الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر -0001 00:00

23juli07a

Home - Accueil - الرئيسية

في كل يوم، نساهم بجهدنا في تقديم إعلام أفضل وأرقى عن بلدنا، تونس

Un effort quotidien pour une information de qualité sur notre pays, la Tunisie.

Everyday, we contribute to a better information about our country, Tunisia

TUNISNEWS
8 ème année, N° 2617 du 23.07.2007
 archives : www.tunisnews.net
 

 


تحديث عريضة المساندة للسجين السياسي عبد الكريم الهاروني
هند الهاروني: ما حدث اليوم الاثنين 23 جويلية 2007
المنظمة الوطنية لحقوق الانسـأن بتونس: بيــان بمنـاسبة عيد الجمهوريــة
عبدالله الـزواري: حصاد الأسبوع بمناسبة "عيد الجمهورية" رحمه الله
فتحي التوزري - محمّد القوماني -  مالك كفيف : في الذكرى الخمسين لعيد الجمهورية , ضرورات تطوير نظامنا السياسي
جعفر الأكحل: معا من أجل جمهورية الغد
الاستـاذ فيصل الزمنـى: بمنــاسبة عيد الجمهورية
مرسل الكسيبي: جرحان عميقان في جسد نصف قرن يمر على تأسيس الجمهورية التونسية
د. عبد السلام المسدي: الخيار الجمهوري وتجديد الوعي
جريدة "الصباح":بمناسبة الذكرى الـ50 لإعلان الجمهورية:أي دور للمجتمع المدني في تدعيم مكاسب الجمهورية وصيانتها؟
جريدة "الصباح الأسبوعي" :في الذكرى الخمسين لإعـلان الجمهورية:أي تونسي نريد؟
افتتاح الموقع الرسمي للشيخ عبد الرحمان خليف رحمه الله
محمد الحمروني: هل نحن على أبواب حل لمشكلة الرابطة
قناة المستقلة: نص الحلقة الأولى من برنامج "فضاء ديمقراطي"
سفيان الشّورابي: الاتحاد العام لطلبة تونس - مسار التوحيد يقطع أشواطا هائلة
الهادي بريك: نجم الدين أتاتورك ورجب الفاتح.باقة دروس بليغة على مائدة الحوار الإسلامي. الحلقة الأولى
افتتاحية صحيفة "القدس العربي":انتصار الإسلاميين في تركيا
موقع سويس إنفو:حزب العدالة والتنمية الحاكم يحقق نصرا مدويا بانتخابات تركيا
موقع سويس إنفو:العدالة والتنمية الحاكم يفوز بانتخابات تركيا في ضربة للعلمانيين
عبد القادر الذهبي :حـذار من الفـخ النووي الـساركوزي !

(Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe Windows (

(To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic Windows  (


تصريحات جريئة يُدلي بها السيد محمد بوعبدلي صاحب المؤسسة التي يتبع لها معهد باستور
 لقناة الحوار التونسي في حصتها رقم 63 ليوم الأحد 22 جويلية 2007

لمشاهدة الحصة اضغط على الرابط التالي:

http://www.arcoiris.tv/modules.php?name=Downloads&d_op=viewdownload&cid=1045

 

بمناسبة مضي نصف قرن على إعلان الجمهورية في تونس ( 25 يوليو 1957 ).

نحن الممضين أسفل هذا نطالب السّلطة التّونسية بإطلاق سراح المهندس كريم الهاروني الأمين العام الأسبق للإتّحاد العام التّونسي للطلبة والسّجين السّياسي المعتقل منذ عام 1991 والمحاكم أمام المحكمة العسكرية بالمؤبّد ( تموز 1992 ) بتهمة إنتمائه لجمعية غير مرخّص فيها وهي المحكمة التي وصفها أهل الإختصاص القضائي ( منهم الأستاذ المحامي محمّد النوري ) بالإستثنائية وعدم الدّستورية، وكذا جميع المساجين السّياسيين ومساجين الرّأي ،ومنهم الأستاذ المحامي محمّد عبّو المسجون منذ ربيع 2005 بسبب مقال صحفي يعترض فيه على زيارة " شارون " إلى تونس، والدّكتور الصّادق شورو الرّئيس الأسبق لحركة النّهضة ومن معه من قيادات وأعضاء الحركة، وكذا المعتقلين على إثر ما عرف بأحداث سليمان في كانون الأول الماضي ( ديسمبر 06) وهم بالمئات.

كما نجدّد الدّعوة إلى المنظّمات الحقوقية والأحزاب السّياسية والأحرار والإعلاميين في تونس وخارجها لتكثيف الضّغوط المناسبة لحمل السلطة التونسية على إطلاق سراح كلّ المساجين السّياسيين سيما أن مخلّفات السّجن المطوّل ( 17 عاما ) ضدّ القدرات الصّحية للمساجين في ظروف إقامة بالغة الرّداءة مخيفة مماّ إضطرّ أولئك المساجين في مرّات كثيرة إلى شنّ إضرابات مطوّلة عن الطّعام تجاوز بعضها شهرين كاملين...

إنّنا لندعو بحرارة كلّ عشاق الحرّية من كلّ دين ووطن ولون فكري وسياسي إلى دعم ومساندة هذه العريضة لعلّ بسمة السّرور تعانق شفاه الأطفال والنّساء والمحرومين والمضطهدين من جديد فوق ربوع تونس الخضراء.

العريضة برعاية: الحوار نت + الوسط التونسية + تونس نيوز

يرجى من كل من يدعم هذه العريضة إرسال موافقته إلى البريد التالي   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مع حرصنا الشّديد على عدم الإمضاء بالأسماء المستعارة سعيا لمصداقية هذا العمل.

الإمضاءات الأوّليّة :

1 -
أسرة الحوار نت www.alhiwar.net عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
2 -
أسرة تونس نيوز www.tunisnews.net عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
3 -
أسرة الوسط التونسية عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. ww.tunisalwasat.com  
4 - الهادي بريك ـ ألمانيا
5 - القادري الزرّوقي
( مؤسّس موقع الحوار نت ) ألمانيا
6 - مرسل الكسيبي : اعلامي تونسي ( رئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية) ألمانيا
7 - نصر الدين سويلمي - ألمانيا
8 - محسن جندوبي -
تقني- ألمانيا
9 - عبدالله النوري -
اطار تربوي- ألمانيا
10 - حبيب الخليفي - أستاذ - ألمانيا
11 - محمد الصالح محفوظ - 
فني سامي -ألمانيا
12 - صالح محضاوي - ألمانيا
13 - الطاهر الرمّة - ألمانيا
14 - محمد علي بلقاسم - ألمانيا
15 - محمد الهادي الزمزمي - ألمانيا
16 - فتحي العيادي - ألمانيا
17 - عبد الله ثابت - ألمانيا
18 - رشيدة نفزي - ألمانيا 
19 - فائزة بوعزة - ألمانيا 
20 - هاجر بريك - ألمانيا
21- طه العزاوي - ألمانيا
22- آمنة عبد الرحيم - ألمانيا 
23 - كوثر الزروي - ألمانيا 
24 - الهاشمي بن حامد - ألمانيا
25-خميس بن علي الماجري
باريس ـ المشرف على موقع تونس المسلمة - فرنسا
26- محمد المنصف قاره - سويسرا
27- عبد الحميد الحمدي ـ
أستاذ علوم اسلامية _ الدانمارك
28-المشرف على موقع طلبة تونس
www.tunisie-talaba.net
29-منذر عمار:
باحث  - ألمانيا
30-رافع القارصي:
حقوقي - ألمانيا
31-علي سعيد - النرويج
32-أ.فتحي نصري :
محامي وحقوقي تونسي
33-وليد البناني-بلجيكا
34-المنجي الفطناسي-
محاسب -علوم تجارية - ألمانيا
35-كوثر الجزار-
أستاذة انجليزية- ألمانيا
36-محمد شمام - السويد
37-الطاهر
القلعي -سويسرا

38كمال الخضري-باحث-ألمانيا
39-خالد الجميعي-النرويج
40-علي حميدي-هولندا

41 ــ الأسعد الجوهري ـ حقوقي تونسي وسجين سياسي سابق.

42 ــ عطاء الله الجوهري ـ تونس

43 ــ آمال الجوهري ـ تونس

44 ــ سلسبيل الجوهري ـ تونس

45 ــ حسان الجوهري ـ تونس

46 ــ تسنيم الجوهري ـ تونس

47 ــ علي الجوهري ـ تونس

48-علي بن عرفة- رئيس هيئة حقوقية - لندن
49-محسن الذهيبي-باريس فرنسا
50-عائشة صفوة-
مناضلة حقوقية - سويسرا
51- سليم بن حميدان - باريس- فرنسا
52- خليل أحمد -
اعلامي
53-عبد الحميد عبد الصادق - كندا
54- محمد حمزة - ألمانيا
55- جمال الطاهر - كندا
56-
المكتب الحقوقي والاعلامي لجمعية الزيتونة - سويسرا
57- اسماعيل الكوت :
عضو المكتب الحقوقي والاعلامي لجمعية الزيتونة بسويسرا
58- بوكثير بن عمر - سويسرا
59- جميلة نوير - سويسرا
60- رياض الحوار - تونس
61- خميس قسيلة -
السكرتير العام للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان .
62- محمد النوري-
خبير اقتصادي -باريس -فرنسا
63- كمال الحجام
64-عبد الناصر نايت ليمان -
رئيس مؤسسة حقوقية سويسرا
65- المسعدي سحيمي - سويسرا
66- أحمد الامام - لندن بريطانيا
67 - سعاد القوسامي :
عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي التقدمي - تونس
68- مراد راشد - جرجيس - تونس
69- عبد الحميد العداسي - الدنمارك
70- حسين الدويري - سويسرا
71- منصف مقدود - سويسرا
72- الهادي لطيف - سويسرا
73- خميس قشة - هولندا
74-الأزهر مقداد - سويسرا
75- عبد الله بريك -
طالب - ألمانيا
76- نبيل بن محمد - سويسرا
77-
رياض بوخشانة - مهندس- / ألمانيا
78- امنة عبد الرحيم- ألمانيا
79- عبد الرحمن خلادي - كندا
80- جنات عبيدة - كندا
81- ابراهيم العموري - السويد
82- أسامة اللموشي - كندا
83- محمد لسعد بوزيد - ألمانيا
84 - معز الجماعي -
عضو هئية جامعة قابس للحزب الديمقراطي التقدمي
85 - جمال دلالي - بريطانيا
86 - المختار الطريفي :
رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان
87- خالد فتريش - هولندا
88- بلقاسم النقاز ـ ألمانيا
89- صالح التقاز   فرنسا
90- شكري يعقوب - سويسرا
91- سمير العيادي - باريس
92 - نور الدين ختروشي - فرنسا
93- الهاشمي بن حامد - ألمانيا
94- كريم مسعودي - ألمانيا
95- أنور الغربي - جنيف - سويسرا
96- مراد التواتي - ألمانيا
97 - أنور عز الدين - فرنسا
98 - عادل الماجري
( عضو سابق في هيئة الإتحاد العام التونسي للطلبة فرع كلية العلوم بتونس  ) - سويسرا
99 - عفيف غانمي، سويسرا
100 - سليم الوكيل - ألمانيا
101- بوبكر مصدق - سويسرا
102 - سالم خليفة - تونس
103- محمد الصادق الشطي
104 - فتحي حاج بلقاسم
105- منصور بن يحيي -
مهندس ومناضل حقوقي  - سويسرا
106- عزيز العرباوي - كاتب وباحث من المغرب
107 - أحمد الورغمي -
معارض تونسي - باريس
108 - محسن المحمودي -
الجمهورية التونسية
109 - حبيب فافي -
الجمهورية التونسية
110- أحمد قعلول -
 مجلة اقلام اونلاين
111- عبد الرزاق الادريسي -
مناضل حقوقي المغرب
112- طارق سويد -
لبنان
113- عبد الله الزواري -
صحفي تونسي - جرجيس / الجمهورية التونسية
114- عبد المجيد السبوعي -
سويسرا
115- جمال السلامي -
سويسرا
116- فائزة السلامي -
سويسرا
117- محمد الحمروني -
صحفي بجريدة الموقف - تونس
118 - جمال الدين أحمد الفرحاوي -
شاعر تونسي مقيم بلاهاي
119 - حافظ الجندوبي - الجمهورية التونسية
120 - سمير ديلو -
محامي - تونس
121- جلال الماطري - جنيف - سويسرا
122 - عماد الدائمي -
مهندس - فرنسا
123 - محمد الطرابلسي - فرنسا
124 - محمود قويعة - القيروان - تونس
125- عبد الباسط مسعي  -
سجين سياسي سابق (سويسرا)
126 - يسمين صليحي مسعي
127 - محمد امين مسعي
128 - عبد الهادي التيمومي - ألمانيا
129 - رضا عثمان -
ألمانيا  - لاجىء سياسي  نقابي سابق جامعة الكهرباء والغاز
130 - امال الرباعي -
أستاذة - ألمانيا
131- صالح بن يحيى - كندا
132- سيف النوري - طالب - ألمانيا
133 - سلمان النوري - ألمانيا
134 - راشد الغنوشي -
رئيس حركة النهضة التونسية - لندن - المملكة المتحدة .
135 - بشير العبيدي -
مهندس معلوماتية - باريس .
136 - الأستاذة جنات بن علي - عضو اتحاد منظمات الطفولة بالمملكة المتحدة - بريطانيا
137 -
عبد الرحمن بن ابراهيم - تونس
138 -
د. خالد الطراولي  (اللقاء الإصلاحي الديمقراطي)
139 _ عمار الفرجاني - ايطاليا
140- مفيدة  بشيني   إيطاليا
141 - فتحي  الجلاصي   إيطاليا
142 - عباس   عباس   إيطاليا
143 - سمير   خالدي   إيطاليا
144-محمد بن محمد  إيطاليا
145 - سامي   الطالبي  إيطاليا
146 - بلحسن   دراويل   إيطاليا
147 - محمد  صابر  مهذبي   إيطاليا
148- محجوب  شباب   إيطاليا

149 -هند الهاروني - تونس
150-عمر الهاروني - تونس
151- ماهر الهاروني- تونس 
152-الياس الهاروني- تونس 
153-كريمة الهاروني - تونس
154- عمر القايدي - سويسرا
155- منظمة
SOS TUNESIEN - النجدة تونس - ألمانيا 
 156- محسن الشريف - سويسرا
157- سمير فالح -
مهندس - فرنسا
158- رافع الفتحي -
سويسرا
159 - عبد الله بن عمر -
أستاذ جامعي - تونس
160 - منجي بن عقيل
161 - عامر بن عقيل
162- مريم بن عقيل
163- محمد بن عقيل
164- أسماء بن عقيل
165- أيمن بن عقيل
166- مهدي النفطي -
طالب مرحلة ثالثة - جامعة بنزرت - كلية العلوم - الجمهورية التونسية
167- وحيد الشريف -
لجنة حقوق الانسان بأوسلو
170- عبدالحميد الفياش - سويسرا
171- نجاة النفيسي - سويسرا
172- توفيق العيادي - سويسرا
173- د.شكري الحمروني - فرنسا
174- عيادي دبابي- ألمانيا
175- فتحي العابد - ايطاليا
176- مصطفى عبدالله الونيسي/باريس ـ/فرنسا
177 - عبد العزيز شمام - فرنسا
178- عامر العريض - رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة التونسية / فرنسا.
179 - محيي الدين فرجاني
180 - حسن الأمين - مشرف موقع ليبيا المستقبل - بريطانيا
181- محسن الغربي - هولندا
182 - الطاهر بوبحري - باريس
183- طه الدريدي - مهندس باريس - فرنسا : " إنّ أمثال عبد الكريم الها روني هم مناعةٌ ضد من إحترفوا صناعة السيارات المفخّحة " .
184- رجب العبدلي - السويد
185- حبيب مباركي
- سويسرا
186- سامي مروعي - ألمانيا
187 - سكينة النوري - ألمانيا
188 - البشير مباركي - ألمانيا
189 - رشيد خشانة - رئيس تحرير جريدة الموقف - السكرتير العام المساعد للحزب الديمقراطي التقدمي .
190 - فتحي رافع - سويسرا
191- منصف زيد - فرنسا
192- صالح حمراوي
193- موسى بن أحمد - مهندس - ألمانيا
194- فاخر لترش - تاجر - فرنسا
195- حسين بن خليفة - الجزائر
196 - صالح الحمراوي
197- محمد القرضاني - هولندا
198- عمر القايدي
199 - مصطفى البعزاوي - الجمهورية التونسية
200- عادل بلكحلاء- جامعي - الجمهورية التونسية 
 

 

يرجى من كل من يدعم هذه العريضة إرسال موافقته إلى البريد التالي   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تاريخ اخر تحديث 23 يوليو 2007- س  17 بتوقيت تونس .
نشرت العريضة رسميا ابتداء من مساء السادس عشر من تموز/يوليو 2007

 


 
السّلام عليكم جميعا
ما حدث اليوم الاثنين 23 جويلية 2007

ذهبنا هدا الصّباح لزيارة أخي الحبيب عبد الكريم أي : الوالد عمر و اختي كريمة و ذأخويّ ماهر و الياس

و بعد أن فتحت ادارة السّجن أبوابها لطابور الزّوّار على السّاعة التّاسعة صباحا و بعد انتظار حلول دورنا للدّخول الى قاعة الانتظار أخذ العون المكلّف بتسلّم بطاقة الزّيارة مع بطاقات تعريفنا القوميّة للّسّماح لنا بالمرور الا أنّه أخد يتصفّح أسماء بطاقاتنا و يسأل أين هند و كان أخي الّذي قدّم البطاقات قد سمح له بالدّخول الى تلك القاعة فقلت ها أنا ذي فقال لي ابقي هناك و أشار الى خارج السّجن بعيدا عن هذا الباب فسألته لمذا تقول لي ابقي هناك ؟ فلم يجبني  و في الّحطة نفسها أدركت أنّ أمرا ما خطيرا و غامض يحذثا و أنّ حياة أخي عبد الكريم في خطر أكيد خصوصا و أنّ قد أوصانا من قبل أن لا نأتي بقفّة الطّعام في زيارتنا له هذا اليوم ثمّ حذّرنا و قال لنا اذا جئتم لزيارتي في 23 جويلية و قالوا لكم أنّني أرفض الزّيارة فلا تصدّقوهم بأيّ حال من الأحوال أنا لا أرفض أبدا زيارة عائلتي و قد بيّن لنا و أنّ ااسّبب وراء ذلك هو : امّا أنّ صحّتي في خطر أكيد و امّ انّهم منعوني من الخروج اليكم للزّيارة و امّا السّببين معا و عندها أعلموا العالم بأنّي مفقود.

و في تلك اللّحظة ناديت على أخي أن ارجع فخرج و عندها أخذ الأعوان يتهامسون على ذلك و بقينا كلّنا ننتظر في المكان نفسه بجانب مكان الطّابور وعندها أقبل مساعد مدير السّحن و اسمه عماد و معه مسؤولا آخر يحمل رتبة صابط و شخص آخر تابع لادارة السّجن بزيّه المدني المعتاد و ازداد عدد الأعوان الى جانب عون من فرقة الطّلائع و وقفوا في الباب أمامنا ينظرون الينا  و يتهامزون  خاصّة باتّجاهي أنا  و ذلك حتّى أنهوا ادخال طابور الزّوّار أي حتّى لا يستمع أحد الى ما سيحدث و يقال و عند انتهاء هدا الطّابور قدم عون ثاني مكلّف أيصا بتسّم البطاقات و ادخال العائلات للزّيارة ثمّ قال: عائلة الهاروني من سيدخل يزور؟ فأجبته أنا كلّنا سنزور فقال لي الا هند لا لا تزور فقلت له و لمذا فقال لي انّها تعليمات فسألته تعليمات مّمّن فشدّد على أنّها تعليمات و لم يجب بالطّبع فما كان لي الا أن التفتّ الى العائلة و قلت لهم هيّا بنا نذهب و كان هذا أيضا قرار والدي و اخوتي و أختي لأنّ منعهم لي من الزّيارة هو بمثابة منع عائلتنا كلّها من زيارة أخي من ناحية و منع أخي في نفس الوقت من هذا الحقّ . و كلّ هذا يجري بحظور كلّ هؤلاء الّدين ذكرت من مسؤولين و أعوان.

لأوّل مرّ منذ 17 سنة لم يأت أيّ عون أو مسؤول في أيّ سجن من السّجون و يمنعني هكذا من زيارة أخي عبد الكريم  اذ أنّ عادتهم تتمثّل دائما في منعهم لنا زيارة أخي بالكذب و القول أنّ يرفض الزّيارة و نحن نعرف الحقيقية و لا نصدّق ما يقولونه لنا.

-----ثمّ انّي ألفت انتباهكم الى خطورة الوضع خاصّة لما سبق أن نبّهنا منه أخي عبد الكريم ممّا سيحدث في هذه الزّيارة

ثمّ انّني أؤكّد لكم انّ أخي عبد الكريم مازال في اضراب عن الطّعام و قد تأكّدت من ذلك ممّن زار بعدنا لأحد من الاخوة مع أخي عبد الكريم من حركة النّهضة و هو الدّكتور حمد الأبيض.

الوصعيّة وصلت الى ذروتها في الخطورة على حياة أخي عبد الكريم و أرجو منكم جميعا أن تكثّفوا جهودكم أكثر فأكثر للقيام بصغوط قويّة على هذا النّظام ليرفع أيديه و بلاءه عن أخي عبد الكريم و نحن اذ نجدّد تحميل المسؤوليّة له كاملة لما يقومون به من استهداف لأخي عبد الكريم فلن نتنازل و قد قال لنا أخي في مناسبات عديدة بدأت في المقبرة عند تأبينه لوالدتنا رحمها الله يوم 17 أوت2006 بأنّه لا يحقد لأنّ الحقد يعمي عن الحقّ و لكنّه لن يتنازل عن حقوقه  و عن أن يعيش حرّا في وطن حرّ و في شعب حرّ حتّى و لو كلّفه ذلك الموت في السّجن.

المطلوب الآن الوقوف وقفة كبيرة لانقاذ حياة أخي عبد الكريم الّذي ما عرفنا عنه الا الدّفاع عن حياة و كرامة الآخرين و يؤثرها حتّى على نفسه.

نطالب دائما بالعيش بكرامة و خاصّة في  هذه المناسبة القالدمة بعد يومين بادن الله ,عيد الجمهوريّة لأنّه عيد لنا جميعا لكلّ التّونسيّين و التّونسيّات

الف تحيّة شكر وامتنان لكلّ من يقف هذه الوقفة الى جانبنا منّي أنا هند الهاروني شقيقة عبد الكريم الهاروني و من والدي عمر أبقاه الله و من أخويّ و أختي

هند الهاروني

المنظمة الوطنية لحقوق الانسـأن بتونس

شـارع مدريـد  تونس

الهـاتف : 409 544 97

 

                                                                              تونس بتاريخ : 24 جويليــة 2007

 

بيـــــــــــــان

بمنـاسبة عيد الجمهوريــة

 

تولي شعوب العالم لعيد الجمهورية اهمية خاصة نظرا لما يكتسيه من اهمية بالغة في تاريخها اذ ان الجمهورية كنظام سياسي جاء لارساء جملة من القيم والمثل العليا للنهوض بالبلدان التي اخذت بهذا النظام بعد حقب طويلة من النضال المرير ضد قوى الملكية وما مثلته من طغيان سياسي واستبداد اجتماعي وتامر مع الجهات الاجنبية المعادية للمصالح الوطنية وكانت البلاد العربية جزءا من هذا المشهد العام الذي تتوج باعلان الاستقلال واحلال الجمهورية محل الملكية في اغلب اقطارها وقد تطلعت الجهاهيرلهذه التحولات واملت منها تغيرات عميقة في كافة مناحي حياتها وذلك بارساء الحرية علىالمستوى السياسي وتوزيع الثروةالوطنية توزيعا عادلا وبناء اقتصاد وطني قائم علىالعلم والمعرفة غير ان ظروف الحرب الباردة والاستقطاب الدولي الحاد منعت هذه الاحلام من التحقق   وفرضت على الانظمة العربية  الوليدة حالة من التخندق الدولي وراء الشرق او الغرب دفعتها احيانا الى الصراع فيما بينها واحيانا اخرىعلى الاحتراب المباشر الشيء الذي اثر سلباعلى هذه الاقطاب وحرم شعوبها من الحيات الخاصة والعامة واقيمت المحاكامات لكل من طالب بتشكيل احزاب معارضة او جميعات مخالفة للخظ الرسمي للدولة ولو حق دعاة الراي والراي الاخر وحق الاختلاف وقد رفضت الجماهير الشعبية الواسعة هذه الاوضاع ودخلت في صراعات وصدمات دموية مع حكومتها ادت على حملات قمع رهيب هددت الاستقرار الوطني والسلم الاجتماعي وكانت تونس طيلة العقود التي تلت اعلان الجمهورية في قلب هذه الاعاصير فدفعت القوى التقدمية المناضلة ثمنا باهظا لرفضها الاستبداد والتهميش واحتكار ادوات الحكم والسيطرة الكاملة على الشارع السياسي من طرف الحزب الحاكم وكان نتيجة هذه الاوضاع حرمان تونس من وجود مجتمع مدني فعال قادر على ايجاد التوازن السياسي المطلوب بينه وبين السلطات العمومية مما يساعد على درء الازمات والصعوبات ويمكن البلاد من التطور والتقدم ويشكل ضمانة اساسية ضد الرجعية المحلية ومشاريعها الظلامية المتكئة على الدعم الاجنبي الواسع

وقد جاء تغيير السابع من نوفمبر ليضع حدا لهذا الانسداد السياسي والاحتقان الاجتماعي فتم اقرار قانون خاص بالاحزاب كرس التعددية وانهى نظام الحزب الواحد الا ان الجمعيات ( النقابية والثقافية والنسائية والحقوقية والانسانية) لم تشملها التعددية وبقيت اعلبها محتكرا اما من طرف الحزب الحاكم او من طرف مجموعات لا تستسيغ رؤية التعددية تصل اليها اذ ان هذه الجمعيات توفر لاصحابها الكراسي الوثيرة والميزانيات المغرية والوجهات المزعومة عبر الصحف والفضائيات والعلاقات الخارجية التي لا يعلم طبيعتها الا اصحابها ولا يهمها من الشان العام الا بقدر ما يدره على مسؤوليها من منافع وقد مثل هذا التاخر الطويل في وصول التعددية لقطاع الجمعيات باستثناء تجربة جميعية النساء الديمقراطيات التي شكلت شجاعة متميزة في المنافسة في القطاع النسائي اعاقة عضوية امام قيام مجتمع مدني قادر على القيام بمسؤولياتها في الدفاع عن المراطنين وتمثيل مصالحهم لدى السلطات العمومية بعيدا عن الشطحات الاعلامية ونيابة الاجانب في الصراع ضد الدولة وخدمة مصالحهم وقد وفقت هذه الجمعية في  ادارة أزمتهـا مع الحكومة و حققت نتـائج ايجابية و نحن اذ نعبر عن تأييدنـا لهـذا المخرج الجريئ فاننـا نتمنى أن تشمل حـالة الانفراج هـذه كـافة الاحزاب و الجمعيات بمـا فيهـا منظمتنـا .

 

 

ان وجود مجتمع مدنى مسؤول سيوفر على البلاد و على الناس الوقت و الجهد لخدمة القضايا العالقــــة و المعقدة و التى يعانى منهـا الكثيرون و كذلك النضـال ضد البيروقراطية و الرشوة و المحسوبية التى أرهقت النـاس حتى يمكن أن يكون مستقبلنـا أفضل من حـاضرنـا . و فى هـذا السياق و انسجامـا مع التطلع لحياة حرة و كريمة فى بلد يسوده القانون و يستند على المؤسسات قامت المنظمة الوطنية لحقوق الانسان بتقديم مطلب لولاية تونس يوم 8 مـاي 2006 تطلب فيه الترخيص لهـا بمباشرة نشاطهـا على قاعدة قانون الجمعيات و على خلفية التعددية الواردة بنص الدستور . و هي اذ تنتظر الترخيص القانونى الى حد الان فانهـا تنظر باستغراب و استياء للتجاهل الذى تبديه ولاية تونس نحوهـا فى مخالفة صريحة للقانون و للالتزامات الدولية الخـاصة بحقوق الانسان و التى انخرطت فيهـا تونس منذ سنوات طويلة . ان السيد والى تونس و هو الذى ترجع اليه سلطة الترخيص فى قيام الجمعيات يمكن أن يقدم خدمة كبرى للبلاد بالترخيص للمنظمة الوطنية لحقوق الانسان بتونس باعتببارهـا حـاجة موضوعية و ضرورة موضوعيـة علمـا و أن شرطة مدينة تونس منعتنـا فى الاشهر المـاضية و لمرتين متتاليتين و نحن نستعد للاحتفال بالذكرى الخمسين لعيد الجمهورية من رفع اللافتة التى تشير الـى اسم المنظمة على واجهة مقرهـا .

 

ان المنظمة الوطنية لحقوق الانسـان بتونس و هي تحتفل مع باقى مكونات المجتمع المدنى بعيد الجمهورية المجيد مزهوة بنضالات الشعب و تضحياته من أجل الحرية فانهـا تطـالب السلطات العمومية بفتح باب الاعتراف بالتشكيلات الحزبية و الجمعيات التى قدمت مطـالب فى الترخيص لهـا بمباشرة  نشاطهـا و لم تحصل عليه الى حد الان .

 

ان قيم الجمهورية فى العدل و المساواة و حرية الرأي و الرأي ارخر و حق الاختلاف و الاحترام المتبادل و التوازن السياسي تأبى أن ترى عكس ذلك .

 

  و الســـــلآم

         بشيــر البجـــاوى

 

                                                رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسـان بتونس

                                                               الهـاتف : 409 544 97


 

حصــاد الأسبـــوع
بمناسبة "عيد الجمهورية" رحمه الله
25-07-1957***25-07-2007
 

 

عيد بأي حال عدت يا عيد؟
للصّحفي المنفي في وطنه ظلما وعدوانا: عبد الله الزواري
1- علمت:

1) لا يزال السيد عبد الكريم الهاروني مضربا عن الطعام
2) قطع كل من السادة رضا البوكادي و لطفي السنوسي و فرج الجامي إضرابهم هن الطعام بعد تدهور حاد في رضا عند علرضه على الطبيب المختص الذي يباشر علاجه من التهاب حاد في الكلى... و وعد صريح بعلاج فرج الجامي...

2- تدبـّرت:
 
علمٌ ودستورٌ ومجلس أمة كلٌعن المعنى الصحيح محرف
كثـرت دوائرها وقل فعالها كلطبل يكبر وهو خالٍ أجــوف

معروف الرصافي

3-  سمعت:

1) مسجد للبيع... أسمعت مثل هذا الخبر؟؟ حقيقة أم خيال؟؟؟ انتظر حصاد الأسبوع القادم....
2) قرارات أو تعليمات للتنفيذ تلك التي أمر أحد المسؤولين في اجتماع بإحدى المدن... ممنوع تلاوة القرآن بمكبرات الصوت فجرا، ممنوع نقل خطبة الجمعة و صلاتها مكبرات الصوت ( ولعلكم تذكرون ما كان من أمر مكبرات الصوت في انتخاات 1987 حيث توضع داخل القاعات و ممنوع وضعها خارجها)، ممنوع إلقاء الدروس و العظات منعا باتا... و عند سؤاله عن مؤذن لا يقيم الصلاة كانت الإجابة صريحة: المؤذن موظف لدى وزارة الشؤون الدينية و هو مطالب إداريا بالآذان لا غير و علاقة الإدارة به لا تتعدى هذا المجال... إجابات شافية كافية مثل تلك التي كانت في موسم الحج...
3) نشرنا سابقا منذ أسابيع عديدة إعلانا يدعو الراغبين في حفظ القرآن تسجيل أسمائهم و تقديم نسخة من بطاقات التعريف الوطنية للمكلفين بهذه المهمة...سجل كثير من الطيبين أسماءهم بعد تقديم نسخ من بطاقات هوياتهم.. و لم يحدث إلى يوم شيء مما كانوا ينتظرون إذ لا أماكن لإلقاء هذه الإملاءات القرآنية فالمساجد- وهي الأماكن المعتادة لمثل هذه الأنشطة- ممنوع إقامة أي نشاط بها.. و عندما سأل أحدهم عن الأمر قيل له المطلوب الآن كراء محلات لإقامة هذه النشاط...

4- رأيت:

نقلت "الجزيرة مباشر" احتفال حزب العدالة و التنمية التركي بفوزه بالانتخابات التشريعية .. فتيات يلبسن الحجاب و أخريات حاسرات الرؤوس يلوحن بالأعلام و يرقصن على نغمات أغنية تركية، شباب على مختلف الهيئات يغنون و يرقصون.. و ذلك الشيخ الذي وخط الشيب رأسه يرقص كذلك فرحا بانتصار الحزب، نسي تقدمه في السن و هزه الانتصار.... و ذكرت الألاف المؤلفة من العرب المقهورين الذين تحرمهم أنظمة مستبدة مثل هذه الفرحة بدعاو زائفة يجمع بينها وصاية على الشعوب و اتهام لها بالقصور و عدم النضج، ذكرت الآلاف المؤلفة التي لا تجد في الأحزاب المعترف بها من يمثلها و من ترى فيه المعبر الوفي عن مشاغلها و آمالها و آلامها... لم أتمالك، و قلت مرة أخرى أفرح لغيري، بل نفرح لغيرنا، فرحنا لجبهة الإنقاذ... و فرحنا لحماس و للإخوان و جبهة العمل و الإصلاح و لحزب الله... لكننا سنفرح يوما لأنفسنا، يقينا سنفرح يوما لأنفسنا مهما كشر الطغاة عن وجوههم الفظة الغليظة المقيتة و مهما نصبوا العراقيل و العوائق، ومهما كادوا و مكروا.... هنيئا لحزب العدالة و التنمية، بل هنيئا لنا كذلك، هنيئا للشعب التركي، هنيئا للمقهورين... هنيئا للشعوب الرازحة تحت الطغم المستبدة الفاسدة و المفسدة... هنيئا للشعوب التي تريد الحياة....

5-  قرأت

"لأن غزة تحت المجهر"

منذ أسدل الستار عن ظاهرة الفلتان الأمني في قطاع غزة بالقضاء على أوكارها وفرار رؤوسها، يعيش القطاع هدوءاً غير مسبوق فاجأ أهل القطاع قبل غيرهم، وهو ما تشهد عليه ساحات وحدائق وشواطيء غزة المغتصة بالآمنين على أنفسهم وأرزاقهم، وتشهد عليه غياب عمليات العربدة والقتل وقطع الطريق التي كان يقوم بها مرتزقة مأجورون
لكن مع عودة الهدوء والأمن والأمان باتت غزة تحت المجهر، وهو مجهر يتصيد العثرات والزلات، ويكبّر التجاوزات، ويصور الأمر وكأنه جرائم مبرمجة وبقرار سياسي من أعلى المستويات، ولهدف اقصائي فصائلي، مجهر يقف عليه ابواق جاهزة لنفخ الكير، وتصعيد الأمور لتمنح مجرمي عبّاس ودحلان أنواط القدس، وتحولهم إلى مساكين ضحايا لا حول لهم ولا قوة.
ولأن غزة وقعت تحت ذلك المجهر، فإن كل خطوة بل كل نفس محسوب اليوم على الممسك بزمام الأمور هناك، لذا وجب الوقوف في وجه أي تجاوز للقانون أياً كان مصدره، ومن هذا المنطلق فإن القوة التنفيذية التابعة للشرطة الفلسطينية التابعة بدورها لوزارة الداخلية لها أن تستجوب، وتستدعي وتحقق، لكن ما لا يمكن قبوله أن يتم ذلك من خلال كتائب الشهيد عز الدين القسام، التي لا صفة رسمية لها في وزارة الداخلية، حتى وإن كانت تساعد وتساهم في حفظ الأمن، وبطلب رسمي من الهيئات الشرعية.
ما استوجب هذه المقدمة هو حادثتين وقعتا مؤخراً في قطاع غزة، أثناء "الاعتقال" وسجلوا على أساس "انتحار"، ولابد من الاشارة والتأكيد أن الشخصين المعنيين لم يكونا رهن التحقيق بسب انتماء سياسي، إنما على خلفية جنائية معروفة، الحادثة الأولى كانت وفاة فضل محمد سليم دهمش (31 سنة) في سجن غزة المركزي بتاريخ 10/07/2007 بعد أن تم تسليمه للسجن من قبل سرايا القدس التي اعتقلته بتاريخ 04/07/2007 بتهمة العمالة ونشرت تصويراً بذلك، وقد سجلت وفاته على أنها توقف في عمل القلب وعملية التنفس، واعتبرت سرايا القدس أنه "انتحر في السجن الذي تشرف عليه القوة التنفيذية.
الحادثة الثانية وقعت بعد أيام وتحديداً في 15/07/2007 بوصول جثة وليد سلمان أبو ضلفة الموقوف بتهمة جنائية للمستشفى من مقر "المشتل" الذي تشرف عليه اليوم كتائب الشهيد عز الدين القسام، وقد صرّح ابو عبيدة الناطق باسم الكتائب أنه قتل أثناء محاولته الهرب والتفاف السلاسل الحديدة حول رقبته مما أدى إلى وفاته اختناقاً!

التجاوزات موجودة وحدثت، والأخطاء موجودة وحدثت، وجرائم حدثت وسجلت، لكن هناك حقيقة بسيطة يجب الانتباه لها، حتى يعطى كل ذي حق حقه: كل ما حدث خلال وبعد الأحداث الأخيرة في قطاع غزة كان بشكل فردي وبدون غطاء سياسي أو فصائلي رسمي، وتمت إدانته والاعتذار عنه من أعلى الهرم السياسي لحركة حماس، ولم يتم تبريره، مقابل تبني عبّاس وعصابة العشرة لكل أعمال البلطجة وقطع الطريق سابقاً في قطاع غزة، وسابقاً وحالياً في الضفة الغربية، بل وصلت لدرجة توزيع أنواط القدس على أمثال المجرمين قطاع الطرق سميح المدهون ومحمد غريب، ووصلت لدرجة احتماء عبّاس بأزعر جنين زكريا الزبيدي، وعربيد نابلس أبو جبل، دون تقديم كلمة اعتذار واحدة للشعب الفلسطيني عن إحراق عشرات المؤسسات والجمعيات، وعن اعتقال عزل وجرهم من بيوتهم بسبب انتمائهم السياسي.
وقبل أن يدعي أي بوق من الأبواق الناعقة الزاعقة يومياً بأن العشرات وفي بعض الأحيان المئات من ابناء حركة فتح يعتقلون ويعذبون ويقتلون، أقتبس هنا فقرات من تقرير نشر في صحيفة الحياة بتاريخ 18/07/2007، وهو عن مؤسسات تعنى بحقوق الانسان استند إليها جمال نزال وفهمي الزعارير وحتى عبّاس في التنديد بالاعتقال السياسي الموهوم، متحدياً إياهم في ذات الوقت أن ينشروا قوائم بهؤلاء المعتقلين السياسيين إن كانوا صادقين، وهم بالتأكيد ليسوا كذلك.
يقول التقرير:
في سابقة هي الاولى منذ سيطرت حركة «حماس» على قطاع غزة بالقوة المسلحة في الرابع عشر من الشهر الماضي، سمحت كتائب القسام الذراع العسكرية للحركة لناشطين في منظمات حقوقية في قطاع غزة بزيارة قسم التحقيق في سجن «المشتل» التابع لجهاز المخابرات العامة الفلسطيني غرب مدينة غزة امس.
وكشف المحامي في مركز الميزان لحقوق الانسان جميل سرحان لـ «الحياة» النقاب عن وجود سبعة فلسطينيين في قسم التحقيق محتجزين على خلفية أمنية تتعلق بالتعاون مع جهاز الأمن العام الاسرائيلي «شاباك».
ونفى سرحان وجود أي معتقلين سياسيين في قسم التحقيق في مبنى السجن المؤلف من طبقات عدة. وقال ان اثنين من المعتقلين صدر في حقهما حكم بالاعدام رمياً بالرصاص قبل سنوات عدة، احدهما محمد الزطمة المتهم بالمشاركة في اغتيال القائد العام لكتائب القسام الشهيد صلاح شحادة في الثاني والعشرين من تموز (يوليو) 2002.
اما السجين الثاني المحكوم بالاعدام فهو حيدر غانم المتهم بالمشاركة في اغتيال احد كوادر حركة «فتح» جمال عبدالرازق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2000 أي بعد اسابيع قليلة على اندلاع الانتفاضة الحالية.
وهناك متهم ثالث بالتعاون مع الاحتلال ينتظر المحاكمة منذ خمس سنوات.
والسجناء الثلاثة كانوا من بين نحو 90 معتقلاً امنياً اطلقهم قادة الاجهزة الامنية المتحصنون في مقر قيادة الاجهزة الامنية «السرايا» قبل ساعات قليلة من سيطرة حركة «حماس» عليه في الرابع عشر من الشهر الماضي.
وكان قادة الاجهزة الامنية الذين فر معظمهم الى مدينة رام الله في الضفة الغربية اطلقوا هؤلاء المتعاونين مع اكثر من 600 معتقل جنائي من «السرايا».
وقال سرحان ان المعتقلين الاربعة الآخرين في «المشتل» اعتقلوا اخيرا ويجري التحقيق معهم على خلفية تهم بالتعاون مع «شاباك». واوضح ان قسم التحقيق المؤلف من نحو 25 زنزانة تحتل نصف ممر طويل تشغل نصفه الآخر على الجانبين مكاتب المحققين.
ويبلغ طول بعض الزنازين مترين وعرضها متراً واحداً وتشمل مرحاضا وصنبوراً للمياه ولا توجد فيها أي اضاءة.
واشار الى ان غرفة التعذيب في السجن الذي صممه خبراء اميركيون اسوة بمقر المخابرات العامة المعروف باسم «السفينة» حولت الى «صالة استقبال» امس في اعقاب مقتل وليد ابو ضلفة اول من امس تحت التعذيب في السجن نفسه.
ولفت الى ان فريق النشطاء المؤلف منه ومن محامين من الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الانسان ومؤسسة الضمير لحقوق الانسان التقوا السجناء الذين بدت على بعضهم أثار تعذيب ليست حديثة، بل مضت عليها ايام عدة.
وقال ان ما لفت نظره اثناء الزيارة التي جاءت بناء على دعوة وجهتها كتائب القسام لهم اول من امس في اعقاب الضجة التي اثارها مقتل أبو ضلفة ان كتائب القسام تستخدم «المشتل» للاغراض نفسها التي كان يستخدمها جهاز المخابرات العامة قبل سيطرة «حماس» على القطاع.
واضاف انه لاحظ ان كتائب القسام التي تدير السجن وحدها من دون القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية اقامت هيكلاً ادارياً منظماً في ما يتعلق بالسجناء والعاملين فيه.
واشار الى انه لاحظ وجود تعليمات مطبوعة معلقة على لوحات الجدران وارشادات تتعلق بكيفية التصرف والعمل، والحراس يجرون اجراءات نظامية في ما يتعلق بالعاملين والزائرين، معتبرا ان كتائب القسام نقلت نفسها من كيان مقاوم سري الى كيان علني يعمل داخلياً ونظامياً.
وقال ان مسؤولي السجن تعهدوا امامهم احترام حقوق الانسان والقانون، وقالوا ان ما يهمهم هو ارضاء الله قبل ارضاء البشر. انتهى التقرير.
أضيف للتقرير السابق أن قادة حركة فتح في قطاع غزة يتحركون بحرية، وعقدوا المؤتمرات الصحفية، وهاجموا من شاءوا، دون أن يعترضهم أحد، في وقت يعتقل سياسياً وبدون تهمة كل من يشتبه مجرد الاشتباه أنه موال أو داعم لحركة حماس من قبل ميليشيات عبّاس، وكتائب شهداء الأقصى في قطاع غزة بكل فروعها لا زالت تمتشق سلاحها وتتحرك به بحرية مطلقة في قطاع غزة، بينما يتم شراء سلاح الفصائل في الضفة الغربية بحجة أنها ميليشيات خارجة عن القانون، فمن هو الطرف الذي كان ولا زال يجرم بحق الانسان الفلسطيني؟
لكن ولأن غزة تحت المجهر، ولأننا جميعاً وقفنا بوجه عمليات التعدي على حقوق الانسان الفلسطيني من قبل عصابات الوقائي وغيرها، ولأننا لا نجامل أحد في هذا المجال رغم تصنيف البعض أن الشخصيين المعنيين هم من أعداء الشعب، ورغم أن التوقيف لم يكن على خلفية سياسية، كان لابد من توضيح التالي دون مواربة:
المتهم بريء حتى تثبت إدانته
توقيف أي شخص لا يكون إلا بإذن كتابي ومن الجهات المخولة قانوناً
لا يحق لكتائب الشهيد عز الدين القسام توقيف أي مواطن أو التحقيق معه
لا يجوز تكبيل المتهم بالسلاسل الحديدة ومن ثم تبرير التفافها حول عنقه
المسؤولية تقع على الجهة المشرفة على السجن حتى وإن كانت الحوادث انتحار لأن مراقبة الموقوفين والحفاظ على حياتهم مسؤوليتها، خاصة في ظل ما يجري من تشويه للحقائق
فتح تحقيق علني وبحضور جهات محايدة بالحادثتين
الإعلان عن نتائج التحقيق دون تأخير وتحديد المسؤولية بشكل مباشر
يجب محاسبة كل من قصر في أداء مهامه مهما كان منصبه
أخذ العبرة من التجاوزات والأخطاء الماضية والحرص على أمن وسلامة المواطن
التأكيد على مبدأ سيادة القانون في كل نواحي العمل الفلسطيني
وأخيراً تحويل المقار الأمنية التي تفننت بتعذيب أبناء الشعب الفلسطيني إلى متاحف وطنية يزوها أبناء هذا الشعب لأخذ العبر، لا أن يتغير السجانون، وتبقى السجون والمعتقلات.
إن التمسك بهذه المباديء يقطع الطريق على رؤوس الفتنة المتباكين على الحريات في غزة، ويمنع حدوث أية تعديات أو جرائم تمس الانسان الفلسطيني، وتعيد الأمور لنصابها القانوني الطبيعي، ولا يعني إطلاقاً الانتقاص من حالة الأمن والأمان في قطاع غزة، التي يقابلها عربدة وبلطجة لا حدود لها.
هذا عهدنا أن لا نجامل أحد، وأن نبقى أوفياء لنضال شعبنا وحقوقه، وأن نبقى على طريق الثوابت، فكلمة الحق واجب لا منة فيه، ولا عصمة أو قدسية لأحد، وجل من لا يخطيء.
والله من وراء القصد.
د.إبراهيم حمّامي
22/07/2007

6- نقلت:

أيٌها النٌاس
أنا الأوٌل, و الأعدل
و الأجمل, من بين جميع الحاكمين
و أنا بدر الدٌجى, و بياض الياسمين,
و أنا مخترع المشنقة الأولى
و خير المرسلين:
كلٌما فكٌرت أن اعتزل السٌلطة,
ينهاني ضميري ...
من ترى يحكم بعدي هؤلاء الطٌيٌبين؟
من سيشفي بعدي...
الأعرج...
و الأبرص...
و الأعمى...
و من يحيي عظام الميٌتين؟..
من ترى يخرج من معطفه
ضوء القمر؟
من ترى يرسل للنٌاس المطر؟..
من ترى؟
يجلدهم تسعين جلدة...
من ترى؟
يصلبهم فوق الشٌجر؟
من ترى يرغمهم
أن يعيشوا كالبقر؟..
ويموتوا كالبقر؟
كلٌما فكٌرت أن أتركهم
فاضت دموعي كغمامة
وتوكٌلت على الله
و قرٌرت بأن أركب الشٌعب
من الآن...إلى يوم القيامة.
نــــــزار.


7-  دعــــــاء

" اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء، اللهم لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم اجعل يومنا خير من أمسنا و اجعل غدنا خيرا من يومنا، اللهم اغفر لنا تقصيرنا في أمرك..."

ملاحظة: استشهد أخونا رضا الخميري في اليوم الخامس و العشرين من شهر جويلية 1997 في السجن المدني بجندوبة الذي كان يديره آنذاك الملازم أول رياض العماري... دخل رضا في إضراب عن الطعام احتجاجا على إعادته للسجن بعد ساعات ( يوم تقريبا) من خروجه من السجن بموجب انتهاء المدة المحكوم بها عليه (8 سنوات) ، وقد اعيد إلى السجن نفس التهم التي سبق له أن حكم من أجلها... وبهذه المناسبة نسأل الله تبارك و تعالى أن يتقبل أخينا مع الشهداء و الصالحين و رزق الله والديه وعائلته جميل الصبر و حسن المثوبة...

عبدالله الـزواري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


(المصدر: المنتدى الكتابي لموقع الحوار.نت بتاريخ 23 جويلية 2007)

 

في الذكرى الخمسين لعيد الجمهورية

ضرورات تطوير نظامنا السياسي

فتحي التوزري       محمّد القوماني

 مالك كفيف

 جويلية  

2007

  

مقدمّــــــــــة

   

 يكتسي إحياء التونسيين للذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية أهمية استثنائية. فالخمسينية في حد ذاتها محطة هامة للتقييم واستشراف المستقبل وضبط أولويات المرحلة القادمة، إضافة إلى أن هذا الموعد يتوسط الإحتفال منذ نحو سنة ونصف بخمسينية الاستقلال والاحتفال بعد بضعة أشهر بعشرين سنة من تغيير السابع من نوفمبر1987الذي أُعلن أنه سيكون مناسبة لمراجعة المسيرة والأخذ بالمقترحات للتطوير وتحسين الأداء.

     كان النظام الجمهوري الذي اختاره غداة الاستقلال أعضاء " المجلس القومي التأسيسي " وأعلنوه في جوّ احتفالي بهيج مساء الخميس 25 جويلية 1957 "تدعيما لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب وسيرا في طريق النظام الديمقراطي الذي هو وجهة المجلس في تسطير الدستور"، كما جاء في نص قرار إعلان الجمهورية.

    جاء النص الأصلي لدستور الجمهورية التونسية المؤرخ في غرة جوان 1959 مستلهما لأهم مبادئ الجمهورية وأسس النظام الديمقراطي. فنص على أن الشعب التونسي هو صاحب السيادة وأقر أهم الحريات الفردية والعامة وفصل بين السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية ومنح التونسي حق الترشح للمناصب العامة والتداول عليها عبر نظام انتخابي عام حر وسري ومباشر وقيد الفترات النيابية لرئيس الجمهورية.

غيرأن دستور 59 تضمن عدّة نواقص لعل أهمها تقييد ممارسة الحريات والحقوق بعبارات مقصودة تحيل على القانون، والاختلال بين السلطات وعدم إخضاع رئيس الجمهورية والحكومة عامة للمراقبة والمساءلة، وانعدام آلية تضمن دستورية القوانين إضافة إلى قصور الفصول المنظمة للسلطة القضائية عن ضمان استقلال هذه السلطة العامة الحيوية في حماية قيم الجمهورية.

    ليس هذا العمل الذي نحن بصدده نصا في القانون الدستوري، ولا رسالة جامعية حول الجمهورية، وإنما أردناه نصا سياسيا في سياق مناسبة محددة. فالجمهورية عنوان سياسي بامتياز. نروم من خلاله تتبع مسار الجمهورية التونسية خلال خمسين عام، في سياقات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، محلية ودولية. فنقف على التحديات ونرصد أهم النجاحات والإخفاقات، معتمدين منهجا تفهميا في تقييم الإنجازات وإبراز الصعوبات،خلال الخمسين سنة مما أطلقنا عليه الجمهورية الأولى. متطلعين إلى المستقبل في تواصل ايجابي مع الماضي، منشغلين في المقام الأول بإبراز ضرورات الإصلاح التي تحتاجه أوضاع بلادنا، في المجال السياسي خاصة، على طريق الجمهورية الثانية التي نتطلع إليها.

         هذا النص السياسي الموجه لعموم التونسيين، وللنخب السياسية خاصة، سواء في السلطة أو في المعارضة، نريده مساهمة في الحوار الوطني المتأكد بين أبناء البلد الواحد، الذين تظل أهدافهم مشتركة في التطلع إلى مستقبل أفضل لهذا الوطن ولأهله، مهما اختلفت آراؤهم في النظر إلى الماضي أو المستقبل، ومهما تباينت اجتهادا تهم.

 

 

 

 

مسار الجمهورية: بناء لم يكتمل

 

غداة الاستقلال ومع إعلان الجمهورية عمّت البلاد أجواء استثنائيّة من الأمل والحماس.من المهم أن لا نغفل عن استحضار تلك الظروف و لا تغشي بصيرتنا المآخذ المشروعة على طبيعة النظام السياسي الذي انبثق عن الجمهورية.و إذ نستحضر الحالة المعنويّة التي انطلقت فيها البلاد غداة الاستقلال وعند قيام الجمهورية، فإننا نتمنّى أن تتوفّر لنا اليوم الظروف المناسبة، حتّى ننطلق في رسم  مقومات جمهوريّة ثانية بنفس الرّوح ونفس المعنويات خاصة و أن التحدّيات القادمة أصعب وأشدّ وطأة علينا وأنّ كابوس الاستعمار وما يحمله من دمار وإذلال عاد ليطلّ من جديد على العالم بقسوته المعهودة وبقوّة تدميريّة أشدّ وأعتى.

 

 تميّزت فترة  قيام الجمهوريّة التونسية بخصائص عديدة منها:

·          شعور وطني قوي ونخوة نادرا ما توفّرا للبلاد وشكلا محركا قويّا للبناء والتنمية والتطوير.

·          تغلّب روح  الوحدة على ما دونها من عوامل  التشرذم والانقسام.

·          إرادة طوعية للعمل وإيمان عميق بمستقبل أفضل.

·          تآزر  وتضافر الجهود في سبيل التغلّب على مصاعب عديدة.

·          نزعة إصلاحيّة تحديثية عميقة اخترقت جلّ النخب.

·          قبول واسع للقيم التي قامت عليها الجمهورية كالحريّة والمساواة والعدالة  والمسؤوليّة.

·          التفاف شعبي حول قيادة حملت حلمه وحقّقت تطلّعه.

·          جرأة  نادرة في شقّ طريق صعب محفوف بالمخاطر لإطلاق العنان لبناء الدولة ومؤسّساتها .

·          حالة تعبئة عالية لإطلاق مشروع تحديثي تنموي مستقبلي.

 

قامت الجمهورية على أنقاض دولة ضعيفة مترهلة لم تبن مؤسسات قوية مما جعلها لقمة سائغة للاستعمار، لذلك كان حرص واضعي الدستور غداة الجمهورية على  إرساء دولة قوية بما فيه الكفاية و حكم قوي قادر على الإصلاح. ونتيجة لذلك قامت الجمهورية على مؤسسات و نظرية في الحكم اعتمدت على دولة الحزب الواحد و الفكر الواحد و الزعيم الأوحد ومارست التحديث بطريقة ايديولجية و في بعض الأحيان إكراهية مما عمق الأزمة الثقاقية، وعطلت بعض الآفكار التحررية و قيدت الحياة السياسية واستغنت على المواطنة بتشجيع الزبونية و الولاء، وهذا ما سيكون له تأثير مباشر على الأزمات السياسية اللاحقة.

 

واجهت الجمهورية في بدايتها تحدّيات وصعوبات ضخمة ومع ذلك تمكّنت من تحقيق إنجازات رائعة للجيل الأوّل والأجيال القادمة. كانت البدايات مثقلة بهموم تخلّف المدن وفقر الرّيف وضعف رأسمال الوطني وغياب صناعة وطنيّة وعدم توفر نسيج اقتصادي حديث وانتشار الأمّية والأمراض والأوبئة، وضعف رهيب في البنى التحتيّة والكفاءات البشريّة.

 

واجهت الجمهورية التخلّف وانتصرت في جولات عديدة وقلّصت من الفقر بشكل ملحوظ وبنت منظومة صحّية مرضية وراهنت على الإنسان رجالا ونساء وعملت على تحرير المرأة من القيود المكبّلة لطاقاتها وبنت منظومة تعليميّة عصرية كان لها الأثر العميق في تحديث البلاد وتطويرها.

وأرست اقتصادا قابلا للحياة فالتزمت بالنّهوض بالصناعة الوطنيّة وطورت كفاءة الإدارة وسخّرت تمويلات ضخمة لإقامة بنية تحتيّة تدعم النموّ. وسنّت القوانين الاجتماعية التحرّرية وشجّعت على العمل والإنتاج والبناء وألهبت حماس الأجيال وساعدت على بروز طبقة وسطى أصبحت تمثّل القاعدة الاجتماعية للنظام ومصدر استقراره وعنوان نجاحاته.

كما نجحت الجمهورية في دعم القدرات البشرية للبلاد وتحكمت في نسق النموّ الديمغرافي بما لا يثقل كاهل البلاد في عمليّة التنمية وتمكنت من خلق ملايين مواطن الشغل على مدى نصف القرن الماضي وفجّرت طاقات التونسيّين ليكتسبوا العلم والمعرفة والمؤهّلات العالية ويساهموا بذلك في رسم صورة ايجابية عن تونس .

 

ساهمت هذه الحركيّة وهذه الإنجازات في إرساء دعائم الاستقرار ونشر بذور الازدهار وعزّزت عناصر السيادة ومكّنت من تحسين العيش.  و لم تدخل الجمهورية البلاد في أتون حروب إقليمية خاسرة ولا صراعات وهميّة ولا إنفاق عسكري مشطّ، بل نأت بنفسها وشعبها عن المغامرة والارتجال إلاّ في حالات استثنائية، وحصنت الدولة من التدخّلات والتأثيرات الخارجيّة قدر المستطاع، وحافظت على سيادة البلد رغم الضغوطات المتزايدة بفعل العولمة والتحوّلات الاقتصادية وواجهت التحدّيات الإقليمية الخطيرة، وهي كيثرة، برصانة مكنت البلاد من التمتّع باستقرار ثمين.

كانت الجمهورية وفية للشهداء من النساء والرجال و للتضحيات الجسام التي انبنى عليها الاستقلال وحقّقت جزءا هائلا من تطلعات الناس في العيش الكريم، والاستقرار والأمان والتحرّر.

 

قامت الجمهورية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا على قطيعة مع حكم البايات المنهار و اعتمدت على نخبة حاكمة تشكّلت من جيل مستنير تحديثي منحدر في أغلبه من الطبقات الشعبية المتوسطة، واستفادت من مكتسبات البلاد و تراثها التحرّري وعمقها الحضاري، استندت إلى الهوية العربية الإسلامية المتجذرة وعزّزتها بروافد مشعّة ومدعّمة لتقدم البلاد واستقرارها. و لكنها أيضا أخذت من موروث البلاد الاستبدادي  نصيبا وافرا .

وبانتقال الحكم من الرئيس بورقيبة إلى الرئيس بن علي، تواصل المجهود للحفاظ على قوة الدولة وتطوير قدراتها ومتابعة مسيرة التنمية والإصلاح والتطوير في عديد المجالات.

 

شهدت البلاد خلال الفترتين أحداثا هامة وخطيرة أبرزها تحول البلاد نحو مزيد من الانفتاح الاقتصادي في فترة تميّزت بالتخبّط السياسي والصعوبات الاقتصادية وتنامي الاحتجاج وتدهور مستوى المعيشة و بروز معارضة سياسية قوية ذات خلفية دينية و ضعف   لمؤسسات الدولة.

وبالرّغم من الأزمات العديدة تمكّنت الدولة من تحقيق الاستقرار، وتمكّنت من تنويع قاعدة الاقتصاد، وعزّزت قدرته الإنتاجية والتنافسية ولم تخفت الروح الإصلاحية والتحديثية إلاّ في مجالات سيقع شرحها. تراجع القطاع الفلاحي في الحجم وفي التشغيل، ونشط القطاع الصناعي وكان قطاع الخدمات المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد. وبالرغم من البطء في التموقع الإستراتيجي تبعا للتغييرات على مستوى التوزيع الدولي للعمل، فإنّ تونس انطلقت وبشيء من التأخير والارتباك في تقليص اعتمادها على قطاع النسيج الذي كان رأس حربة التصدير والتشغيل والاستثمار إلى قطاعات جديدة واعدة.

 

كما تواصل السعي إلى تقليص مخاطر الفرقة والانشقاق والاهتزاز سواء من حيث التهديدات الخارجية أو الداخلية، بالتشجيع على توفر فرص التنمية الجهوية والحفاظ على المكاسب الاجتماعية رغم الخيارات الاقتصادية الجديدة وبتعزيز اللحمة الوطنية والمحافظة على استقرار البلاد. ولم يكن الاستقرار الذي نعم به التونسيّون نتيجة نظام أمني قوي فقط، بل أيضا نتيجة سياسات اجتماعية شاملة.

إلاّ أنه لم يتوفّر للإصلاح السياسي نفس الزخم ونفس الحظوظ  كما في بقية المجالات،  إذ تواصلت الجمهورية خلال الخمسة عقود بتعزيز مفهوم الدولة القوية و النظام الرئاسي  الفردي و هيمنة الحزب الواحد.

كانت الجمهورية في مجملها، باستثناء المجال السياسي، محررة ومطوّرة ومحدّثة. وما تحقّق إلى حدّ الآن ليس إلاّ دعائم كفيلة بفسح المجال لمزيد التطوير خلال  الجمهورية الثانية، والمراهنة في المستقبل لا على حجم التنمية  والتحديث فقط، بل  على سلامة العلاقاتّ، ونوعية المؤسسات، وذلك بإرساء جمهورية قائمة على المواطنة و القانون، وضمان حقوق الأفراد والمجموعات. ولن يتمّ ذلك إلاّ بتفعيل آليات المشاركة وإصلاح النظام السياسي وتوسيع الحريات وإدخال عناصر أساسية للحكم الراشد كالمحاسبة والشفافية والمساءلة والتداول. وتوفير فرص حقيقية للمواطنين ليكونوا طرفا فاعلا في صياغة الخيارات السياسية داخل مؤسسات تضمن التعددية و حرية الرأي.

 

تعطل التنمية السياسية

 

إنّ الجمهورية الناشئة التي تأسّست غداة الاستقلال لم تكن جمهورية فاضلة. فقد اعترتها أزمات قاسية وأوقات عصيبة وشهدت صراعات كانت في بعض الأحيان عنيفة ودموية. اقتتل الأخوة مبكرا، واستقوى بعضهم على الآخر، ووقعت طيلة نصف القرن أخطاء كثيرة ومريرة، وكان هناك ظالم ومظلوم وغالب ومغلوب، وعزيز ومقهور ومنتشى بالنّصر ومهزوم.

 

اهتزّت الجمهورية في بعض الفترات، وانزاحت انزياحا خطيرا في فترات أخرى كما وقع سنة1975 وبعده وكانت انتكاسة ومأساة. ابتعدت الأمور مرارا عن القيم والمثل التحررية للحركة الوطنية الملهمة، وتم اللعب بالعواطف وبالمبادئ وبالإيديولوجيات ووقع التأليب والتحريض وكانت المصالح الآنية والسلطة والهوية في قلب الصراعات، وزجّ بالبلاد في نفق مظلم أحيانا، افتقدنا العدل وكانت الكلفة البشرية باهظة وحجم المآسي مروّعا وأخذنا نصيبا من الخوف الفرص الضائعة والأحلام المفزعة والإحباط. وتعالت على مدى الخمسة عقود أصوات عديدة وصادقة للإصلاح والتطوير ولكنّها جوبهت بالرفض و بقسوة شديدة أحيانا.

 

لم تكن المشكلة في النخبة و لا في كفاءتها و لا في غيرتها على الوطن بل في طبيعة النظام السياسي و مؤسساته التي لا تضمن الاختلاف و لا توفر أرضية للتعددية و لا تسمح بحرية النشاط و حولت الدولة إلى رهينة للحزب الواحد و عطلت المؤسسات و أفرغتها من محتوياتها. 

فمنذ الاستقلال كانت منهجية الحزب الحاكم فرض خياره السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أيّ كان نوعه (ليبراليا، اجتماعيا، أو مختلطا) كخيار أوحد ومواجهة الاحتجاجات بسلة من المقايضات مع المعارضين ولم تكن المعركة إيديولوجية بقدر ما كانت براجماتية ووقع قمع كل من سولت له نفسه معارضة الخيارات الاقتصادية أو الاجتماعية المفروضة سلطويا.

 

و منذ الاستقلال بقي النظام السياسي قائما على الحزب الواحد و بقيت الدولة مركزية و سلطوية و لم  يسمح إلا بهامش محدود من الحريات. و لم تمض سنوات عديدة على الاستقلال حتى عمد النظام إلى إلغاء الحريات و أقام نظاما فرديا مطلقا و حاد عام 1975عن مبادئ الجمهورية بإعلان الرئاسة مدى الحياة. و  حين شهدت البلاد بعض الانفراج سنة 1981 لم تكن هناك مقومات المنافسة السياسية حتى انهار الوضع سنة 1987 . وظل التنافس السياسي معطلا إلى اليوم.

و في عهد الإحتكار المطلق كان ينظر إلى التونسيين على أنهم "دستوريون" بالضرورة و كان الحزب الحاكم ينظر إلى الديمقراطية على أنها قيمة ممكنة  داخله فقط. و لقد اضطر الناس للانضمام للحزب الحاكم للحصول على الشغل والمعونات و الخدمات الاجتماعية خاصة في الريف و أحزمة الفقر، وهو خيار الهشاشة والخصاصة وليس خيار المواطنة والمسؤولية. لقد فشلت الجمهورية في فصل الحزب الحاكم عن الدولة و كان للزبونية  السياسية الأثر المدمر على تطوير مؤسسات حكم عصرية.

 

تمكن الحزب الحاكم بفعل الاحتكار والهيمنة المطلقة من التغلغل في أجهزة الدولة وفي الإدارة بدرجة تزيد في صعوبة تصحيح الوضع نحو حياد الإدارة كمدخل لتأهيل الحياة السياسية وهو أحد كوابيس الإصلاح السياسي. كما لا نجانب الحقيقة إذا قلنا أن الدولة ومنذ الاستقلال إلى اليوم لم تبرز أي رغبة في إعطاء الحزب الحاكم دورا عاديا في الساحة السياسية ولم تفعل أي شيء لتقليص نفوذه وهيمنته على أجهزتها، في حين أنّها أبدت رغبة عالية في تقزيم الأطراف السياسية الأخرى الموجودة على الساحة واحتوائها. كما لم تقتنع النخبة الحاكمة على مدى العقود الخمسة بأنّ الديمقراطية أفضل صيغة للحكم. ولم يقبل الحزب الحاكم مطلقا إشراك أي طرف آخر في صناعة القرار وضبط السياسات وأبقى ذلك حصريّا في نخبه.

 

وبعد خمسين سنة لم تستطع البلاد انجاز انتخابات تنافسية حقيقيّة ولا خلق بيئة سياسة تعدّدية حقيقية. فلم تكن الانتخابات فرصة لتعزيز التعدّدية بل وسيلة لتكرار الحكم لنفسه والدعاية للانجازات والمواضيع المحبّذة للسلطة (الازدهار الاقتصادي عن طريق السياسات الاقتصادية اللّيبرالية المؤطّرة للسلم الاجتماعي ومقاومة التطرف )،بما لم يسمح بتطوير المؤسسات في اتجاه الحكم الراشد، إذ بقي القضاء فاقدا للاستقلالية عن السلطة التنفيذية والإعلام مطوعا والبرلمان مجرد غرفة مصادقة تابعة وطيّعة وفاقدة للتمثيلية. و بقيت مؤسسة الرئاسة قوية وعمقت التنقيحات الدستورية الواسعة لسنة 2002 هذا الخلل المؤسساتي وتراجعت عن الإصلاحات المسجلة سنة 1988.

لم توفق الجمهورية في إرساء التعدّدية، وصاحب التحرّر الاقتصادي مزيد من التسلّط والانغلاق السياسي. وزادت الأزمة مع المعارضة عموما و مع حركة النهضة خصوصا في تعقيد الوضع وانغلاقه، وقاد الصراع العنيف مع النهضة إلى توسيع نفوذ الأجهزة الأمنية وسطوتها وتشديد قبضتها على المجتمع. وكان القمع عنصرا حاسما في تجذير المعارضة. وتطور الحزب الحاكم في قطيعة مع فكرة الانتقال للديمقراطية بل وبتأسيس هيمنة اعتمدها كنظرية في الحكم تغذّت من الجذور الثقافية للاستبداد.

 

بقيت الحكومة بقدر ما تطالب بالاعتراف بالمكتسبات ترفض أن تتحمّل مسؤولية الإخفاقات أو جزء منها على الأقل وترفض أن تحاسب على خياراتها. و بقي الحزب الحاكم يستفيد  من هيمنته على مقاليد الحكم عن طريق الزبونية ويطلب من المجتمع أن يتعقل أمام أزماته وإخفاقاته. وما زالت الحكومة تواصل تقديم خياراتها وقيمها كإجماع شعبي ، في حين أنّها أجندة سياسية خاصة بها مرتبطة بمصالح سياسية وفئوية وحزبية. و أمام تحدّيات المعارضة لها، بقيت السلطة تحرك استراتيجيات عفا عنها الزمن، وخير مثال على ذلك ما حدث أثناء انعقاد المؤتمر الدولي لمجتمع المعلومات في 2005 حيث بدت كأنها تحارب من أجل قضية مخسورة سلفا مما شنج الوضع وعبأ الإعلام الدولي ووحد المعارضين من أجل انجاز إجراءات انفراجية عاجلة .

 

دروس من الماضي

 

نستحضر هذه المسيرة للجمهورية فنترحّم على أرواح من قدّم حياته في سبيل البلاد والحرية والقضايا العادلة. ونقف إجلالا لكلّ المناضلين الذين قدّموا تضحيات جسام في سبيل الوطن، ونعتز بما تحقّق لبلدنا في هذه الفترة من مكاسب، إيفاء لكلّ ذي حقّ حقّه. داعين إلىترك الباب مفتوحا لمصالحة ممكنة تردّ الاعتبار للذين ذاقوا مرارة العيش وقسوة الظرف وتضمّد جراح العائلات المظلومة وتطفئ نار الشعور بالإهانة والقهر الذي صبغ فترات من تاريخ الجمهورية.

 

لم يتم خلال الفترة الماضية إشراك كل الكفاءات والنخب في أخذ القرار وصياغة السياسات و كانت إدارة الشأن العام مركزية ومتسلطة. بالرغم من أنه على مدى العقود الخمسة توفّرت للبلاد من داخل الحزب الحاكم  و من خارجه نخب مؤمنة بالديمقراطية وملتزمة بقضايا الحريات، إلا أنه وقع إقصاؤها أو تهميشها أو محاصرتها.  ولم يكن النظام السياسي و لا المؤسسات القائمة تمكن من الاستفادة من هذه الأفكار و لا تنمية مثل هذا التحرر.

 

 خمسون سنة من عمر الجمهورية فترة وجيزة في عمر الدول لكنها فترة كافية في حدّ ذاتها لإستدعاء الحاجة للتطوير. قد نتفهم تخوفات البعض من تداعيات التطوير. إذ لا أحد يعتبر التغيير الديمقراطي في بلدنا أو في المنطقة سهل الانجاز في القريب العاجل. ولكن علينا حتما أن نتقدّم أكثر ونعمل بشكل أفضل و نواكب لحظتنا و نغذّي مسارنا الإصلاحي بقيم المشاركة والحرية والكفاءة وذلك بتوفٍّر الإرادة القويّة والنوايا الصادقة  والتعقّل في ظلّ شعور وطني قوي بالاعتزاز بمكاسب البلاد وإيمان صلب بمستقبلها. هذا التطلع من شأنه أن يمكّننا من خلق نهوض مجتمعي وحسّ وطني ومعنويات عالية، كالتي توفرت غداة انبعاث الجمهورية،  و هو ما سيمكننا من تخطّي المصاعب والتحديات التي تواجه البلاد.

 

 

الجمهورية والتحـولات الكبرى

 

الخيارات الإقتصادبة

أنجزت تونس تحوّلا اقتصاديا ليبراليا مصيريا بداية من السبعينات أرسى دعائم السوق وفتح البلاد لرأس المال الأجنبي وأقر انخراط الاقتصاد الوطني في الاقتصاد الدولي المعولم ممّا جعل القدرة التنافسية والإنتاجية قضية حيوية بالنسبة لاقتصاد بلادنا. كان الخيار اللّيبرالي بإيعاز وتشجيع من الدوائر المالية العالمية، انخرطت فيه تونس وأقرّته الحكومة وفرضته بسياسات غير ليبرالية وبتعدّدية شكلية.

 

 مرّت فترة التحرّر الاقتصادي التدريجي ببرنامج إصلاح هيكلي مؤلم أواسط الثمانينات، كان من أبرز اتجاهاته أنّ التنمية سوف تتمّ مستقبلا من خلال السّوق والمنافسة.  دفعت إخفاقات الإقتصاد الموجه  والأزمة الإقتصادية لفترة الثمانينات إلى القبول بشروط القوى الخارجية مزيد التوجّه نحو اقتصاد السوق، ونظرا لشحّ الموارد الطبيعية واحتياجات البلاد لرأس المال كانت لتونس خيارات محدودة للحصول على التمويلات الضرورية لإنجاز برامجها التنموية وتحريك عجلة الاقتصاد وتلبية احتياجاتها مما دفعها نحو تنويع مصادر التمويل بالاقتراض والاعتماد على رأس المال الأجنبي والدخول في شراكات إستراتيجية. وبذلك أصبح للعنصر الخارجي دور في تحديد السياسات الاقتصادية، سواء بموجب الإقراض الشرطي أو بموجب اتفاقيات شراكة أو لترابط وتداخل الاقتصاد في المنظومات الإقليمية والدولية.  وهي اختيارات ذات  كلفة اجتماعية وثقافية وأمنية في علاقة بالسيادة والأمن القومي. وبالرغم من أن الوضعية الحالية أفضل من وضعية الثمانينات حيث واجهت تونس هذه التحديات من موقع الضعف وذلك لأسباب خارجية وداخلية أهمها ترهل النظام السياسي وانهيار الاقتصاد الموجه، إلا أننا ما زلنا في وضعية صعبة نتيجة لاعتمادنا الأساسي داخل السوق الأوروبية على القطاعات المتدحرجة في سلم تقسيم العمل الدولي وهو ما يجعلنا نفكر بالضرورة في توسيع خياراتنا وتجنب التبعية.  لقد كان للعولمة تأثير كبير على اتجاه تونس نحو اللّيبرالية الاقتصادية مضعفا قوة الحكومة في ضبط السياسات الاقتصادية والخيارات عموما. وتبدو الحكومة تمارس قدرا من الانضباط لعرقلة الإملاءات الخارجية بإبقائها على التخطيط واعتماد التدرج والحذر والتعاطي بواقعية مع الظروف الخاصة بالبلاد.

 

كان لهذه الخيارات مردود على النمو الذي لم ينتفع الجميع بثمراته بنفس القدر، وتحملت الطبقة الشغيلة  والطبقة الوسطىالعبء الأكبر من التضحيات عبر الضغط الجبائي والتقلص النسبي للتحويلات الاجتماعية مما زاد في تعميق الهوة بين شرائح المجتمع.

 إنّ المنحى اللّيبرالي للدولة الذي انطلق في السبعينات وتواصل في الثمانينات وتعزّز في التسعينات وتسارع في الألفية الجديدة جعل قضية اللّيبرالية الاقتصادية في قلب الصراع في داخل اتحاد الشغل  وفي داخل الحزب الحاكم وخارجه وفي داخل البلاد وخارجها. تباينت الأطراف والمواقف بين مبرر لاقتصاد السوق وبين منبه لرأسمالية كاسحة واقتصاد سوق يتمّ على حساب الطبقة الشغلية والفقراء. وكثر الجدل حول الخصخصة والإجراءات التحرّرية في أجواء ساخنة .

 

تسببت العولمة في بروز فروقات اجتماعية كبيرة، وبدا للعديد من الخبراء أنها أفقرت الفقراء وأغنت الأغنياء ولم تأت بالديمقراطية باعتبارها عنصر ضغط على الأنظمة المطالبة بضبط التذمر الشعبي وتقييده وخاصة الفئات المحرومة من منافع العولمة, وهو ما يشكل أرضية خصبة للاحتجاج.

إنّ الإجراءات اللّيبرالية ليست  صعبة على البلاد فقط ولكنّها أيضا صعبة على النخبة الحاكمة من حيث أنّها تقلّص نفوذها وسيطرتها وزبونيّتها. فقد طور النظام السياسي غداة الاستقلال عقدا اجتماعيا مع العمال والفلاحين والمستثمرين الخواص والطبقة الوسطى وعديد مكونات المجتمع. و تطورت العلاقات بتفاعل كبير مع السياسات الاقتصادية، و لكن السمة الأبرز كانت المقايضة و الزبونية. و مع دخول تونس موجة الليبرالية تغيرت الأنشطة الاقتصادية التابعة للدولة  بفعل الخصخصة، وبالنتيجة تغيرت الوظيفة الزبونية من إعانات ومنح ووظائف (وإن بقيت بحجم أقل). ومع تراجع الدولة عن التدخل المباشر في الاقتصاد ستتراجع أيضا قدرتها على الزبونية التقليدية وعلاقات الولاء والتبعيّة. لقد وقع إنجاز الخصخصة في ظروف لم تكن دائما شفّافة ووقع تلكؤ في إنجاز العديد منها وتسرع في أخرى. وما يخشاه البعض هو أن تتحول الخصخصة لمؤسسات القطاع العام إلى رأس مال صديق لفئة متنفذة كما نشاهده في دول أخرى أثناء تحوّل الدولة للإقتصاد الحرّ. و هو ما من شأنه أن يعيد إنتاج علاقات زبونية من نوع جديد.

 

إنّ الإصلاح الاقتصادي يجعل النظام السياسي التونسي تحت ضغط عال بعد أن اختارت الحكومة إستراتيجية تقوم على التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي وتأجيل الإصلاحات السياسية. ووقع قمع كلّ من حاول مساءلة أو محاججة هذا التمشي. و لكن في بلد توجد به طبقة وسطى كبيرة ومثقفة، فإن مثل هذه الأوضاع تنسف الثقة والدعم الذي تقدمه هذه الطبقة لحزب الدولة والسلطة. و هذه الإستراتيجية تبدو محدودة جدا خاصة إزاء البيئة المحيطة بتونس ( فضاء أوروبي مفتوح وفضاء مغاربي يتحول سياسيا نحو مزيد من التحرّر هذا إلى جانب الصعوبات الاقتصادية المرتقبة الذي يتطلب تحملها صبغة سياسية تشاركية لا إكراهية) وهذا ما يفرض على الدولة ضرورة إعادة صياغة نظامها السياسي  ومؤسساتها وإدماج قطاعات واسعة من المجتمع بقيت مهمشة و إشراكها في صياغة القرار السياسي و القطع مع الدولة الزبونية.

 

التحولات الإجتماعية

إن التحولات الديمغرافية (طفرة الشباب المستمرّة) والصعوبات الاقتصادية ومحدودية نسق النموّ ومشاكل التكوين والإدماج جعلت من مسألة البطالة مشكلة مزمنة تتطلب حلولا معقدة و وتضافر كل الجهود والإرادات ومناخ محفز للعمل والاستثمار للخروج من نفق البطالة والتخلص من هذا الكابوس الجاثم على كاهل الشباب والكهول وخاصة المتعلمين وأصحاب الشهائد وأصحاب العائلات. ولا يكفي التعويل على الانفراج الديمغرافي المرتقب في السنوات العشرة القادمة بل لا بدّ من وضع البلاد في حالة تعبئة عامة لمواجهة هذا التحدّي وتبنّي سياسات اقتصادية واجتماعية ومناخ استثمار كفيل بدفع نسق النموّ. كما أنّ التحولات الاقتصادية الكبرى وعولمة الاقتصاد وإعادة توزيع العمل على المستوى الدولي تتطلب مراجعة شاملة وعميقة لمنظومتنا التربوية والتكوينية ومنظومتنا الذهنية كي نكون قادرين على الاستفادة من العولمة وتقليص آثارها السلبية والتأقلم مع محيطنا الدولي. ولقد تأخرت الإصلاحات في هذا المجال واتسمت مرارا بالارتجال والتخبّط والارتباك ولم تتوفر الموارد الضرورية لذلك. وإذا لم تكن قدرة البلاد على التأقلم عالية وسريعة فإننا نخشى فقدان مكاسبنا في مجال الاستقرار الاجتماعي.

 

إنّ الضغط المتزايد على الدولة لتحسين اقتصادها وتطويره وتعزيز قدرته التنافسية ورفع إنتاجيته

يطرح أيضا تحديات ومشاكل بيئية هامة لم تطرح للنقاش إلاّ في دوائر ضيقة. إذ هناك تحديات على مستوى نقص المياه، والتلوّث، والنفايات السامة، وتآكل الشريط الساحلي، واستنزاف التربة . إنّ تطور الاقتصاد يجب أن يبقى مرتبطا بالمحافظة على التوازن الجهوي للتنمية والعمل على إرساء منظومة اقتصادية تحافظ على البيئة وتحقق التنمية المستدامة وتساهم في الحفاظ على هوية الشعب وخصوصياته. وهي حزمة من الإصلاحات تتطلب درجة عالية من الوعي والمشاركة والمواطنة.

 

التحولات الدولية

إنّ النظام العالمي الجديد قيد التشكل مليء بالمخاطر والصراعات الدولية والإقليمية ومثقل بمشاريع مبهمة، إلى جانب تهديد الإيديولوجيات المتطرفة التي تهدّد الشباب وتضغط على المجتمع وتتغذى من الظلم والإحباط والعنف والانكفاء على الذات.

لقد اكتشف التونسيون في نهاية ديسمبر2006 تهديدا جديدا على أراضيهم واكتشف الأولياء أنّ أبناءهم في صلب تنظيمات مسلحة وأنهم هاجروا بمهجتهم ووجدانهم إلى هذا العالم المرعب، واكتشفوا أن تونس ليست محصّنة وأنّ أي عائلة ليست محصنة. التف الناس حول الدولة وتمنوا لها النجاح في درء المخاطر والتهديدات ولكن لم يقع إشراكهم في أيّ من مسؤوليات الأمن القومي سوى الحيطة واليقظة والحذر. وبقي في الأذهان أن أمن البلاد واستقرارها مسؤولية الحكومة والحزب الحاكم فقط. تمنوا أن تعالج المحكمة هذه القضية وأن يفتح نقاش واسع ووطني ومسؤول عن الأسباب المباشرة والخفية والعميقة حول هذه الظاهرة التي تهدّد استقرار البلاد ومناعتها وسهلت انخراط الشباب في هذه التنظيمات والإيديولوجيات، ولكن خيّبت الحكومة أملهم واكتفت بالحلّ الأمني وتعبئة الحزب الحاكم وتهميش القضية وإبعادها عن ساحة الحوار الوطني

التحولات الثقافية

خيب النظام السياسي الأمل في خلق بيئة ثقافية متعددة و مبدعة و مشبعة بالعقلانية و متناغمة مع هوية البلاد و قيم التسامح و الحرية. لم تكن طبيعة النظام السياسي تسمح بأكثر من مساحة ضيقة من الحريات و التعبير مما زاد في أدلجة  المنتوج الثقافي الذي أنجز بقدر كبير من الرقابة ليكون في تناغم مع خيارات الحكومة و يقدم كمنتوج ثقافي وطني يحاكي الإجماع المطلوب كما هو الحال في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية.

 

 وقع تبني سياسات ثقافية مذبذبة و مشوهة بتضاريس الأزمة السياسية و وقع تهميش قضية تطوير الفكر الديني داخل حلقات مضيقة من الجامعيين و لم تتوفر بيئة مناسبة لطرح قضايا فكرية  وثقافية مصيرية للبلاد  بل و بدا للكثير أن الدولة تشجع أطرفا فكرياة على حساب آخرى كما نلاحظه في سياسة البرمجة الثقافية (مسرح، سينما، كتاب، موسيقى، مهرجانات) أو في خصخصة الإعلام (التلفزات الخاصة و الإذاعات الخاصة) مما عمّق الإقصاء, و لا غرابة في أن موجة التدين الملفتة للانتباه ينظر إليها حسب بعض المحللين كنوع من التعبير الاحتجاجي على حالة الاحتقان المهدد للوحدة الوطنية.

 

التحديات الكبرى

تواجه البلاد اليوم صعوبات وتحدّيات ومشاكل عالقة لم توفق الجمهورية في إيجاد حلول لها، من أبرزها إصلاح النظام السياسي وإرساء الحكم الراشد والإقرار بمبدأ الاختلاف وضبط إطار جديد لإدارة الصراع. لقد ولى الزمن الذي كانت فيه الدولة تتعامل مع المشاكل وكأنها لا تريد "إثقال كاهل الناس" بإشراكهم في الخيارات وتحميلهم المسؤولية.

فبعد 50 سنة من إعلان الجمهورية وقعت تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية هائلة داخل المجتمع إلى جانب التغييرات الدولية الكبرى في علاقة بالعولمة وصياغة نظام دولي جديد وإعادة التوزيع الدولي للعمل، وهو ما أدى إلى طرح أسئلة أكثر تعقيدا.

 

فلقد نعم الناس بالتعلم والصحة وارتفع مستوى العيش وتغيرت العقليات وانفتحت البلاد على العالم وتشكلت طبقة وسطى تمثّل ما يقارب 80 % من السكان وتقلّصت أهمّية الريف وتجاوزت نسبة التمدن 65%. وأدت التحولات الاقتصادية و الاجتماعية إلى بروز مشاكل معقدة من نزوح، وبطالة وجريمة، و مدن فوضوية ومشاكل في الهوية وتدهور للبيئة وغيرها من المشاكل المعهودة في الدول النامية.

نتيجة لهذا تغيرت البلاد وتغير الناس، وتغيرت مشاكلهم واحتياجاتهم وانتظارتهم ورؤيتهم للموقع الاجتماعي ووعيهم بحقوقهم. تفاعل حزب الدولة سياسيا مع التحولات الاجتماعية التي صاحبت الإصلاحات الاقتصادية. إذ أصبح الفضاء الحضري داعمه السياسي الأبرز وأهمّ عنصر استقرار مقابل تهميش الريف،  ونمت بسرعة طبقة وسطى محافظة. برزت نخبة جديدة امتطت الحزب والدولة لضمان مصالحها. أمّا الفلاحون الصغار والتجار الصغار والحرفيون و العاملون في القطاع الموازي  فتأقلموا مع هذا الوضع عن طريق الزبونية.  و مع ذلك بقي الحزب الحاكم مصرّا على احتكار الحكم والسلطة، وبقي نشاط الحزب الحاكم في الجهات يطلب المزيد من الهيمنة. وهذا ما يجعل شرائح عديدة مرشحة بالخروج من فلك الحزب الحاكم (فقراء الريف والمدن، الشباب العاطل والمحروم والنخب المهمّشة).

 

ومع تحول المجتمع السريع نحو الإستهلاك و تراجع المقدرة الشرائية و بروز مظاهر الثراء الفاحش الذي لم يكن  من ثقافة المجتمع، و تعمق الفوارق الاجتماعية  و اقتراب الحكومة من مواعيد تقدم الحزمة الأكثر إيلاما والأقل شعبية والأسوأ على مستوى رمزية الانتقال من دولة الرعاية إلى الليبرالية المخيفة بدت أصوات التذمر تتعالى داخل الطبقة الوسطى. ولا غرابة في أن أصبحت الطبقة الوسطى المتآكلة والطبقة الكادحة التي تشعر بالتهديد من اللّيبرالية الزاحفة، تنادي بالمشاركة السياسية وبحرية التعبير. وليس من المصلحة التغاضي عن شرعية هذه التطلعات بل يجب إدراجها كجزء لا يتجزأ من عملية تطوير البلاد وتحديثها وتعزيز مناعتها. وسوف يصبح من الصعب جدّا على الحكومة فرض الحزمة القادمة من الإصلاحات غير الشعبية بالإكراه والقوة نتيجة للوضع الاقتصادي والاجتماعي  والدولي الضاغط.

 

لقد أنجزت الجمهورية جزءا لا بأس به من عملية التحديث، فوصل مستوى دخل الفرد إلى 4000 دينار، ومستوى الأمية دون 16 % و تشكلت طبقة وسطى عريضة واقتصاد نام في حدود 5 % سنويا.  إن هذه المعطيات تسهل بانتشار قيما الديمقراطية مما يجعل من المشاركة السياسية وتشكيل مجتمع مدني مستقل وقوي مطالب شرعية، وضرورية.

 

إنّ التغييرات التي طرأت على مستوى تحديث البلاد، بفعل الإصلاحات الجريئة، لم يكن الهدف منها في النهاية إلا تحقيق المواطنة، و تأهيل البلاد لحياة سياسية متطورة، و عليه يكون من التناقض بعد ذلك التنكر لتلك النتائج المنتظرة. فهدف مؤسسي الجمهورية ليس الازدهار الاقتصادي فقط, بل بناء مشروع وطني تحديثي يضمن الكرامة والتحرّر والتمكين وهذا لن يكتمل إلا عن طريق تطوير الحياة السياسية.

 

ضرورة الإصلاح السياسي

 

اختارت الحكومة مقاربة حذرة جدّا في إصلاح النظام السياسي، اعتبرتها المعارضة جمودا وانغلاقا باعتبار التضييق الشديد على الحريات. إنّ اختيار السياسة الأفضل أمر معقّد ، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار العنصر الزمني وتداخل الذاتي بالموضوعي والمحلي بالدولي  والمصلحة الخاصة بالمصلحة العامة. برهنت التجربة الأولى للجمهورية أنّ التعدّدية الشكلية عقيمة وأنّ القمع غير فعّال و أن الولاءات و العلاقات الزبونية لها مضاعفات ثانوية خطيرة على مستوى بناء الروح الوطنية، فلا مناص إذا من أشكال أرقى وأنجع. ويكفي أن نستحضر آخر عهد الرئيس بورقيبة وما آلت إليه الدولة من ترهل وضعف، لولا عملية الإنقاذ التي تمّت بسلام وأخرجت البلاد من مخاطر الانفجار والانهيار.

 

لقد كرّس الرئيس بورقيبة الحكم الفردي ، ومع الإعتراف بخصاله  كرجل دولة وصاحب مشروع تحديثي ، فإنه جسد الحكم المطلق و أرسى دولة الحزب الواحد و همش بقية مؤسسات الدولة ممّا خلق، خاصة في نهاية حكمه و تعاظم الأطماع، حالة من السّلطة الهشة غير المستقرة  أدخلت البلاد في نفق مظلم لم تخرج منه إلا بعملية التغييرفي7نوفمبر1987 التي أنقذت النظام و أنقذت الدولة و فتحت أفقا جديدا.

 

لم تكن الانتخابات خلال العقود الماضية من الجمهورية فرصة  للتداول و لتعزيز التعدّدية بل كانت مناسبة لتكرار النظام لنفسه و الدعاية لإنجازاته بما يبرر إبقاء الوضع على حاله واحتكار الحزب الحاكم للحياة السياسية وتعزيز قبضته على دواليب الدولة والمؤسسات مما أفرغ الجمهورية من مضامينها التحررية و التحديثية و احتكامها لسيادة الشعب. وبقي الحكم فرديا وبقي الإعلام عموما وسيلة الحزب للبقاء واحتكار السلطة حتّى وإن خفّت حدّة القمع وتغيّرت أساليبه و أدواته. لم يوفّر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أرضية للانفتاح السياسي كما لم ينفع الضغط الخارجي والإكراه.   وتأخرنا في إنجاز قدر من الإصلاح السياسي يؤمن مستقبل الدولة من الأزمات. توفّرت عديد المرات فرص حقيقة للتقدم بسلام نحو تطور سلس للمشاركة السياسية يأخذ بعين الاعتبار مصلحة البلاد وخصوصيّتها ولكن حالت دون ذلك عوائق عديدة يجب الاعتبار منها حتّى لا نبقى نعيد تكرار نفس الأخطاء ونراكم الفرص الضائعة. وعلى عاتق رئيس الدولة اليوم مسؤولية ثقيلة تتمثّل في العبور بالبلاد بسلام  نحو مرحلة سياسية جديدة في ظروف دقيقة وعويصة.

 

لن نستطيع مستقبلا إدعاء أنّ عملية التطوير والتغيير والخيارات السياسية الكبرى للدولة القائمة على الحداثة و الليبرالية محل إجماع أو مجرد مهمة تكنوقراطية. لن نستطيع مواصلة تسويق هذا الكلام وتجاهل الخلافات في الرأي وفي السياسات وحتى في المرجعيات الفكرية. فمن الضروري أن تعترف الدولة صراحة بالتعدد الموجود أصلا في المجتمع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والفكري، فلا تعمد لتأليب شقّ على آخر أو محاربته أو التشجيع على الاصطفاف، بل عليها تكييف النظام السياسي بما يكفل الحق لكل الأطراف الدفاع عن مصالحها وآرائها وقناعاتها في أجواء من الاحترام والتعايش والتصارع المؤطّر في ظلّ القانون. إنّه لمن ضيق النظر، حرمان تونس من تضاريسها الاقتصادية والاجتماعية و الفكرية الجديدة.

من الضروري فسح المجال للاختلاف والاحتجاج والتنافس بين الخيارات، لا كرها للوفاق ولا حبا للخلاف ولا رغبة في زعزعة الاستقرار، بل لأنّ الاقتصاد اللّيبرالي بالضرورة وبالطبيعة يخلق تباينات، واختلافات في المصالح وفي الأدوار. وعلى الدولة ضبط آليات سليمة وفعالة وعادلة لإدارة الصراع. ومن الأفضل أن يتمّ هذا داخل مؤسسات الدولة كالمجالس البلدية والنيابية والمنابر الإعلامية والفضاءات المخصصة لذلك، لا في الصالونات وفي المساجد والكهوف والجبال، في إطار قواعد عادلة ومنصفة وغير مجحفة ومؤطرة بقوانين يمتثل لها الجميع بالتساوي. وهنا لا نجانب الحقيقة إذ قلنا أنّ كلّ الانتخابات السابقة على مدى الخمسة عقود فشلت في تجسيد هذا التمشي وفشلت في توفير البيئة الصحيحة للمنافسة السياسية النزيهة بل كانت الانتخابات دوما أداة لمواصلة الهيمنة المطلقة للحزب الحاكم على الحياة السياسية برمّتها. ولقد برّرت الحكومة دوما موقفها هذا، والذي تصفه بالحذر، بالخوف من أنّ الانفتاح في اتجاه تحرير الحياة السياسية سيشجّع التيّار السياسي ذا المرجعية الدينية المهدّد للمشروع التحديثي للدولة ومكاسب الجمهورية. لكن لا أحد اليوم بقادر على إدعاء الديمقراطية دون قرن القول بالفعل. على الدولة أن تجد الحلّ لمعضلة استعمال الدين في السياسة. ولن يتمّ ذلك بالمقاربة الأمنية ، بل بفتح مجال المشاركة السياسية للجميع وإقامة مؤسسات فاعلة  وقوية  وبتوفير بيئة اقتصادية واجتماعية مزدهرة وخاصة بيئة ثقافية غنية بالحوار العقلاني والتلاقح الفكري.

 

أنّ البيئة المنفتحة المشجّعة للحوار والتفاعل والتوافق والتسامح تفسح المجال نحو تعزيز خيار الديمقراطية لدى كلّ الأطراف. وإذا اعتبرنا التدرج خيارا مجسدا للحذر المشروع و بناء المؤسسات السليمة، فسيكون إدماج التيارات السياسية مهما كانت خلفيتها الفكرية خير ضمان لسلامة المسار الديمقراطي و تجنب سيطرة طرف على طرف آخر و الهيمنة عليه و تطويعه.

وإنّ كانت الديمقراطية في المطلق لا تضمن الحكم الراشد ولا تبدو مضمونة النتائج فإن ذلك لا يبرر تعطيلها وعدم اعتمادها. فأكبر فضائل الديمقراطية أنها تفتح الطريق لخيارات عديدة ومشاريع تصحيحية ممّا يقلّص من تفاقم الصراع والإنزلاق إلى التغيير العنيف. و في ظلّ نظام ديمقراطي ينضج بطريقة طبيعية سيكون النجاح متوفرا للتعاطي مع الخلافات  وتضارب المصالح بين مكونات المجتمع وذلك بتشجيع التوافق (compromis) وتغليبه على التنافي.

 

لا مفر إذا من تغيير طريقة تفكيرنا وطريقة تخاطبنا وطريقة تعاملنا مع المشاكل السياسية والأمنية والدولية. وفي غياب إدماج عنصر الصراع في الحياة السياسية، وتأطيره عبر تعزيز قدرة الأحزاب على الحوار والتفاوض والتعبئة وقوة الاقتراح والمشاركة وتوسيع الخيارات أمامهما. في غياب هذا سيكون العنف جذّابا  للبعض. إذا قدر النظام أنّه من غير الممكن المجازفة بالإصلاح فإنّ هذا سيكون ربّما مؤشّرا بأن الإنتقال سيكون بطريقة غير سلمية.

 

مقومات الإصلاح السياسي

 

رد الأعتبار للروح الوطنية و للمواطنة

ليس المطلوب اليوم تزيين النظام السياسي بمؤسسات مفرغة من السلطات و انتخابات مفرغة من أي تنافس وتعددية مغشوشة. إذ لا مناص بعد كلّ ما ذكر من مواصلة مسيرة التنمية والتطوير والتغيير بإشراق الحريات. ولن يتمّ ذلك إلاّ بتسهيل دخول المواطن معترك الحياة العامة و الارتقاء به إلى مستوى المواطنة بما تحمله من حقوق و واجبات والتعبير عن رأيه والمشاركة الفاعلة في صياغة القرار و نقاشه في بيئة تنبض بالأمل ومطعمة بعقلانية خلاقة، ذلك أنّ الازدهار الاقتصادي وحده غير كاف للشعور بالانتماء للوطن.

 

لن نستطيع مواصلة مسيرة البلاد المزدهرة في ظلّ الأوضاع الراهنة بإرادة فردية مهما كان نبلها وخبرتها. لن تستطيع الدولة معالجة المشاكل ومواجهة التحديات ودرء المخاطر مع إبقاء المواطن في وضع سلبي فاقد الاهتمام بالشأن العام، منسحبا ومستقيلا كلّيا من الحياة العامة ونافرا من العمل الاجتماعي ومشكّكا في أيّ تجربة وفي مؤسسات الدولة ، و فاقدا الثقة  في المعارضة وفي الحكومة متّهما الجميع بشتّى التّهم ومكتفيا بعلاقته الزبونية ومتخلّيا عن مواطنته ومسؤوليّته.

 

من المؤسف أن تبقى الرياضة، على أهمّيتها، أهمّ محرّك شعبي للشعور بالانتماء للوطن. كيف نطلب من فرد مهمش، مذبذب الانتماء، وضعيف الإلمام بواقع البلاد المعقد، كيف نطلب منه :

-       أن ينتصر لبلاده

-       أن يدافع على المكتسبات

-       أن يلتزم بالحوار والتسامح

-       أن يتحمل تكلفة إصلاحات غير شعبية

-       أن يتفهّم موقف بلاده من قضايا دولية

-       أن يحافظ على البيئة

-       أن يطور سلوكه الحضاري

-        الخ

إنّ هذه المطالبة، في ظلّ تنامي واقع سياسي يتّسم بالزبونية والتبعيّة والولاء وغياب الرأي الحرّ وانتشار اللامبالاة، تبدو كصرخة في واد. يعلم القاصي و الداني أن العدد الضخم والمضخّم لمنخرطي الحزب الحاكم، ليس نتيجة قناعة بمبادئه وأفكاره السياسية كما كان الحال غداة الاستقلال، إنّما بقدرته على تحريك وتوفير موارد زبونية. فإذا فقد ذلك فإنه سيرى بسرعة قطاعات عديدة من المجتمع تخرج من سطوته وتتموقع في المطالبة والاحتجاج. إنّ تخلف الوضع السياسي يسهل بروز خدم وحشم مهمّتهم السياسية الوحيدة التكرار الملل لمكاسب التغيير ومعجزات العهد الجديد وتعداد الإنجازات. إنّ هذا يشوّه الصورة ويشوش على المجهود الإصلاحي، وينفر الناس وخاصة الشباب منهم ويهمّش النخبة النيّرة في الحزب الحاكم.

 

من مسؤولية الدولة والنخبة الحاكمة في هذه المرحلة بذل الجهد الكافي لتقديم المعلومات الصادقة والصحيحة مع استعمال الخطاب المناسب لا الدعاية السهلة. لا يجدي نفعا أن نخفي الحقائق ونغطي على المشاكل بتعلّة أنّها تحدّيات ونركّز فقط على المحاسن و الإيجابيات. كما لا يكفي أن نعزو كل مشاكلنا لعناصر خارجية (عولمة، بترول، ...) ونتعلّل بالتهديد الأصولي لتأخير الإصلاحات ذات الطابع السياسي.

 

إنهاء هيمنة الحزب الحاكم و احتكار السلطة

يصعب أن نتقدم نحو الديمقراطية،  بحزب حاكم مهيمن ومتداخل مع أجهزة الدولة (خاصة على مستوى السلط الجهوية والمحلية) وبأحزاب تابعة كليا للدولة، ضعيفة و فاقدة للكفاءة والمصداقية وغير قادرة على تطوير فكر سياسي أو تأطير أو تعبئة الجماهير وغير منغرسة في المجتمع وعاجزة عن أية إضافة، و بمؤسسات شكلية صيغت في فترة تاريخية محددة لإدامة هيمنة الحزب الحاكم وتضخيم مؤسسة الرئاسة وتجريم المعارضة. ولن نستطيع أن نتقدم مع حزب حاكم يبرر هيمنته واحتكاره للحكم باعتباره يمثل كلّ التونسيين وكل الطبقات وكل القطاعات في تبسيط لطبيعة المجتمع وفي مغالطة لواقع البلاد الحالي.

 

ابتعد الحزب الحاكم عن القيم التحررية والتحديثية للحزب الدستوري عند نشأته. ولم يعد تلك المؤسسة المفعمة بالحيوية والتي حملت نخبها مشروعا تحرّريا تحديثيا قوامه تحرير الإنسان من كلّ المعوقات وخاصة الجهل والذلّ والحرمان والاستبداد.

لا يعني هذا أن الحلّ يكمن في إضعاف الحزب الحاكم أو إزاحته. بل في تعديل دوره وتحديد هويته،  والمصالح التي يمثلها. الحلّ يكمن ايضا في أن تتحرك الدولة بوضوح  ومن باب المصلحة العليا للوطن، بإعطاء فرص حقيقية للأحزاب المعارضة ومدّها بالقدرات والدعم وتسهيل عملها والتعريف بانشاطها في الإعلام وإبراز زعاماتها وإيصال آرائهم وتوفير المناخ السليم  للتواصل مع المواطنين.  وذلك عبر إجراءات عملية مثل توفير الموارد وفتح الفضاءات العامة، وإيصالها إلى المعلومة وكذلك عبرتحييد الأجهزة الأمنية والمسؤولين والسلط على المستوى الجهوي والمحلي و اعتبار المعارضة شريكا مدنيا محترما و مؤسسة من مؤسسات الدولة وجب حمايتها و المحافظة عليها. حياد الإدارة والسّلط المحلية والجهوية يعني أن تكون قادرة على التعاطي والتجاوب مع كلّ مكونات المجتمع التي هي بصدد العمل على تعزيز التنمية بالبلاد بمفهومها الشامل. لذلك فإنّ من أوكد المهام للانتقال الديمقراطي الإسراع بفصل أجهزة الدولة والإدارة عن الحزب الحاكم وتطوير إدارة محايدة عن الأحزاب واامصالح. إن لم نوفق في ذلك فسنجد مقاومة شرسة للإصلاح السياسي من قوى متنفذة قد ربطت مصالحها ببقاء الحال.

 

بناء شراكة سياسية

الأولوية  اليوم، تتمثل في تأسيس شراكة جديدة و العمل بقواعد جديدة مع الأحزاب السياسية والإعلام و المجتمع المدني كوسائط أساسية للوصول إلى الناس و إنهاء حالة الإحتكار القائمة تحت عنوان " الحزب الحاكم مؤتمن على التغيير". مسؤولية تغيير أوضاع البلاد نحو الأفضل هي مسؤولية كل الأطراف السياسية ذات المصداقية التي تمثل آراء وأفكارا وخيارات و تطلعات شعبية مختلفة. ولن يتمّ هذا إلا بإنهاء علاقات الولاء والتبعية العقيمة الناسفة للمصداقية واستبدالها بعلاقات جديدة بين الحكومة والأحزاب و المجتمع المدني قائمة على استقلالية الأطراف في الرأي والاحترام لكلّ الآراء والشراكة الجدية تحت مظلة الدولة.

 

 

 تأهيل الحياة السياسية

تواجه الدولة اليوم تحدي الإصلاح السياسي و سيحدد مدى النجاح فيه المسار المستقبلي الذي ستكون عليه البلاد. إما مسارا سالكا متدرجا أو مسارا تعصف به الأزمات و التهديدات من كلّ جانب في مشهد مكرر. يتمثل هذا التحدي في إرساء أسس متينة للمواطنة الحقيقية عبر تأهيل الحياة السياسية وبتحقيق تقدم كبير على مستوى تطوير الحريات المدنية وتوسيع قاعدة المشاركة ومبدأ المحاسبة.

 لقد وقع تأهيل كلّ شيء في البلاد، باستثناء الحياة السياسية. ووقع التخطيط لتنمية كل شيء إلا تنمية الحياة السياسية.  يتطلب تأهيل الأحزاب تقاسم مستوى الوعي مع الحكومة  بالتهديدات والتحديات، والتمسك بالجمهورية و قيمها ومبادئها، وتوفير بيئة تسهل العمل السياسي وتعطيه شرعية قوية ، حتى تكتسب الأحزاب مصداقية ومقدرة حتى تكون  حاملة لأفكار بديلة وسياسات مختلفة.

 

خيار إضعاف المعارضة و تهميشها و بناء آلة دعائية على أنقاضها يقلص من فرص بروز معارضة وطنية كفأة و مسؤولة و ديمقراطية. ذلك أنّ الإحتجاج الشعبي كالسيول إذا لم تجد مراقدها الطبيعية تفيض وتأخذ مسالك غير مؤطّرة وتكون هناك أضرار فادحة.

 

 

 

اتجاهات الإصلاح السياسي

 

 المشاركة السياسية

الجمهورية بعد 50 سنة بحاجة إلى حلم جديد  ومثالية جديدة وعقلانية جديدة و قيم أصيلة متجذرة في الواقع ومتفاعلة معه تحرر الإنسان من الخوف والتواكل والاستقالة ، وتفجّر طاقاته وتحسّن أداءه الاجتماعي. فكما كانت الجمهورية إبان الاستقلال فعالة وسخية في تحرير المجتمع من الدونية، فهي مطالبة اليوم بتحريره  من الاستبداد و التسلط  والتشنج الإيديولوجي. و لطالما كانت هذه الجمهورية حلما راود العديد من المصلحين من خيرة أبناء هذا البلد ولم تتوفر لهم فرصة لمعايشة تجسيد هذا الطموح الذي دفع البعض من أجله ثمنا باهظا.

 

 الجمهورية المنشودة في المستقبل بحاجة إلى كلّ أبنائها دون إقصاء، تجمعهم وتقدم لهم فرص حقيقية للعيش المشترك، وتوسع خياراتهم في المشاركة وتعزز شعورهم بالانتماء وتفجر طاقاتهم للإبداع والعمل بالمساهمة في القرارات التي تخصّهم وتقدّم لهم حلولا عملية لمشاكلهم، ولن يتمّ هذا إلا في ظلّ مؤسسات حكم تؤطر الاختلاف و تمنع الإقصاء و التهميش و تضمن فرص حقيقية للجميع .

إذا توصل الناس إلى إدراك أو قناعة أن الجمهورية والدولة حكر على فئة متنفذة، او مجموعة لا تهتمّ إلاّ بمصالحها المادية والاعتبارية وغير معنية بعلاج مشاكل الناس المستعجلة كالتداين المرهق  والبطالة، وتعليم الأبناء والصحة والسكن اللائق، فإن ذلك سيحبط العزائم وينشر الاستقالة والصمت والتقوقع وانتظار أوّل فرصة للتعبير الجماعي عن الغضب والاحتقان . وبذلك ينهار المجهود الوطني  الذي بذل لبناء اللحمة الوطنية والتضامن حول الحداثة والنموّ والمصير المشترك. ستوجد دوما أصوات قادرة على اختزال الأزمات المعقدة في تعبيرات بسيطة ووصفات سحرية وساذجة لتأليب الجماهير وجرّ المجتمع للإحتراب. كما إن استعمال رمزية دينية أو غيرها للتعبير عن طهارة موقف سياسي وشيطنة الخصم في ثنائية مقيتة، من شأنه  تأجيج العواطف وتغذية الخوف وإخراج الوضع من دائرة الصراع السياسي إلى التناحر.

 إن توافقا وطنيا حول التهديدات و المخاطر، وفسح المجال للمشاركة السياسية الحرة دون إقصاء، وفتح أفق للمستقبل مفعم بالأمل، سيخفّض بالضرورة من الإحتقان وننقذ الشباب المتحمس من الإحباط وقوارب الموت او الزجّ به في أتون حروب خاسرة.

 

الواقعية في الإصلاح

تطالب المعارضة بجمهورية ديمقراطية وبإصلاحات سياسية تختزلها في التنصيص في الدستور على توازن حقيقي بين السلطات  وتحديد ولاية رئيس الجمهورية بدورتين فقط وإقرار مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب وضمان استقلال القضاء وإرساء محكمة دستورية لمراقبة القوانين يحق للمواطنين التظلم لديها، وهي مطالب مشروعة، نتفق على أهميتها وحيويتها، ونختلف في سبل تحقيقها. اعتبارا للواقع الصعب والمعقّد في أبعاده الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية السالف شرحه.

 

يجب أن نفرق بين دمقرطة البلاد والديمقراطية. الدمقرطة مسار معقد لتحويل النظام السياسي التسلّطي إلى نظام سياسي ديمقراطي مستقرّ. قد نتّفق على الأهداف العامة ولكن التكتيكات والخطى الواجب إتباعها للوصول إلى الأهداف يجب أن تأخذ  بعين الاعتبار خصوصية البلاد. فالناس إذ يرفضون القمع والأساليب التسلّطية، فإنهم لا يتطلعون بالضرورة  إلى نفس الأهداف، خاصة بعد نصف قرن من الزبونية و قرون من الإستبداد وثقافة اجتماعية تختلف فيها نسبة التحررالاجتماعي ( و العائلة مثال لذلك). التدرج يقتضي أننا لا ننطلق من صفحة بيضاء و كأننا نؤسس دولة جديدة، بل ينطلق من المكتسبات و الواقع الموروث و يطوره بما يمكننا من تجنّب النكسات والمطبات.

 

هناك تخوف مشروع من تبعات تسريع نسق تحرير الحياة السياسية. و هناك حاجة أكيدة إلى بناء الثقة وطمأنة كل الأطراف حول اتجاهات الإصلاح. ذلك أنّ تأهيل الحياة السياسية يتطلب الوقت الكافي لتجاوز تراكمات المرحلة السابقة ومعوقات البيئة السياسية. نتفهم التريث ولكن نفرق بين الحذر المشروع والمطلوب وبين الجمود والانغلاق السياسي المكرسين للاحتكار. فالحذر لا يبرر عدم الإقرار بحيوية الإصلاح والبدء فيه دون تردد  وتثبيت اتجاهاته.

 

و لا نجانب الحقيقة إن اعترفنا بأن سرعتنا بطيئة جدّا في المجال السياسي ومكبلة للطاقات ومعطلة لحركة التغيير، وعالم اليوم لا يعيش فيه الأقوى فقط بل الأسرع. و التاريخ مليئ بالعبر والنتائج الكارثية للأنظمة السياسية التي لا تتطور و لا تصلح نفسها في الوقت المناسب، ونظام البايات أقرب إلى الذهن من أي مثال خارجي. ولاكتساب هذا النسق الضامن للبقاء علينا تغيير سرعتنا بالتأقلم مع معطيات التحولات الكبرى التي تشهدها بلادنا.

نّ اعتبار التيارات السياسية ذات الخلفية الدينية تحت مسمى الإسلام السياسي، دون الإقرار بتنوعها ودون تمييز بين اتجاهاتها، تهديدا للأمن القومي و الديمقراطية، لم يعد مقنعا ولا يسهل التوافق والتقدم على طريق الإصلاح فقد برزت حدود هذا الخيار في القضاء على ما سمي بالإسلام السياسي ولم يمنع بروز العنف المسلح ذو الخلفية الدينية. إنّ تحديد موقف موحد من المخاطر الحقيقية التي تهدد أمن البلاد واستقرارها، لايتم إلا عبر حوار وطني يمهد لبناء الديمقراطية التوافقية.

 

إنّ التدرج جزء من الثقافة السياسية التونسية،التي اتسمت طوال العقود الخمسة بهذا المنهج سواء في سياسة المراحل للرئيس بورقيبة أو في تطبيق البرنامج الهيكلي أو في التوجه الليبرالي للاقتصاد والخروج من الاقتصاد الموجه أو في التجاوب مع الأوضاع الدولية أو في إدخال حزمة الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والمشروع التحديثي. وكان التدرج سمة أساسية في التحولات الحاسمة التي عرفتهاالبلاد . ولكن السمة الأخرى للثقافة التونسية هي الجرأة في الإصلاح مع احتساب  المخاطر وتدقيقه كما حصل في اقرار مجلة الاحوال الشخصية واصلاح التعليم . فبدون جرأة وجرعة من المخاطرة لا تتقدّم الأمور،  وبدون جرأة لم يكن تغيير السابع من نوفمبر ليحصل.

 

رفض  الديمقراطية المفروضة من الخارج

أخذت تونس حظها داخليا وخارجيا من برامج نشر الديمقراطية التي علا سهمها منذ ما يقارب العشرين سنة. نشطت أمريكا بقوة في نشر الديمقراطية في العالم ولكن صورتها ومصداقيتها تدهورت بشكل فضيع خاصة بعد الحرب العدوانية و الإستعمارية على العراق سنة 2003 . كما نشطت أوروبا أيضا وبقوة ولكن بطريقة أقل صدامية من الولايات المتحدة الأمريكية ومصداقيتها أفضل وأسلوبها أقل فظاظة ورعونة وتعجرف من أمريكا التي تسوق نفسها كمدافع للحرية في العالم مع سجلّ سيء من المتناقضات، وسجلّ من المساندة الفظّة لإسرائيل ولأنظمة استبدادية حتى في أوجّ الدعوة للحرية والديمقراطية.

 

أخذت الحكومة على عاتقها تطوير الحياة السياسية ، وتمتعت ببرامج دولية لتشجيع الديمقراطية (برامج مدرسية، تكوين، جمعيات، انتخابات تعدّدية، إلخ.). كانت النتائج إيجابية إذا أخذنا ظاهر الأمور وتعداد المنتوجات والبرامج (عدد الأحزاب التي وقع الترخيص لها، عدد الانتخابات التعددية التي أنجزت، وعدد الجمعيات (9000) وعدد البرامج التكوينية للأحزاب والجمعيات والمنظمات المهنية والإعلاميين والقضاة والبرلمانيين) وهي أرقام كبيرة. لكن بالنظر إلى النتائج النوعية، يبدو المشهد مختلفا تماما.  ويتساءل المرء بكل موضوعية إلى أيّ مدى ساهم كلّ هذا المجهود المحلي والدولي في تطوير وتغيير الحياة السياسية.  فما هو تأثير عدد الصحف والمجلات والمنشورات والإذاعات والتلفزات الخاصة (إذ وقع خصخصة القطاع بطريقة معينة لا تعزز استقلالية القطاع) في درجة استقلالية الصحافة والإعلام؟ وحتى حين يسمح للجرائد المستقلة بالعمل فإنه يمارس عليها ضغوطات شتى لتوجيه محتويات وممارسة الرقابة الذاتية. و ما هو تأثير عدد البرامج الحوارية و الملفات الإجتماعية في وسائل الإعلام الرسمية على حرية التعبير و تشجيع الحوار؟ وما هو تأثير عدد الجمعيات على قدرة المجتمع المدني في التأثير على السياسات وصياغة القرار؟ وما هو تأثير الانتخابات التعددية الشكلية في خلق منافسة سياسية حقيقة؟ حيث نجد في المقابل سعيا محموما لعرقلة المنافسة في شتى مراحل الانتخابات .

 

 إنّ هذه الإنجازات الشكلية والعددية لم تساهم إلاّ بشكل متواضع في تقليص الفجوة بين نفوذ الدولة ونفوذ المجتمع المدني والسياسي وبشكل أخص لم تغير في الهوة الساحقة التي تفصل بين سلطة الحكومة وسلطة المعارضة.

 

ومع ذلك ساهم كل هذا الوضع إلى جانب نضالات المجموعات السياسية و الحقوقية و الفكرية و الفنية الجريئة و الشجاعة و التي تعاقبت على مدى الخمسة عقود في تقليل عمق الفجوة بين الدولة والمجتمع ولكن الفارق ما زال شاسعا جدّا. إنّ  الخطر في إبقاء هذا الخلل في التوازن بين الدولة والمجتمع يخلق الظرف المناسب لاحتمال وجود ضغط خارجي وحتى تدخل دولي تحت غطاء "تشجيع الديمقراطية" بالإكراه الذي قد تتوفر له ظروفه ليصبح خيارا دوليا لتونس إذا لم تمتثل البلاد لمصالح القوى الكبرى ويكون التدخل عادة عن طريق مساندة  المجتمع المدني في وجه الحكومة. إن تصحيح هذا الخلل ليس فقط مدخلا ضروريا للانتقال الديمقراطي بل له أهمية إستراتيجية حيوية لأمن البلاد و مستقبلها.

 

لقد كانت الضغوط الدولية المحتشمة لاعتبارات إستراتيجية تواجه بتجميل المشهد الرسمي حتى يبدو قريبا من "ماركة" الديمقراطية الغربية. وعشنا فترات لم نود رؤيتها حيث كانت بلادنا تؤنب نفاقا لمزيد الإصلاح الديمقراطي من بعض القوى الكبرى في محاولة لإبتزاز مواقف دولية وخدمة لمصالح اقتصادية. وحين يقع إرضاؤها تعود تلك القوى للحديث عن ضرورة أخذ وضع البلاد بعين الاعتبار في لعبة مفضوحة مكشوفة تفقدها أيّ مصداقية في إعطاء دفع للإصلاح السياسي خاصة إنّ ديمقراطية الإكراه أخذت في عديد الأحيان شكل محاولة لقلب الأنظمة وبعيدا عن مسار الإصلاح السياسي. يجب رفض التدخل الأجنبي الذي يريد ظاهريا تقوية المجتمع في وجه الحكومة ولكنه يسعى في نفس الوقت لمزيد النفوذ والتأثير القوي على البلاد و سياستها. لا نريد ديمقراطية بالإكراه ولا بالاستعمار المباشر أو المقنع. نريدها خيارا وطنيا مشبعا بالوفاق والعقلانية .

 

الحوار الوطني مدخل للديمقراطية التوافقية

أمامنا اليوم فرص حقيقية، يجب التقدم نحوها، واستثمارها لبناء أوسع وفاق وطني حول جمهورية ثانية ومؤسساتها ومضمونها وقيمها واتجاهاتها في قطيعة ضرورية مع الزبونية و التبعية والسلبية وعدم التوازن.

مثل هذا الوفاق بتتطلب في بدايته وبالضرورة حوارا وطنيا معمقا وواسعا يرعاه رئيس الدولة بصفته رمز الدولة ويضمّ الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة والتيارات السياسية والفكرية و مكونات المجتمع المدني والنخب دون إقصاء.

 

يتطلب نجاح هذه المبادرة شراكة حقيقية تضمن عدم الالتفاف عليها أو إفراغها من مضمونها وبعدها الوطني . ويشكل هذا الحوار في حدّ ذاته بداية انفراج سياسي ومنطلقا لتجاوز سلبيات الوضع الراهن، والعطالة السياسية، ومبادرة واقعية لإنضاج أفكار خلاقة تستمدّ قوتها من بعدها الوطني وتلازم الحقوق والواجبات واعتماد الاحترام المتبادل في التعاطي مع الخلافات.

هذا الحوار لا بد أن يتطرق لقواعد المشاركة السياسية التي تمرّ بالضرورة بتعريف المصلحة الوطنية، والأمن القومي، والهوية الوطنية ودور السلط ومفهوم التضامن الوطني والتحديات التي تواجهها البلاد والقيم التي تقوم عليها الجمهورية. ويصحح هذا الحوار المقولة الخاطئة في أنّ استقرار البلاد و أمنها هو مسؤولية الدولة فقط ولا دخل فيه للأحزاب والمجتمع المدني والأفراد.

 

هذا الحوار سيمكّننا من الوصول إلى فهم الجذور العميقة والأسباب الحقيقية وراء احتقان المعارضة وتجذرها، وامتعاض السلطة وتباطئها في الإصلاح، وغياب المشاركة، وفقدان الثقة والتواصل ومواطن التوتر وعوامل التشنّج والسلوك العدواني.

 

أجندة الحوار الوطني قد ينظر إليها من طرف البعض كحيلة الضعيف ومن ليست له قوة المواجهة ، أو كطريقة للالتفاف على المطالب المشروعة وإعادة إنتاج ولاء سياسي زبوني جديد أو كمناورة من طرف السلطة لامتصاص الغضب وتنفيس الاحتقان وسحب البساط من المعارضة. هذه التقديرات وإن اختلف تموقع أصحابها، فهي تشجّع التمشي المتصلب و المعطل ، وتتناسى أننا نطلب الحوار في صلب الوطن الواحد، بين أبناء الشعب الواحد داخل الدولة المجمعة وإن اختلفت أفكارنا وثقافاتنا ومقارباتنا السياسية. 

 

خاتمــــــــــــة

 

تدل عديد المؤشرات على توفر الظروف الملائمة للإنتقال الديمقراطي في تونس: دولة قوية، غياب صراع إثني أو طائفي، نموّ اقتصادي، نخبة مثقفة و منفتحة ، عقد اجتماعي، طبقة وسطى، قوى مساندة للديمقراطية ...كلّ هذه المؤشرات تسهل تأهيل الحياة السياسية.

 

المشكل في تونس ليس في ضعف الدولة، ولكن في موازين القوى المختلة بين حكومة ممسكة بكل خيوط اللعبة السياسية وقادرة على القمع ، ومعارضة مشتّتة ، وغير قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع التي  قد ترى فيها من يمثل مصالحها. ربما تستطيع الحكومة إطالة هذا الوضع إلى أن تبرز معارضة قوية تفرض التغيير. كما تستطيع الحكومة طوعيا وإراديا قلب هذه المعادلة لمصلحة البلاد، باختيار نهج الإصلاح، وهذا ما نعمل عليه.

 

خلال الثمانينات والتسعينات كانت أهمّ قضية واجهتها البلاد هي نسق اللّيبرالية الاقتصادية وانعكاساتها ونتائجها الاجتماعية في عالم تحول برمّته في هذا الاتجاه. ولقد مرّت البلاد خلال هذه الفترة بمناخات متقلّبة وموجات من الاحتجاج والتمرّد، وخاصة من الشرائح التي طلب منها تحمل العبئ الأكبر، أي الشغالين والطبقة الوسطى، مما كاد يعصف بالنظام وبالدولة.

 

أمّا أهمّ قضية تواجهها البلاد اليوم، إلى جانب تبعات التوجه الليبرالي في مراحله المتقدمة، فهي نسق الإصلاحات السياسية، بما يضمن بقاء النظام السياسي المؤطر لنتائج العولمة والانفتاح الاقتصادي وإدخال مزيد من التطوير في منظومة الحكم. وذلك بالقطع مع الزبونية وبناء شراكة بين أطراف سياسية مستقلة عن الدولة تتصارع فيما بينها داخل مؤسسات وبقواعد واضحة وعادلة على طريق الديمقراطية التوافقية.

 

تعتبر هذه المرحلة أخطر بكثير من المراحل السابقة، باعتبارها تمس طبيعة النظام السياسي وتؤدي بالضرورة إلى تقاسم النفوذ بين الأطراف السياسية وهي قضايا حساسة ومثيرة ولها علاقة كبيرة ومباشرة بالاستقرار والأمن القومي. على المعارضة  والسلطة استيعاب هذه المعطيات والتحلي بقدر كبير من المسؤولية وبعد النظر ، حتى تتمّ هذه المرحلة بسلام دون أن نضع البلاد في خطر. وهذه مسؤوليتنا جميعا.

  

 

********************************

للتفاعل مع هذا النص الإتصال على العنوان الإلكتروني:       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 
من وحي الذكرى الـ50 لإعلان الجمهورية بتونس
وفاء للجمهورية
معا من أجل جمهورية الغد
يوم 26 جويلية 2007
الحلقة الثانية 
 

بقلم جعفر الأكحل
كاتب وباحث - تونس

أحوال البلاد التونسية أواسط القرن التاسع عشر
جدير بنا التذكير بما كانت عليه البلاد قبل الاحتلال أي في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر وهي فترة مريرة اشتدت فيه وطأة الظلم والتسلط بعد فشل ثورة بن غذاهم والقاء القبض عليه، وخاصة مناطق الساحل التونسي والقيروان وصفاقس حيث ارسل الباي حملات عسكرية لردع هذه الجهات وما عاناه التونسيّون في هذه الفترة معروف ولايحتاج الى اضافة.
لقد كانت الوضعية الاجتماعية للقطر سيئة جدا على كل المستويات وساهمت كذلك عوامل طبيعية مثل الجفاف والقحط الناتجة عن انحباس الامطار في تدهور الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لاسيما وان الفلاحة هي ركن واساس الحياة الاقتصادية في البلاد. وكانت اغلب الثروات بأيدي الاجانب حتى قبل انتصاب الحماية ففي سنة 1860كانت توجد بالبلاد 40 الف من الاوروبيّين(فرنسيين وايطاليين ومالطيين و40 الف يهودي يسيطرون على التجارة الخارجية والذهب وسوق المال والصناعةوكانت المدن والقرى الداخلية محرومة من كل ضرورات الحياة الكريمة والعاصمة فقط كانت تمتاز بجلب الماء لسكانها من زغوان.
وقد ذكر الشيخ محمد بيرم الخامس في كتابه "صفوة الاعتبار" ان الناس يشربون في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر الماء المالح وقد ترتب عليه بيع الماء بالمال "حتى يبلغ ثمن القلة لمقادير وافرة مع التعب في جلبه(1) ولذلك كانت الامراض متفشية خاصة بين الاطفال مثل الحمى والكوليرا والطاعون وهي امراض حصدت عشرات الالاف من اهل هذه البلاد على مر العصور.
لقد كان الفقر المدقع وسياسة التجويع التي كانت تمارسها السلطة الحاكمة مما جعل الرجال "يرسلون نساءهم لالتقاط الخشب وعروق الاشجار (2) بل ويؤكد الشيخ محمد بيرم الخامس على حقيقة فضيعة لابد من التذكيـر بها وهي قوله"ان هذا الشعب يجد "الهندي" خير غذاء لانه يكثر في السنوات العجاف فصار بذلك اهم النبات النافع للفقراء (3) حيث انه غني بالماء ويتحمل الجفاف خلافا لكل النباتات (4) وهذا ما يفسر كثرة زراعته الى الان في تونس وخاصة في المناطق الريفية وفي الجنوب وهو من الاعلاف الهامة للابل بالخصوص في وقتنا الحاضر فضلا عن استعماله كسياج يحمي الحقل من المواشي والاغراب.
ولقد ادى سوء الادارة والفساد الذي كان يمارسه مصطفى خزندار وبطانته(1817-1878) الى اغراق البلاد في الديون، وبذلك ازداد الخطر الاجنبي، فازداد السخط الشعبي، وكانت ثورة بن غذاهم كما ذكرنا وكان فشلها ثم فشل حكومة خير الدين وانهيار برنامجه الاصلاحي ثم تولى مصطفى بن اسماعيل التي فتحت في ايامه الابواب على مصراعيها لدخول الاستعمار الفرنسي الذي جثم على اديم هذه الارض وعلى رقاب اهلها على امتداد 75 سنة.   لقد كان هناك  من المصلحين من نبه الى خطورة الاستبداد والعمل الفردي ولكن تذهب اصواتهم ادراج الرياح. فهذا الشيخ محمد بيرم الخامس نبه الى مثل هذه الممارسات ودعا الى اصلاحات سياسية وكانت نتيجة هذه المواقف ان اصيب الرجل بامراض عصبية خطيرة ثم هاجر الى فرنسا للعلاج ثم استقر باهله بمصر وبها توفي.
لم تكن بالبلاد اصلاحات دستورية او سياسية اذن وحتى القوانين التي صدرت اواخر القرن التاسع عشر فهي لم تعمر طويلا لانها كانت خاضعة للادارة الخارجية ولم تكن نابعة من ارادة شعبية "فعهد الامان" مثلا املته السياسة الخارجية الفرنسية والانجليزية المتاحلفة ضد السلطة المركزية التونسية بهدف اضعافها واخضاعها. حيث صدر عهد الامان من طرف امحمد باي (1855-1859). في الوقت الذي كان فيه الاسطول الفرنسي سنة 1857م/1274هـ راسيا بتونس(5).    
وقد أردنا التذكير بهذه المراحل باختصار، للاشارة الى كل محاولات الاصلاح التي قام بها خير الدين وجماعته وما بذله رفاقه من جهد، ومن محاولات لنشر الوعي عن طريق جريدة الرائد(1860م) وبناء مدرسة الصادقية وتطوير مناهجالتعليم الزيتوني سنة1875م ولكن دون جدوى.
والسبب هو ان المطلوب اصلاحه هو جوهر النظام وطبيعته السياسية وهذا  لم يتحقق الا بعد الاستقلال حيث كان على الشعب ان يخوض معركة الكفاح الوطني على مدى اجيال، حيث تطورت ايضا رؤى وافكار الاصلاح ووسائله شيئا فشيئا، من نخب تعلمت باوروبا وعرفت نواحي القوة واسس العمل المطلوب.


(1) صفوة الاعتبار الجزء 2 ص 15
(2)نفس المصدرص 34
(3)نفس المصدرص 114
(4)نفس المصدرص 114
(5) صفوة الاعتبار الجزء 2 ص10

 وكانت قيادة حركة الدستور الجديد بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه مدركة لثقل المسؤولية تجاه الوطن وتجاه الشعب الذي عانى طويلا، وصبر وتحمل وزر البايات ونظامهم ثم ظلم الاستعمار البغيض وقهره، وكانت هذه القيادة تدرك ان عليها واجب تجسيم كل الرؤى والافكار الاصلاحية المتعاقبة منذ اوائل اللقرن التاسع عشر وانجازها على ارض الواقع.وما ان تحقق الاستقلال، والغيت معاهدة الحماية يوم 20مارس 1956، تكونت اول حكومة وطنية تونسية برئاسة الزعيم الحبيب بورقيبة وفي 13 اوت 1956 أي بعد 4 اشهر و23 يوما صدرت مجلة الاحوال الشخصية هذا الاجراء الاصلاحي الحضاري الرائد والذي سبق حتى اعلان الجمهورية انما جاء ليضع حدا لمعاناة وظلم المراة واقرار حقوقها في التعليم والكرامة والعمل والحقوق السياسية وهي الحقوق الرائدة التي تنفرد بها الى اليوم بلادنا عن سائر بلدان العالم الثالث. وهو مكسب ما انفك يتعزز في العهد الجديد بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي، حيث صدرت عديد التشريعات لتفعيل حقوق المراة وتدعيم دورها في المجتمع.
وبعد انتخابات المجلس التاسيسي بعد الاستقلال مباشرة عقد اول اجتماع له يوم 8افريل 1956 أي عشية 9 افريل في اشارة رمزية ليوم 9افريل 1938 حيث سقط تونسيون شهداء برصاص الاستعمار الهمجي، الغاشم، وهم ينادون " برلمان تونسي " هذا الحلم الذي تحقق...
ومواصلة للعمل الاصلاحي وبعد اعلان مجلة الاحوال الشخصية، ثم تلاه الغاء نظام الاحباس وحل جمعية الاوقاف التي ترعى هذه الاحباس كما تم في نفس الاطار الغاءنظام العروش وبالتالي الدخول في ظل المجتمع المدني الذي يقوم على القانون والتشريع وضبط الحقوق والواجبات التي سيكفلها الدستور الذي انتخب المجلس التاسيسي من اجل اعداده وضبطه.
وحرصا على تامين كل الظروف وتوفير كل متطلبات الدولة العصرية والمدنية تم ابطال كل مظاهر البدع والاشكال المخلة بالكرامة والتي تتنافى وطبيعة المجتمع الحديث والتي كانت تمارسها بعض الطرق الصوفية. فضلا عن اصلاح التعليم وتطوير مناهجه ونشره وتعميمه على كل ابناء الشعب في كامل انحاء البلاد، بعد ان كان التعليم عموديا أي خاصا بابناء الذوات من الاسر الكبيرة والمعروفة والمرتبطة بمصالح الدولة الحسينية، فاصبح التعليم حقا لكل ابناء الشعب. كل هذه الاصلاحات المتتالية لاول حكومة استقلالية في تاريخ تونس المستقلة بينما كان الباي الاخير محمد الامين قابعا في قصره بباردو يرقب الاحداث ولايقدر على وقف هذا التيار الاصلاحي الجارف، وكان غير مرتاح ويشعر بالقلق الشديد بل وتذكر عديد المصادر انه كان يتصل سرا ببعض الاوساط الفرنسية لطلب النجدة ومحولة الانقلاب على الحكومة الجديدة وفي يوم مشهود، يوم 25 جويلية 1957 اجتمع اعضاء المجلس القومي التاسيسي بقصر باردو في يوم مشهود وتاريخي واصدروا القرار الخطير التالي: " ان اعضاء المجلس القومي التاسيسي المجتمعين بقصر باردو يوم 25 جويلية 1957، بمقتضى مالنا من نفوذ كامل مستمد من الشعب وتدعيما لاركان الدولة يعلنون باسـم الشعب بما يلي :

1- نلغي النظام الملكي الغاء تاما.
2- نعلن ان تونس جمهورية.
3- نكلف السيد الحبيب بورقيبة رئيس الحكومة بمهام رئاسة الدولة ونطلق عليه لقب "رئيس الجمهورية" ريثما يصدر الدستور وتجرى انخابات رئاسية حسبما سيضبطه القانون.

 

بمنــاسبة عيد الجمهورية .

 

الاستــاذ فيصــل الزمنـى

 

 

تـوطئــة :

لقد كـان بودى أن أنشر هـذا المقـال بمنـاسبة احتفـال بلادنـا بعيد الاستقلال فى 20 مـارس الا أن وفاة والدتى رحمهـا الله و الانشغـال و التأثر...  قد حـالا دون اتمـام و نشر المقـال فى موعده . لـذا فهو يـــــرد متأخرا بعض الشيئ و قد خيرت نشره بمناسبة عيد الجمهورية  لمـا فى اعتقادى  من علاقة عضوية بين النظـام الجمهوري  من جهة و ضمانات الحفاظ على الاستقلال  من جهة أخرى . لذا  فالرجـاء لـدى السادة القراء أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار . و لا يفوتنى أن أتوجه بالشكر الـى كل الذين حضـــروا الـى مدينة نـابل  أو اتصلوا بي من أجل المواساة و التعزية و لا سيمـا أولئك الذين حضروا موكب الدفن و معهم رمز الوطن المفدى ( علم البلاد ) محمول كمـا حمله أوفياء هـذه الارض فى كل وقت .

 

                                                                                      شكـــــــٍرا

 

المـداخلــة

 

تحصلت تونس على استقلالهـا و خرجت من تحت نير الاستعمـار الفرنسي منذ 1956 و كـان ذلك بفضل نضال أبنـائهـا الابطـال من " فلاقة "  و مواطنين أحرار و نقابيين مناضلين نسجوا أروع الملاحم فى تاريخ البلاد و أطردوا المستعمرالغاشم  من أجل أن يرحل من غير رجعـة .

 

كمـا اختار التونسيون النظـام الجمهوري ليكون الاطـار الذى يتم ممـارسة السيادة الوطنية من خلاله بمـا يتضمنه من مبـادئ عليا كمبدأ تفريق السلط ... و اللجوء الى الاقتراع  لانتخاب ممثل ي الشعب ... الـى جانب ارسـاء دعـائم دولة القانون و المؤسسـات ... لكي ننتهى على أرض الواقع الـى مـا انتهى اليه المفكر مونتاسكيو نظريا عندمـا أكد أنه اذا كـان من طبيعة الاشيـاء أن يتعسف كل ذى سلطة فى استعمـالهـا .. فانه من ضرورة الاشياء أن توقف السلطة تعسف السلطة ... حتى لا يستبد أحد و لا يفرط فى استعمـال السلطة .

 

ان تونس التى تحصلت على استقلالهـا 1956 قد  عرفت فى الفترة مـا بين 1957 و 1959 كيف تلتحق بالدول المتحررة و ترفع عنهـا استعمـارا من نوع أخر ... و هو " استعمـار"  البايات الذين تصرفوا فى البلاد تصرف المالك فى ملكه ...  و لعل البلاد التونسية قد تميزت حتى عن بعض جيرانهـا الذين استقلوا عن الاستعمـار الفرنسي الا أنهم حـافظوا على النظـام الملكى و أكدوا سلطة الملك و بحثوا لهـا عن شرعية جديدة ...

 

الا أن تونـــــس قد اختارت الخروج من مرحلة الاستعمـار فى نفس الوقت الذى ألغت فيه النظـام الملكي و احلال النظـام الجمهولري محله .