الجمعة, 31 كانون1/ديسمبر 2004 06:00

العدد 1686 بتاريخ 31 ديسمبر 2004

 

  5 ème année, N° 1686 du 31.12.2004
 archives : www.tunisnews.net
 
المؤتمر من أجل الجمهورية: تهاني  سنة 2005
قدس برس: تونس - أكثر من 3 ملايين عازب وعانس من 10 ملايين من السكان
الجزيرة: المغرب يسن قانونا لمعاقبة مرتكبي التعذيب
التجديد المغربية: بعد الضجة التي أحدثتها تقارير منظمات حقوقية دولية..أخيرا مشروع قـانون لتجريم التعـذيب بالمغرب
الهادي بريك:  مائة مصباح من مشكاة النبـوة - الحلقة الواحدة والثلاثون
نهضة.نت: تقديم كتاب "جامع الزيتونةالمعلم ورجاله" لمحمّد العزيز ابن عاشور
محمد الحمروني: الرئيس بوش والسير بأعين معصوبة
القدس العربي: الوحي لم يعد مصدرا للحقيقة وما استقر لم يعد بالإمكان مقنعا!
توفيق المديني: وجه الرأسمالية الجديد - الإمبراطورية الأمريكية والحرب من أجل النفط - أمريكا في مواجهة إعادة إعمار العراق
AFP: Les groupes d'hypermarchés français s'imposent aux consommateurs tunisiens
Le Monde: La France, l'Italie et l'Espagne misent sur le développement de partenariats avec la Turquie et les pays du Maghreb
Yahyaoui Mokhtar: « Une Solution à La Géorgienne », Appel de Moncef Marzouki au débat national

Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe ( Windows )

To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic (Windows).

L’équipe de TUNISNEWS souhaite à tous ses lecteurs et amis une très bonne année 2005 et leur présente ses meilleurs vœux de bonne santé, de bonheur et de réussite pour la nouvelle année

 
المؤتمر من أجل الجمهورية
السيادة للشعب، الشرعية للدولة  الكرامة للمواطن
33 نهج باب بنات – تونس

_________________
 
1-1-2005
 
تهاني  سنة   2005
 
باسم المؤتمر من أجل الجمهورية وباسمي الخاص أتقدّم إلى كل التونسيين والتونسيات بأحر التمنيات بمناسبة حلول السنة الميلادية 2005.
وقد تبدو مثل هذه التمنيات مجرّد طقوس خاوية خاصة في ظلّ  الانتصار المخزي للمغتصب والفشل المخزي للمعارضات في امتحان 24 أكتوبر 2004  وفي جوّ المحنة المتواصلة التي يمرّ بها  الشعب الفلسطيني والشعب العراقي وفي إطار تفاقم الأزمة المتعددة الأوجه  التي تعيشها الأمة والعالم .
إلاّ أن علينا أن نتذكّر أن الشعوب لم تبتكر الأعياد مختلقة كل الأسباب  لها  ومنتهزة كل الفرص إلا لأنها محطّات هامّة على الصعيد النفسي والجماعي يقع فيها استيعاب صدمات الماضي والتزوّد بطاقة معنوية جديدة لمواجهة مصاعب الزمن الآتي بشجاعة وتصميم وتلقي ما تحمله لنا الأيام من طيبات بفرح وامتنان .
إن المؤتمر يتمنى لكل تونسي وتونسية أن يجد داخله وأن يستعمل  بعضا من الطاقة المخزونة الهائلة التي مكنت الإنسان دوما من رفع كل التحديات والتواصل رغم كل العراقيل حيا خلاقا وحرّا.
ونحن على أبواب السنة الجديدة أحوج ما يكون لإستنفار ما تزخر به كل ذات كريمة من شجاعة وإباء وتصميم  لنواجه عصابات الحق العامّ المتحكّمة في بلدنا  و التي تصرّ على أن تكون السنة الجديدة سنة أخرى من الظلم والإذلال للأغلبية  وسنة أخرى من النهب والسلب والتسلّط  لأقلية صادرت سيادة الشعب وحقوق المواطن  وهيبة الدولة.

فلتكن سنة 2005 خطوة جديدة نحو استعادة كل ما سلبتنا إياه عصابات الحق العام  ولتكن سنة استعادة كل واحد منكم فرحة الحياة في بلد تحرّر من دنس الدكتاتورية.

                                                        عن المؤتمر من أجل الجمهورية
                                                            د. منصف المرزوقي

 
 بسم الله الرحمان الرحيم
 
أتمسك بمطلب استقالة الرئيس بن علي و نظامه السياسي و ارفض كل مطلب إصلاح النظام

الطيب السماتي
حزب العمال التونسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بمناسبة حلول السنة الميلادية الجديدة، سنة 2005  أتقدم باسمي و باسم حزب العمال التونسي و كوادره و منخر طيه إلى كل المجاهدين في سبيل تحرير فلسطين و العراق و كافة التونسيين و الإنسانية قاطبة بأحر التهاني و اعز الأماني  راجين من الله أن يجعل من هذه السنة سنة امن و أمان و أن يعم السلام ارض المسلمين.
تونس في 31 ديسمبر 2004

 

 
JE MAINTIEN MA DEMENDE DE DEMISSION DU PRESIDENT BEN ALI ET SON REGIME POLITIQUE, JE SUIS CONTRE TOUTE DEMANDE DE REFORME
 
TAIEB SMATI
PARTI DES TRAVAILLEURS TUNISENS
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

A l’occasion de cette nouvelle année 2005, je présente en mon nom personnel, celui du parti des travailleurs tunisiens, ses cadres et ses adhérents, nos meilleurs vœux de bonne et heureuse année aux MOUJAHIDINES EN PALESTINE ET EN IRAK, à tous mes compatriotes tunisiens et à l’humanité toute entière, priant le tout puissant de faire de cette année, une année de la paix, d’amour, de fraternité et de libération de nos prisonniers politiques et des territoires sous domination étrangères.
 
BONNE ET HEUREUSE ANNEE 2005
Tunis le 31 décembre 2004
 

عجز الميزان التجاري الصناعي التونسي 1.8 مليار دولار
تونس ـ رويترز : أظهرت بيانات رسمية أن الميزان التجاري الصناعي التونسي سجل خلال العشرة أشهر الاولى من هذا العام عجزا 2.2 مليار دينار (1.8 مليار دولار).
وأشارت أرقام وكالة النهوض بالصناعة الى أن الواردات الصناعية التونسية بلغت 10.9 مليار دينار (9 مليار دولار) في حين لم تتجاوزى الصادرات 8.7 مليار دينار (7.2 مليار دولار).
ويعزى العجز في القطاع الصناعي الى ارتفاع واردات الصناعات الميكانيكية والكهربائية.

(المصدر: صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 31 ديسمبر 2004)

.. وأميركا تمول واردات تونس منها بـ70 مليون دولار
تونس ـ رويترز: قالت مصادر في السفارة الاميركية بتونس امس ان وزارة الزراعة الاميركية أعلنت عن تخصيص برامج ضمان قروض لتونس عام 2005 موجهة للموردين والبنوك المهتمة بتمويل التجارة الخارجية بقيمة 70 مليون دولار. وتخصص هذه المبالغ لتمويل توريد منتجات وتجهيزات زراعية أميركية المنشأ تهدف الى زيادة دعم الصادرات الزراعية الاميركية. وسيتولى مكتب الشؤون الزراعية بالسفارة تسجيل البنوك والموردين المهتمين بالاستفادة من هذا التمويل.
 
(المصدر: صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 31 ديسمبر 2004)

لمحة
الكارثة الأعظم!
أكثر من مائة ألف قتيل دون اعتبار الجرحى والمفقودين.. والجبابن مازالت أبوابها مفتوحة أمام الوافدين. هل تتصورون هول هذه الكارثة يامتابعي الأخبار.. وما تعنيه من مصائب ومآسٍ ودمار؟ نعم! اكثر من مائة الف هلكوا وبعضهم مازال يبحث عن مكان بين القبور.. هذا ما أكدته التقارير بعد احتلال العراق بعام وبضعة شهور.
 محمد قلبي
 
(المصدر: صحيفة الصباح بتاريخ 31 ديسمبر 2004)

أكثر من 3 ملايين عازب وعانس من 10 ملايين من السكان

مخاوف من تأثيرات اجتماعية سلبية ترافق تزايد ظاهرة لا تبدو لها حلول

تونس: غلاء المعيشة وانتشار البطالة وشروط العائلات القاسية وتبدل الثقافة السبب

 

تونس - خدمة قدس برس

(محمد فوراتي)

لم يعد غريبا في تونس أن تجد رجلا تجاوز الأربعين ولم يتزوج بعد، كما لم يعد غريبا أن تجد نساء فاتهن قطار الزواج نهائيا، رغم جمالهن وثقافتهن. وأصبح الحديث عن العوانس والأمهات العازبات، ورجال بلا زوجات، وبلا أولاد، أمرا عاديا ومألوفا، بسبب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والقيمية التي فرضت على المجتمع.

ورغم هذه الحقيقة، التي تؤيدها الأرقام الرسمية، فإن كثير من المواطنين يعبرون عن خوفهم من تفشي هذه الظاهرة، ويعتبرونها خطيرة على مستقبل أبنائهم، وعلى مستقبل البلاد عموما. وبحسب دراسات أعدتها مراكز أبحاث تونسية، وآراء مختلف الشرائح العمرية فإن أسباب تفشي هذه الظاهرة عديدة، وأهمها التحولات القيمية والاجتماعية، وارتفاع تكاليف الزواج، وانتشار الفقر والبطالة في صفوف الشباب.

وقد وصلت نسبة العزوبية في تونس حسب الإحصاء الأخير إلى أكثر من 47 في المائة لدى الذكور و38 في المائة لدى الإناث، مسجلة بذلك ارتفاعا مقلقا، مقارنة بإحصائيات عام 1994. وكشف التعداد العام للسكان الذي أعلنته الحكومة التونسية منذ شهر أن عدد العزاب بلغ أكثر من ثلاثة ملايين من بين السكان، الذين تساوي أعمارهم أو تفوق 15 عاما، وهو ما يمثل 42 في المائة من مجموع هذه الشريحة العمرية.

ويقول باحثون في علم الاجتماع إن رغبة الأسرة التونسية في تعليم أبنائها، والتسابق في هذا المجال، جعل الزواج في المرتبة الثانية، ولا أولوية له في تفكير أكثر الشرائح الاجتماعية، وهو الأمر الذي جعل أغلب الشبان والفتيات يؤخرون زواجهم إلى ما بعد الثلاثين، بدعوى الاستعداد الجيد لفتح بيت للزوجية، ولكن بعضهم يستفيق وقد فاته الكثير، ولم يعد قادرا على الزواج لسبب من الأسباب.

ففي نتائج صادرة عن دراسة أعدها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بلغ متوسط العمر عند الزواج 29,2 عاما لدى النساء، و33 عاما لدى الرجال. وقد يصل معدّل العمر عند الزواج في بعض المدن التونسية إلى 35 عاما.

وتقول الدراسة إن انشغال الجميع بتحقيق أعلى الدرجات العلمية والمهنية يجعل الفتاة والشاب يفكران في أشياء أخرى كثيرة قبل التفكير في الزواج. كما أن وضعية التشغيل الهشّة تسيطر على تفكير معظم الشبان الحاصلين على شهادات عليا، مما يجعلهم متخلين فعليا عن البحث عن شريكة العمر.

من جهة أخرى تعتبر تكاليف الزواج المرتفعة في تونس سببا رئيسيا في عزوف الشبان عن الزواج، خاصة وأن بعض العائلات التونسية تضع شروطا مجحفة لقبول العريس.

وتشير بعض الإحصاءات، التي قام بها ديوان الأسرة أن ارتفاع تكاليف الزواج تأتي في المرتبة الأولى بنسبة 34 في المائة، وهي السبب الرئيس الذي يقف حائلا بين الشباب والزواج. وتحتل الدراسة والحصول على عمل مرتبة مهمة بـ22 في المائة في صفوف الذكور، و18 في المائة في صفوف الإناث.

وقال عدد من التونسيين لوكالة "قدس برس" إن الظاهرة أصبحت مقلقة وخطيرة، وتحتاج إلى علاج حقيقي، لأنها تتسبب في الكثير من المشكلات الاجتماعية والأخلاقية. وقالت مرام (35 عاما) إنها لم تتزوج لحدّ الآن، لأنه لم يتقدم لخطبتها من تراه جديرا بذلك، وأضافت "هناك مشكل أساسي، فالشبان اليوم وبسبب غلاء المعيشة وأزمة السكن لم يعودوا قادرين على فتح بيت، ولا شك أن الفتاة هي الضحية، لأن الرجل يمكن أن يتزوج متأخرا، ولكنه عندما يفكّر في ذلك يبحث عن فتاة صغيرة".

وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه محمد علي (39 عاما) بقوله "أعتقد أن الجانب المادي أصبح حاجزا بيننا وبين الزواج، ولكني أعتقد أيضا أن تبدل العقليات له تأثير كبير، فآباؤنا وأجدادنا كانوا يتزوجون في سن صغيرة، وهم فقراء، ولم يمنعهم ذلك من التواصل والإنجاب".

ويتخوف البعض من مضاعفات خطيرة بسبب هذه الظاهرة، إذ يقول عبد العزيز الحداد (72 عاما) "هناك مشكلة حقيقية إذا تواصلت هذه الظاهرة، إذ يمكن أن تتسبب في أمراض اجتماعية وأخلاقية كبيرة، أنا مثلا أب لثلاثة بنات وابن واحد سيتزوج الصيف القادم، لكن بناتي وأكبرهن قاربت الأربعين لم تتزوج أي منهن مما يجعلني في خوف دائم من دخولهن مرحلة العنوسة.. وكأب أعتقد أن الأمر في غاية الخطورة، ويجب على المجتمع أن يسهل الإقبال على الزواج، حتى لا يترك كثيرا من أبنائه وبناته ضحيّة للقلق والخوف والانحراف".

وتعتقد الكثيرات أن العقلية التي أصبحت تتصرف بها العائلات وكذلك الشبان تعتبر سببا رئيسيا في تعقيد الوضعية أكثر، وهو ما تشير إليه هدى الماكني (42 عاما) "أنا لم أتزوج لحدّ الآن، بسبب عائلتي، التي تسببت في هروب أكثر من شاب تقدم لخطبتي، وبسبب الشروط المجحفة، ولكن طريقة التفكير التي أصبحت سائدة في المجتمع هي السبب الرئيسي حسب رأيي، والفتاة هي الضحية الأولى لهذه الظاهرة، فهي مطالبة بأن تكون زوجة مثالية إذا حصلت على رجل، أما إذا بقيت عانسا وفاتها قطار الزواج فإن المجتمع لا يرحمها، ويريد تحويلها إلى بغيّ.. أما حال الرجل فهو أقل سوء، حسب رأيي، بسبب نظرة المجتمع الذكورية".

وربما لا تقتصر هذه الظاهرة على تونس فقط، فبعض الأرقام تشير إلى أن عددا من الدول العربية أصبحت تعاني من نفس الظاهرة، بل إن الأرقام في دول مثل مصر والجزائر تعتبر مفزعة، ففي مصر هناك تسعة ملايين عازب وعانس، من 70 مليون ساكن، وفي الجزائر ثلث السكان من العزاب والعوانس، وهو ما يحتاج إلى إعادة نظر عاجلة.

 

 (المصدر: وكالة قدس برس بتاريخ 31 ديسمبر 2004)

 
 
المغرب يسن قانونا لمعاقبة مرتكبي التعذيب
 
 

أقرت الحكومة المغربية يوم الثلاثاء الماضي مشروع قانون لمعاقبة مرتكبي أعمال التعذيب يقضي بالسجن لفترات ما بين خمس إلى ثلاثين سنة حسب ما ذكرت وكالة فرانس برس.
وقال مصدر مقرب من الحكومة إن مشروع القانون قد يعاقب بالسجن المؤبد كل من يرتكب "جريمة اغتصاب قبل التعذيب أو العكس" أو من يرتكب أعمال تعذيب لقاصرين أو أشخاص مسنين أو معوقين أو نساء حوامل.
كما يفرض القانون عقوبة السجن على كل من "يشجع أو يكتم أو يوافق" على عملية تعذيب خلال الاعتقال كما أن مرتكبي التعذيب قد يدفعون غرامات تصل إلى 30 ألف درهم (2700 يورو) فضلا عن حرمانهم من حقوقهم المدنية والاجتماعية.
وصرح وزير الاتصالات نبيل بن عبد الله أن النص منسجم مع المعاهدات الدولية لمكافحة التعذيب التي تعرف التعذيب بأنه أي "عمل عدواني يلحق معاناة جسدية أو معنوية بشخص ما أثناء اعتقاله".
وسيعرض مشروع القانون على مجلس الوزراء بعد موافقة الحكومة عليه ثم يقدم بعدها لمجلسي البرلمان لإقراره.
ويأتي إصدار هذا القانون بعد بضعة أيام من شهادات علنية أدلى بها 12 مغربيا من ضحايا التعذيب أمام شاشات التلفاز المغربية حيث شهد هؤلاء على التجاوزات التي ارتكبت بحقهم خلال حملة القمع السياسي ضد تيارات سياسية مختلفة.
يشار إلى أن منظمات حقوق الإنسان المغربية والدولية أدانت حالات التعذيب التي سجلت أثناء حملة الاعتقالات في أوساط الإسلاميين بعد وقوع تفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو/ أيار 2003.


(المصدر: موقع الجزيرة.نت بتاريخ 31 ديسمبر 2004)

 
بعد الضجة التي أحدثتها تقارير منظمات حقوقية دولية..أخيرا مشروع قـانون لتجريم التعـذيب بالمغرب

تبنت الحكومة المغربية أول أمس (الثلاثاء) خلال مجلس حكومي بالرباط مشروع قانون يرمي إلى ''تجريم ممارسة التعذيب''. وقال نبيل بن عبد الله، وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، إن هذا المشروع "يقترح تعريفا شاملا لهذه الجريمة، انسجاما مع التعريف الوارد في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، وتجريم الأفعال المكونة للتعذيب بمعزل عن ظروف التشديد"، مضيفا، في ندوة صحافية أعقبت اجتماع المجلس الحكومي، أن هذا المشروع يرمي إلى "تشديد العقوبة في حالة ارتكاب الجريمة في حق القاصرين أو في حق الأشخاص الموجودين في وضعية صعبة، وذلك دون الإخلال بالعقوبات الإضافية المنصوص عليها في القانون".

وأكد وزير الاتصال على أن مشروع القانون المذكور جاء ''منسجما'' مع الاتفاقيات الدولية المجرمة لظاهرة التعذيب، وهو ما يتناقض وما كان قد أكده بعض الحقوقيين المغاربة في وقت سابق، والذين اعتبروا أن مشروع قانون تجريم التعذيب لا يتلاءم في كثير من بنوده مع الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، من حيث أنه "لم يضع تحديدا واضحا لمفاهيم من قبيل التعذيب المباشر والعقوبة القاسية والمعاملة اللاإنسانية والمعاملة المهينة"، وفق ما ورد في نص مشروع القانون المجرم للتعذيب.

وكانت قد كشفت منظمة العفو الدولية (أمنيستي) بالمغرب عن نيتها في الدعوة إلى تشكيل ائتلاف وطني واسع لمناهضة ظاهرة ''التعذيب'' بالمغرب، وذلك بشراكة مع مختلف الهيئات الحقوقية الوطنية. وقال مسؤول في المنظمة، الذي كان بين متدخلي اليوم الدراسي الذي نظمه المركز المغربي لحقوق الإنسان قبل أشهر بالرباط لمناقشة مشروع القانون المجرم لظاهرة التعذيب، أن هذا الائتلاف سيكون من بين أهم أهدافه الراهنة الضغط على الحكومة في اتجاه إدخال تعديلات على مشروع القانون المتعلق بـ''تجريم ممارسة التعذيب''.

ويأتي هذا المشروع، برأي المتتبعين الحقوقيين، كرد فعل على الضجة التي أحدثتها عدد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، خاصة منها منظمة ''أمنيستي'' والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان واللجنة الأممية لمناهضة التعذيب، والتي أشارت جميعها في تقارير أخيرة لها إلى وجود ممارسات لـ''التعذيب'' بالمغرب، خاصة تلك التي صاحبت اعتقالات ما بعد أحداث 16 ماي الإرهابية. وأكدت، بهذا الخصوص، منظمة ''أمنيستي''، على سبيل الاستشهاد لا الحصر، في آخر تقرير لها حول الوضعية الحقوقية بالمغرب، الذي نشرته مع بداية الصيف الأخير أن "الزيادة الحادة في مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة، التي أُطلقت في السنتين الأخيرتين والتقاعس الواضح للسلطات المغربية عن التحقيق فيها، يتعارضان بشكل لافت مع التطورات الإيجابية الملموسة التي حدثت في مجال حقوق الإنسان في الأشهر الأخيرة، ومن ذلك صدور مدونة الأسرة والعفو الملكي عن 33 شخصا، بينهم سجناء سياسيون وسجناء رأي".

وقد سعت الحكومة المغربية جاهدة بعد هذه الضجة إلى نفي ممارسات التعذيب التي تحدثت عنها تلك التقارير الدولية، فيما فند إدريس بنزكري، رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة في حوار شامل مع ''التجديد'' نهاية شهر شتنبر المقبل، القول بأن تكون هناك "سياسة ممنهجة للتعذيب وتصفية خصوم سياسيين على الأقل من هذه الزاوية العامة"، وإن أقر بنزكري، في السياق ذاته، بوجود "تجاوزات في استعمال العنف واستعمال الإكراه في التحقيق في بعض الحالات التي وقفنا عليها".
 
 يونس البضيوي
 
(المصدر: صحيفة التجديد المغربية بتاريخ 30 ديسمبر 2004)

Les groupes d'hypermarchés français s'imposent aux consommateurs tunisiens

TUNIS, 30 déc (AFP)

Les Tunisiens savourent les joies de la consommation en cette fin d'année alors que les enseignes des grands groupes français d'hypermarchés implantés en Tunisie se sont vite imposés en favoris sur la grande distribution.
Délaissant petits commerces et boutiques de quartier, les ménagères se sont ruées sur les biens de consommation pour le Nouvel an, une fête en vogue à coups de publicités et de crédits de paiement dans les grandes surfaces.
La fièvre acheteuse a commencé à gagner Tunis avec le premier hypermarché Carrefour (10.000 m2), ouvert en avril 2001 en association avec le groupe UTIC de l'homme d'affaires Taoufik Chaieb, en banlieue chic au nord de la capitale.
Dès 2002, Carrefour s'est adjugé près de 50% du chiffre d'affaires de la grande distribution (200 sur 430 millions de dinars, soit 140 millions d'euros environ).
Encouragé par l'engouement spectaculaire des Tunisiens, l'enseigne mère, Promodès, a conforté son implantation par l'ouverture, en septembre, du premier supermarché Champion, de près de 3.000 m2, avec galerie marchande, au quartier Lafayette dans le centre de Tunis.
Une joint-venture a été mise sur pied pour gérer les enseignes Carrefour, Champion et UTIC: Ulysse Hyper Distribution qui représente 25% du marché et dispose d'une centrale d'achat avec capacité de négocier avec les fournisseurs.
Deux nouveaux magasins Champion devraient voir le jour à l'intérieur du pays, le premier en janvier 2005 à Sousse (centre) et le deuxième à Sfax, deuxième grande ville du sud.
Jusqu'ici, les habitants des villes de l'intérieur se déplaçaient fréquemment pour satisfaire à la frénésie consommatrice suscitée par l'ouverture des grandes surfaces dans la capitale.
Le Groupe Casino, engagé avec une filiale du groupe Mabrouk, propriétaire de la chaîne de grandes surfaces locale Monoprix (30% du marché), s'apprête à ouvrir un hypermarché géant sur l'axe autoroutier reliant Tunis à Bizerte (nord).
Prévu sur 12.000 m2, cet hypermarché devrait être prêt en juin 2005 et fera la joie des consommateurs des villes du nord, avec sa galerie commerciale et de multiples espaces de restauration et de loisirs.
Les distributeurs français, Promodès et Casino, "sont bien partis pour s'imposer" sur le marché de la grande distribution en Tunisie, grâce à "une conjoncture idéale et des rapports privilégiés avec des partenaires locaux influents", note un analyste du secteur.
La Tunisie compte sur les distributeurs étrangers pour moderniser son commerce et les encourage à s'implanter sous certaines conditions: création d'emplois, quota de produits locaux, transfert limite de devises, ajoute-t-il.
Promodès et Casino, semblent s'accommoder de ces contraintes en attendant les négociations avec l'Union européenne sur la libéralisation des services.
A terme, le marché devrait être structuré en trois pôles, le premier piloté par Promodès (hypermarchés Carrefour et supermarchés Champion) et le second par Casino (hypermarchés Géant et grandes surfaces de la chaîne Monoprix).
Le troisième pôle devrait revenir au futur acheteur étranger de la chaîne étatique "Magasin Général" (30% du marché) qui est actuellement sur la liste des entreprises privatisables.
La grande distribution (10% de la distribution totale actuellement) a de beaux jours devant elle avec 10% de taux de croissance par an, selon une étude de marché.
Le Grand Tunis est capable d'abriter quatre hypermarchés sur un total de dix prévus en Tunisie, selon l'étude menée par l'Institut des chefs d'entreprises arabes (IACE).
Le développement du secteur se fera cependant au grand dam des petits commerces de quartiers, quelque 250.000 échoppes et 450.000 employés désormais menacés.
 

La France, l'Italie et l'Espagne misent sur le développement de partenariats avec la Turquie et les pays du Maghreb
 

LE MONDE | 28.12.04 | 13h38
Jusqu'ici, tout n'allait pas trop mal. Selon un bilan d'étape effectué par l'Institut français de la mode (IFM), les partenaires historiques de l'Europe dans le domaine du vêtement que sont le Maroc, la Tunisie et la Turquie n'ont pas été massivement affectés par le démantèlement partiel de l'Accord sur les textiles et les vêtements, en 2002.
Les produits libéralisés n'étaient pas ceux que ces pays fabriquaient principalement. Avec l'ouverture totale du marché le 1er janvier 2005, l'industrie du pourtour méditerranéen (82,4 milliards de dollars ou 60,4 milliards d'euros en habillement et 62,8 milliards en textile) risque cette fois d'être déstabilisée.
Pour préserver ce qui leur reste d'industrie textile, la France, l'Italie et l'Espagne misent sur le développement de partenariats industriels au sein de la zone de libre-échange euroméditerannéenne (Euromed) qui va de l'Union européenne à l'Algérie et à la Syrie en passant par le Liban et la Turquie. Le bassin méditerranéen est en effet le premier débouché des pays du Sud de l'Europe. Les textiles y sont confectionnés puis réexportés.
Face à la concurrence asiatique (il faut quatre mois à la Chine pour expédier ses marchandises par bateau), la proximité géographique reste un atout. A condition de rendre fluide la circulation des biens et services d'un pays à l'autre, en les affranchissant, en plus, des droits de douane.
L'Italie continuera ainsi à fournir du tissu de qualité à la Tunisie ; celle-ci le teindra puis l'enverra en Turquie (en union douanière avec l'Union européenne depuis 1995) pour qu'il y soit confectionné. Il sera enfin expédié en France et mis en boutique. C'est la raison d'être de l'Euromed.
En 1995 lorsqu'ils adhèrent au processus de Barcelone, les paysméditerranéens acceptent le principe de la création d'une zone de
libre-échange en espérant que cet élargissement attire les investissements étrangers. Au Nord, l'objectif est politique et économique : cet espace devra accélerer le développement du Sud, réduire les flux migratoires, établir la paix et la sécurité et favoriser le respect des droits de l'homme, pense-t-on sur le Vieux Continent.

MANQUE D'IMPULSION
Mais la mise en œuvre est laborieuse : pour que l'Euromed existe et soit reconnue par l'Organisation mondiale du commerce (OMC), chaque pays doit signer un traité avec l'Union européenne, puis avec chacun des autres pays de la zone. Or aujourd'hui, "la plupart des accords commerciaux ne sont pas concrétisés", constate Gildas Minvielle, de l'IFM. A l'exception de l'accord entre le Maroc et la Turquie - seul pays à disposer d'une offre globale textile et confection -, et de l'accord d'Agadir, signé en février, entre la Jordanie, l'Egypte, la Tunisie et le Maroc.
Sur la somme totale que les Européens dépensent pour s'habiller, 73 % l'ont été cette année pour des vêtements produits dans la zone euromeditérranéenne. En volume, la part de marché des pays méditerranéens en Europe passera de 26 % à 22 % selon l'IFM. D'ici deux ans, ces articles pourraient représenter encore 68 % de la consommation européenne si le processus de rapprochement s'accélère.
Mais l'Euromed manque d'impulsion. Alors qu'ils devront affronter la Chine et l'Inde sur le marché des pantalons de coton et des tee-shirts, la Turquie et le Maroc n'envisagent pas de reconversion. Ils ont réduit leurs investissements dans des machines ces dernières années. Sur le front européen, la concurrence de la Roumanie et de la Bulgarie se fait déjà sentir.

Florence Amalou
(Source:  Le Monde du 29.12.04)

« Une Solution à La Géorgienne », Appel de Moncef Marzouki au débat national

Yahyaoui Mokhtar

J’ai l’impression personnellement que le débat suscité autour du dernier texte du Dr M Marzouki ne rend même pas compte de l’objet du débat fixé par le texte lui-même et qui est expressément exprimé à la fin du texte : « une solution à la Géorgienne »

Je pense aussi que i l’effet de scénario de ce qui s’est passé en Géorgie à été le plus médiatisé avec ces foules qui ont envahirent les rues, un homme politique avertie doit savoir la réalité de la situation dans ce pays qui a conduit à cette solution. Cela fait abstraction de la guerre civile que connaît ce pays et de la lutte d’influence que connaît ce pays et qui l’a fait perdre son autonomie bien longtemps avant le dernier changement qui a été minutieusement préparé à l’étranger. Il serait naïf et dangereux de se leurrer de ces solutions miraculeuses croyant, ou laissant croire qu’elles ont été obtenues sans prix. Le contexte Tunisien n’a rien à avoir avec cette configuration ni géopolitiquement ni sur le plan de la situation intérieure.

Je ne crois pas que ce texte ouvre la voie à un débat national de part son diagnostic sur la situation élevé à un seuil qui ne laisse aucune place à une autre solution que l’appel que l’appel clair et franc à l’insurrection dont il n’ose pas prononcer.

L’affirmation que : « Le fruit est plus mûr q’on le croit » parait en nette contradiction avec ce qui le précédait :
- le pouvoir « j’ y suis , j’y reste »
- Le peuple ‘’wait and see’’
- La jeunesse ’’ silence on fuit’’
- Les gouvernements occidentaux : Ils continueront à appuyer
- Les oppositions : Elles ne veulent que garder leur patente

Je ne voix pas avec un tel constat ce qui reste à rassembler et pourquoi si «le régime … est irréformable ... que les oppositions …ne s’uniront pas ... » et le peuple n’a pas envie ni la volonté de vivre non plus.

Ce texte est révélateur d’une crise plus qu’il n’apporte de repenses aux vraies questions. Je ne crois pas non plus J’ai l’impression personnellement que le débat suscité autour du dernier texte du Dr M Marzouki ne rend même pas compte de l’objet du débat fixé par le texte lui-même et qui est expressément exprimé à la fin du texte : « une solution à la Géorgienne »

Je pense aussi que i l’effet de scénario de ce qui s’est passé en Géorgie à été le plus médiatisé avec ces foules qui ont envahirent les rues, un homme politique avertie doit savoir la réalité de la situation dans ce pays qui a conduit à cette solution. Cela fait abstraction de la guerre civile que connaît ce pays et de la lutte d’influence que connaît ce pays et qui l’a fait perdre son autonomie bien longtemps avant le dernier changement qui a été minutieusement préparé à l’étranger. Il serait naïf et dangereux de se leurrer de ces solutions miraculeuses croyant, ou laissant croire qu’elles ont été obtenues sans prix. Le contexte Tunisien n’a rien à avoir avec cette configuration ni géopolitiquement ni sur le plan de la situation intérieure.

Je ne crois pas que ce texte ouvre la voie à un débat national de part son diagnostic sur la situation élevé à un seuil qui ne laisse aucune place à une autre solution que l’appel que l’appel clair et franc à l’insurrection dont il n’ose pas prononcer.

L’affirmation que : « Le fruit est plus mûr q’on le croit » parait en nette contradiction avec ce qui le précédait :
- le pouvoir « j’ y suis , j’y reste »
- Le peuple ‘’wait and see’’
- La jeunesse ’’ silence on fuit’’
- Les gouvernements occidentaux : Ils continueront à appuyer
- Les oppositions : Elles ne veulent que garder leur patente
Je ne voix pas avec un tel constat ce qui reste à rassembler et pourquoi si «le régime … est irréformable ... que les oppositions …ne s’uniront pas ... » et le peuple n’a pas envie ni la volonté de vivre non plus.
Ce texte est révélateur d’une crise plus qu’il n’apporte de repenses aux vraies questions.

(Source: Le forum de nawaat le 30-12-2004)
 

 
مائة مصباح من مشكاة النبـــــــــــــــــوة
 الحلقة الواحدة والثلاثون

أخرج الشيخان عن إبن عمر أنه عليه السلام قال " أيما رجل قال لاخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من شواهده " إجتنبوا كثيرا من الظن " و " ... وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون ". وغيرها كثير.

موضوعه : التكفير أشد الزلازل حصدا لاول ثابت بعد التوحيد وهي الاخوة وهو سلاح البله : لو إتفقنا بداية على بديهية معلومة من الحياة بالضرورة لاغنتنا عن تحبير المجلدات في هذا الموضوع وليست تلك سوى أن هذا الحديث الصحيح صريح في إعتبار أن كل رجل أو إمرأة قال بلسانه لرجل آخر أو إمرأة عرف عنه الايمان ولو مع إتيان كل الموبقات التي لا يحيط بها عقل يا كافر فهو بين أمرين لا ثالث لهما : إما أن يكون المعني كذلك حقا عند الله سبحانه  وإما أن يكون غير ذلك أي فاسقا ألف مرة ومرة وعاص ومنافق سلوك وباغ وعاد ومحارب وظالم حتى النخاع لكل من خلق الله فوق الارض وفي كل هذه الحالات فالقائل نقل نفسه ببساطة لا يفعلها غير البله والمجانين من الايمان الكفيل بفوزه بالجنة في الاخرة لبث ما لبث في النار لتخليصه من كبائره وموبقاته ومن حقوق الناس عليه إلى الكفر الكفيل بخلوده في النار كائنا ما كانت أعماله برا وإنفاقا وإحسانا ومعروفا وعبادة وبكاء وطوافا ونفعا للناس . إني أظن أن كل عاقل يطلع على هذا الحديث يرعوي وينزجر ويتصور نفسه أنه كان يقف على شفا جرف هار يكاد ينهار به في نار جهنم وهو لا يشعر أو هو يلعب ويلهو بجانب تمساح ضخم جائع يهم بإبتلاعه في كل آن ولحظة  إني والذي نفسي بيده كلما قلبت هذا النص الصحيح الصريح في حياتنا اليوم المليئة بتبادل التكفير أقف مشدوها حائرا لدقائق طويلة متسائلا بيني وبين نفسي كيف يبيح عاقل لنفسه إتهام كائنا من كان بالكفر وهو يعلم علم اليقين أن كل تهمة بالكفر لا تصيب صاحبها المناسب بالتحديد ووفق علم الله وليس علم البشر مرتدة عليه هو مباشرة ودون أدنى تمحل أو تأويل أو كذب .

تحرير القول في الكفر المقصود هنا : صحيح أن بعض العلماء قالوا بأن الكفر المرتد هنا على صاحبه القاذف للمؤمن بالكفر وما هو كذلك هو كفر دون الكفر الاكبر المخرج من الملة وليس ذلك بمسلم ولا بعيد عن المعارضة فهو تأويل لئن إتسعت له اللغة والشرع معا فإن من شأن التهوين من جرم هذه الفرية القاضية بقذف مؤمن بما هو منه فار وهو الكفر أن يجرئ ضعاف الايمان والنفوس المعقدة غير السوية على خلخلة أركان الاخوة الانسانية وخاصة في دائرة أهل الايمان ولا شك أن مآل تأويل مماثل حتى لو كان له مساغ لغة وشرعا ليس هو سوى توهين النفوس القاذفة وإستمرائها لبث الفتنة في الصفوف وتفريق الجماعات وإذهاب الريح وشغل النفوس المقذوفة بالدفاع عن نفسها ومن يتوانى في الدفاع عن إيمانه أغلى كسبه في هذه الدنيا ومن صبر عن ذلك من النفوس المقذوفة ظلما وزورا فإن قذفا شبيها يشغل النفوس العاملة لخير البشرية وفتح دروب الحرية والحق والعدل وتوطيد أركان الاخوة والتعاون والتعمير والاحسان بأولويات ثانوية وبذا تتأخر الجماعة وتنحل الامة ويجد العدو المتربص فرصة للاغراء والاغواء. وبعد ذلك من أدرانا أن هذا التأويل مقبول عند الله سبحانه فلو حكم بيننا يوم القيامة فيما كنا فيه نختلف وقالت محكمته العليا والاخيرة وهي منتصبة بين الجنة والنار أن من رمى مؤمنا بالكفر يوما فقد كتبته في لوحي كافرا مذ قالها ومصيره معلوم طبعا فهل نمنح يومها فرصة للترجيح بين القولين هل الكفر المرتد في هذا الحديث الصحيح هو كفر أكبر أم كفرنعمة لا بل هب أنه كفر أصغر أو كفر نعمة أليس إشتراك الالفاظ والمعاني مؤذن بإشتراك المصائر والمآلات وما هو الفرق يوم القيامة بين كافر أصغر وآخر أكبر . إني لا أرى أن تأويلا مماثلا خادما لحالنا وأرنو إلى دهاقنة العلم وأساطين الفقه في حياتنا اليوم أن يؤول إجتهادهم في هذا الامر إلى ما يوطد عرى مفككة ووشائج مهزوزة فإعتبار مآلات الفتاوى والاقوال والاجتهادات وما يليها من أعمال مرعي عند هؤلاء وهو ما جعل الفاروق عليه الرضوان يختار في  التطليق بالثلاث عدم الامضاء رعاية لحال الناس مخالفا ما كان سابقا والحاصل أن رعاية حال الناس مرعي دوما كلما كان الامر يحتمل التأويل قولا وعملا .

المنهج القرآني يحارب الظلم أكثر من حربه على الكفر : إن تعجب فإن عجبك لا ينقضي من الناس الذين يبنون سائر أنظمتهم الكبيرة والصغيرة خارج المنهج القرآني ويحسب هؤلاء وغيرهم كثير أن القرآن إنجيل يجمع حزمة من الاوامر والنواهي وماعدا ذلك فلا مكان له في الحياة أو هو زائد عليها وعلى كل حال لا مجال للانتفاع به كأنه لغو وهذر وهذا منهج في الفهم سقيم لئن غرس إيمانا فإنه سرعان ما يفرغه من كل مضمون حياتي إيجابي عبر عنه القرآن بقوله " أو كسبت في إيمانها خيرا " وكثير من المؤمنين اليوم لا يكسبون من إيمانهم الصحيح صوريا وميكانيكيا خيرا لا لانفسهم ومن باب أولى لغيرهم . ولو قلبت القرآن عدا ومعنى لالفيت خلاف ما يعتقده أغلب المسلمين اليوم وهوأن حملة الاسلام على الكفر ليس أشد منها والحقيقة أن حملة الاسلام الاشد هي على الظلم وفيه تفصيل لا يتسع له الان مجالنا رغم أهميته بل إنه يتسع لظلم المؤمنين وفي المقابل فإن الحملة على الكفر بسائر أنواعه أقل من ذلك بكثير وهي حملة تستهدف النظرية التي يصدر عنها الكفر يعرضها القرآن ثم يحاورها ثم ينصر حجته مقنعا كل من يقرأه بخلاف الحملة على الظلم فإنه لا يعرض لهم حجة ولا يناقشها بل يهجم عليها مباشرة مبررا ذلك بأن الظلم لا يستند إلى حجة من عقل أو منطق أو تجربة أو تاريخ ولكن يصدر عن نفس مريضة ولك أن تحصي بنفسك ذلك جامعا بين المعنى والمبنى وليس أعز علي وعليك من الحكمة التي نطق بها الفقيه المجاهد المرحوم إبن تيميه وهي أن كل ما ورد عن الكفر والكافرين في القرآن الكريم أو جله على الاقل بحسب السياق إنما يقصد به الظلم وليس مجرد الكفر . فلو وقفنا بأنفسنا على هذه الحقيقة في المنهج القرآني وتمييزه بين الظلم وبين الكفر وإعتباره أن الظلم أشد عليه من الكفر لان الاول محارب متحرك والثاني عادة مسالم مهادن فإنه علينا أن نصوغ عقولنا وفق هذا المنهج فندمغ بالظلم كل ظالم حتى لو كان في منتهى الطاعة والخشوع وكفى به دامغا لاحدا ونفر من القذف بالكفر فرارنا من المجذوم ومن كل مرض معد وآفة قاتلة وهل ثمة من شر في هذه الدنيا أشد عليك من أن ترمي من تكره بالكفر فيرتد إليك قذفك فيكتبك الله كائنا من كنت عبادة وحبا وكذبا في سجل الكفرة فلا يقبل منك صرفا ولا عدلا وأنت في نفسك وبين الناس أمير المصلحين وسيد الناس ورائد القوم تتزين بك المجالس .

الحكمة في هذا الجزاء المهين لقاذف أخيه بالكفر : هل تحسب أن الله سبحانه لما أجرى هذا القول على لسان نبيه عليه السلام لاعبا حاشاه سبحانه بل في ذلك ما يعلم من الحكم وأولها أن نعمة الايمان ونقمة الكفر مصدرها الاول هو سبحانه فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولئن نازعه عبده في ذلك فلن يبقى له أمر آخر غير قابل للمنازعة فيه ولذلك لم يكن جزاء أجدر بالمتألي عليه سبحانه بكتبه في سجل الكافرين وملاقاة مصيرهم لان العبد وإيمانه ملك له سبحانه فكأن المكفر لغيره يعز بالايمان من يشاء ويذل بالكفر من يشاء ونصب نفسه إلها في الارض وثاني تلك الحكم أن أكبر إعتداء على الانسان هو أن تنزع عنه أعز ما يملك وهو خياره الشخصي الحر في كونه كافرا أو مؤمنا فهو إعتداء على الارادة والحرية وسائر مظاهر كرامة الانسان وهل ثمة رساميل في الدنيا توازي حبة خردل من رساميل الايمان حتى ينزعها متهور بجرة قلم عن مؤمن يقتل نفسه في سبيل إيمانه وثالث تلك الحكم هي أن القذف بالكفر خاصة في مجتمع المؤمنين مؤذن ولا ريب بنشوب حرائق الفتنة بين الناس ومن يملك نفسه وقد قذف بالكفر ومن يلجم غضبه وقد رمي في أعز ما يملك ولو تكاثرت النفوس المكفرة فإن ذهاب الريح على الابواب تفتح فيلج هو ويتبعه العدو المتربص ويذهب الوطن ثم الايمان ويصول الظلم والكفر ويصبح الاحرار عبيدا والسبب الاول في كل ذلك قذف بالكفر من غلام بالكاد إحتلم لم يعلم عن كتاب الله ولا سنة رسوله عليه السلام بالكاد شيئا سوى ظاهرا من القول لا يغني ولا يسمن من جوع والحكم في الحقيقة كثيرة وكلها كفيلة بترتيب مثل هذا الجزاء على ذلك التكفير . وأكرر القول بأن الله علمنا في كتابه أن لنا أن نقذف بما سوى ذلك من فسق وشبهة وظلم وسائر ما يعن لك فإن أصبنا فبها ونعمت وإن أخطأنا فالخطب أدنى جلالة .

الخلاصة : أناشد كل مسلم ومسلمة يؤمن بالله واليوم الاخر الابتعاد عن قذف غيره بالكفر إبتعاده عن النار لئلا يقع في النار وهو لا يعلم وله في ما دون ذلك من ظلم وفسق مسرحا رحبا والاولى من ذلك كله كما أرشد عليه السلام حتى حيال الشيطان فما بالك بمن دونه البسملة بدل اللعن تلك هي الايجابية الاسلامية وصدق من قال " بدل لعن الظلام أشعل شمعة ".

                                                                الهادي بريك / ألمانيا
 


جامع الزيتونةالمعلم ورجاله

المؤلّف :
محمّد العزيز ابن عاشور

عدد الصفحات: 152 صفحات
سنة الإصدار: 1991
دار سيراس للنشر

يحتوي هذا الكتاب على دراسة شاملة معززة بالصورة النادرة والوثائق التاريخية لمعلم من أهم معالم الإسلام وهو جامع تونس الأعظم جامع الزيتونة، من تاريخ تأسيسه إلى اليوم الحاضر. وقد اعتنت هذه الدراسة بالجوانب التالية:
1- الخاصيات المعمارية للجامع وتطورها عبر العصور
2- تاريخ إقامة الشعائر بجامع الزيتونة وتراجم الأئمة ووصف المراسم والمواكب الخاصة بهذا المعلم الديني المجيد مع إبراز جوانب مهمة من الحياة اليومية وذكر موارد الجامع وأوقافه ومصاريفه.
3- تاريخ المعهد العلمي الزيتوني وتطور التراتيب المتعلقة بالتعليم وأساليبه. وقد اعتنت الدراسة بوصف أوساط المدرسين والطلبة وذكر ظروف عيشهم واهتماماتهم، خصوصا في الأعصر الحديثة.
4- إسهام الجامع ورجالاته في تعزيز وازدهار الحضارة الإسلامية والعربية بالديار التونسية.
5- إبراز أهمّ مراحل الحركة الزيتونية ونضال الشيوخ والطلبة من أجل تعصير طرق التعليم الإسلامي والعربي ومقاومة الاستعمار.

والكاتب هو الدكتور محمد العزيز بن عاشور (حفيد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور) ووزير الثقافة بالجمهورية التونسية. وقد اشتغل أستاذا بالمعهد القومي للآثار والفنون وهو مختص في تاريخ العاصمة التونسيية وتراثها الثقافي ومجتمعها كما تولى الإشراف على معهد الحركة الوطنية في تونس.
والسيد محمد العزيز بن عاشور حامل دكتوراه دولة في تاريخ الحضارة الإسلامية ودكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة الصوربون. بباريس. وقد أحرز على جائزة الآغا خان للتراث المعماري الإسلامي.
للكاتب مجوعة من التآليف في تاريخ الحضارة بقطرنا من أبرزها كتابه المرجع حول الجامع الأعظم "جامع الزيتونة المعلم ورجاله" ننشر منه هذا المقتطف لتعريف القراء بالكتاب والكاتب. 

الحركة الزيتونية في النصف الاول من القرن الميلادي العشرين

أدخل العصر الحديث الموصوف في بلادنا بالوضع الاستعماري تغييرات هامة في مستوى التفكير والعمل شملت الوسط الزيتوني وبعثت فيه حيوية كبيرة. لقد خرج جامع الزيتونة من دوره التقليدي في الانكباب على العلوم الدينية والعربية والكرع الخاشع من مناهل السلف فبلغ إلى مرتبة مركز من أبرز مراكز الحركة الفكرية والاجتماعية والسياسية في البلاد التونسية. ولا شك أن أقوى دليل على دخول الوسط الزيتوني في معترك الحياة العصرية هو ظهور الحركة الطلابية وعزم تلامذة الجامع على النضال من أجل تحسين ظروف عيشهم وإصلاح طرق تعليمهم وضمان آفاق مستقبلهم، كما عقدوا العزم على الكفاح من أجل الحرية فاستعملوا لكل ذلك وسائل الاحتجاج العصرية كالإضرابات والمظاهرات وعقد المؤتمرات وقد بلغ هذا النشاط أوجه بإحداث منظمة طلابية نقابية سنة 1950 وهي "لجنة صوت الطالب الزيتوني".
ومن أهم نتائج احتكاك الزيتونة بالعصر الجديد إحياء النزعة الإصلاحية من طرف بعض المشائخ المدرسين بعد خمودها غداة تجربة الوزير خير الدين وكانت نظرتهم الإصلاحية منحدرة من التيار الإصلاحي التونسي الذي قاده خير الدين، كما كانت متصلة بحركة النهضة الإسلامية في المشرق وبخاصة الحركة السلفية.
أما في الميدان السياسي فقد قام الوسط الزيتوني بدور هام في التصدي للوضع الاستعماري ومن مظاهر ذلك الموقف دور الزيتونيين من مدرسين واعيان الشرع وأيمة وموظفين في مساندة احتجاج أهالي العاصمة ضد التراتيب البلدية الجديدة في سنة 1885 وهي القضية المعروفة بالنازلة التونسية. وقد انتهت هذه المساندة بإبعاد زعماء الحركة إلى الجنوب وعزلهم عن وظائفهم وكان من بينهم الزيتونيان محمد بن عثمان السنوسي وأحمد الورتتاني [1][1].
ومن المشائخ الزيتونيين من فضل مغادرة الوطن والإقامة في عاصمة الخلافة العثمانية بغية المساهمة في الاحتجاج ضد انتصاب الحماية الفرنسية أمثال الشيخ صالح الشريف والشيخ إسماعيل الصفايحي [2][2].
ثم فيما بين الحربية أخذت روح المقاومة الزيتونية وجها اجتماعيا تمثل في حث الأهالي على التخلق بالأخلاق الإسلامية وترك الجلوس في المقاهي والإقلاع عن الملاهي. واشتهر أحد شيوخ الزيتونة وهو الشيخ محمد الباوندي بالحملات التي كان يقوم بها لهذا الغرض في مدن وقرى المملكة في حدود سنة 1927.
كما اتخذ النشاط الزيتوني وجها دينيا اجتماعيا حين دخلت البلاد في فترة اتصفت باضطهاد الحركات السياسية الوطنية وتحجير كل نشاط سياسي بعد حوادث 9 أفريل 1938 الدامية "فاتخذ الشعور القومي مجراه في مظاهر الحياة الدينية فاحتمى بالمساجد وتدرع برجال الوعظ ووالإرشاد من العلماء الدينيين" كما قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور[3][3].
ومن أهم ما أحدث في هذا المجال تأسيس جمعية الشبان المسلمين. وقد قامت هذه الجمعية بقيادة مؤسسها الشيخ محمد صالح النيفر بنشاط مكثف، فنظمت مجالس التذكير في المساجد بالعاصمة وبلدان المملكة وقراها. أنشأت فروعها للمحافظة على القرآن الكريم وغير ذلك من الأنشطة التي ترمي إلى تدعيم أواصر الأخوة الإسلامية بين الأهالي حتى زاد بفضلها تأثير النخبة الزيتونية على الشعب وتسبب في مزيد الاعتبار والإجلال لشيوخ جامع الزيتونة.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وانتصرت بانتصار الحلفاء مبادىء الحرية فانتشرت في البلدان المستعمرة نزعة المطالبة بالحريات وقد قامت في تونس عناصر ناشطة من مدرسي الزيتونة بدور أساسي في النضال من أجل تحرير الوطن من قيد الاستعمار. وكان الشيخ محمد الشاذلي ابن القاضي (المتوفى سنة 1978) من أبرز زعماء هذا التيار الزيتوني المناضل يدافع من أجل مبادئه بالقلم في المجلة الزيتونية التي أسسها سنة 1355- 1936 وبالنزول إلى الميدان بالمشاركة الفعالة في العمل السياسي فكان من العاملين البارزين في مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 الذي اجتمعت فيه كل القوى الوطنية وطالبت فيه بالاستقلال.
كما اشتهر الشيخ محمد الشاذلي بن القاضي بنزعته السياسية الإسلامية العربية وبتضامنه مع القضايا العربية وبخاصة القضية الفلسطينية تضامنا فعليا. فهو المتسبب في إنشاء العريضة التي وجهها مدرسو جامع الزيتونة للباي في هذا المجال سنة 1364-1945 وهو الذي قام بحملات تنظيم وفود المتطوعين للقتال في فلسطين وجمع الأموال لإعانة المجاهدين العرب في الأرض المحتلة.
أما الذات البارزة الأخرى من ذوات هذا التيار الزيتوني المناضل فهو الشيخ محمد الفاضل بن محمد الطاهر بن عاشور (1909-1970) كان هذا الشيخ يمتاز بإشعاع كبير تجاوز حدود إجماع الناس على مقدرته وعلمه وذكائه وتجاوز إعجاب وصبابة التلامذة والطلبة في أستاذهم الألمعي حتى بلغ درجة الشعبية الراسخة الممتدة إلى سائر الأوساط والجهات في البلاد التونسية.
ولا شك أن السبب في ذلك –زيادة على مكانة الشيخ الفاضل العلمية- راجع إلى تزعمه النزعة الفكرية والسياسية المتمثلة في النضال من أجل تحرير البلاد إلى جانب الأطراف السياسية الأخرى مع التأكيد على ضرورة الانتماء إلى العروبة والإسلام والمساندة المطلقة للقضايا العربية وبخاصة القضية الفلسطينية.
فأصبح حينئذ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ورفقائه يمثلون قوة سياسية قادرة على تعبئة القوى الشعبية في البلاد وبخاصة الشباب الزيتوني من أجل تلك المبادئ ويمكن لها بذلك مزاحمة القيادات السياسية.
وقد أدرك زعماء الحزب الدستوري الجديد مدى هذا الخطر فعقدوا العزم على التصدي له بوسائل مختلفة من المسايرة الظاهرية إلى المناهضة العنيفة.
وظهر جليا التزام الشيخ محمد الفاضل بن عاشور من أجل هذه المبادئ في الدور الذي قام به في انعقاد مؤتمر ليلة القدر المذكور آنفا وهذا الدور الفعال هو الذي يفسر إلقاء القبض على الشيخ محمد الفاضل من طرف السلط الاستعمارية فازدادت شعبيته بهذا الاعتقال حتى اضطرت قيادة الحزب الدستوري إلى انتخاب الشيخين محمد الفاضل بن عاشور ومحمد الشاذلي بن القاضي في الديوان السياسي مدة قصيرة.
ومن مظاهر هذا النضال دور الشيخ محمد الفاضل في التوحيد بين جامعة الموظفين –ومن بينهم مدرسو جامع الزيتونة- ونقابات العمال، من أجل تاسيس اتحاد عام للشغل يكون تونسيا إسلاميا. وكان انتخاب الشيخ محمد الفاضل أول رئيس لهذا الاتحاد سنة 1946 دليلا على قوة التيار الزيتوني داخل المنظمة النقابية اعترافا بالجميل لما قام به الشيخ محمد الفاضل من جهد لبعث الاتحاد هذا وإن الشيخين محمد الفاضل بن عاشور ومحمد الشاذلي بن القاضي ومناصريهما أمثال الشيخ محمد بوشربية والشيخ الطاهر القصّار لم يقتصروا على العمل السياسي بل كان نضالهم يهدف بدرجة أساسية إلى إصلاح التعليم الزيتوني وتجنيد المدرسين من أجل ذلك.  فدعا هؤلاء المشائخ الرواد زملاءهم بالجامع والفروع إلى اجتماع في أكتوبر 1944 قصد النظر في عقد مؤتمر عام لإصلاح التعليم فانتخبت لجنة تنفيذية للمؤتمر تكونت من المشائخ محمد الشاذلي بن القاضي رئيسا ومحمد الصالح النيفر كاتبا عاما ومحمد الفاضل بن عاشور والطيب التليلي ومحمد بن نية أعضاء وزعت أعمال المؤتمر على عشر لجان ساهم في أشغالها نخبة من الأساتذة غير الزيتونيين إلى جانب المشايخ المدرسين.
وقد طالب المؤتمر بعودة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلى إدارة شؤون التعليم الزيتوني وأنهوا مؤتمرهم بوضع برنامج لإصلاح هذا التعليم. وواصل هؤلاء المشائخ نضالهم من أجل تجديد الزيتونة وازدهارها وتوفير أسباب نجاحها فنظموا المؤتمرات القومية الزيتونية وجعلوها منابر للتأكيد على ضرورة تعريب التعليم القومي وإعطائه طابعا إسلاميا قويا خصوصا لما دخلت البلاد في عهد الاستقلال الداخلي.[4][4]
وختاما ينبغي أن نلفت انتباه القارئ إلى أن هذه السطور كتبت قصد إبراز بعض الحقائق فقط لا على سبيل التعمق في دراسة الحركة الزيتونية والإحاطة بجميع جوانبها وبخاصة الصلة بين الأوساط الزيتونية والحزبين الدستوري الاول والدستوري الجديد وانتماء بعض المدرسين إلى السياسة الحزبية انتماء مطلقا. وتجدر بنا الأشارة إلى ما تقوم به مجموعة من المرخين التونسيين من الدراسات الجيدة حول هذا الموضوع. 
 -----------------------
[1][1]   محمد السنوسي: النازلة التونسية ، تونس، 1976 (تحقيق الصادق بسيس)
[2][2]   محمد الفاضل بن عاشور: تراجم وأعلام ص 207-217 و A. Green: The Tunisian Ulama (1873-1915), Brill, Leiden , 1978
[3][3]  محمد الفاضل بن عاشور: الحركة والفكرية ص 216.
[4][4]   انظر المجلة الزيتونية المجلد التاسع.
 
(المصدر:موقع نهضة.نت   بتاريخ 30 ديسمبر 2004)

 
الرئيس بوش والسير بأعين معصوبة
 
محمد الحمروني
تناقلت وسائل الإعلام يوم 21 ديسمبر الجاري نبأ مقتل 24 أمريكيا، بينهم 19 جنديا، في العملية الجريئة، التي استهدفت قاعدة أمريكية في مدينة الموصل شمال العراق، وهي العملية الأكثر دموية، التي يتعرض لها جنود الاحتلال منذ إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش انتهاء العمليات العسكرية في العراق في مايو عام 2003. وبعد فترة قصيرة من نشر الخبر عبر الرئيس الأمريكي لوسائل الإعلام عن استنكاره للعملية، وقال إنها دليل علي يأس من قاموا بها. وإذا كان استنكار بوش للعملية مفهوما، إذا نظرنا للمسألة من وجهة نظر أمريكية، فما لا يمكن فهمه وصفه للعملية بأنها دليل علي يأس المقاومة، والحقيقة أن مثل هذا الكلام محير ومثير للاستغراب والتساؤل.
فأين يظهر اليأس الذي يتحدث عنه السيد بوش في هذه العملية؟ هل في دقتها ونجاحها من الناحية العسكرية تخطيطا، من حيث اختيار الهدف والتوقيت، وتنفيذا من حيث تمكن المقاومة من اختراق كافة الحواجز والاحتياطات الأمنية، والوصول إلي أكثر المواقع الأمريكية تحصينا في العراق، وخاصة العسكرية منها؟ أم في الجرأة التي تعبر عنها هذه العملية باستهدافها قاعدة كبيرة، وحصدها لعدد هائل من القتلي الأمريكيين، وما يمكن أن يمثله ذلك من تحول نوعي في العمل المقاوم بالعراق؟
الحقيقة أن المتابع يصاب بالدهشة عند سماعه لتصريح مثل هذا الذي عبر عنه الرئيس بوش، خاصة وأن هذه العملية النوعية للمقاومة تأتي بعد أكثر من عام من إعلان الرئيس الأمريكي انتهاء العمليات العسكرية بالعراق، وبعد أحداث الفلوجة الرهيبة، التي كان الرئيس بوش قد بشر قبل انطلاقها بأنها ستؤدي إلي استئصال المقاومة من جذورها، علي اعتبار أن الفلوجة كما كان يدعي تمثل القاعدة الخلفية، التي تنطلق منها عمليات المقاومة بالعراق.

ـ والواقع علي ما يبدو أن اليأس، الذي تحدث عنه بوش قد أصاب عقل الرجل، بعد أن تمكن من قلبه، خاصة وأن المقاومة لم تترك له الفرصة هذه المرة لاتهامها بالإرهاب، باستهدافها موقعا عسكريا لا هدفا مدنيا، وهي الحجة التي طالما اعتمدها بوش لإلصاق تهم مثل الإرهاب والهمجية والوحشية بمجموعات المقاومة.
ـ وهو أيضا يأس الرئيس بوش من إسكات أصوات المعارضين للوجود الأمريكي بالعراق، ومن رؤية الجنود الأمريكيين يستقبلون بالورود في العراق.. اليأس من رؤية الأمريكيين المحتلين للعراق يتجولون فيه بأمان، وهو أيضا اليأس من تركيع الشعب العراقي، والضحك علي أحراره، من خلال الادعاء بأن الدبابات الأمريكية إنما جاءت بالحرية والأمن للعراقيين.
والسؤال الملح اليوم هو متي سيري الرئيس الأمريكي الحقيقة عارية عن كل تزييف أو تجميل، وعارية عن كل ألوان الكذب والخداع؟ الحقيقة التي لا يريد أن يراها جورج بوش هي أنه لم يجلب الأمن والحرية والديمقراطية للعراقيين، بل إنه جلب لهم الدمار والخراب وغياب الأمن، كما إنه لم يجلب لهم الرفاه والرخاء والنماء الذي وعدهم به، بل إن العكس تماما هو الذي وقع، حتي أصبح الحصول علي حصة من البنزين في بلد نفطي مثل العراق مشكلا يؤرق آلاف العراقيين.
كما أن الحقيقة التي لا يريد أن يعترف بها بوش هي أنه دفع بالآلاف من شباب أمته إلي الموت في معركة لا يفهمون لماذا دخلوها، ولا يعرفون سبيلا وكيفية للخروج منها.

علي بوش والأمريكيين، وعلي العالم بأكمله أن يعلم أن العنف الأعمي الذي يجري في العراق لن يحصد فقط العراقيين، بل أن ألسنة لهبه ستطال الجميع، وكما أن هناك أمهات عراقيات سيندبن فقدان فلذات أكبادهن، فإن أمهات أمريكيات سيفعلن الشيء نفسه. علي بوش أن يعلم أنه بإرساله جنوده للعراق إنما يرسل بهم إلي المحرقة، ويدفع بهم إلي فيتنام جديدة.. وعلي العالم أن يقتنع بضرورة إيقاف هذا العبث والإجرام الذي يحصل تحت نظره، وأمام عينيه.
وبدلا من أن يري بوش هذه الحقائق، نجد أنه اختار أن يمشي وسط كل هذا الخراب والدمار الذي أحدثته آلته العسكرية بالعراق.. اختار أن يمشي إلي الوراء واضعا علي عينيه عصابة حتي لا يري بشاعة ما اقترفت يداه، ولكن هذا لن يمنع رائحة الموت التي تغطي كافة أرجاء العراق من الوصول إلي أنف الرئيس الأمريكي لتفسد عليه حالة الاتراكسيا التي قرر أن يعيشها علي حساب آلاف الجثث العراقية ولكن الأمريكية أيضا. والاتراكسيا حالة من السعادة يجب أن يعيشها الإنسان رغم ما به من آلام كما يري الفيلسوف اليوناني أبيقور.
كاتب وصحافي من تونس

(المصدر: صحيفة القدس العربي بتاريخ 31 ديسمبر 2004)

 
الوحي لم يعد مصدرا للحقيقة وما استقر لم يعد بالإمكان مقنعا!

في ندوة حول القراءات الحديثة للظاهرة القرآنية :
 
 

الرباط ـ القدس العربي ـ من منتصر حمادة:
 
 يبدو أن التركيز علي تقييم القراءات الحداثية أصبح القاسم المشترك بين أغلب الندوات الفكرية التي تتطرق للقرآن الكريم خلال الآونة الأخيرة. فأسابيع قليلة بعد إلقاء الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن لمحاضرة في هذا المضمار جاء تحت عنوان الآيات القرآنية والقراءات الحداثية ، تأتي ندوة جديدة نظمتها خلال نهاية الأسبوع الماضي بالدار البيضاء مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية يومي 10 و11 كانون الأول (ديسمبر) الجاري تحت عنوان: من تفسير القرآن إلي القراءات الحديثة للظاهرة القرآنية ، وقد تميزت بمشاركة جهابذة الفكر المحسوب علي الفكرانيات (الإيديولوجيات) العلمانية، وتمحورت حول المواضيع التالية: البناء الاجتماعي للحقيقة: من المصحف إلي المتون الرسمية المقفلة لمحمد أركون) و المقاربة التاريخية النقدية في فهم النص القرآني (ألفريد لويس دوبريمار عن الدار المتوسطية لعلوم الإنسان بإيكس أون بروفاس، فرنسا) و ما الحاجة إلي تفسير جديد للقرآن؟ (المنصف عبد الجليل عن معهد الدراسات حول حضارات المسلمين بلندن، وهو أحد المشاركين الجدد في تعديل المناهج الدراسية في تونس) و الاتجاهات الحديثة للتفسير علي الصعيد الدولي (جان دامن ماكوليف ـ جامعة جورج تاون ـ واشنطن) و أوامر إلهية أم أخلاقية قرآنية؟ (عبده الفيلالي الأنصاري عن معهد الدراسات حول حضارات المسلمين بلندن، وهو رئيس تحرير فصلية مقدمات المغربية والتي تصدر باللغتين العربية والفرنسية)، و القرآن: من النص إلي الخطاب (نصر حامد أبو زيد) و فلنقرأ (يوسف صديق، باحث من باريس ذهب إلي حد وصف أبو حسن الأشعري بأنه من الشخصيات التي جنت علي التقدم في تعاملنا مع النص القرآني !) و القراءة المعاصرة من التساؤل الحرج إلي البناء العلمي (فيصل العوامي المشرف العام علي مجلة القرآن نور القطيف) و البحث عن المعني الضائع للقرآن: بين أحكام المؤسسة وشؤون الفرد (ألفة يوسف عن المعهد العالي لأطر الطفولة ، تونس) و في بنية ومستويات النص الديني في الإسلام (المختار بنعبلاوي عن جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء) و الاستخدام السياسي للنص القرآني في الفكر الإسلامي المعاصر (محمد الشريف فرجاني عن مجموعة البحث والدراسات حول العالمين العربي والإسلامي بجامعة ليون الثانية بفرنسا).

نقد التفاسير الأرثوذوكسية!

نقرأ في الكراسة التعريفية بأشغال الندوة أنه بالموازاة مع التفسير التقليدي للقرآن، ظهرت قراءات جديدة أحدثت بعض الشرخ في الجدار السميك الذي تحصن به ما وصفته بالتفسير الأرثوذوكسي المسيطر منذ قرون طويلة علي المتخيل والوعي الإسلاميين، وهكذا أصبح النص القرآني منذ بداية القرن العشرين موضوعا لثلاثة أنواع من التفسيرات:
1 ـ القراءات التي تواصل العمل بالتقاليد الإسلامية للتفسير (التفسير المأثور، التفسير بالرأي، التفسير بالصوفي، إلخ) وهو التفسير الموصوف سلفا من قبل الكراسة بالأرثوذوكسي !!
2 ـ القراءات التي تعد امتدادا للتقليد الاستشراقي.
3 ـ القراءات التي أنتجها مسلمون مدركون لمأزق التفسير التقليدي والذين يحاولون إخضاع النص القرآني لأدوات ومناهج القراءة الحديثة، مع الاعتراف به كنص مؤسس لدين استطاع أن يتجاوز حدود الزمان والمكان والثقافات.
بعد ذلك استعرضت الكراسة مآزق التفاسير التراثية ، مؤكدة أنه لأسباب تاريخية، هيمن اتجاه تفسيري محدد علي غيره وهمشت خيارات تفسيرية من قبل التفسير الفلسفي للفخر الرازي أو التفسير الاعتزالي للزمخشري (القرن 12 الميلادي) وكذا مختلف القراءات الصوفية، وقد طره التفسير التراثي اليوم ثلاث مشكلات إبستمولوجية علي الأقل:
ـ اتساع حقله المرجعي، فالتفسير التراثي لا يكتفي بإدراج النص القرآني ضمن مرجعيته، بل يضيف إليه أيضا كل الإنتاجات الثقافية التي تلته، ويتعلق الأمر علي وجه الخصوص بالنصوص الثانية التي يرتبها وفق تصور كرونولوجي (الأحاديث النبوية وأخبار وأقوال الصحابة والتابعين)
ـ تتعلق المشكلة الثانية بالغاية من التفسير نفسه، فالقراءة التراثية تقعيدية معيارية تعبئ المصادر اللغوية والأدبية والتاريخية بهدف استنباط القواعد الفقهية والعقدية بالأساس، وهذه في الواقع مقاربة براغماتية وظيفية تفرض إجماعا مذهبيا مؤداه هو توظيف النص وإفقار التجربة الإيمانية التي هي محور علاقة المؤمن بالنص القرآني وإفراغها من التوتر الناجم عن مسعي المؤمن وتساؤلاته الملازمة لكل حالة إيمانية.
ـ وفيما يتعلق بالمشكلة الثالثة، فتبقي لصيقة بمفهوم المعني، علي اعتبار أن التفسير التراثي ينطلق من فكرة وجود معني واحد وأصلي أودعه الله في النص وأوحي به إلي نبيه. والحال أن هذه المقاربة أنتجت تفسيرا ذا مشروعية مؤسساتية تحول مع مرور الزمان إلي عائق دون نفاذ المسلمين المعاصرين إلي النص القرآني.

نحو إسلامولوجيا جديدة!

لن تخرج مداخلات الحضور المشار إليها عن هذا الإطار التمهيدي المؤسس، حيث ركزت علي إبراز حاجتنا من جهة إلي ما يسمي بـ القراءات الجديدة للقرآن، وعلي ضرورة الاستفادة من المقاربة الاستشراقية للنص الديني، والتي بحسب نفس الكراسة، يرجع الفضل إليها في تكسير الطابوهات والأفكار المسبقة التي أحاطت بقراءة النصوص المقدسة عموما والنص القرآني خصوصا(!) فعلاوة علي النتائج المترتبة علي المقاربات التي هيمنت علي دراسة الظواهر الدينية حتي أواسط النصف الثاني من القرن العشرين مثل الوضعية والعلمية والتاريخانية والمقاربة الثقافية، فإن الإسلامولوجيا الحديثة، التي تدين كثيرا للتقليد الاستشراقي، واجهت المشاكل الإبستمولوجية التي تعترض عادة أي علم يغامر باكتشاف حقل معرفي بكر، من قبيل: تعميمات تعسفية، مقاربات تبقي أسيرة مقاربة تنطلق بشكل واعي إلي هذا الحد أو ذاك من مركزية إثنية أو شبه كونية، اختزال الحقائق المركبة في الروايات الرسمية أوفي ظواهر عارضة جري تضخيمها.. إلخ.
أما القراءات الحديثة، وهي عين التوجه الفكراني/العلمي الذي يجمع بين الحضور المتدخل، فتقوم علي اعتبار أن ما أنجز من تفاسير وقراءات للنص القرآني لا تعدو كونها إنتاجا بشريا، يتوجب إخضاعه للنقد التاريخي. فالمحدثون ـ بيت القصيد في الخلاف الدائر اليوم حول التعاطي مع القرآن الكريم ـ ينظرون إلي الطابع 0التأسيسي والمرجعي للنص القرآني لا من باب سبقه الزمني بل من منطلق أن الوحي يتميز كنص بحضور مساير ومعاصرة متواصلة.
والقرآن بهذا المعني نص تأسيس أي كلام حي أو تنزيل مستمر بتعبير المفكر التونسي محمد الطالبي، ويبقي الرهان الحقيقي عند الإسلامولوجيين الجدد إن صح الوصف، هو تحرير العقل الذي يتولي مهمة استقبال الوحي وتأويله، إنه يتمثل في تحرير الفعل التأويلي المعاصر والعمل علي أن لا تظل الثقافة العربية ـ الإسلامية للقرون الثلاثة الأولي في أعين المسلمين بمثابة المعبر الوحيد الممكن للنفاذ إلي النص القرآني ! ولا تنكر الكراسة، التي يحسب لها أنها كانت صريحة، حتي نعلم مع من نتحدث أو نتحاور، وضمن أي فكرانية نجادل، أن المقاربة الحديثة هذه تستند إلي مفهوم المعني في ضوء مكتسبات نظرية التلقي الحديثة (الهرمينوطيقا) دون سواها، وإن أمكن، فسوف نضيف الفيلولوجيا أو البنيوية وما جاورهما.
ومعلوم أن المعني وفق المنظور الحديث، هو ثمرة علاقة جدلية معقدة بين القارئ والنص ضمن محيط اجتماعي وثقافي وتاريخي ونفسي. فمعاني النص سواء أكان نصا مقدسا أو غير مقدس، لا توجد مودعة فيه بمقتضي مقاصد مؤلفه، بل تتولد باستمرار، من خلال العملية التأويلية التي تمثلها القراءة المحكومة بنسبية مداركنا وتنوع تجاربنا، فتكون المعاني بذلك متغيرة ونسبية باستمرار .
وما دمنا نعيش في زمن الحداثة العربية المقلدة، نقرأ أن المقاربات الحديثة هذه تنطلق من وعي عميق ودقيق بمحدودية الخطاب التفسيري التقليدي وبالحاجة الملحة لثورة نقدية علي غرار تلك التي دشنتها أعمال اسبينوزا في أوروبا، وهي الثورة الفكرية التي أكدها عصر الأنوار، وفيما يتعلق بالإسلام ـ المستهدف الأول من قيامة القراءات الحداثية ـ فإن المطروح هو الانتقال من تلك القراءة النمطية العقائدية إلي مقاربة تأويلية والقبول بنتائجها سواء علي مستوي التصور الجديد للحقيقة الدينية أو فيما يخص انبثاق تعددية عقدية داخل المجتمعات ذات المرجعية الإسلامية ، ولو كان الأمر يتطلب نزع القداسة عن القرآن الكريم بتعبير طه عبد الرحمن.
بالعودة إلي ما جاء في مداخلات المتدخلين، نبدأ بالذي صدر عن المنصف عبد الجليل، الذي أكد في مطلع مداخلته علي أن صيغ التفكير تحتاج إلي الكثير من المراجعة والنقد حتي نكون أوفياء للبحث العلمي وللذهنيات التي نشأنا فيها، والتي تقف وراء التساؤل عن الحاجة إلي تفسير جديد للقرآن، مشيرا بشكل واضح إلي أن التفاسير القائمة أصبحت متجاوزة وكذلك الشأن مع وظائفها، وإلي ضرورة تطليق الوهم اللصيق بأي محاولة تفسيرية جديدة والتي قد تقرأ من قبل البعض علي أنها تطاول علي الائمة .
يورد المنصف عبد الجليل مجموعة أسئلة يعتبرها حرجة من منطبــــق أنه ابن الألفية الثالثــــة، أولها أن التفســـير التقليدي للقرآن هو بيان علي أن العالم كله، وهو بيان في كلام الله وعن الله، فكأنما التفسير يصبح إيغالا في كشف الحقيقة الربانية، وهذا معطي غريب للغاية من الناحية الفلسفية. وبالنتيجة يصل عبد الجليل أن الوظيفة التي كان يؤديها التفسير لم تعد كذلك اليوم، ولم يعد للمفسر أهمية، ونفس الأمر ينطبق علي الفقيه والمؤسسة الدينية.
يتمثل الحرج الثاني عند المتدخل في مصادرة المفسرين للنص، بحيث رأوا بأنه لا يساءل، والواقع أن هذه المصادرة تصطدم بثلاث إشكاليات، أولها التساؤل عن الدلالة الأساسية وأهمية النتائج التي تتجلي للباحث المعاصر عندما يقيم تفسيرا جديدا للوحي والقرآن باعتباره إنجازا لغويا!
إشكال آخــــر خاص بالانتقال الدقيق من القرآن إلي المصحـــــف، وهناك أخبار تتحدث عن تـدوين القرآن في الحقبة النبوية، وعن الجمع والتدوين أيام عمر وعثمان. متساءلا أيضا عن معني تواجد مصاحف بعض الصحابة (علي وأُبَي وعبد الله بن مسعود وحفصة وعائشة)!
أما الإشكالية الثالثة فترتبط باللغة العربية التي تخول لنا فهم القرآن! وما إن كانت العربية القرآنية ، أم عربية قريش المصطفاة أو أفضل عربية تكلمت بها العرب! ليخلص المحاضر إلي أن التفسير القديم لا يمنح الطمأنينة، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار المواصفات والمستجدات العلمية التي نعيش علي إيقاعها نحن أبناء الألفية الثالثة. ثم إن الهرمية المعيارية تغيرت عند مسلمي اليوم، فلم يعد للمحمود أو للمذموم أي معني! بدليل أنه لا يوجد هناك من يفكر في أن يدرس أبناءه الشريعة، بقدر ما يهرول نحو تدريسه لغة الحاسوب وعلم الطب، وكل ما نطمح إليه هو النهل من المعارف العالمية التي تبتعد عن المعارف القديمة ومنها المعارف الشرعية.
أما الأدهي في محاضرة المنصف عبد الجليل فكانت تأكيده علي أن الوحي لم يعد مصدرا للحقيقة !! وكونه لم يعد مصدر الشرعية، فالحقيقة أصبحت في مكان آخر، وأصبحت الشرعية تمنح بأسس أخري يمكن أن تكون خارج الدين، وأخيرا، وليس آخر: ما استقر لم يعد بالإمكان مقنعا .
وفيما يتعلق بالبدائل التي يطرحا المحاضر بخصوص تدشين تفسير جديد للقرآن، فقد أوجزها المنصف عبد الجليل في نقاط ثلاث:
ـ التشبث بجديد الأبحاث المتعلقة بالنص وتكوينه بالتركيز علي مبدأ تاريخية النص.
ـ ضرورة المقاربة الإناسية للمضامين القرآنية.
ـ ضرورة البحث المقارن للثاني في عربية القرآن.

البحث عن المعني في القرآن

من جهته، أشار نصر حامد أبو زيد إلي أن مداخلات الندوة تنطلق من سؤال أساسي مرتبط بالبحث عن المعني، أو المعني الذي يجب أن نتبناه من أجل نعيش في مجتمعاتنا. والحال أن الباحثين المعاصرين يسيرون علي نهج الانفتاح علي الثقافات والمناهج وإدراك أن المتن القرآني يتحمل هذه المناهج، وأنه لا يجب أن نقصره علي المناهج التقليدية، وإلا فإننا نجمد معناه في الزمان، وهذا خلاف من يزعم أنه قادر علي الحياة في كل زمان ومكان.
وأضاف أبو زيد أننا نؤمن علي المستوي النظري بمحيط المعاني في القرآن، وعلي المستوي العملي نجمد معاني القرآن ومناهج دراسات القرآن فيما استقر عليه البحث العلمي الذي استقر في القرن العاشر، وهذه أزمة محرجة، وإذا لم نثق بأننا نستطيع أن نري أبعد مما رأي أسلافنا، فنحن لا نستحق الحياة.
كما تساءل أبو زيد عن الإمكانيات التي تجعلنا نطور منهجا لفهم المتن القرآني القادر علي إخراج الفكر الإسلامي من أزمة التأويل والتأويل المضاد، من صنف التوفيق بين آيات قرآنية تحض علي القتال (قاتلوا الذين كفروا) وعلي السلام في آن (فإن جنحوا للسلام فاجنح لها)، وهذا تاريخ بدأ منذ القرن الثاني أو الثالث الهجري، بمعني أن حقيقة المعني يبقي خاضعا لإيديولوجيات المفسرين. وواضح أن البحث عن منهج هو محاولة للخروج من أزمة لها تاريخ طويل في الممارسة.
اشتغال المحاضر علي علوم القرآن تجعله يؤكد علي أن القرآن يبقي نصا بالدرجة الأولي، وهذا يتطلب منا أن نتعامل معه بمقاييس النص بأن تطبق عليه معايير تحديد النص. لولا أن تطور المعرفة والأسئلة تتطلب منا الأخذ بعين الاعتبار أن كلمة نص في اللغة العربية لها معان تاريخية تختلف عن معاني النص في الدراسات الحديثة (text) ليخلص فيما بعد إلي القرآن كان خطابات قبل أن يتحول إلي نص، وهذا يتبين من خلال قراءته، فهناك خطاب لمجموعات مختلفة من قبيل: يا أيها الناس ، يا أيها الكافرون ، يا أيها النبي ، يا نساء المؤمنين .. وهناك بالتالي خطاب لمجموعات مختلفة تمر عبر استخدام أساليب متنوعة ما بين الجدل والتهديد والتفاوض. إنها مستويات خطاب وليست مستويات نص.
وإذا كان الإيمان منطقة لا يجب المساس بها، فإن البحث والمعرفة ومحاولة إغناء الفهم يتطلب منا ذلك لأن هناك تبعات مصيرية علي عملية الخوض هذه.

(المصدر: صحيفة القدس العربي بتاريخ 29 ديسمبر 2004)

وجه الرأسمالية الجديد

توفيق المديني

الفصل الثالث
الإمبراطورية الأمريكية والحرب من أجل النفط

 
 
 
6 - أمريكا في مواجهة إعادة إعمار العراق :
    كان الحسم العسكري الأمريكي سريعا في العراق، لكن مسألة إعادة إعمار العراق وتحويله إلى بلد مزدهر وديمقراطية منفتحة تعيد تشكيل الشرق الأوسط، تبدو في غاية الصعوبة وو التعقيد. والسؤال الذي يطرحه المحللون الاقتصاديون المستقلون في الغرب، ماهي كلفة إعادة بناء الاقتصاد العراقي المنهار الذي دمرته عقود كاملة من الديكتاتورية والحروب الإقليمية، وو الحرب الأمريكية –البريطانية الخاطفة، حيث أصبح اليوم مرتعا للفوضى ؟
   في مطلع نيسان 2003الماضي صرح معاون سكرتير الدولة لشؤون التخطيط السياسي في واشنطن "ريتشارد هاس" وتعتبر دائرته أحد مصادر صناعة القرار في الإدارة الأمريكية قائلا:إن أولى أولويات البيت الأبيض  اليوم تتمحور حول إعادة إعمار العراق على الصعد الأمنية وو المساعدات الإنسانية وتقديم الدعم المالي للإصلاحات السياسية والاقتصادية وما شابه. من هنا جاء تساؤل المراقبين:هل تتمكن إدارة مدنية أمريكية بقيادة الحاكم بول بريمر  من النهوض وحدها بهذه المهمة أم ستشرك معها المنظمات التابعة للأمم المتحدة؟    ومازالت واشنطن تتحدث كثيرا عن إعادة إعمار العراق وتحويله إلى بلد مزدهر وديمقراطية منفتحة تكون نموذجا يحتذى به في كل منطقة الشرق الأوسط,غير أنه ما من أحد تكلم  بوضوح عن تكاليف ذلك كله، ربما لأن دافع الضرائب الأمريكي لا يجب أن يسمع الأرقام الحقيقية. ستبدو المبالغ الموظفة، من الآن فصاعدا قد بلغت مستوى مقلقا بأعين الباحثين الأمريكيين :17 مليار دولار سنويا لتكاليف الاحتلال وحدها التي يجب إضافة إليها(بحسب تقدير مجلس الأعمال الخارجية ) " عدة مليارات " للمساعدة الإنسانية .
    لكن هذا الرقم هو صغير في الحقيقة مقارنة مثلا مع 726 مليار دولار كتخفيض للضريبة التي ينوي الرئيس بوش في الوقت نفسه، جعل الكونغرس يصوت عليه. إضافة إلى ذلك، يبدو واضحا أن هذه المبالغ التي تنظر الإدارة  في إنفاقها من أجل إعادة إعمار العراق سينتهي قسم كبير منها في جيوب أمريكية، نظرا لأن الشركات التي ستتولى إعادة الأعمارالإعمار في مختلف المجالات هي شركات أمريكية بامتياز، أما  الفتات فيذهب إلى حلفاء واشنطن في حربها العدوانية .
    إن إعادة إعمار العراق تستدعي التفكير بمخططات الولايات المتحدة الأمريكية لإدارة اقتصاد هذا البلد. وقد عين الأمريكيون بالفعل المسئوولينالمسؤولين المزمعين عن عدد من الوزارات، مثل التجارة والصناعة والمعادن، لكن ليس المناصب الرئيسية في وزارة الطاقة، أو وزارة المال التي تقع عليها مهمات أساسية مثل إعداد الموازنة وإصدار عملة جديدة وتسلم الإيرادات وو إدارة الدين الخارجي الهائل الحجم. فالقضايا المسيطرة حتى الآن على التنافس الدائر حول مستقبل العراق الاقتصادي هي المساعدات وإعادة الأعمار، وبالطبع إيرادات النفط التي يمكن استعمالها لمواجهة هذه.
    وفيما يخص إدارة وملكية النفط، بدأت خارج العراق تساؤلات وشكوك الذين يعرفون ما يكفي عن " الاقتصاديات الريعية " في أمكانإمكان إعادة تشكيل مجتمع مدني من قبل دولة تتمتع بمورد على هذا القدر من  الأهمية. فعادة تستخدم الدولة أو النظام في العراق وفي باقي البلاد العربية الثروة النفطية في الدرجة الأولى لإدامة نفسها في السلطة. وهناك نقاشات في هذا الصدد ضمن الفريق الاقتصادي الأمريكي. فهناك المطالبون بإدارة مركزية قادرة على توجيه إيرادات النفط إلى مشاريع إعادة الأعمارالإعمار والتنمية، وهناك الذين يفضلون النموذج الأمريكي، حيث يدار النفط من قبل عدد من الشركات الخاصة المستقلة إلى حد كبير عن سيطرة الدولة .
    ويبدو واضحا من خلال تصريح الناطق الرسمي باسم الرئيس بوش آري فليشر، منذ  احتلال العراق أن " العراق هو بلد ثري. وهو يملك قدرة مالية داخلية هائلة يمكن الاعتماد عليها .. بفضل ثرواته النفطية ". والحال هذه، فإن الرئيس بوش سيظهر أكثر من أجل إعادة إعمار العراق، مما كان عليه في أفغانستان عام 2001، إذ اقتصرت ميزانية المساعدة إلى أفغانستان على 937 مليون دولار، بوجه احتياجات للسنوات الخمس المقبلة مقدرة بعشرين مليار دولار حسب حسابات وزير المالية الأفغاني .
    وترى إدارة بوش أن العراق يحتوي باطن أرضه على ثروة نفطية هائلة. لكن السؤال الحقيقي المطروح هو التالي : من سوف يدفع الفاتورة التي تقدر بخمسة مليارات دولار من أجل إعادة تحديث البنية التحتية التي دمرتها وسائل استخراج وتكرير النفط العراقي ؟ ومن دون هذا الاستثمار في البنية التحتية، سيبقى إنتاج البلد عند مستواه الحالي 5، 2 مليون برميل يوميا، أي بالكاد 3% من مجموع الاستهلاك العالمي، وإذا اعترفنا أن العراق في ظل الاحتلال الأمريكي، قادر على زيادة إنتاجه إلى 3 مليون برميل في اليوم, وفي الفرضية حيث هذه الزيادة لن تتسبب بهبوط جديد لسعر البرميل، فإنه يمكن أن يقدر المد خول السنوي الإجمالي بـ27 مليار دولار. ومن خلال هذا المبلغ الإجمالي يجب حسم كل أنواع التكاليف الآنية زيادة على التكاليف العادية للإنتاج , الأول هو إقامة النظام والقانون في البلد. والثاني هو الدين الحالي الخارجي للعراق 60 مليار دولار لدائنين أجانب و200 مليار إضافية تعود للخسائر المتعلقة بالحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الثانية .
   وكان المسؤولون في وزارة الدفاع (والبيت الابيض) افترضوا أن في مقدورهم استعادة كلفة الحرب من خلال المداخيل النفطية العراقية وأنهم إذا احتاجوا إلى المال فلن يكون عليهم سوى فتح الحنفية في بغداد. لكنهم عندما شرعوا في دراسة الحسابات وقعوا على بعض المفاجآت المزعجة. أولا ليس لأن زيادة الانتاج العراقي تتطلب وقتا طويلا بل إنها أيضا بحاجة الى استثمارات مالية ضخمة. فمجرد إعادة المنشآت الحالية إلى وضعها الطبيعي (إصلاح الآبار والأنابيب المتلفة إلى درجة أنها أضرت كثيرا بخزانات البلاد) ستبلغ كلفتها أكثر من مليار دولار، شرط ان لا يعتمد صدام خطة الارض المحروقة. ان رفع الانتاج إلى مستواه التاريخي اي 3،5 ملايين برميل يوميا يتطلب ثلاثة أعوام على الأقل وتقدر الاستثمارات في حقول النفط بثمانية مليارات دولار، إضافة الى عشرين ملياراً لاصلاح شبكة الكهرباء الوطنية (التي تغذي المضخات والمصافي). أما ايصال الانتاج إلى 6 ملايين برميل يوميا فإن كلفته تبلغ ايضا 30 ملياراًإ ضافية([23]).
إنها ليست مبالغ ضئيلة في بلد يبلغ مردود صادراته النفطية 15 مليار دولار سنويا. ومع ذلك فإنها لا تمثل سوى النذر اليسير مما كان الاميركيون يأملون تغطيته من خلال الصادرات النفطية العراقية. لا احد يعرف بالضبط ماذا ستكون عليه كلفة اجتياح العراق لكن ادراة بوش تقدم رقم 100 مليار دولار.
ويقدر مكتب الموازنة في الكونغرس كلفة مرابطة القوات الاميركية في العراق بما بين 12    و45مليار دولار سنويا. من جهتها خدمة الدين الخارجي العراقي البالغ اكثر من 110 مليارات دولار تتطلب ما بين 5 و12 مليار دولار سنويا. ما أن اكتشف الاميركيون ذلك حتى هرعوا إلى الضغط على الدائنين الكبار كالدول العربية وروسيا وفرنسا كي يعمدوا إلى إلغاء هذه الديون فور إنتهاء الحرب. إن التعويضات التي يطالب بها العراق إثر اجتياحه الكويت تصل إلى ما يقارب الثلاثمئة مليار دولار مع ان الوكالة المسؤولة عن جبايتها تقدر ما سيدفعه العراق في النهاية 40 مليارا فقط يعود هذا الخفض الى الضغوط الأميركية على الكويت كي تتخلى عن المطالبة بتعويضاتها([24]).
أخيرا لا احد يستطيع تقدير عدد العراقيين المرشحين للتشرد وبالتالي حجم المساعدة الانسانية المطلوبة علما بأنه حتى في زمن السلم يستورد العراق سنويا اغذية وأدوية بمبلغ 14،5 مليار دولار.
    إذا أرادت الولايات المتحدة أن تجعل من العراق نموذجا للمنطقة، يجب إعادة بناء اقتصاده. ويقول المحللون الاقتصاديون المستقلون إن ذلك يحتاج إلى عشرة بلايين دولار عبر السنوات الثلاث المقبلة لإعادة الخدمات العامة، والزراعة، والبنى التحتية، ومستوى المعيشة إلى ما كان عليه أواخر الثمانينات.    وجاءت الحرب الأخيرة لتضرب إمدادات الغذاء والمياه والتيار الكهربائي، والطرق، وو المطارات، وشبكات الاتصال، وإن لم تحدث أضرارا أساسية في البنية، في المدى الطويل.  وفي الفترة نفسها أي ما قبل الحرب، زادت نسبة وفيات الأطفال إلى حد كبير وتراجع المستوى التعليمي تراجعا فظيعا، وأصبحت البطالة قاعدة لا استثناء ،و استطاعت أكثرية العراقيين البقاء على قيد الحياة ببطاقات الطعام الموزعة من الحكومة .
    إن الخروج من الحطام الاقتصادي والاجتماعي، سوف يستغرق سنوات عدة وعشرات بلايين الدولارات للاستثمار في تحديث وسائل استخراج النفط وتكريره وتصديره. وهذا يستدعي تطبيق خطة مارشال جديدة في العراق. لكن السؤال الذي يفرض نفسه, ,هل إن الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد لتطبيق مشروع مارشال جديد في العراق، على غرار ما طبقته في ألمانيا وأوروبا عامة ؟
    يملك الرئيس بوش رؤية تقليدية بما يكفي عن الذي حصل بعد الحرب العالمية الثانية. وقد صرح في شهر شباط 2003، من خلال القيام بمقارنة ضمنية مع عام 1945، مع ألمانيا الغربية واليابان بعد الإطاحة بنظاميهما " لقد أخذت أمريكا هذا النوع من الالتزامات وتمسكت به، بعد أن انتصرت على العدو، لم نغادر مخلفين وراءنا جيوش احتلال، بل تركنا دساتير وو برلمانات. وللتأكيد في هذا المنطق :" سنبقى في العراق الوقت اللازم ولا يوما واحدا أكثر ".
    لكن الرئيس الأمريكيالأميركي حساس جدا إزاء ذكر خطة مارشال لأوروبا التي وضعت بعد عام 1945، لأن مرجعية كهذه تعني أننا نستطيع أن نطلب منه دفع المال من أجل وضع خطة مارشال في الشرق الأوسط. وهذا ما يجب أن تقترحه الولايات المتحدة كي تصبح إعادة إعمار العراق حقيقة واقعية .
    لقد وزعت الولايات المتحدة، على شكل مساعدات وليس قروضا، حوالي 8، 11 مليارات دولار للإقتصادات الأوروبية التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، وإذا قارنا هذا الرقم اليوم بالدولار آخذين بعين الاعتبار التضخم وحده، فإننا نصل إلى مبلغ  جسيم 90 مليار دولار. وإذا دمجنا معه النمو، نلامس الـ470 مليار دولار أي معدل 5 ،4 % من إجمالي الناتج الداخلي العام الأمريكي. بكل تأكيد، لا أحد يدعي ولو لحظة أن العراق بحاجة إلى استثمارات كهذه .فالاقتصاد العراقي يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة، لكنه يختلف كليا عن اقتصاديات أوروبا الغربية .
    إن القضاء على نظام صدام حسين أمر سهل وسريع للولايات المتحدة، لكن إعادة إعمار العراق للخروج من حالة دمار الحرب أمر في غاية الصعوبة، فهذا يحتاج  إلى استثمار مالي تابع لإنهاض اقتصاد البلاد .
    العراق محظوظ، بأنه يحتوي في أرضه على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم. ومن دون صدام، كان يمكن لهذا البلد بما لديه من ثروات – أن يؤمن لشعبه حياة كريمة ورغيدة. وو للوصول إلى ذلك الآن، يحتاج الأمر إلى إنفاق هائل لا تريد إدارة بوش أن تعترف به، لأنها تريد تمويل الأعمال من خلال بيع النفط العراقي، ولكن للعراق التزامات لدول أخرى وشركات تراوح بين 60 و100 مليار دولار، توقف تسديد أقساطها منذ سنوات وسنوات، إضافة إلى التزامات الديون فحتى لو جرت جدولة الديون أو تأجيلها، فإنها ستظل تأخذ قسطا كبيرا من مدخول العراق من النفط.
وبعدمرور  أربعة عشر شهرا من الإحتلال الأمريكي للعراق,  ألقى بهذا البلد العربي الغني في مناخ من العنف والفوضى , أصبحت فكرة إعادة البناء  مخالفة للصواب. وحتى بورصة بغداد التي افتتحت في 24 يونيو الماضي , أقيمت  في مكان  لايزال سريا  حتى هذه اللحظة. ومنذ عدة أسابيع ما انفكت العمليات العسكرية التي تستهدف تخريب المنشآت النفطية تتكاثر بانتظام. وخلال أسبوع – من 14  إلى 21 يونيو - كانت خزينة الدولة خالية من مداخيل الصادرات النفطية بعد تدمير خط أنابيب نفط في منطقة البصرة.كما أن الشركات الأجنبية أصبحت مستهدفة من قبل المقاومين العراقيين.
و إذا كانت العواصم الغربية  مستمرة بضراوة في المراهنة  على فرص  هذه السوق الكبيرة المقدرة بنحو 56 مليار دولار- وهذا تقدير كعكعة إعادة الإعمار التي قام بها البنك الدولي-فإنه على أرض الواقع , تغير القنابل وخطف العاملين في الشركات الأجنبية , حسابات هؤلاء. ومن بين آخر الفصول الدموية لهذه الهجمة نحو الذهب المعلن, فقدان شركة جنرال إلكتريك ثلاثة من موظفيها  وحراسهم الشخصيين  في إنفجار  ركبهم في قلب  بغداد. وفي 22 يونيو الماضي تم قطع رأس مترجم  كوري جنوبي لم يتجاوز عمره 33 عاما    من قبل جماعة  تنتمي إلى شبكة القاعدة. وكان القتيل يعمل لمصلحة شركة غانا جنرال ترادينغ , مكلفة بتوزيع المواد الغذائية  والتجهيزات للجيش الأمريكي. وأمام هذه الحالة من تنامي حالات الإختطاف لعمال وموظفي الشركات الأجنبية العاملة في العراق, بدأت هذه الأخيرة بالإنسحاب.فشركة سيمنس , المتواجدة في بغداد لإقامة شبكة الهاتف الجوال , قررت ترحيل متعاونيها من الألمان.كما رحلت الشركة الروسية لإعادة  تشغيل شبكة الكهرباء في العراق , في نهاية مايو الماضي.
و تعتبر المؤسسات الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة, أنه من المفضل الإبتعاد عن الساحة العراقية." فالعراق يشهد مزيدا من العنف وهذا الوضع يحول دون تواجدفعلي  لموظفي الأمم المتحدة بهدف دعم المسار السياسي لإعادة  الإعمار" حسب قول أمينها العام كوفي أنان.أما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان يقولان أنهما مستعدان لتقديم العون للشعب العراقي , فهما يديران أعمالهما انطلاقا من بيروت, وليسا لديهما أي وصفة يمكن تطبيقها في موضوع العراق. فدعم" مسار السلام" , و"إعادة الإعمار" اللذان طبقاه في  البلقان, وأفريقيا, أو حديثا في أفغانستان, يبدو مبكرا في حال العراق. 
وتتكون مصادر الثروة في العراق من النفط والغاز , ولكن أيضا من الماء على نقيض بلدان المنطقة الأخرى. بيد أن الزراعة التي تؤمن 8% من الناتج الداخلي الخام  حسب تقدير البنك الدولي وتشغل 20%  من العراقيين , عانت كثيرا من الحروب المستمرة منذ عام 1980.فالعراق يستورد أكثر من نصف حاجياته الغذائية . والقطاع الصناعي الذي تهيمن عليه 192 شركة تابعة للقطاع العام, عانى بدوره كثيرا من نقص الاستثمارات  منذ أكثر من عقدين. وتعرضت بنيته التحتية إلى خسائر كبيرة. وهكذا يظل النفط, المفتاح المتغير للإقتصاد العراقي , بما أنه يؤمن أكثر من 95% من عائدات الصادرات وكذلك من المحاصيل للموازنة. وقد حرم الهبوط العنيف في الإنتاج عام 2003  الناتج الداخلي الخام أكثر من 30%. وتعلن المؤسسات  الدولية تداركا مشهديا هذه السنة , بزيادة في العائدات تقدر بنحو 30%. كل الأرقام جيدة , ولكن يجب التعاطي معها بحذر.
إن تأثير الحروب يمكن قراء ته من خلال متوسط الدخل للفرد الواحد في العراق, الذي انتقل من 3600 دولار في عام 1980 بعد سنة على تسلم صدام حسين السلطة إلى معدل  فارق إقتصادي  محصور بين 960 دولار و720 دولار في عام 2002. وهذا الدخل الوسطي أضحى  يتراوح  مابين 630 و420 دولار في عام 2003, الأمر الذي يجعل من العراق  أحد البلدان الأفقر في العالم. وأصبحت كل مؤشرات التنمية البشرية من الآن فصاعدا من أضعف المؤشرات في المنطقة, بينما كان العراق يقدم كنموذج ناجح للتنمية في عقد السبعينات.وحسب إحصائيات البنك الدولي, فإن  معدل البطالة تجاوز 50% , وأكثر من عراقي من ستة  , رهن لنظام توزيع الأغذية , وما يقارب واحد من ثلاثة  يعاني من نقص التغذية. كما ازدادت الوفيات بين الأطفال  منذ بداية فرض الحظر الاقتصادي الدولي على العراق بدايةالتسعينات من القرن الماضي, وحسب الأرقام المتوافرة يمكن مقارنتها بالوفيات للأطفال في أفريقيا جنوب الصحراء. وتؤكد المؤشرات  أيضا  التراجع الكبيرالحاصل  في إلتحاق الأطفال بالمدارس الإبتدائية والثانوية.
في مثل هذا الأوضاع السيئة  هل يستطيع السيد إياد علاوي أن يفعل أفضل من الحاكم الأمريكي بول بريمر؟إن العقد ذو المدة المحددة الذي عهد إليه  حتى الإنتخابات التشريعية  المقرر إجراؤها في 31 يناير 2005, هو أبعد من أن يفسح له في المجال للتصرف بحرية. فليس مسموحا له أن "يتخذ قرارا يلزم مصير العراق إلى ما أبعد من المدة الإنتقالية" , طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 1546. وإذا كانت مداخيل الدولة من العائدات النفطية قد ارتفعت بقيمةإضافية  قدرت بنحو 2 مليار دولار منذ بداية العام , بسبب ارتفاع أسعار النفط,  إلا أن أقل عملية عسكرية تستهدف أنابيب النفط يمكن لها أن توقف هذا الريع.
لقد قررت المجموعة الدولية الإحتفاظ بصندوق التنمية للعراق الذي تودع فيه العائدات النفطية, ورصيد حساب " النفط مقابل الغذاء" ورؤوس الأموال العراقية المجمدة في الخارج. ويحظى هذا الصندوق بإعفاء يجعل من العراق  في مأمن من دائنيه.بيد أن العراقيين مستمرون في دفع 5% من المداخيل النفطية إلى الكويت, تحت باب تعويضات غزو 1990(600 مليون دولار هذه السنة). والحال هذه , لا تزال هذه النقطة غامضة: تعيين بنك للوفاء بدفع التعويضات.
لقد فتح الأمريكيون حسابا رئيسيا في الخزينة الفيدرالية بنيويورك , وحسابا آخر في البنك المركزي العراقي , اللذين يتما تحويل  الأموال إليهما عندما تقتضي الضروروة ذلك. وفي آخركشف حساب نشره التحالف  في 9 يونيو الماضي, يمتلك صندوق التنمية للعراق أموالا بقيمة 9,7 مليار دولار منها 8,5 مليار دولار توجد في نيويورك. المنطق يقول يجب أن تحول كل هذه الأموال إلى بغداد قبل 30 يونيو2004. بيد أن شيئا من هذا لم يحصل.
تقدر الموازنة المخصصة للحكومة المؤقتة بنحو 13 مليار دولار, أي ما يعادل موازنتي وزارة التعليم العالي ووزارة العدل في فرنسا. وهذه الموازنة تكاد تغطي نفقات إدارة غير مستقرة بسبب حملة التطهير التي طالت  القسم الكبير من الكادرات المرتبطة بحزب البعث,  ودفع رواتب مليون موظف يعمل لدى الحكومة, ومكافأة 500000 أجيرا يعملون في 192 شركة تابعة للقطاع العام, وضمان توزيع الحصة الغذائية الشهرية لكل مواطن. وهذا الإلتزام الموروث من برنامج " النفط مقابل الغذاء" الذي تم اعتماده إبان الحظر المفروض على العراق يبتلع  أكثر من ربع إمكانيات الحكومة. وهكذا , فإن هذه الموازنة التي أقرها الأمريكيون  تغطي بالكاد  الحد الأدنى الضروري للإبقاء على عمل الدولة. لكن هذه الموازنة لا تزال بعيدة  كليا عن تحقيق الإقلاع الاقتصادي , وخلق مناخ اقتصادي متكيف مع  النمو والإزدهار...فبدون استثمار مكثف, من الصعب جدا أن يخرج القطاع الخاص من حالة الكساد الموجود فيهافي الأمد المنظور.
هل ستسهم المساعدات  الدولية في إعادة إعمار العراق ؟ منذ الوعود التي قدمت في مؤتمر مدريد الذي عقد في أكتوبر 2003- ووعد بتقديم 33 مليار دولار من قبل المانحين على مدى أربع سنوات-لم يقدم للعراق سوى مليار دولار واحد من أصل  4 مليارات دولارضرورية  مقرة لهذه السنة, من أجل تمويل  المشاريع المعتبرة ضرورية  من قبل الحكومة العراقية.لقد أفرجت الولايات المتحدة الأمريكية عن كمية من الأموال بقيمة 18,4 مليار دولار للمساعدة المستعجلة وإعادة الإعمار, لكن على الورق, وتحت إشراف سلطتهم , لم تقدم سوى 7,8 مليار دولار في أواسط يونيو.
وتدور معركة قوية الآن حول مستقبل العراق، ولكنها معركة من دون قتلى، وحوادث تفجير، وعمليات اغتيال، أو قطع الرؤوس. إنها تدور في كنف السرية المطلقة، في بغداد وواشنطن، وباريس، ولندن، وموسكو، وطوكيو. أما محور هذه المعركة، فهو مستوى إلغاء الديون العراقية، الذي سيوافق عليه الدائنون الرئيسيون. فمن أجل تمويل حروبه  خاصة تلك الحرب الطويلة ضد إيران التي كلفته 100 مليار دولار  لجأ نظام الرئيس السابق صدام حسين إلى الاقتراض الخارجي بكثافة. وفيما كان فائض من العملة الصعبة بنحو 40 مليار دولار في عام 1976 ارتفعت الديون العراقية بعد الحربين الخليجيتين إلى 120 مليار دولار  أكثر من نصفها في شكل فوائد غير مدفوعة  حيث أن عملية دفعها تشكل عبئا ثقيلا على الحكومة الجديدة المطالبة بإعادة إعمار العراق.
هل يجب إلغاء الديون العراقية كليا أو جزئيا ذلك السؤال الجوهري الذي لا يزال يثير جدلا ساخنا داخل المجموعة الدولية، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا؟ قبل غزوه للكويت، كان للرئيس السابق صدام حسين عدة مشاريع لتحديث بلاده، بفضل ما يمتلكه من ثروة نفطية هائلة، وأصدقاء كثيرين على الصعيد الدولي. وكانت اليابان، وروسيا، وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، تتسابق للتوقيع على عقود لمصلحة شركاتهما، والحصول على إجازات للاستثمار في حقول النفط، وبيع الأسلحة، وكانت القروض تقدم للعراق بسخاء كبير.
وعندماتسببت حرب الخليج الثانية في قطع علاقات العراق مع المجموعة الدولية، كان يتوجب على بغداد أن تدفع عشرين مليار دولار إلى البلدان الغربية المجتمعة في نادي باريس. وبعد ثلاث عشرة سنة من مرور تلك الحرب، تضاعفت هذه الديون إذا ما أضفنا إليها الفوائد غير المدفوعة. بيد أن هذا الدين تجاه أعضاء نادي باريس لا يمثل سوى الثلث من مجموع الديون العراقية التي بلغت 125 مليار دولار، والتي أصبحت بغداد مطالبة بتسديدها. ويضم نادي باريس الذي ترأسه فرنسا منذ إنشائه في عام 1956 ال 19 الدائنين الرئيسيين من الدول الصناعية الغربية. وتصطف البلدان الأكثر فقرا، أو الخارجة من حروب دمرت بنيتها الاقتصادية، أو تلك التي ورثت ديونا من نظام استبدادي، التي لم تف بدفع ديونها أمام بوابة هذا النادي لإعادة جدولة ديونها، وبأمل الحصول على شروط دفع تتوافق مع إمكاناتها وكذلك تخفيف أعباء خدمة الديون التي عادة ماتكون “غير محتملة”.
على مر السنين، كيف نادي باريس معاييره ليأخذ بعين الاعتبار أوضاع البلدان الأكثر فقرا. فمنذ عام 1994 على سبيل المثال، سمحت “حدود نابولي” بتخفيض الديون حتى نسبة 67% للبلدان التي لها دخل أقل من 755 دولارللفرد وسنويا. وقد طالبت البلدان الفقيرة الأكثر استدانة في مبادرتها برفع هذه النسبة إلى 90%. وكانت مقاربة قمة الدول الثماني الأكثر تصنيعا في العالم التي عقدت في يونيو/ حزيران ،2003 أنها وسعت مبدأ إلغاء الديون إلى حدود 50%، مع دراسة كل حالة على حدة، للبلدان ذات الدخل المتوسط. ولا يستطيع نادي باريس أن يقترح إعادة جدولة ديون أي بلد من دون أن يوقع هذا الأخير اتفاقا مع صندوق النقد الدولي.
و يطرح الخبراء السؤال التالي: كيف يمكن معالجة الديون العراقية؟
العراق بلد غني بنفطه، ولا ينتمي إلى أي فئة من البلدان سوى تلك الفئة شديدة الحساسية بالجغرافيا السياسية. وقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة أن الموضوع يعتبر أولوية لها. فمنذ أول مايو/ أيار 2003 طلب نائب رئيس الخزانة الفيدرالية الأمريكية، جون تايلور من الدول الدائنة للعراق بعدم التسرع في مطالبة بغداد تسديد ديونها. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، اعتقدت أنها وضعت حدا نهائيا لعملياتها العسكرية في العراق، وأنها طوت صفحة الحرب لكي تعطي للشعب العراقي حظوظه لإعادة بناء بلاده.
إذا كانت الدول الدائنة كلها، المجتمعة في نادي باريس، متفقة على تخفيض الديون العراقية، إلا أنها تتصارع فيما بينها على حجم التخفيض هذا. وكان هناك فريقان يتصارعان حسب الانقسامات التي حصلت قبل اندلاع الحرب الأنجلو-أمريكية على العراق. فالولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أن الوضع المالي الكارثي هو نتيجة جنون صدام حسين، تطالب الدول الدائنة للعراق بإلغاء ديونها كاملة.
وبعد أشهر قليلة من الإحتلال الأمريكي للعراق، بدأ نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفوفيتز يمارس الضغوطات على كل من فرنسا وروسيا وألمانيا لإلغاء ديونها تجاه العراق كليا أو جزئيا، مبررا ذلك أن هذه الديون “ناجمة من الأموال التي أقرضتها هذه البلدان إلى صدام حسين لشراء أسلحة، وأجهزة قمع، وبناء قصور”. ولم تكلل هذه الضغوط، كما المساعي التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر لدى البلدان الدائنة للعراق، بأي نجاح يذكر. وما انفكت باريس تردد أن الديون العراقية يجب معالجتها في إطار نادي باريس المتعدد الأطراف، وحسب مبادئه.
 وعقب قمة الثماني الأخيرة في سي أيسلند، أكد الرئيس جاك شيراك موقف فرنسا الداعي إلى تخفيض “جوهري” للديون العراقية، أي ما يقارب 50%، الأمر الذي يتوافق مع مقاربة قمة إفيان. لكن لا يمكن أن نذهب أبعد من ذلك. فقد قال شيرا ك في حينه: “العراق بلد غني، بالقوة، حتى لوكانت ديونه ضخمة”. وأضاف شيراك “كيف يمكن أن تشرحوا ل 37 بلداً الأكثر استدانة أننا سنفعل خلال ثلاثة أشهر للعراق أكثر مما فعلناه لتلك البلدان خلال عشر سنوات؟” إلى الحجة الأخلاقية الأمريكية  العراق الجديد الديمقراطي لا يجوز له أن يدفع ديون عراق صدام حسين  تقود فرنسا معارضة لواشنطن هي أخلاقية أيضا.
لاشك أن هذا الهجوم الأخلاقي يضحك المراقبين. فمن ناحية، تكمن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق العراق نهضته الاقتصادية في أسرع وقت ممكن. ومن ناحية أخرى، لا تريد فرنسا  بوصفها الدائن الثالث الأكبر للعراق بنحو 3 مليارات دولار  أن تقدم هدية مالية لأمريكا جورج بوش، خاصة أن مسألة الديون العراقية مرتبطة في الوقت الحاضر بمسالة مساهمة شركات هذا البلد أوذاك في سوق إعادة إعمار العراق. ولقد عرض المستشار الألماني غيرهارد شرودر هذه المسألة بصراحة في قمة الثماني: “يجب على نادي باريس التفاوض بشأن التخفيض الجوهري لديون العراق، نحن مستعدون لانطلاقة مسار إعادة الإعمار، ولكننا ننظر مقابل ذلك للاقتصاد الألماني”. أما وزير المالية العراقي عادل عبد المهدي، فقد صرح لصحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 9 يونيو/ حزيران الماضي/: “إن العراق مفتوح للمصالح الفرنسية والأوروبية. ولا يوجد أي شخص هنا يمنعها من العودة. وسنكافئ فرنسا (على إلغاء ديونها) بعودة شركاتها واستثماراتها”.
بيد ان الحرب المستمرة في العراق بصورها المعروفة تجعل النقاش حول نقل الشركات الأجنبية خطوط إنتاجها إلى ذلك البلد يدور في إطاره النظري. وفي الوقت الحاضر، الأعطية الوحيدة من المال التي يمكن أن تصل إليها الشركات التي تريد العمل في العراق هي تلك الأموال التي وافق عليها الكونجرس الأمريكي (18،4 مليار دولار). ومن هذا المبلغ تم منح 8 مليارات دولار إلى الشركات الأمريكية. ولم تمنح العقود سوى لبعض الشركات البريطانية أو الأسترالية. وكما كان متوقعا، فإن الشركات الفرنسية والألمانية والروسية، التي عارضت حكوماتها الحرب الأمريكية على العراق لم تحصل على أي من العقود الممنوحة.

 

 

31decembre04

 

Weboscope Mesure d'audience, statistiques, ROI
Classement des meilleurs sites, chat, sondage

 

قراءة 375 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 25 أيار 2016 23:49