسانية لموريتانيا بعد الانقلاب العسكري الذي وقع في وقت سابق من الشهر الحالي والذي أطاح بعبد الله.

وقال بيان صدر عن مكتب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي 'تلاحظ فرنسا أن الرئيس عبد الله لم يطلق سراحه وانه لم يتم استعادة النظام الدستوري الناجم عن انتخابات مارس 2007.

'في ضوء هذه الملابسات فرنسا مستعدة لاتخاذ اجراءات عقابية منفردة ضد الزعماء الرئيسيين للمجلس العسكري الحاكم.'

واعتقل جنود عبد الله اثناء الانقلاب ورئيس الوزراء يحيي ولد أحمد الواقف ووزير الداخلية محمد ولد رزيزيم.

وأطلق سراح الواقف وولد رزيزيم غير أنه جرى اعتقال الواقف مجددا الاسبوع الماضي بعدما تزعم الآلاف في احتجاج بالشوارع ضد الانقلاب ويخضع حاليا للاقامة الجبرية. ولا يزال عبد الله محتجزا.

وكان عبد الله قد اصبح أول رئيس لموريتانيا ينتخب في انتخابات حرة بعد فوزه في انتخابات جرت العام الماضي عقب انقلاب عسكري سابق في 2005 حرض عليه ايضا محمد ولد عبد العزيز رئيس المجلس العسكري الحاكم.

وهدد سفير واشنطن لدى موريتانيا بفرض عقوبات ضد أعضاء المجلس العسكري الحاكم وقال ان هناك اتصالات منتظمة بين الحكومات الاجنبية والامم المتحدة بشأن الوضع في موريتانيا.

وقال السفير مارك بولوير للصحفيين في العاصمة نواكشوط 'ندرس في الوقت الحالي عقوبات شخصية ضد الافراد العسكريين والمدنيين الذين يقفون عقبة في طريق عودة النظام الدستوري.'

وأضاف أنه لم يتخذ بعد قرار لكن العقوبات ربما تشمل قيودا على السفر والاصول المالية في الخارج.

وقال ان مثل هذه الاجراءات من المرجح ان تطبق على الاعضاء الاثنى عشر لمجلس الدولة الاعلى العسكري وربما على أشخاص اخرين أيضا.

واضاف بولوير قائلا 'لم نصل الى مثل هذا المستوى من التفاصيل.. ولا نرغب في الوصول اليه. لا نرغب في تطبيق عقوبة واحدة ضد موريتانيا.. لكن ربما نضطر لذلك.'

وأصبحت موريتانيا حليفا للولايات المتحدة في حملتها ضد متشددي تنظيم القاعدة في منطقة الصحراء الافريقية وتتزايد أهميتها الاقتصادية فيما تسعى شركات أجنبية لتعزيز انتاجها من الحديد الخام والنفط.

(المصدر: وكالة رويترز للأنباء بتاريخ 28 أوت 2008)

 
   قائد الجيش التركي يحذر من تصاعد التدين            

 
حذر القائد الجديد للجيش التركي الجنرال إيلكر باشبوغ من تصاعد 'نمط الحياة المتدين'، وقال إن الجيش سيتعامل بجدية مع أي محاولة تهدف إلى تقويض المبادئ العلمانية لتركيا.

وقال باشبوغ، الذي يقود جيشا سبق له الإطاحة بأربع حكومات في الخمسين عاما الماضية، إن قطاعا من المجتمع التركي يعتبر أن الدين يحصل على وزن كبير في هوية ثقافية جديدة ناشئة وهو ما يثير القلق.

كما أكد باشبوغ أن الدور الدستوري للجيش هو 'الحماية والمحافظة على الفلسفة التأسيسية' لكمال أتاتورك، الذي محا الدين من الحياة العامة وأدخل إصلاحات على النهج الغربي.

وجاءت تصريحات باشبوغ في خطاب ألقاه الخميس أمام جمهور كان بينه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وهو ما مثل رسالة إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم ذي الجذور الإسلامية تبرز التوترات بين العلمانيين والحكومة.

طبيعة حذرة

لكن محللين يرون مع ذلك أن التوترات بين الحكومة والجيش يتوقع أن تقل حدتها في ظل قيادة الجنرال الجديد المعروف بطبيعته الحذرة، على عكس سلفه الذي طالما اصطدم مع حزب العدالة والتنمية الذي يستمد التأييد من طبقة متوسطة صاعدة ومتدينة.

يذكر أن العلمانيين المتشددين بمن فيهم العسكريون والقضاة يتهمون حزب العدالة والتنمية بتبني قائمة أولويات إسلامية مستترة عبر تخفيف القيود على الدين مثل محاولته التي باءت بالفشل لتخفيف حظر على ارتداء الطالبات الحجاب في الجامعات.

في المقابل ينفي أردوغان ذلك ويشير إلى إصلاحاته الليبرالية أثناء وجوده في السلطة، علما بأن المحكمة الدستورية قضت الشهر الماضي بعدم إغلاق حزب العدالة والتنمية لكنها فرضت عليه غرامة لقيامه بأنشطة مناهضة للعلمانية.

(المصدر: وكالة رويترز للأنباء بتاريخ 29 أوت 2008)

 
 اشبوغ:المثقف والواقع
 
 
 
 
د. محمد نورالدين (*)

توقفت معظم الوكالات العالمية أمام ما أدلى به مصدر عسكري تركي إلى صحيفة صاندي تايمز البريطانية من أن رئيس الأركان التركي الجديد ايلكير باشبوغ سيكون خلافا لسلفه أكثر صلابة في حماية العلمانية والتصدي لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان في حال قرر الأخير المضي أبعد في القضايا الدينية.

وباستثناء رئيس الأركان السابق حلمي اوزكوك لم يمر على رئاسة الأركان التركية قائد فرّط بتقاليد المؤسسة العسكرية منذ انقلابها الأول عام 1960 وحتى اليوم. وبقيت هذه المؤسسة حامية العلمانية متسلحة بنصوص قانونية لا سيما المادة 35 من النظام الداخلي للجيش.

مع ذلك فإن هذا المناخ قد لا يعكس تحوّلات عبّرت عن نفسها في أكثر من محطة.

الأولى عدم إغلاق المحكمة الدستورية لحزب العدالة والتنمية ليس لأنها لم تجد سببا كافيا لإغلاقه بل لأن التوازنات الداخلية والخارجية بدأت تفرض نفسها في تركيا ولأن اي تفكير بتنفيذ انقلابات مباشرة أو عبر المحكمة الدستورية سيكون ثمنه باهظا على استقرار البلاد والأهم على وحدتها التي لا يعود معنى حينها لوجود المؤسسة العسكرية على رأس السلطة السياسية.

ثانيا لم تعد المؤسسة العسكرية تلك القوة المحاطة بهالة من 'القداسة' التي كانت عليها قبل سنوات. ففضائح الفساد شوهت صورتها، لكن التشويه الأعمق طالها بعد انكشاف أمر منظمة ارغينيكون الإرهابية والتي كان على رأسها اثنان من أكبر الجنرالات في تركيا,واللذان تقاعدا قبل سنوات قليلة.

المؤشر الثالث هو أن اجتماع الشورى العسكرية الذي استمر أربعة أيام لم يطرد من صفوف الجيش اي ضابط بحجة الرجعية(اي ميوله الإسلامية) أو السلوك الشخصي وذلك للمرة الأولى منذ العام 1992 . وفي ذلك ،كما تقول صحيفة راديكال، رغبة لدى الجيش بالابتعاد عن الاهتمام الإعلامي والتفرغ لإعادة ترتيب بنيته الداخلية التي اهتزت بعد أحداث ارغينيكون. ولو كان الجيش اخرج ضباطا في دورته الأخيرة لكان ذلك اليوم حديث ونقاش وسجال الرأي العام.

وربما كل هذا وضع الجيش أمام مرحلة جديدة من التعايش وربما الانسجام مع حكومة اردوغان قائمة على تفهم الآخر وعدم التحدي. فلا القضاء ادخل جنرالي ارغينيكون المتقاعدين في قائمة المتهمين حتى الآن ولا الشورى العسكرية أخرجت أحدا بتهمة الميول الرجعية.

ومع أن ايلكير باشبوغ عسكري ناجح قاد عمليات ضد حزب العمال الكردستاني وكان الرأس المدبر والمخطط لعملية فولاذ الكبيرة داخل العراق في العام 1995 حيث توغل 35 ألف جندي لعشرات الكيلومترات داخل العراق،غير انه للمرة الأولى تُسبغ على رئيس أركان صفات لا تمت بصلة إلى الصفات التي تلصق عادة بهذا 'النوع' من الشخصيات. الجنرال المتقاعد نجات ايسلين يصف باشبوغ بـ'الجنرال الدبلوماسي' فيما يرى الجنرال المتقاعد الآخر ارول كيريشلي اوغلو أن باشبوغ لو لم يكن ضابطا لكان باحثا رفيع المستوى.

وكان باشبوغ يتميز بخطبه ذات النفحة الفلسفية حيث كان قارئا لكبار الفلاسفة وعلماء الاجتماع مثل اميل دوركهايم وجان جاك روسو وايمانويل كانت ومونتسكيو وضياء غوك ألب وجورج رينان. كما يهوى سماع الموسيقى السيمفونية ؛ لا سيما الغربية منها.

حتى في مقاربته للمسألة الأخطر على تركيا كان باشبوغ يقارب ذلك بطريقة اجتماعية واقتصادية وعلمية وليس فقط بعين عسكرية.

وباشبوغ ملمّ جيد بالتطورات على الساحة الدولية وبالتالي فإنه قارئ للتحولات المحيطة بتركيا التي كان اردوغان حتى الآن أفضل من قرأها وبنى عليها سياساته الخارجية الناجحة.

ربما 'تهذّب' هذه الاهتمامات والانشغالات والمعارف وسعة الاضطلاع لرئيس الأركان الجديد من الجموح الأحادي العسكري لمن هم عادة في هذا السلك. وقد يكون ذلك مدخلا لانسجام مع حكومة حزب العدالة والتنمية ,لا سيما لجهة عدم عرقلة الإصلاح على الطريقة الأوروبية في الداخل. ولما لا ،فقد يكون أيضا للانتماء الرياضي المشترك لاردوغان وباشبوغ دور في العمل بانسجام. فكلاهما من مشجعي فريق فنار باهتشه بكرة القدم.

(*) خبير لبناني في الشؤون التركية

(المصدر: صحيفة 'الشرق' (يومية – قطر) الصادرة يوم 10 أوت 2008)

 

Home - Accueil - الرئيسي

قراءة 808 مرات