الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر -0001 00:00

22novembre06a

Home - Accueil - الرئيسية

 

في كل يوم، نساهم بجهدنا في تقديم إعلام أفضل وأرقى عن بلدنا، تونس

Un effort quotidien pour une information de qualité sur notre pays, la Tunisie.

Everyday, we contribute to a better information about our country, Tunisia

TUNISNEWS
7 ème année, N° 2375 du 22.11.2006
 archives : www.tunisnews.net

الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين: لماذا يقع تعطيل حق زيارة مساجين الرأي بالنسبة للمحامين
هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات: بـيـــــان
إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل: بلاغ
نورالدين الخميري : السجين السياسي عيسى العامري في وضعيّة جدّ خطرة
عبد الحميد الصغير: اليوم الخامس من استئناف الإضراب عن الطعام
وات: الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في تونس لبحث مسيرة التعاون بين البلدين الشقيقين
القدس العربي: المهاجرون التونسيون يشعرون بفرنسيتهم أكثر من المغاربة والجزائريين
عبدالله الـزواري: عين الـرضا...
عبدالحميد العدّاسي: رأي
د.خــالد الطــراولي: عودة السفساري وإرهاصات نهاية مشروع وبداية آخر(1/2)
عبدالباقي خليفة: اسرائليات رجاء بن سلامة و خيانتها للامانة العلمية و تحميلها النصوص مضامين كاذبة
د.محمد أحمد الخضراوي: الحجاب: بروتوكولات حكماء العلمانية
رياض البرهومي: الحرية.. الديمقراطية.. وبعد ؟
مـحـمـد الـصالـح فـلـيـس : أب واحد... بلد واحد... قائد واحد
أحمد فرحات حمودي : مـقـال مـسـتـقـلّ
فتحي الشامخي:العولمة تُذيب السّكر التونسي
لطفي الهمامي: قاتلهم يا قاتل شعبك ( صدام حسين في المحكمة )
شاهد: عندما ينتهي اليسار كما بدأ يصبح الحديث عن المبدأ لغوا                          
محمد العروسي الهاني: رسالة مفتوحة للسيد رئيس مجلس النواب الموقر حول الحوارات التي ستجرى بمناسبة عرض الميزانية الجديدة لعام 2007
حسين المحمدي: سلطة مسروقة وأحزاب مسروقة=وطن مختطف وإنسان بلا أمل=مؤتمر دولي حول الحرية..(2)
توفيق المديني: انهيار الدولة الشمولية العراقية شاهد على نهاية صدام
محمد مشارقة: في ضرورة مانيفستو اسلامي اوروبي نحو تشريع التحالفات مع اليساريين والمثليين ومناهضي العنصرية
يورغن كاين كولبل :"محور الغروب" الفئران تغادر سفينة المحافظين الجدد الجانحة

Pour afficher les caractères arabes  suivre la démarche suivante : Affichage / Codage / Arabe ( Windows )
To read arabic text click on the View then Encoding then Arabic (Windows).

أطلقوا سراح الأستاذ محمد عبو
أطلقوا سراح كل المساجين السياسيين
الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين
33 شارع المختار عطية تونس 1001
الهاتف : 71340860 الفاكس:71354984
22/11/2006
بــــيان
لماذا يقع تعطيل حق زيارة مساجين الرأي بالنسبة للمحامين

يشتكي عدد من المحامين المدافعين عن المساجين السياسيين من التضييق المسلط عليهم و ذلك بحرمانهم من زيارة موكليهم مساء يومي الجمعة و السبت من كل أسبوع خاصة و أن البعض منهم كان يخصص عشيتي اليومين المذكورين لزيارة حرفائهم من المساجين هذا من جهة و من أخرى فإن كتابة الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس المتعهدة بقضايا المتهمين المحالين طبق قانون 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب تلجأ إلى التنصيص في بطاقات الزيارة على أن المساجين  يقيمون بسجن المرناقية في حين أنهم يقيمون في سجون أخرى رغم التنبيه من طرف المحامين إلى أن عائلات المساجين أعلمتهم بأن الحريف يوجد بسجن آخر و فعلا يفرض على المحامين التوجه  إلى سجن المرناقية بإصرار من كتابة المحكمة و من السيد وكيل الجمهورية للتأشير على بطاقة الزيارة إلى أن السجين يوجد في سجن آخر قد يكون في بعض الأحيان داخل الجمهورية و بما أن بطاقة الزيارة صالحة ليوم واحد فإنه يصعب على غالبية المحامين إنجاز الزيارة .
و الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين تطالب برفع هذا التضييق الذي لا مبرر له حتى يتمكن المتقاضون من حقهم في مقابلة المحامين المكلفين بالدفاع عنهم علما بأنه من واجب إدارة السجون إشعار المحكمة المتعهدة بالنظر في القضايا الجزائية بكل نقلة تحصل للمساجين المحالين أمامها.  
رئيس الجمعية
الأستاذ محمد النوري

أطلقوا سراح الأستاذ محمد عبو
أطلقوا سراح كل المساجين السياسيين

الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين
33 شارع المختار عطية تونس 1001
الهاتف : 71340860 الفاكس:71354984

22/11/2006
بلاغ
علمت الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين أنه وقع رفع التضييقات الأمنية المسلطة على السجين السياسي السابق السيد زياد الدولاتلي و الجمعية إذ تستبشر بهذا الإجراء تطالب بتعميمه بالنسبة لجميع المسرحين من المساجين السياسيين.
رئيس الجمعية
الأستاذ محمد النوري
 

 
هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات 
بـيـــــان

إنّ "هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات" بعد علمها بما يلي:
1) إيقاف كلّ من الطلبة كمال عمروسيّة عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس، بلقاسم بن عبد اللـه عضو الهيئة الإداريّة للاتحاد العام لطلبة تونس و منسق مجموعة حيّ التضامن لمنظمة العفو الدوليّة و أنيس بن فرج مناضل الاتحاد العام لطلبة تونس وذلك يوم الأربعاء 15 نوفمبر 2006 و إيداعهم السجن المدني بقفصة.
2) إيقاف كلّ من الطلبة طه ساسي عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس، غانم الشرايطي عضو الهيئة الإداريّة للاتحاد العام لطلبة تونس، محمّد عزالديني و طايع بوشقرة مناضلا الاتحاد العام لطلبة تونس وذلك يوم الخميس 16 نوفمبر 2006 و إيداعهم السجن المدني بقفصة.
3) إحالة الطلبة المذكورين أمام المحكمة يوم الثلاثاء 21 نوفمبر 2006 صحبة كل من الطالب محمّد الخامس عمروسيّة و الموظف بوعلي الطبابي في حالة سراح بتهم عقد اجتماع غير مرخص فيه، إحداث الهرج والتشويش بالطريق العام، الاعتداء على الأخلاق الحميدة ورمي موادّ صلبة حيث قرّرت تأجيل القضيّة إلى جلسة يوم الثلاثاء 28 نوفمبر2006 ورفضت الإفراج عن الطلبة الموقوفين الذين يواصلون الإضراب عن الطعام الذي بدؤوه منذ إيقافهم.
 
أوّلا: تعبّر عن تضامنها مع الطلبة المذكورين و تعتبر أنّ تهم "الحق العامّ" الموجهة لهم لا يمكن أن تخفي السبب الحقيقي لإيقافهم و تتبعهم و هو معاقبتهم على ممارستهم حقهم في النشاط النقابي.
ثانيا: تطالب السلطات بإطلاق سراح الطلبة المذكورين و وقف التتبّعات ضدهم.
ثالثا: تؤكد أنّ الحلول الأمنيّة التي يعتمدها نظام الحكم في معالجة مشاكل الجامعة و المجتمع عامّة لن تؤدّي إلا إلى مفاقمة تلك المشاكل.
 
تونس في 22 نوفمبر 2006


 
إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل 
بلاغ إعلامي

تونس في 22 نوفمبر 2006
 
في إطار متابعة الملفات المطروحة دون لرد لدى عديد الوزارات، توجه عدد من مناضلي اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل إلى بعض الوزارات للاستفسار حول مصير مطالب عشرات المعطلين من حملة الشهادات.
و قد توجه الرفاق فلة الرياحي و سالم العياري و عفيف الهادفي أعضاء التنسيقية الوطنية و الرفيق وليد عزوزي إلى وزارة التربية و التكوين حيث قوبلوا بلامبالاة الوزارة و دواوينها بالمطالب التي قدمت و اعتمدوا لغة التسويف و الاعتماد على البوليس لإبعاد المناضلين، و قد تمسك الرفاق بحقهم في مقابلة المسؤول عن الملفات بالوزارة دون جدوى نتيجة لعدم امتلاك الوزارة أي حل لأي من الملفات المطروحة أمامها.
و توجه الرفيقان مسلم الفرجاني عضو التنسيقية  الوطنية و الرفيق محرز الخميسي إلى وزارة التجهيز و الإسكان و التهيئة الترابية، حيث تمت مقابلة السيد خالد ليميم المكلف من الوزارة لمتابعة المفاوضات مع الإتحاد، و أحد مديري الأقسام بالوزارة.
و قد ذكّر الرفاق بعدم تجاوب الوزارة مع مطالب الإتحاد رغم شكل الحوار السليم و البناء الذي تبناه الإتحاد في مفاوضاته مع الوزارة، و ضرورة إيجاد حل لتشغيل أصحاب الشهادات بعيدا عن المناظرات التي ثبت عدم جدواها في تشغيل مستحقي الشغل من أصحاب الوضعيات الاجتماعية الخاصة، فقد وعد السيدان ممثلا الوزارة بإيجاد حل و التنسيق مع كل من الوزارة الأولى و وزارة التشغيل، و تم تحديد الأسبوع القادم كموعد لمتابعة اتصالات الوزارة.
هذا و يؤكد مناضلو اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل:
-         تمسكهم المبدئي و التام بمنظمتهم النقابية.
-         دعوتهم الجادة كل الوزارات و الإدارات المعنية بالتشغيل إلى عدم احتقار مطالب حملة الشهادات باعتبارهم من ركائز هذا الوطن و بناة مجده و تقدمه.
-         استعدادهم لخوض كافة الأشكال النضالية المشروعة و تصعيد حركتهم النضالية إذا استمرت حالة المماطلة و التسويف من قبل الوزارات المعنية.
 
إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل
التنسيقية الوطنية
المكلف بالإعلام
الحسن رحيمي
إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل 
بلاغ

تونس في 22 نوفمبر 2006

إثر تأجيل محاكمة عدد من الطلبة بمدينة قفصة على خلفية مساندتهم للطالب سامي عمروسية و المضرب عن الطعام دفاعا عن حقه في الدراسة، يتوجه أعضاء اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل إلى الرأي العام الطلابي و الوطني بما يلي:
-        رفضهم للأسلوب البوليسي و الكيدي الذي تتعامل به السلطة مع كل الناشطين التقدميين و النقابيين.
-        مساندتهم التامة للطالب سامي عمروسية في نضاله من أجل حقه في الدراسة.
-        مساندتهم المبدئية لكل الطلبة النقابيين الموقوفين باعتبار إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل منظمة نقابية تقدمية تسعى إلى زيادة تفعيل النشاط النقابي و الاجتماعي بالبلاد.
-        اعتبارهم محاكمة الطلبة النقابيين محاكمة للنفس النقابي داخل الجامعة و البلاد عموما.
-        دعوتهم جميع القوى و التيارات و الأحزاب و الجمعيات إلى التحرك دفاعا عن النقابيين دعما لحقهم في النشاط  النقابي داخل الجامعة.
 
إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل
التنسيقية الوطنية
المنسق العام
سالم العياري
 

إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل 
مساندة
تونس في 22 نوفمبر 2006
 
نحن مناضلو و مناضلات إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل نساند تحرك الأساتذة المغاربة من حملة الدكتوراه الفرنسية و المتمثل في إضرابهم عن الطعام دفاعا عن حقهم في الشغل و معادلة شهاداتهم الجامعية بما يضمن لهم فرصة للشغل و العيش الكريم.
و نحن إذ نؤمن بحق أصحاب الشهادات في العمل، ندعو كافة القوى و التيارات و الجمعيات إلى مساندة كل المعطلين عن العمل أينما كانوا، و نجدد الدعوة إلى كل المناضلين و المدافعين عن حقهم في العيش الكريم  لتوحيد الصف لوحدة الهدف.
 
إتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل
التنسيقية الوطنية
المنسق العام
سالم العياري

خبر عاجل:

السجين السياسي عيسى العامري في وضعيّة جدّ خطرة

 

 بلغنا للتوّ الثلاثاء 21 نوفمبر 2006 وعلى السّاعة الحادية عشر والنّصف ليلا ومن مصادر موثوقة ومقرّبة من عائلة السّجين السيّاسي عيسى العامري  أنّه تمّ نقله بصفة استعجاليّة إلى مستشفى الكاف وهو في حالة جدّ خطرة .

هذا وقد كنّا  نشرنا يوم 06.11.15  خبرا حول الوضعيّة الصحيّة للسّجين السيّاسي  عيسى العامري والتي تدهورت في المدّة الأخيرة نتيجة ما ألمّ به من مرض نتيجة الأوضاع السيّئة في السّجون التّونسيّة وامتناع إدارة السّجن  عن معالجته أو نقله إلى المستشفى

ونحن إذ نتابع بقلق شديد التدهور الصحي للسّجين  فإنّنا نحمّل النّظام التّونسي مسؤوليّة ما آلت إليه  وضعيته الصحيّة للسيّد عيسى العامري كما ندين بشدّة هذه المعاملات اللاإنسانية مع مساجين الرأي  في تونس.

 

نورالدين الخميري ـ ألمانيا

2006.11.21  


بسم الله وحده
اليوم الخامس من استئناف الإضراب عن الطعام
تونس في 22 نوفمبر2006
 
أواصل أنا الطالب بالمرحلة الثالثة عبد الحميد الصغير استئناف الإضراب عن الطعام لليوم الخامس على التوالي.
ويأتي هذا الإضراب احتجاجا على المحاكمة الاستعجالية بسبب دفاعي عن زميلاتي المحجبات لدى منعهن من الدخول إلى كلية العلوم بتونس  وللمطالبة بتسليمي جواز السفر الذي قدمت طلبا للحصول عليه منذ  27 افريل  الماضي2006
وقد توجهت صباح اليوم إلى مقر الهيئة العليا للحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وذلك رغم حالة الإرهاق التي بدأت تظهر علي، حيث اتصلت برئيسها الذي سلمته عريضة اشرح فيها المظلمة التي تعرضت لها وطالبته بالتدخل لمنحي جواز سفري.
وإذ أؤكد على عزمي المضي قدما حتى تحقيق مطلبي :
-      احيي كل الاخوة الذي اتصلوا بي وعبروا عن تضامنهم
-   أطالب السلطة بالتعجيل بتسليمي جواز السفر ورفع القيود المفروضة على نشاطي السياسي
-     أناشد كل القوى السياسية والديمقراطية الحية الوقوف إلى جانبي
والسلام
عبد الحميد الصغير
للتعبير عن تضامنكم:
مكان الاضراب: نهج سيدي سفيان وسط العاصمة , عمارة عدد: 25 الطابق الثالث شقة عدد 8
الهاتف : 0021697080718
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في تونس لبحث مسيرة التعاون بين البلدين الشقيقين

 

قرطاج، 22 نوفمبر 2006 (وات) جرى يوم الأربعاء لقاء بين الرئيس زين العابدين بن علي والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر الذي حل بتونس في زيارة أخوة ومودة.

وكان اللقاء مناسبة لتناول العلاقات التونسية القطرية ومسيرة التعاون بين البلدين الشقيقين في مختلف المجالات خدمة للمصالح المشتركة.

كما تناولت المحادثة آخر المستجدات على الصعيد العربي وبالخصوص في منطقة الشرق الأوسط إلى جانب قضايا ومسائل ذات اهتمام مشترك.

 

(المصدر: موقع وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات) الرسمية بتاريخ 22 نوفمبر 2006)

الرابط: http://www.tap.info.tn/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=18044&Itemid=213

 

 

حسب دراسة حول علاقة المهاجرين القدامي ببلدانهم الأصلية

المهاجرون التونسيون يشعرون بفرنسيتهم أكثر من المغاربة والجزائريين

باريس ـ القدس العربي من شوقي أمين:

 

غالبية المهاجرين القدامي، يقولون أنهم يشعرون بالراحة في فرنسا، خاصة الفئة التي تتراوح أعمارها بين 42 و70 سنة، لدرجة أن الايطاليين علي سبيل المثال، باتوا يرون في فرنسا علي أنها بلدهم الحقيقي أكثر من البلد الأم، في حين تبدو علاقة المهاجرين الآخرين بفرنسا أقل وضوحا، فمن بين المغاربة نجد التونسيين أول جالية عربية تشعر بانتمائها الفرنسي، بينما يبقي المغاربة والجزائريون متوزعين بين بلدهم الأصلي وبلد اقامتهم، في حين يحتل البرتغاليون صدارة الجاليات التي تملك روابط قوية بالبلد الأصلي.

هذا ما رشح عن دراسة قام بها الصندوق الوطني للتقاعد، حول الشيخوخة في الأوساط المهاجرة، غير أن ثمة مؤشرات قوية تضمنتها ذات الدراسة، أوضحت أن المهاجرين القدامي اجمالا، لهم قابلية أكبر علي الاندماج من الشباب، كما أثبتت نتائج هذه الدراسة أن النقاش الدائر حول نجاح أو فشل النموذج الفرنسي للاندماج، بين الأحزاب السياسية، لا يستند بالضرورة الي معطيات سوسيوليوجية حقيقية، ذلك أن الواقع عادة ما يناقض أفكار المسؤولين السياسيين، والطروحات الاقتصادية السائدة.

في سياق مغاير، أوضحت نتائج الدراسة، علي أن نسبة المهاجرين القدامي الذين يعيشون بمفردهم، لا تتعدي الـ 10% علي عكس الأفكار الشائعة التي تزعم أن المهاجرين عادة ما يتركون زوجاتهم في بلدهم الأصلي، غير أن هذه النسبة أكبر بكثير لدي النساء اذ تصل الي 30% بسبب فقدان أزواجهن، مشيرة في هذا المنحي، الي أن المهاجرين يبدون احتراما كبيرا للقوانين الفرنسية، اذ بمجرد استقرارهم في البلاد يلجأون الي القوانين المعتمدة في مجال التجمع العائلي الذي يعتبر أحد أهم الأدوات الناجعة التي تسهل اندماجهم كما لاحظت الدراسة، كما أنها تعتبر الشريحة الأكثر استقرارا من الناحية الاجتماعية بالمقارنة مع باقي شرائح المجتمع الفرنسي، اذ تبدو نسبة الطلاق ضئيلة جدا في أوساطهم، فضلا عن أنهم يحتلون المراتب الأولي في انجاب الأطفال بنسبة 34% مقابل 16% لدي باقي السكان، ذلك أنهم يقدسون الأسرة التي تعتبر في عيونهم جوهر وجودهم واستقرارهم.

بالموازاة مع ذلك، أكدت الدراسة، أن تضامن المهاجرين مع ذويهم في بلدهم الأصلي كبير جدا، خاصة في البلدان التي لا تتوفر علي نظام للتقاعد، وعادة ما يكون هذا التضامن من الصغار تجاه الكبار وفقا للقيم والمبادئ التي دأبوا عليها من خلال ثقافتهم الأصلية.

علي صعيد آخر، أشارت الدراسة الي أن الحنين الي البلد الأم، علي عكس الأفكار المتداولة، يشمل أقلية فقط من المهاجرين بحيث أن 37% منهم أكدوا أنهم يشعرون بهذا الحنين و35% منهم أوضحوا أنهم نادرا ما يشعرون به و28% لا تشعر به أبدا، حتي وان عاني بعضهم من التمييز. في السياق، أكدت نتائج هذه الدراسة أن بعض المهاجرين، الذين تعرضوا للتعذيب والاساءة والتمييز في بلدانهم الأصلية مثل اليهود، يرفضون زيارتها أو العودة اليها بأي شكل من الأشكال ولأي سبب من الأسباب، علي عكس المسلمين الذين يرفضون احداث مثل هذه القطيعة.

وبالرغم من هذا الانقسامات التي لاحظتها الدراسة في أوساط المهاجرين القدامي ومشاعر الانتماء المتباينة الا أن الثلثين من شملتهم الدراسة، يفضلون قضاء بقية حياتهم بعد التقاعد في فرنسا، عدا البرتغاليين الذين يريدون قضاءها في البرتغال بنسبة 42% مقابل 2% لدي الجزائريين الذين يتمنون عودة نهائية الي بلدهم و37% منهم يفضلون خيار الذهاب والاياب خاصة في صفوف الرجال، كما أفادت الدراسة في هذا الاطار أن النساء المهاجرات حتي وان كن اقل حظا في الدراسة والحصول علي عمل، الا أنهن أكثر استعدادا للاندماج في المجتمع الفرنسي، لكن دون أن توضح الدراسة خلفيات هذه المفارقة.

أما فيما يتعلق برؤية المهاجرين الي الموت، تقول الدراسة أن التأثير الديني يطغي علي ثلثي المهاجرين من المسلمين، الذين يشددون علي دفنهم في بلدهم الأصلي، علي نقيض اليهود والبوذيين والمسيحيين الذين يفضلون أن تتم مراسيم دفنهم في المقابر الفرنسية.

 

(المصدر: صحيفة القدس العربي الصادرة يوم 22 نوفمبر 2006)



بسم الله
عين الــــــــــرضا...
 
منذ أكثر من سنة تقدم مجموعة من " المواطنين" من مدن مختلفة بقضية عدلية ضد السيد مصطفى بن جعفر رئيس "المنتدى الديمقراطي من أجل الحريات و العمل" ينازعونه فيها قيادة الحزب الذي يترأسه.. و ككل القضايا المرفوعة ضد الأحزاب     و الجمعيات الوطنية سريعا ما اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة  للبت في القضية..لكن يبدو أن المشيرين على المجموعة برفع القضية تراجعوا عما سبق لهم أن قرروا فوقفوا في منتصف الطريق بمعنى إنهم لم يصدروا أحكاما ضد السيد مصطفى بن جعفر لصالح خصومه... و بقيت المجموعة التي رفعت القضية في خدمة السادة أولياء النعمة و الفضل عليهم... و جاء ما يسمى ب "حزب الخضر" بعد عملية قيصرية...و كانت " المصلحة" ( لا أدري أية مصلحة) تقتضي تعزيز أركانه بمنخرطين جدد من مختلف مدن البلاد دليلا على مدى "إشعاعه" و "تجذره"   يكونون طوع الخنصر ... و عقدت الاجتماعات هنا و هناك... و حضرها خدمة أولي النعمة و الفضل دليلا على مباركة العمل و تزكيته...
و اعترافا من خدمة أولي الفضل و النعمة على هؤلاء " المواطنين" فإنهم لم يروا مانعا في ترك أحد هؤلاء حرا طليقا بعد صدور حكم نافذ في حق أحدهم منذ 20 جوان الماضي في القضية عدد 05/4356 ( تحيل)، إلى أن بلغ ذلك مسامع الكاتب العام لجامعة مدنين ل"منتدى الديمقراطي من أجل الحريات و العمل"، و تحدث عن ذلك على الملأ و في أماكن عامة عديدة، و أخيرا بلغ ذلك مسامع أعوان التنفيذ على كره منهم فأوقفوا" المواطن الصالح المتحيل يوم 12 نوفمبر 2006 ليقضي الحكم الصادر في حقه، لكن من قال أنه لن يتمتع بعفو خاص أو  ما ماثله ليقضي العيد مع عائلته....ألسنا في بلد التسامح و التضامن و الفرحة الدائمة؟؟ و قبل هذا و ذاك فإن  هذا " المواطن الصالح" لا يمثل خطرا على الأمن العام و لا الخاص كما لا يمثل خطرا على المنشئات العامة و لا الخاصة، بل هو ( و أمثاله) ركن حصين للسلم الاجتماعية و  الاستقرار السياسي...
و ذكرنا تلك الأحكام الأخرى التي  حالما ينطق بها اللسان أولائك الموظفون حتى تجد "الكلبشات" جاهزة و الأعوان في أوج الاستعداد و محركات  سيارات  السجون تدور  منتظرة غلق أبوابها لتنطلق نحو " بوفردة" أفرغه الله من المشاكسين            و المغضوب عليهم...
 
عبدالله الــــــــــــزواري

 

رأي

كتبه عبدالحميد العدّاسي. 

على صفحة استقبال تونس نيوز الحبيبة استفتاء حول الهجمة الجديدة على الحجاب وعلى مظاهر التديّن أو الإلتزام الإسلامي، وضعت له توجيهات أو لنقل موجّهات فكانت خمسة:

1 – دليل على الخوف، وهذا العنصر في طليعة الترتيب بقرابة 60 % من الأصوات. وأورد بقية العناصر مرتّبة دون ذكر النسب، فهي متقاربة جدّا.

2 – ناجمة عن صراع الأجنحة.

3 – ضرورية حسب رأيي.

4 - لا أجد تفسيرا لها.

5 - لم تكن متوقّعة.

 

الحقيقة أنّي لم أستطع المساهمة في هذا السبر لصعوبة الطريقة التي طُرح بها، ولكنّي وقفت عنده ببعض التعليق. ذلك أنّ النّظام التونسي في حمأة إقباله على ملذّات الدنيا الدّانية، قد فقد معنى الخوف. أو لنقل بأنّ تمسّكه الشديد بـ" التّوْنَسَة " التي اختارها كوسيلة مزايدة رخيصة للمحافظة على الكرسي، قد أفقده النّظر إلى غيرها حتّى نسي أنّ له ربّا ناظرا إليه، ممهلا له، محاسبا إيّاه، وأنّ للحياة نهاية، وأنّ للقبر ضمّة وظلمة ووحشة، وأنّه مسؤول فيه فمثبّت أو مخزي، وأنّ للحساب يوم القيامة كربات وحسرات وطول انتظار وعدم استتار وجوارح ناطقة وشمس دانية وعرق مُلجم فمُغرق وعطش شديد وندم أشدّ. نسي كلّ ذلك فأنساه الله نفسه ( وهو أشدّ عقاب الله ). ما جعله يتصرّف هذا التصرّف الأرعن في مواجهة النّساء والرّجال على حدّ السّواء.

 

والذي لا يخاف الله، لا يخاف النّاس من الأقارب مثلما هو شأن حكّام العرب مع رعاياهم. والذي لا يخاف الله يخوّفه الله من عباده مثلما هو شأن حكّام العرب مع أسيادهم الفاتحين من الصهاينة والمتصهينين. فلا أحسب مع هذا كلّه أنّ هذه الهجمة جاءت نتيجة خوف منّا كتونسيين ملتزمين توّاقين إلى ماضينا القريب المشرق النقيّ الخالي من الشذوذ والعربدة وغياب الحياء ( لم تعد لفظة قلّة الحياء صالحة للتعبير عن الحال في البلاد )، بل أحسبها جاءت نتيجة كره لله ولتعاليمه غذّاه بعض النّاقمين على أصلهم ممّن جاب شعاب البلاد في غياب أهلها أو لنقل في غفلة من أهلها... ولن يقلع هذا النّظام وأعوانه الفاسدين عن هذا السلوك المنحرف إلاّ بتعوّدنا على عدم الخوف منه ومن أشكاله...

 

هكذا أفسّر هذه الهجمة، فهي نتيجة كراهيّة لله ولرسوله وللمؤمنين كما أسلفت، وهي نتيجة محاربة للحرّيات الخاصّة والعامّة ونتيجة اطمئنان إلى عدم قدرتنا على التصدّي ونتيجة خوفهم من العلم والمتعلّم ونتيجة التقارب مع الصهاينة ونتيجة نفاق الغرب المحارب للـ" إرهاب " المشيع للإرهاب. ولعلّ ما قام به شقيقاتنا النّساء في تونس ( والأمر لا يتعلّق فقط بالمتحجّبات: فشأن التونسيات متحجّبات كنّ أو غير ذلك واحد، رغم تعاطف أقلامنا مع المتحجّبات لرغبتنا في رؤية كلّ أمّهاتنا وأخواتنا وعمّاتنا وخالاتنا من أهل تونس قاطبة متحجّبات، فهو أمر الله ) يبشّر بكلّ خير. فالحياة الكريمة تبدأ بــــــــ " لا "، ثمّ سرعان ما يتحوّل هذا الرّفض: رفض الظلم ورفض الدونية ( وأكبر دونية أن يُحكم الشعب من طرف من ينقص علمه عن علمه وخلقه عن خلقه، وأدنى من ذلك كلّه أن يُحكم الشعب من طرف كاذب خبر كذبه من بيان تولّيه الحكم ). إلى منهج حياة يجنّب النّاس مساوئ الفاسدين...           


عودة السفساري وإرهاصات نهاية مشروع وبداية آخر(1/2)
الجزء الأول: من السفساري إلى الحجاب قصة فشل
 
د.خــالد الطــراولي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
لو سلّمنا بعودة السفساري إلى المشهد العام في تونس كما توحيه بعض الروايات ولمسه بعض المراقبين، ولو خلصنا إلى هذا الحل الذي لجأت إليه بنات تونس كبديل مفروض عليهن ـ رغم أن بعض الشواهد أصبحت تميل إلى أن القضية لم تعد مع الحجاب ولكن مع ألبسة العفة والحشمة والحياء ـ لطُرِحَ تساؤل عجيب وغريب... كيف يكون حال الرئيس التونسي الأسبق لو مازال حيا ورأى السفساري وهو يغزو المركبات الجامعية..! لست أدري كيف يكون رده أو تعقيبه لو رأى حفيداته وبناته يلبسن السفساري ويتناثرن في الكليات والمدارس..؟ لست أدري كيف سيقبل بورقيبة وهو صاحب "تحرير المرأة التونسية" و"تمدنها" وهو يرى هذه القطعة، البيضاء في غالبها، تعود من جديد، وهي التي حبست المرأة وساهمت في عزلتها عن مجتمعها حسب رأيه، والتي غابت عن المدن والضواحي ولم تعد تراها إلا نادرا وهي تعانق جسد عجوز أو أطراف فتاة ريفية محرومة من عبق المدينة وتقدمها حيث لم تأت التنمية الريفية إلى عتبة بابها..! لست أدري كيف تكون المرارة وكيف سيستسيغ بورقيبة هذه الحالة وهو يرى الإطار الذي من بابه سعى إلى تحريرها من السفساري وهو المدرسة والجامعة، يلتحف من جديد السفساري ويموج بأمواج بيضاء لطيفة؟؟؟
 
 لا يخفى عن الجميع أن بورقيبة كان يحمل مشروعا على خلاف العديد من الرؤساء وأشباه الرؤساء وأنصافهم، ومهما تعارضنا واختلفنا مع الرجل فقد كان ملتزما برؤيا واضحة ذات مرجعية واضحة تجاه مجتمعه كان عمودها الفقري المرأة وما طالب به وشرعه من قوانين من أجل تنزيل تصور خاص لها، كان من بين أطرافه المعبرة والظاهرة نزع السفساري وكل مايحيط بها ويعرقل تقدمها حسب فهمه.
 
كان السفساري رمز الهوية التونسية ولا يزال، ولذلك لم بعاديه بورقيبة أيام الاستقلال معبرا عن تمسكه بحجاب المرأة في مواجهة مشروع الإستعمار في تغريب شعب وسلب هويته. كان الموقف سياسيا ولا شك ولا ينبع من مساندة لمبدئية الحجاب التي تتجاوز ظرفية الزمان أو المكان، فكان موقف بورقيبة ظرفيا ولم تكن مبدئية الحجاب وشرعيته قائمة في فكره ولكنها سياسة، رغم رشدها، يكتبها الواقع بعيدا عن الدين والتدين... فسقط الاستعمار وسقطت معه قضية الهوية وسقط معها السفساري!
 
وكانت التربية والتعليم الوسيلة والإطار اللذين خلص إليهما المشروع البورقيبي قي تحرير المرأة من براثن الشدّ إلى التقاليد والعادات، فكانت المدرسة والجامعة تمثلان الساحة المختارة التي تفاعل فيها المشروع من خلال برامج وخطط، وعبر بناء ثقافة جديدة تناقض ثقافة الأجداد، وتشكيل عقلية أخرى تفكر غربا وتأكل غربا وتمشي غربا وتلبس غربا. فكان تحرير المرأة التونسية في بعض ثناياه  وخاصة لباسها يتحرك بالتوازي مع ترك الموروث ويلامس ضرب المنقول.
 
لم يكن السفساري لباسا ليليا أو مطبخيا أو يتوارى في قاعة الجلوس أو في بيت الحمام! ولم يكن قطعة قماش مرمية في "سقيفة الدار" أو في دهاليز البيت حيث ينعدم النور والهواء! لم يكن السفساري تقليدا أجوف ينادى به في يوم وليلة ثم يختفي طيلة العام! ولم يكن بدلة العروس ليلة زفافها، ينتهي بانتهاء الحفل ومغادرة المدعوين فيغادر الإطار ويتلقفه ألبوم الذكريات...!
 
لم يكن السفساري إذا ظرفيا ولا استثناء في الزمان والمكان ولا شبحا يختفي بظهور الأنوار، كان السفساري لباسا خارج المنزل يملأ الشارع ويتناثر في السوق والمطعم والشاطئ، ويؤكد على استحياء أنه تحت الأضواء الكاشفة ويعرض للملأ نمط حياة خارج المنزل ولعله داخله، يعطي في أصله انطباع الحشمة والحياء والهوية التونسية الأصيلة... لذلك كانت تنحيته وإبعاده عن الأنظار، وإخراجه من منطقة الأضواء الكاشفة هدفا استراتيجيا للمشروع، لأنه يوحي بهذا الارتباط نحو عقلية وثقافة لم يعد لها مكان تحت الشمس... ولقد ساعد ولا شك عدم تناسب السفساري مع الحراك الجديد للمرأة في التخلي عن لباسه وإدخاله مخازن الذكريات المجيدة ومناشط الفولكلور.
 
خروج السفساري من الشارع ومغادرته الركح وابتعاده عن السطح وعن الأنظار مثل أول انتصار ملموس ومشاهد للمشروع البورقيبي في مسار تحريره للمرأة، ولعل الصور التي تحفل بها بعض المواقع الكترونية وهي تبث صورة الرئيس السابق وهو يسعى إلى تنحية السفساري عن رؤوس بعض السيدات، شهادة حية على المنزلة الهامة التي أوكلها المشروع لهذا التغييب عن الساحة، وجعل من المدرسة والجامعة الإطار الأساسي لسرمديته.
 
لقد كان السفساري مؤشرا هاما ومباشرا في تتبع خطوات نجاح المشروع البورقيبي لتحرير المرأة فكلما قلّ وجوده وانحصرت صاحباته في العجائز وبنات البوادي، كلما ازدادت نسبة النجاح في التحرر... والعكس يكون كذلك! ولعل المتابع للمشهد العام في تونس يلاحظ ولا شك انحسار لباس السفساري الذي بقي رمز أيام سالفة وعهود غابرة. غير أن هذا الانسحاب لم يكن مولدا للنقيض على مرّ الأيام، فإذا كانت الأيام الأولى في مسيرة ضمور السفساري أعطت السفور وسقوط اللباس التقليدي والتخلي التام عن التحجب خارج المنزل، فإن سرعان ما عوض الحجاب السفساري بالنسبة للبعض بعد دخول الصحوة الأولى والثانية على الخط نظرا لصعوبته العملية. 
 
أخرج بورقيبة السفساري من الباب فأعادوه من الشباك!
لقد عاد الحجاب إلى المشهد الاجتماعي التونسي في ثلاث محطات أساسية، في الثمانينات وفي التسعينات وفي بداية الألفية الجديدة، وكان رد السلطة في كل هذه المحطات الزمنية يلتقي في الهدف في استبعاده ومواجهته، ويفترق في الوسيلة والآلية لتنفيذ هذا المنع.
 
كانت المواجهة مع الحجاب في الثمانينات "قانونية" بإصدار المنشور الفضيحة 108، فوقعت مقاومة الظاهرة بكل قوة معتمدة إلى قوننة وتشريع، حتى يظهر العمل وكأنه يستند إلى شرعية يجعل كل من يرفضه خارج إطار القانون ومواجها للدولة وضاربا لاستقرار المجتمع وأمن البلاد...
 
وكانت المواجهة في التسعينات عربدة وعنف وترويع، خارج الإطار الإنساني فطالت الأخضر واليابس ولم تقف عند المواجهة السياسية وسعت إلى ضرب الإسلام كدين وشعائر، وكان الحجاب ظاهرة ورمزا وجب محقه من الساحة، فدخل في برنامج واسع لتجفيف منابع التدين وظواهره...
 
أما مواجهة هذه الأيام، فقد دخلت على أطرافها أبعاد جديدة جعلتها تنحو منحى مختلف في مقاومتها... واقع اقتصادي مهتز وفضائح بالجملة ضربت مخيال الناس، نهاية عهد وخلافة سياسية على الأبواب وحسابات كبيرة وصغيرة وتحالفات مشبوهة، مشهد سياسي محتقن وتحركات جريئة للمعارضة، عالم خارجي مضطرب وليس مستعد أن يمضي على بياض...ظاهرة حجاب غير مسيسة وشابة تكتسح كل فصائل المجتمع وجل أطرافه وتصبح عنصرا ملازما للمشهد العام ولا يمكن تفاديه في الصورة.. كل هذه الأبعاد جعلت السلطة تحاول مقاومته عبر إعلان طائفيته وسياسيته وعلاقته بالخارج، وحملة موسعة لمناهضته. وحتى لا تواجه من باب معاداتها لمنظومة القيم والأخلاق التي يحملها الحجاب من حياء وحشمة، وحتى لا توجه إليها تهمة معاداة الدين من شرعية التستر، ولا تلقى نفسها في خانة مواجهة الهوية الوطنية مما يرمز إليه الحجاب من قيم.. كان المنفذ الوحيد لمواجهة "عصرية" "وطنية" "أخلاقية" و "دينية" أن تكون الحملة في رمضان، شهر العبادة والتدين بامتياز، وأن تلوح السلطة بإمكانية العودة إلى اللباس التقليدي وخاصة السفساري...
ـ يتبع ـ
المصدر : موقع اللقاء الإصلاحي الديمقراطي www.liqaa.net
 

اسرائليات رجاء بن سلامة و خيانتها للامانة العلمية و تحميلها النصوص مضامين كاذبة
القول بأن السيدة هاجر كانت أمة لدى السيدة سارة كذبة كبرى من الاسرائليات

عبدالباقي خليفة ( * )

مرة أخرى أجد نفسي مشفقا على الدكتورة رجاء بن سلامة ، واستماتتها في تزوير الحقائق و تحميل النصوص مضامين كاذبة ، والنقل عن الامام الطبري روايات نقلها عن مصادر تتبعها المحققون فاثبتوا بعضها و أنكروا بعضها الآخر عن طريق العلم الاسلامي العظيم المعروف بالجرح و التعديل . فقد حاولت عبثا في مقالها " الختان والعباءة و لعن تكرار البدايات " الذي نشرته تونس نيوز يوم 20 نوفمبر نقلا عن موقع ايلاف ، الربط بين فرضية الحجاب و الختان و اللباس الاسود للمرأة أو العباءة وما وصفتها بأسطورة السيدة هاجر عليها السلام ، ورغم أنها لا تؤمن ب " الأساطير الدينية " إلا إنها أصبحت مؤمنة إلى حد الشبق الصوفي ، وأعلنت انتمائها لأمنا هاجر عليها السلام ، عندما توهمت أنها عثرت على ما ينال من فرضية الحجاب ، والفهم الاسلامي لها ، بربطها برواية تعد من الاسرائليات التي يؤأخذ عليها بعض المصنفين القدامى و منهم الطبري رحمه الله . إضافة لتعسفها في الربط بين مجموعة من القضايا رغم الحسم التاريخي الحاصل بشأنها . فهي بنت مقالها على جرف هار، وهي ،الرواية الاسرائلية ،كما يعرف في علم الحديث . فالختان الذي تتعرض له المرأة في بعض البلدان عربية و غير عربية و اسلامية و غير اسلامية يعود للمصريين القدامى و البعض يطلق عليه الختان الفرعوني ،ولم يبدأ بغيرة السيدة سارة من السيدة هاجر عليهما السلام . كما أن البلدان التي تلبس فيها المرأة العباءة السوادء كدول الخليج لا يوجد بها ختان للبنات كما توهمت بنت سلامة ، أما اللون الاسود فقد تعددت فيه المقالات ، وهناك من ربط انتشار العباءة السوادء بتلك القصيدة التي تبدأ " قل للمليحة في الخمار الاسود ... " حيث كسدت تجارة ذلك التاجر الذي استعان بوسائل اعلام عصره " الشعر " لانقاذ قماشه الاسود من الكساد و تسببه في الخسارة . وإن كان جر الذيول الذي تحدث عنه الشاعر الجاهلي مرتبطا ب" أسطورة هاجر " فهل ينطبق ذلك على الذيل الذي كانت المرأة تجره إلى وقت قريب في الغرب و لا تزال هناك تقاليد مرعية في ذلك حتى اليوم ولا سيما أثناء الزواج ،ووصل ذلك إلى البلاد العربية عن طريق التقليد ، فهل هي بضاعتنا ردت إلينا كما يقولون ؟!!!
إن قصة هاجر التي روتها الدكتورة رجاء بن سلامة متهافتة ،لا من حيث السند فحسب ،وإنما انطلاقا من الاستقراء العقلي ، فإذا كانت السيدة هاجر قد أرخت ثوبها لاخفاء الدم ، فهل ظلت تنزف دون أن تموت ، إلى درجة أصبح معها اللباس الطويل تقليدا تتوارثه الاجيال ؟!!! . ولو فرضنا جدلا أن الرواية صحيحة ، فلا تحتاج تلك المرأة سوى لساعات قليلة أو أيام قليلة ليتوقف الدم ، و يمكن التأكد من ذلك ممن لا يزالون يمارسون تلك العادة البدائية المقززة . أما تعدد الزوجات فهي عادة قديمة ، وعندما جاء الاسلام كان التعدد سمة العصر ، وكانت المرأة تورث كما يورث المتاع ، و تورد كتب العهد القديم أن سليمان عليه السلام كان له 300 إمرأة . ولم يخل العصر الحديث من التعدد خارج إطار الزواج ، فالرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون كانت له ثمانية زوجات ،أقصد عشيقات ، من بينهن مونيكا لوينسكي ، نشرت الصحف في حينها صورهن جميعا .وفي استطلاع شمل عدد من الدول الاوروبية في أعقاب تلك الفضيحة قال 70 في المائة ممن استطلعت آراءهم إنهم كلينتيون . نسبة لافعال كلينتون ، والذي كان يذهب للكنيسة يوم الاحد عقب نزاوته تلك مباشرة . وهناك أصوات مكبوتة في الغرب تنادي بتعدد الزوجات ، بعد تفاقم الظاهرة ، وارتفاع نسبة الطلاق والخلافات الزوجية بسبب ذلك ، ومن المفارقات أن بعض النسوة طلقن من أزواجهن بسبب وجود إمرأة أخرى في حياة أزواجهن ، ما لبثن إن عدن رقما جديدا في في قائمة عشيقاتهم ، و لا أعني ذلك أني أدعو لتعدد الزوجات و إنما جعله خيارا لمن شاء بدل الخيانة الزوجية التي يمارسها الكثير و لا سيما أشد الرافضين لتعدد الزوجات و المنددين به . و مع ذلك نضع النقاط التالية لاصعاب العقول :
1 ) إن الرواية الاسرائلية تصور السيدة سارة في منتهى القسوة ، و هذه إساءة للسيدة سارة .و كان زواج ابراهيم عليه السلام من هاجر في شيخوخة سارة و كان حمل الاخيرة باسحاق يشبه المعجزة .
2 ) لم تكن هاجر عليها السلام غير شريفة بتعبير رجاء بن سلامة الفج ، فكيف يتزوج نبي من أنبياء الله العظام امرأة غير شريفة و تلد نبيا عظيما مثل اسماعيل عليه و على نبينا السلام
3 ) كيف استطاعت هاجر و هي جريحة و تجر ذيلها وفق رجاء بن سلامة أن تهرول بين الصفا و المروة كما هو حاصل في مواسم الحج اليوم
4 ) لم يذكر القرآن الكريم اسمي السيدة هاجر و السيدة سارة و لا القصة المروية في الاسراليات و هي بالتالي من مرويات اليهود الذين لا يستأمنون على دين ، و إن نقل البعض عنهم .
5 ) لم تذكر الرواية و لا غيرها أن ابراهيم كان يطالب سارة بأن تنجب ولدا . فقد عاش معا دهرا طويلا و هو نبي يعلم أن الله " يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور و يجعل من يشاء عقيما " و المجتمع الذكوري هنا لم يكن يعني ابراهيم عليه و على نبينا السلام في كثير أو قليل ، حتى نجعل سارة ضحية لهذا النوع من من المجتمع ، لا سيما و أن الرويات الاسرائلية تقول إن السيدة سارة هي التي اقترحت زواجه من السيدة هاجر .
6 ) لا توجد سوى المصادر اليهودية التي تتحدث عن أن السيدة هاجر كانت جارية لدى السيدة سارة و لا يستبعد أن تكون عربية حرة ، و كراهية اليهود للجويييم أو الاممين و اعتقادهم بأنهم خلقوا لخدمتهم وراء هذا البهتان التاريخي الكبير
7 ) أنصح المتحذلقين و المتحذلقات الداعين و الداعيات إلى شطب الحجاب ، إلى الحديث عن الخطاب العنصري الاسرائيلي الذي يتحدث عن أبناء الجارية و ابناء الحرة ،و يبررون بذلك قمعهم و استيلائهم على فلسطين و إبادة أهلها العرب من المسلمين و النصارى .
8 ) لقد زعم اليهود في كتبهم المقدسة أن يعقوب عليه السلام ضاجع بناته ليحملن منه و هو في حالة سكر بتخطيط من بناته ، فهل يصدق عاقل هذا الكلام ؟!!!
وبخصوص الطبري أريد أن استشهد بما قاله المحقق الكبير محب الدين الخطيب عنه في " المراجع الاولى في تاريخنا " حيث أكد على " من عجيب المفارقات في تاريخنا وتواريخ الأمم الأخرى، وفي موقفنا من تاريخنا ومواقف الأمم الأخرى من تاريخها، أن نكون أغناهن جميعاً في كل ما يبنى به تاريخ الأمة من أنباء ونصوص ومراجع وقرائن وإشارات وتحقيقات، ثم نبقى أفقرهن وأقلهن انتفاعاً بهذه الثروة في إقامة معالم تاريخنا على أساسها، بينما الآخرون قد أحدثوا - حتى من الأوهام – مكتبات جديدة لأجيالهم وجماهير قرائهم، حافلة بالطلي الشهي من صفحات ماضيهم، فوثّقوا أواصر خلفهم بسلفهم، ويسروا لهم القدوة الحسنة بعظمة العظماء من نوابغهم، وبعثوا لهم من ذلك الماضي صوراً حية ترتفع الرءوس بأمجادها، وتمتلئ القلوب بإجلالها واحترامها، وتطمئن العقول إلى تعليل تصرفاتهم والاعتبار بها ومواصلة السير نحو أهدافها " . وو ذكر أن " مواطن الضعف -التي أدَّت ببعض معاصرينا من حملة أمانة التاريخ العربي والإسلامي إلى أن يكون انتفاعهم بهذه التركة ضئيلاً- لا يكاد يأتي على حصر، ومما يتبادر إلى الذهن منها الآن أمران: أولهما- أن الذين تثقفوا منا بثقافة أجنبية عنا قد غلب عليهم الوهم بأنهم ِ غرباءُ عن هذا الماضي، وأن موقفهم من رجاله كموقف وكلاء النيابة من المتهمين " . بل " لقد أوغل بعضهم في الحرص على الظهور أمام الأغيار بمظهر المتجرد عن كل آصرة له بماضي العروبة والإسلام، لئلا يتّهم في زعمه بالعصبية لهما، فوضع نفسه موضع التهمة بالتحامل عليهما، جرياً وراء بعض المستشرقين في ارتيابهم حيث تحسن الطمأنينة، وفي ميلهم مع الهوى عندما يدعوهم الحق إلى التثبّت، وفي إنشائهم الحكم وارتياحهم إليه قبل أن تكون في أيديهم أشباه الدلائل عليه " . ولو " أنَّ إخواننا هؤلاء نشأوا على الإيمان بأنهم هم أصحاب هذه ِ التَّرِكَةُ وأن هذا الماضي ماضيهم، وأن جيلنا حلقة في سلسلة هذا الماضي، وأن أحداثه ثروة لنا في القدوة والاعتبار، لنظروا إليه بعين الأم إلى ابنها، إن لم ينظروا إليه بعين الابن إلى أمه، ولا يكون ذلك إلا بتبنِّي هذا التاريخ، والحرمة له، وبثّ الحياة في أمجاده، والحرص على استجلاء جماله، وإبراز فضائله، وتحرّي مواطن العظة والاعتبار في أخطائه، وحُسْن التعليل لذلك بالرفق والإنصاف وكمال التقدير" . و اشار إلى أنه " إذا كان هذا حال أهل الصبر منا على البحث والدرس، فما بالك بالآخرين الذين قد تقع أنظار الواحد منهم على بحث لمستشرق ناشئ أو منسى، فينتحل ذلك البحث من غير تعب، ويزعم لقرائنا مبتكراً من عنده، وينقله محرّف الأعلام، متضارب الأحكام، مزدوج العي، ملتهب الحماسة في التحامل حتى على الفضائل عندما ينظر إليها -بعينه أو بعين من ترجم عنه- من وراء منظار أسود. ذلك أحد مواطن الضعف في دراستنا لتاريخ العروبة والإسلام. أما الموطن الآخر فهو ما لاحظتُه على بعض المعاصرين لنا مِن اشتباه الأدلة التاريخية عليهم، وحيرتهم بين جيّدها وأجودها، بل فيهم من لا يميّز بين الجيد منها والردئ، مع أن ذلك كان في متناول يده لو سبق له معرفة موازين رواتنا في النقد، أو وقَفَ على مناهجهم في التأليف ومصطلحاتهم في الرواية، ومراميهم في الاستشهاد " .
و عن كتاب " تاريخ الأمم والملوك " للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، 224-310 هـ والذي قدم عنه للمشتغلين بالتاريخ، ممن يحاولون الانتفاع به في الاستدلال والنقل، قال " رأيت منهم من يظنّ أن إيراد الطبري لخبر من الأخبار كاف لتحميل هذا الإمام مسئولية الخبر الذي أورده، واعتباره هو المصدر لهذا الخبر، وأن الأخبار التي يوردها سواء كلها في ميزان الصحة عنده، وأن عزوهم الخبر إلى الطبري ودلالتهم على موضعه من تاريخه تتم بهما مهمتهم من الاستدلال، وتبرأ بذلك ذمتهم من عهدة هذا الخبر، ويبقى الطبري هو المتحمّل لمسئولية ما يترتب على ذلك في الحكم على أحداث التاريخ وعلى أقدار رجاله وتصرفاتهم. إن ظنهم هذا لا يغني من الحق شيئاً،" و أكد على إن " الطبري ليس هو صاحب الأخبار التي يوردها بل لها أصحاب آخرون أبرأَ هو ذمتَه بتسميتهم، وهؤلاء متفاوتون في الأقدار، وأخبارهم ليست سواء في قيمتها العلمية، ولا يتم اعتبار الطبري مرجعاً في التاريخ إلا بإكمال المهمة التي بدأ بها، وهي تقدير أخباره بأقدار أصحابها، وفيها ما يعد من سلسلة الذهب، وفيها ما لا تزيد قيمته على قيمة الخزف، ولكل ذلك نقّاده وصيارفته وتجّاره، وهم يعرفون أقدار هذه الأخبار عند التعريف بأقدار أهلها، وقديماً قيل: ِ وما آفة الأخبار إلا رواتُهاُ " .
إن كل خبر في تاريخ الطبري، بل كل نص يتناقله أهل العلم في أجيال الإسلام، له عند أهله قيمة رفيعة أو وضيعة، على قدر شرفه أو خسَّته بالرواة الذين ينسب إليهم ذلك الخبر أو ذلك النص. فشرف الخبر في التراث الإسلامي تبع لصدق راويه ومنزلته من الأمانة والعدالة والتثبّت. لذلك امتازت كتب سلفنا الأول بتسمية الرجل المسئول عن أي حديث نبوي يوردونه فيها، وبيان المصدر الذي جاءوا منه بأي خبر تحدّثوا به إلى الناس. " ولو لم يسمُّوا الرجل المسئول عن الحديث النبوي عن إيراده، ولو لم يبينوا المصدر الذي حصلوا منه على أي خبر يودّون ذيوعه بين الناس، لطالبَهم بذلك علماء الثقافة الإسلامية بأشد من مطالبة المحاكم من يدّعي ملكية العقار أو الحقل بما يثبت ملكيته له ومن أين صار ذلك إليه " . وإذا كان مبدأ (أنَّى لكَ هذا؟) مما سنَّه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مشروعية امتلاك الأموال، فإن أبناء الجيل الذي منه عمر بن الخطاب هم الذين سنّوا للناس بعدهم وجوب بيان مصادر العلم، كما سنّوا لهم وجوب بيان مصادر المال، والعلم أثمن عندهم من المال وأشرف، وأنفع منه وأبقى. نحن نعتبر تاريخ الطبري الآن من أقدم مصادرنا. وكان تاريخ الطبري في النصف الثاني من القرن الثالث (أي قبل أحد عشر قرناً) يعدّ من مصادر التاريخ الإسلامي الحديثة بالنسبة إلى المصنفات التي دُوِّنَتْ قبله بثلاثة بطون، بل بأربعة. ولعلّ أقدمها ِ مغازيُ مؤرخ المدينة موسى بن عقبة الأسدي المتوفي سنة 140 هـ، وهو الذي يقول فيه الإمام مالك: “عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة، وهي أصح المغازي”. وابن عقبة من تلاميذ عروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص الليثي. ومن طبقة تلاميذه العراقيين سيف بن عمر التميمي الكوفي المتوفى بعد سنة 170 هـ، وله في سنن الترمذي حديث واحد، والطبري يروي عنه بواسطتين، أي عن طريق شيوخه وهم عن شيوخهم الذين كانوا تلاميذ لسيف. ومن طبقة تلاميذ موسى بن عقبة مؤرخ الشام أبو إسحاق الفزاري الحافظ المتوفى سنة 186 هـ، وهو حفيد أسماء بن خارجة الفزاري وكان له كتاب في التاريخ أثني عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في (مقدمة أصول التفسير) بعد أن قال: ”إن أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق. وأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم. ولهذا أعظم الناسُ كتابَ أبي إسحاق الفزاري الذي صنّفه في ذلك. وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار". ويأتي بعد تلاميذ موسى بن عقبة طبقة يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد ابن العاص الأموي المتوفى سنة 194هـ، ومن مؤرخي الشام الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي مولى الأمويين المتوفى سنة 195 هـ، ومحمد بن عمر الواقدي المدني قاضي العراق المتوفى سنة 207 هـ، ثم كاتبه المؤرخ الحافظ الثقة محمد بن سعد بن منيع البصري (168-230 هـ)، " ومن هذا الجو العلمي استمدّ أبو جعفر الطبري هديته الكبرى إلى الأمم الإسلامية بما سجله وخلَّده من جهود شيوخه وشيوخ شيوخه ومن سبقهم إلى زمن التابعين والصحابة، فلم يترك مهماً من أخبار سلف الأمة مما أُثِر عن الأئمة الذين سمَّيْنا بعضهم إلا وقد دوّن طرفاً منه، ناسِباً كل خبر إلى صاحبه وإلى من يرويه عنهم صاحب ذلك الخبر من شيوخه وأسلافهم " . لم يقتصر الطبري كما يقول الخطيب ، على المصادر التي أشرت إلى بعضها، بل أراد أن يقف قارئه على مختلف وجهات النظر، فأخذ عن مصادر أخرى قد لا يثق بها هو بأكثرها، إلا أنها تفيد عند معارضتها بالأخبار القوية، وقد تكمل بعض ما فيها من نقص. كما صنع بنقله كثيراً من أخبار مخنف لوط بن يحيى الأزدي الذي قال فيه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: "أخباريٌّ تالف لا يوثَق به، تركه أبو حاتم وغيره. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: محترق صاحب أخبارهم. مات قبل السبعين ومائة". فقد نقل الطبري من أخباره في مئات المواضع، ولو أن الذين ينقلون عن الطبري ويقفون عنده، استقوا أخبارهم من لوط بن يحيى هذا واكتفوا بعزوها إلى الطبري لظلموا الطبري بذلك، وهو لا ذنب له بعد أن بيَّن لقارئه مصادر أخباره، وعليهم أن يعرفوا نزعات أصحاب هذه المصادر ويزِنُوها بالموازين العادلة اللائقة بهم وبها. إن مثل الطبري ،و الكلام للخطيب ، ومن في طبقته من العلماء الثقات المتثبّتين - في إيرادهم الأخبار الضعيفة - كمثل رجال النيابة الآن إذا أرادوا أن يبحثوا في قضية فإنهم يجمعون كل ما تصل إليه أيديهم من الأدلة والشواهد المتصلة بها، مع علمهم بتفاهة بعضها أو ضعفه، اعتماداً منهم على أن كل شيء سيقدَّر بقدره. وهكذا الطبري وكبار حملة الأخبار من سلفنا كانوا لا يفرّطون في خبر مهما علموا من ضعفِ ناقله خشية أن يفوتهم بإهماله شيء من العلم ولو من بعض النواحي، إلا أنهم يردُّون كل خبر معْزواً إلى راويه ليعرف القارئ قوة الخبر من كون رواته ثقات أو ضعفَه من كون رواته لا يوثَق بهم، وبذلك يرَوْنَ أنهم أدُّوا الأمانة، ووضعوا بين أيدي القرّاء كل ما وصلت إليه أيديهم. قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الطبراني من لسان الميزان: "إن الحفّاظ الأقدمين يعتمدون في روايتهم الأحاديث الموضوعة مع سكوتهم عنها على ذكرهم الأسانيد، لاعتقادهم أنهم متى أوردوا الحديث بإسناده فقد بَرِئوا من عهدته، وأسندوا أمره إلى النظر في إسناده". ومن فوائد إيراد الحادث الواحد بأخبار من طرق شتى وإن كانت ضعيفة قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة تفسير القرآن (ص 30-31): "إن تعدُّد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون القول (أي بالقدر المشترك في أصل الخبر) لكن هذا يُنتَفع به كثيراً في علم أحوال الناقلين (أي نزعاتهم والجهة التي يحتمل أن يتعصب لها بعضهم)، وفي مثل هذا يُنتَفع برواية المجهول، والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث ويقولون: إنه لا يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره". ومن الإنصاف أن نشير إلى أن اتساع صدور أئمة السنة - من أمثال أبي جعفر الطبري - لإيراد أخبار المخالفين وغيرهم، دليل على حريتهم، وأمانتهم، ورغبتهم في تمكين قرّائهم من أن يطّلعوا على كل ما في الباب، واثقين من أن القارئ الحصيف لا يفوته أن يعلم أن مثل أبي مخنف موضع تهمة - هو ورواته- فيما يتصل بكل ما هم متعصبون له، لأن التعصب يبعد صاحبه عن الحق. أما سعة الصدر في إيراد أخبار المخالفين فهي دليل على عكس ذلك. وعلى القارئ الحصيف أن يأخذ ما صفا ويدع ما ... أن يستخلص الحق عندما يكون موزعاً أو معقداً.
إنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل. فتراجم شيوخه مباشرة وشيوخهم توجد في الأكثر في مثل تذكرة الحفاظ للذهبي. وتراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المائة الثانية توجد في خلاصة تذهيب الكمال للصفي الخزرجي وتقريب التهذيب، وتهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر. والذين تناولهم الجرح من الضعفاء يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ ابن حجر في لسان الميزان. وفي طبقات ابن سعد وتاريخ بغداد وتاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ الإسلام للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير. وإن كتب مصطلح الحديث تبين الصفات اللازمة للراوي ومتى يجوز الأخذ برواية المخالف. ولا نعرف أمة عنى مؤرخوها بتمحيص الأخبار وبيان درجاتها وشروط الانتفاع بها كما عنى بذلك علماء المسلمين. وإن العلم بذلك من لوازم الاشتغال بالتاريخ الإسلامي، أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، ولا يتعرفون إلى رواتها، ويكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى أن الطبري رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني ويظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار. ولو أنهم تمكنوا من علم مصطلح الحديث، وأَنِسوا بكتب الجرح والتعديل، واهتموا برواة كل خبر كاهتمامهم بذلك الخبر كما يقول الخطيب ، لاستطاعوا أن يعيشوا في جو التاريخ الإسلامي، ولتمكنوا من التمييز بين غثّ الأخبار وسمينها، ولعرفوا للأخبار أقدارها بوقوفهم على أقدار أصحابها. وبعد فإن تَرِكَة سلف هذه الأمة - في كل ضرب من ضروب المعرفة - من أنفس ما وَرِثت عن أسلافها. وقد كانت لعلمائنا الأقدمين مشاركة في علوم كثيرة، فجاءت مؤلفاتهم مرتبطاً بعضها ببعض ومكمّلاً بعضها لبعض. والذي ألّفوه في التاريخ واعتمدوا فيه على الرواية، مبالغةً منهم في أداء الأمانة كاملة وافية، لا يجوز لمن ينقله عنهم أن يقصر في عرض تلك الأخبار على قواعد علم الرواية وعلى المعاجم المؤلفة في الرُّواة، وإن لم يفعل أخطأ الطريق، وكان عمله خارجاً عن مناهج العلماء أو المحققين فضلا عن كتاب القطعة أو المقاولة كما هو حال رجاء بن سلامة و أمثالها .

( * ) كاتب و صحافي تونسي

المصدر : موقع الحوار نت 
www.alhiwar.net

الحجاب: بروتوكولات حكماء العلمانية

د.محمد أحمد الخضراوي (*)

 

كانت ميزة خطاب "جاك شيراك" السلبي الذي ألقى خلاله القنبلة الأخيرة للعام 2003 في 17 ديسمبر على العرب والمهاجرين، أنه أسقط رهان الليبرالية المطروح كشعار علماني محايد، وصار يقتحم الحريات الخاصة، ويتعقب السلوكيات الفردية. ولم يكن لخطاب الرئيس الفرنسي مدلول حضاري، أو قيمة إنسانية يدافع عنها، إنه سياق تصنيفي موجه، يحرض على التمييز الاجتماعي، والتفريق العنصري بين أبناء المجموعة الوطنية الواحدة، أو بينها وبين المهاجرين اللائذين بها؛ احتماء بقوانينها، وفرارا من الضيق الاقتصادي، والتضييق السياسي الذي صار حتمية من حتميات وجود العالم الثالث.

 

لقد كشف شيراك آنذاك البعد الحقيقي للعلمانية، وفضح منهجها الإقصائي الذي يلغي وجود المعتقدات الدينية، فأوقف بذلك الضجيج السائد حول الفكر البدائلي الذي كانت تجسده الأحلام العلمانية في زمان سقوط الإيديولوجيات، وهي بهذا الشكل التوتاليتاري المذكور، فقد طوق العقل العربي داخل جغرافيا المصطلح بشكل شمولي، فقرأ فيزيولوجيا مفردة العلمانية (إذا ما كانت عينها مفتوحة أم مكسورة)، وبحث في إيتيمولوجيا العبارة (هل هي من العلم بالمعنى الموضوعي، أم أنها معتقد ينافس كل معتقد)، وفحص أيديولوجيا الدلالة (إذا كانت مواقفية ترتطم بالدين، أم أنها مشروع ليبرالي ينتظم كل دين)، وقد غاب عن هذه التحريات والتحقيقات النظرية الإشكال الحيوي الذي تثيره المسألة العلمانية في العالم العربي من حيث علاقتها الالتباسية بالحقوق الاجتماعية وبالمعتقدات وبالمؤسسات. إنها تبدو من الأنساق الكبرى التي لا تقف على أرضية حيادية، ومواقف موضوعية تبرئها من الانحياز والانزياح الأيديولوجي.

 

فالعلمانية المتفرعة عن الأيديولوجيات اليسارية المنقرضة تظل حليفة دائمة للأنظمة القائمة تدفعها إلى ذلك عقلية انتفاعية خالصة، من أجل هذا لا تجيب عن القضايا المستعصية في البلاد العربية، والاستفهامات الملحة التي تفجر نفسها لتكشف التناقض بين الشعار والأداء، والخطابات الديماغوجية: هل الحرية الدينية المباحة والمفروضة تتماثل مع الحرية السياسية المفترضة؟ أم أن الليبرالية السياسية تبقى من التابوهات والممنوعات الأبدية؟ وهل يكون البرنامج السياسي ممارسة ديمقراطية واقعية تظل محايدة بإزاء الاختبارات الوطنية، ولو ناهضت السياسات العلمانية القائمة؟ أم أن البرنامج العلماني مجرد خفير وحارس لنظام دوغمائي منقفل يتمنى المصادرة والهيمنة على الزمان والمكان والإنسان؟.

 

واللافت أن السيد شيراك افتقد منطقه منطقية هذا السؤال، فمنع الحجاب باعتباره رمزًا دون أن يعرج على الرموز الفلسفية (الإلحاد مثلا)، والرموز السياسية (النازية والصهيونية) التي تعربد في المعاهد والجامعات والنقابات والإعلام، في حين أن قوانين عام 1936؛ نظرًا إلى العنف الذي ساد المؤسسات التعليمية بين اليمين واليسار، منعت إبداء كل رمز سياسي.

 

إننا وإن كنا لا نعبأ بالعلمانية العربية؛ لكونها مجرد مجاز سياسي (علمانوية) يتناظر مع ديمقراطية الأنظمة العربية الحاكمة التي تستتر بشعارات الموضة الكونية (الديمقراطية وحقوق الإنسان) لتخفي العجز والفراغ والفوضى، فإننا من قبيل الانتماء والمعايشة الميدانية، نقدر العلمانية الفرنسية حق قدرها، وإن نحن ناقشناها بعقل نقدي، لا هجاء فيه، فمن أجل هذه الراهنية المشبوهة التي فرضها نظام العنف العالمي الجديد، وانتهت إلى تضارب في الأفكار والمقولات والسلوكيات.

 

العلمانية وسياسة المركز

 

يستحوذ الالتباس على القرار الفرنسي بمنع الحجاب من جهة الترابط العضوي القائم بين العلمانية والمركزية الغربية باعتبارها مملكة الاستعمار، وورشة لصناعة الانحراف الأيديولوجي، وبؤرة تاريخية للقطيعة مع الآخر الدوني؛ فالعقل الأوروبي الأنواري الحديث لم يتوقف منذ هيغل (المتوفى 1831) على التفخيم من شأن الحضارة الغربية، وإقصاء ما سواها.

 

ذلك أن الغرب وحده هو النموذج الوحيد للحضارة الكونية ابتداء من اليونان، ثم الرومان، وانتهاء بالثورة الفرنسية؛ فألمانيا الجرمانية.

 

غير أن هذا الوجه الحضاري الفريد، لم يتأخر عن تفجير غاياته الصراعية وحقيقته المتوحشة، وممارسته ألعاب الارتقاء اللاطبيعي والانتقاء العسكري؛ فالنازية مثلا صناعة ألمانية محلية كان هدفها التصفية العرقية العالمية، ويروي اليهود أنها قتلت منهم 6 ملايين حرقا، والفاشية التي مارسها فرانكو وموسيليني، والإقطاعية القيصرية هي بدورها منتجات أوروبية صرفة، وكذلك الاستشراق والاستعمار، وقهر الشعوب المستضعفة، كانت كلها إفرازات الحضارة الأوروبية المحكومة بآليات الصراع التاريخي والثقافي.

 

أما الصورة الاستعمارية للعلمانية، فتبدو بشكل متوحش قاتم مع الشيوعية، فقد كانت ثورة 1917 علمانية خالصة، جعلت منها (العلمانية) منهجا يقينيا قطعيا، لا يتحصن إلا باستئصال الآخر، فتمركز في العالم بالقهر العسكري، والإبادة، والقتل بالتفصيل وبالجملة.

 

وكذلك فرنسا حين اختارت العلمانية بطريقة دستورية شرعية عام 1905، كانت أطاحت بشعارات الجمهورية الثلاثة، وهي: الحرية والأخوة والمساواة، بإزاء شعوب الهامش التي عسكرتها، وراحت تمارس عليها بشاعتها الاستعمارية بشتى وسائل القمع حتى نُعِتت الجزائر ببلد المليون شهيد، هم قتلى الجيش العلماني.

 

ونتيجة لهذا، فإن تونس لم تستقل إلا عام 1956، ولكن إجلاء القوات الغازية لم يقع إلا عام 1963 ببنزرت. وكذلك استقل المغرب عام 1956، ولم تحصل الجزائر على سيادتها إلا في 1962.

 

إن منظومة المركزية الغربية والنزعة الأوروبية هي الفلسفة الأولى، وعلة العلل على مستوى السياسة والفكر والاقتصاد، وتأتي من بعد ذلك شعارات التسويق، ودبلوماسية المراوغة، ومن ثَم الأدوار الذرائعية، والخطابات الديماغوجية التي يروج لها باعتبارها أفيون الشعوب العالمثالية المتخلفة، والمهووسة بالمواقف الاتباعية المطلقة.

 

العلمانية والازدواجية

 

يتمايز النظام العلماني الفرنسي المنبجس من النزعة الأوروبية بكونه خطابًا براغماتيا استفرغ في ذاته كل دلائل المواربة والمخاتلة في مختلف مفاصله المنهجية؛ أي إنه خطاب تحكمه الأولويات والمصالح السياسية؛ لذلك ما كان يقيم للقيم والمبادئ والقوانين وزنا.

 

وسنذكر في هذا المضمار بعض المعطيات العينية التي استحدثت بفعل التناقض والارتداد على المبادئ، تحولات فظة في الممارسة والسلوك.

 

في قانون 9 ديسمبر 1905 الذي يفصل بين السلطة والكنائس المسيحية، يذكر المشرع في البندين الأول والثاني، أن الجمهورية حيادية: تعترف بحرية الممارسات الدينية دون اعتراف رسمي منها بأي من الديانات والمعتقدات التي تمارس على أرضها، ودون دعم منها أيضا، غير أنها أحدثت الاستثناء بدافع مصلحي، فإذا بالبرلمان الفرنسي الذي تسيطر عليه غالبية يمينية يتبنى عام 1920 قرارا ببناء جامع باريس، ويصوت عليه إيجابا. وقد اعتبر هذا الأمر وقتذاك ملائما للمبادئ والقيم العلمانية، باعتبار هذا المشروع اعترافا بالجميل لأولئك الذين أراقوا دماءهم في سبيل الجمهورية، وماتوا من أجل علم فرنسا في الحرب العالمية الأولى حسب هذا الزعم. والمقصودون هم الشمال الأفريقيون الذين لا يزال كثير منهم- في حدود علمنا- مسجلا على القوائم السوداء التي تمنع المحاربين القدماء المعادين لأوطانهم من معاودة الدخول إليها، وخاصة بالجزائر.

 

وعلى العكس من هذا المثال، تحتم الحكومة الفرنسية (المعروفة بفيشي) عام 1941 التفرقة الدينية بين مواطنيها المسيحيين واليهود الذين صنفتهم بطريقة سلبية على أساس عقيدتهم، فميزتهم مدنيا على مستوى الوثائق، واجتماعيا بحمل نجمة داود بصفة مرئية، كشكل من أشكال القمع النازي باعتبار النجمة اليهودية شارة إذلال وامتهان.

 

وبعد أقل من قرن (17 ديسمبر 2003) تعاود الجمهورية ترتيب أوراقها، وتأتي الحكومة اليمينية (لتحرم الحلال وتحل الحرام)، فبعد أن تدخلت رسميا، وتبنت مسألة بناء مسجد باريس إكراما للمحاربين العرب، وسمحت (بالتضمين) لنساء المحاربين بارتداء الحجاب الذي كانت الشمال الأفريقيات يضعنه في صورة لباس تقليدي، إذا بها ترتد على أعقابها وتتحفز لاستصدار قانون من أجل منع ارتداء الحجاب بعد أن انتهت المهمة العسكرية للشمال الأفريقيين الذين صاروا يعيشون على هامش الحياة الباريسية.

 

وهكذا تم الأمر مقلوبا بالنسبة إلى اليهود، فبعد أن كانوا يؤمرون بعنف القانون بحمل نجمة داود بغرض تحقيري، يطلع علينا مشرع القانون اليميني الجديد بالحظر على كل يهودي يتحرك على أرض فرنسا، أن يحمل نجمة داود.

 

إن هذا التناقض في المبدأ والقول والسلوك يستهدف المجموعة العربية في وجودها الاجتماعي بصفة خاصة، شكلا ومضمونا، وجودا وحضورا وحضارة، ويستهدف غيرها بشكل تمويهي؛ لأن الدين كامن في أعماق البنية العلمانية؛ فالعطل الرسمية في فرنسا خاضعة لأجندة الاحتفالات المسيحية، وجنائز رؤساء الجمهورية تتم بصفة رسمية في كنيسة "نوتردام" بباريس، كما حصل مع الرئيس الاشتراكي "فرانسوا ميتران".

 

ليس إذن لهذا التحامل المتترس بالمبادرات القانونية سوى دلالة ظاهرة لا تخفى، وهي هشاشة العلمانية، وعجز المدنية الديمقراطية عن محاورة الآخر، أو اختراق خصائصه الفكرية؛ فحل العنف الشرعي للدولة العاجزة محل العنف العسكري، وصار القصف القانوني ضاربا بدل الدبابة والمدفع والطائرة.

 

والسؤال اليوم: هل انهزم الوعي المدني بإزاء الوعي الديني؟

 

إن المسلمين المحاصرين في فرنسا يمثلون من الناحية العددية أولى الأقليات (5 ملايين) وهم متقدمون عن البروتستانت (900 ألف) وهؤلاء لم يتحرروا في فرنسا من القمع الديني إلا في حدود القرن السادس عشر، ويأتي اليهود في الدرجة الأخيرة (600 ألف= 2%).

 

إن اللباس الشخصي أو قضية الخمار حينما تطلق من فرنسا، تتحول إلى قضية عنصرية، ومشكل استعماري؛ لأنه فيما وراء القانون يستهدف ذاتية أمة وشخصيتها وهويتها الحضارية.

 

فالحجاب شأن قومي؛ لكونه زيًّا نسائيا مشتركا مغرقا في التاريخ، محايدا لا تتجاذبه الشعارات ولا تختلف فيه الآراء والمذاهب، ولا تعترض عليه السياسات، اللهم إلا بعض المواقف العرضية الموقوتة التي منع فيها ارتداء الحجاب بشكل شبه رسمي، وما ذاك إلا لكونه من حيث النمط والشكل لم يظهر بمواصفات متعينة إلا بظهور الحركات الموصوفة بالانقلابية، وهي حسب هذا التقييم تستعمل الرموز، وخاصة الحجاب، من أجل إدانة النظام السياسي والاجتماعي، ومحاربته أيديولوجيا، لكن التجاذبات تبقى رغم هذا، ومع كل هذا، ممانعات عرضية وعابرة لا تلبث أن تزول بزوال الاستفزازات والاستثارات، وسيعقبها بعد ذلك، التوافق الاجتماعي والمصالحة الوطنية، وهي مسألة آتية لا ريب فيها.

 

الحجاب: الأنماط الاجتماعية

 

تطرح مسألة الحجاب إشكالية العلاقة بين الأنا والآخر. وهي موازنة قائمة على الجهل بالمختلف (الآخر) وبالآليات الفكرية والاعتقادية التي تمنحه خصائصه السلوكية.

 

فالسيد جاك شيراك أصدر بشكل تمويهي مراوغ جملة من الممنوعات تحف بالقضية الأساس وهي الحجاب، فأصدر أمرا بحظر الرموز الدينية، وقد انصب الأمر على منع حمل الصلبان (الكبيرة فقط) وكأن التلاميذ سيدخلون المدارس عارضين الصلبان الكبيرة على غرار ما يفعل رواد الملاعب حين يدخلون ملوحين بالأعلام والمحمولات الرمزية، ووافق كذلك على منع حمل نجمة داود (الكبيرة فقط).

 

ومنع كذلك تعليق ما أسماه يد فاطمة، (الكبيرة فقط)، وقد اعتبر سيادته هذه اليد الكبيرة رمزا إسلاميا تماما مثل نجمة داود، وصليب المسيح، وإذا كان داود نبيا، والمسيح رسولا، فإن صاحب السيادة لم يقل لنا شيئا عن السيدة فاطمة العجيبة، هل هي من الأنبياء والمرسلين؟ أم من الأولياء والصالحين؟.

 

لقد علم الجميع في فرنسا أن يد فاطمة تستعمل في شمال أفريقيا بغير هذا الاسم (وهو الخُمسة بضم الخاء) كتعويذة للحماية من العين والحسد والسحر ولا علاقة لها بالدين؛ فهي من مخلفات العصر الجاهلي، حيث كانوا يعمدون إثر كل ذبيحة إلى غمس اليد في الدماء، ورسمها على الحائط بشكل أصابع اليد الخمسة التي تعلق الآن، والآيات القرآنية حرمت هذه الممارسة الجاهلية.

 

وقد أراد شيراك إلصاق هذه السمة الجاهلية بالمعتقد الإسلامي ورفعها إلى مستوى تتضاهى فيه مع الحجاب، ولعل هذا الوعي المشوش تلقاء الديانات الغيرية هو وحده من يسوغ اضطهاد الآخر تحت أية صورة نمطية ترسمها الذاكرة، وتصنعها الأفكار الشوهاء.

 

ضمن هذا السياق يتنزل الغلط المفهومي في مسألة الحجاب؛ فهو في الفكر الغربي المعاصر مرادف للعنف وللإرهاب، كما تعودنا من دروس بوش الصغير.

 

غير أن سيمولوجيا الحجاب تنطوي على جملة من العلامات والدلائل والمضامين ذات الأبعاد التاريخية والحضارية التي عرفتها أوروبا ذاتها في المنطقة الأندلسية قديما والأسبانية حديثا دون أن تنكرها.

 

وقد رصدنا للحجاب خمسة استعمالات ذات منطلقات مختلفة تدل على أن الأمة إما بحكم العادة أو الدين تتضامن تلقائيا مع مسألة الحجاب.

 

1 - الحجاب الديني:

 

وهو مفروض في الديانات السماوية الثلاث: فالمسيحيات (الراهبات خاصة) ما زلن يرتدينه بشكل واضح ومعلوم، وكذلك اليهوديات فإنهن يرتدينه طبقا لبعض التعرجات التأويلية، واليهود هم أبطال التأويل والتحريف وصناع البدائل منذ التاريخ إرضاء للحاكم، أو لوزير الحاكم- ويحلو التأويل لدى المسلمين حين يكون وزير الحاكم فرنسيًّا يستشيرنا في أمر ديننا- غير أن المعنى الذي أعطاه اليهود للحجاب ليس غير مستساغ من حيث الظهور الاجتماعي؛ فالمرأة اليهودية تضع الشعر المستعار (الباروكة) على رأسها لتواري شعرها الحقيقي؛ أي إنها تتحجب بطريقة مواكبة للنظام الاجتماعي الغربي.

 

وفي الديانة الإسلامية فُرض الحجاب في السنة الرابعة للهجرة، وهو زمن متأخر جدا يدل على أن الحجاب ليس متداولا بالشكل الإسلامي المتعين داخل المجتمع الجاهلي، والآليات المحددة لوجوب الحجاب وشكله معلومة في سورتي "النور" و"الأحزاب"، وقد جاء في الحديث النبوي أن الفتاة إذا راهقت البلوغ فلا يظهر منها غير الوجه والكفين.

 

وهذا الحجاب الإسلامي بالمعنى القرآني المذكور، وجد في السعودية أثر التحالف بين محمد بن عبد الوهاب وآل سعود بناء على توافق مطلق بين الدين والدولة، وهو بهذا المعنى مقوم من مقومات الشخصية الإسلامية، ولازم من لوازم الاعتقاد، وليس رمزًا يشير إلى ذكرى تاريخية كالصليب.

 

2 - الحجاب التقليدي:

 

وهو شأن كوني تراهن مع الوجود التاريخي العربي والإنساني عامة، وليس يدل على أي التزام ديني، أو مسئولية اعتقادية، وظل كذلك مغايرا للوجود الإسلامي ومختلفا عنه في المواصفات، ويذكر هذا بالقول الشعري الذي تحول إلى غناء تراثي:

 

قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا صنعتِ بناسك متعبد

 

قد كان شمر للصلاة ثيابه حتى وقفت له بباب المسجد

 

ردي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق دين محمد

 

وهنا -ودون النظر إلى الأصل القصصي لهذا القول- يبدو وجود الحجاب التقليدي متشكلا بهيئة غير دينية؛ لأنه ينطوي على استفزازات جنسية اخترقت بنية الإيمان والصبر التي كان الناسك المتعبد متزودا بها، فتحول إلى جسد بيولوجي خالص غابت عنه روحانيته، لما أن أقبل عليه الموت الأبيض من وراء الحجاب الذي تجملت به المرأة العربية، إضافة إلى جمالها الطبيعي الذي اهتز له كيان المتعبد.

 

والحجاب العربي، أو اللباس التقليدي مختلف الأنماط والأشكال، وليس متوافقا بالضرورة مع الالتزام الديني من حيث التفاصيل، لا من حيث المبدأ، وهما متحدان في عدم التكشف الجنسي، وقد يكون متوافقا مع المواصفات الشرعية.

 

ومثال الحجاب التقليدي ما هو معروف في تونس بالسَّفْساري (بفتح السين الأولى المشددة وبسكون الفاء) وهو حجاب إسلامي لا يزال موجودا في كافة أنحاء الجمهورية، والسفساري التونسي مختلف عن اللباس التقليدي الذي ترتديه المرأة في مصر صعيدية كانت أو قبطية، وما تلبسه المرأة اللبنانية أو السورية من حجاب تقليدي مسلمة كانت أو مسيحية يختلف بالضرورة الحضارية عن زي المرأة السودانية.

 

والجامع بين هذه الملبوسات بتقاصياتها الجغرافية، هو اشتراكها في دلالة الحجاب بمعنى الاحتجاب عن البدو الجنساني، وميزة هذه الألبسة كونها تستعمل من قبل المرأة العربية مسلمة ومسيحية.

 

إن مسألة الحجاب قضية عربية يشترك في الدفاع عنها العرب جميعا مسلمون ومسيحيون. فهو لباس وطني لا علاقة له بالتطرف والمتطرفين كما قرأت في بعض الصحف الصفراء (مثل روز اليوسف المصرية) التي أرادت أن تدافع عن شيخ الأزهر وعن سياسات مصر، فأساءت إليه وإليها وإلى الدول العربية، وذلك حين أوردت أمثلة عن مساحات للحرية الدينية كائنة في فرنسا وفي أمريكا، ومفقودة في العالم العربي، وأما تبني المتطرفين لقضية وطنية ما، فلا يعني أننا يجب أن ندين تلك القضية، فإذا ما دافعوا عن سيادة مصر، أو عن القضية الفلسطينية مثلا، فهل يجب أن نتموقع في جانب العدوان على مصر، أو في جانب الصهيونية من أجل الاختلاف مع المتطرفين؟ إن مثل هذه الاعتراضات (روز اليوسف/ المثال) تكشف عن ضمور العقل العربي، وضيق الآفاق الفكرية لدى جملة من المثقفين الانتفاعيين.

 

3 - الحجاب الاجتماعي:

 

هو ما يلبس لغرض إيتيكي (أخلاقي) خالص، حفاظا على الأخلاق، وحدود اللياقة والانضباط داخل المجال الأسري، ولا ينطلق من منظور التدين والالتزام الشرعي، وإنما يراد منه عدم اندماج البنت أو الزوجة في حركة الستريبتيز الاجتماعية، أعني عدم الانخراط في جوقة الانكشاف والتعري، وعرض الصدور والظهور، والسرر (أو الأسرة) التي صارت حالة من الانفصام العربي بعد أن أغرقت مجتمعات الحداثة في مستنقع المتاع البيولوجي، وإغراءات الجسد الداثر بطبيعته الوجودية ذاتها التي تتقدم به نحو العدم والتناهي.

 

وهذا النوع من التحجب الاجتماعي، ينطلق من تأمل فلسفي، لكونه يقيم وزنا لمعنى النزعة الإنسانية المتأصلة في كينونة الإنسان، والشخص البشري كائن أخلاقي كما هو مسجل في الذاكرة الوجودية، والحياة العائلية ذات المبادئ والقيم الأخلاقية العالية تتفلت من طبائع التسيب الجسدي في المحيط الاجتماعي، وتمتنع عن إسقاط الحواجز بين عناصر البنية الأسرية.

 

وقد سجلت الإحصاءات الفرنسية أن 40% من حالات الاغتصاب الطفولي تتم داخل الفضاءات العائلية التي صارت إلى الفوضى، بعد أن كانت توفر ملاذا نفسانيا يؤمن من الانحرافات التي تصنعها النزعات والنزوعات المجتمعية.

 

4 - الحجاب الموضة:

 

يتخذ الحجاب في أزمان التقليعات التي تفصَّل طبقا لمنظورات أيديولوجية، جنسية، حضارية أو عشوائية موقعا ثقافيا بين أنماط الطرز والموضات العالمية؛ فهو لباس يساير الأصالة، ويواكب مظاهر الحداثة في آن واحد؛ أي إنه من حيث البدو والرسم وعدم التشكل الجسدي، يتجاوب مع المقتضيات والأعراف الاجتماعية، وقد يتلاءم جزئيا أو كليا مع الملبوس الشرعي، ويتساوق هذا الحجاب (الموضة) من الناحية الحضارية مع حركة المرأة المعاصرة، ولا يتخلف عن الاستخدامات المعروفة في عالم الجمال والزينة وحلاقة السيدات.

 

ولعل هذا الكساء الجديد، يعبر بشكل حداثي عن نظام اللباس التقليدي سابق الذكر، وهو لكونه يوجد بكثافة في دول الخليج بعد أن خالطتها المعاصرة، لم تشأ امرأة الخليج العربية أن تغادر أنماط عيشها القديم، وأبت تفويت أمتعة الحداثة، وقد تواردت عليها مباشرة من دنيا الإبداع ومن مختلف مصادر الابتكار في العالم، وهي التي تتوق إليها النفوس، وتهفو إليها الأفئدة الحالمة.

 

5 - الحجاب الرمز السياسي:

 

الرمزية هنا، بما أنها من فعل بعض الحركات السياسية، لم تعد مصدر تأويل، وإنما صارت محط حسم. فالمنظمات الدينية تطلب التمايز على مستوى الظهور الاجتماعي والحضور الثقافي، حسب نظرية الحسم هذه. أي إنها تهدف إلى السيطرة على الواقع من خلال تغليب الالتزام الحزبي على طبيعة الحياة الاجتماعية. وذلك من خلال الارتداء الخاص للحجاب الذي ينتظم على الكتفين بشكل تصنيفي لافت. ونحن لا ندري إن كان هذا النموذج الحزبي هو ما أزعج السلطات الفرنسية، أم كل ما تختلف هيئته عن نمط اللباس الغربي؟ ولا شك أن إطلاق مسمى الحجاب على انتماءات متطرفة لا موضوعية، هو تغريب للمسمى عن مداره الدلالي، وترحيل له إلى محيط لا يعبر عن ذاتيته المحضة.

 

فالحجاب يحمل معقوليته ومنطقيته من الأسباب الثقافية والاجتماعية والتاريخية والدينية التي ذكرت. وإدانته على طريقة شيراك الذي جعل يد فاطمة (الجاهلية) رمزا إسلاميا، هي جهل بالطبائع الوطنية والقومية العربية، وجهل بالمفاهيم الدينية بمضمونها الحضاري. إن سلوك شيراك الغريب، يندرج ضمن الهجمات الأيديولوجية التي لا تتوقف عن تكثيف المنطق العنصري، وتعبئة الرأي العام ضد 5 ملايين من الجنس غير الأوروبي. وقد حظي شيراك نتيجة لهذا التحريض برضا المنظمات اليهودية في فرنسا التي أعلنت بعد يوم واحد من قراره (18 ديسمبر 2003) عن ضرورة قبول الأمر الواقع، وهي القوانين العنصرية التي لا تمس اليهود. واليهود محميون بقانون 1990 الذي كفله لهم الشيوعيون والاشتراكيون (قانون فابيوس غيسو) الذي يتعقب كل تعريض باليهود وجودا وتاريخا ودينا وسلوكا؛ لأن ممارسات اليهود لا تكون إلا دفاعا عن النفس أو محاربة للإرهاب. فالمسألة محسومة بسابق الإصرار والترصد.

 

العلمانية وحقوق الإنسان المتعالي

 

صار اللعب سمة الإنسان المعاصر. فالأدباء يمارسون قراءة النصوص من خلال اللعب باللغة، والسياسيون يوجهون القوانين حسب الخلفيات والمصالح بصور انقلابية فاضحة. وكأن اللعب أضحى شيئا من بدائع الحضارة وفظاظتها كما يتوضح لدينا من ممارسات النظام ـ الأنظمة الفرنسية. فحينما اندلع أول إشكال حول الحجاب في منطقة كراي عام 1998 (27 نوفمبر)، فإن مجلس الدولة أقر بأن الخمار في ذاته لا يتعارض مع مبادئ العلمانية. والتلاميذ يملكون حق التعبير عن انتماءاتهم. غير أن تصاعد وتيرة ارتداء الحجاب، بدا وكأنه إخفاق للعلمانية، وعجز عن الإقناع واحتواء الدين، ولأن سياسة الدولة خابت في تحقيق الاندماج بين مختلف الشرائح الاجتماعية والانتماءات الفكرية المشحونة بعبادة الذات، وعدم قبول المختلف، فإن حكومة جاك شيرك المقهورة سياسيا سعت، لا إلى الحوار والنقاش الحضاري الذي هو مبدأ ديمقراطي جمهوري، وإنما إلى اللجوء إلى العنف الشرعي. وهو استصدار قانون يحرم ارتداء الحجاب.

 

وطريقة المنع هي دائما دلالة على الإخفاق، ومعنى من معاني الهزيمة والخيبة وكسوف العقل العلماني. ذلك أن المنتصر هو من يخترق عقل الآخر وفكره، ويجتاز حواجزه الاعتقادية والمفهومية من خلال الإقناع بالمحاورة أو بالمناظرة. كما علمتنا ذلك الديمقراطية الفرنسية نفسها. لقد أصيبت العلمانية بالإرهاب، وبالرعب العدمي من المجهول الذي يمثله الحضور الذي صار قويا للآخر. وفي دلالة عملية على هذا القول، يذكر المراقبون أن فتاتين ارتدتا الحجاب (في أحد معاهد فيل نوف) عام 1995. وفي العام الموالي تضاعف العدد إلى عشرة. ثم تكثف الرقم بشكل تراتبي حتى صار عدد الفتيات 58 ضمن 1500 من التلاميذ رغم تدخل الأساتذة، والإدارة، والسلطات لمنع مسيرة الفتاتين المناضلتين بالصمت والصورة ضد الكل. فالعلمانية بكل أثقالها، وموازينها، ومكاييلها، لم تنجح في وقف مسار فتاتين اكتسحتا حضاريا مؤسسة محمية أيديولوجيا، ومحصنة فكريا بقوة الدولة. ورغم القلة العددية 58 بإزاء 1500 ورغم أن الفوارق في الديمقراطية تقاس بالآحاد (1%) فإن دولة حقوق الإنسان والحريات العامة تختار الطريقة البوليسية المقنعة بالرتوشات القانونية وهي المسلك السائد في الخارج لقمع الاختلاف الفكري أو السياسي، ومصادرة حرية التعبير، خاصة إذا علمنا أن عدد المتحجبات في فرنسا لا يتجاوز 1000 فتاة، وقد كان على جاك شيراك أن يحصن المدرسة اللائكية من السيدا ومن المخدرات، والمتاجرات الجنسية، وأوضاع البيدوفيليا التي تستهدف الذكور والإناث غير البالغين من قبل مدرسيهم أنفسهم، أو في محيطاتهم الأسرية.

 

إذا كان جاك شيراك يريد منع الحجاب، وبرنار سطازي رئيس اللجنة المكلفة بتقرير أمر هذا اللباس يرى (بمساندة أعضاء لجنته منهم أركون صاحب مشروع علمنة الإسلام)، أن الوجود العربي صورة للإرهاب مبثوثة في أوروبا، وإذا كان رؤساء البلديات يعترضون دائما علي بناء المساجد، وإذا كان الفنانون مثل بريجيت باردو، مربية الكلاب الحالية، ترى أن عيد الأضحى إرهاب للطبيعة. فإنني أوجه أصابع الاتهام إلى العرب والمسلمين فهؤلاء جميعا همشوا دورهم الاجتماعي والسياسي وصاروا شيعا وأحزابا وفصائل تتجاذبهم الأيدولوجيا ولا تجمعهم المصالح العليا. إنهم هم من صنعوا الهزيمة، هزيمة أنفسهم. وظل الطلائعيون منهم يجتمعون على فتات الموائد السياسية بين اليمين واليسار.

 

لقد انطلق أقصى اليمين الذي يقوده لوبان عام 1975 بأقل من 0.5%، واستحصل بعد 20 عاما من النضال على 20% من أصوات الناخبين. وهي نسبة جاهزة ابتداء للمجموعة العربية. فالعرب دون ممثلين ومسئولين وكتلة برلمانية وميزان قوة سياسية واجتماعية سيظلون غرضا وهدفا لكل متدرب على الرماية. ولئن تخلت عنهم الحكومات العربية المستقيلة بطبائع وجودها اللاشرعي، وفقدوا كل سند روحاني كالذي يجده المسيحيون في شخصية البابا التجميعية، وظلوا دون بابا ولا ماما، فإن الديمقراطية الفرنسية بشكلها العلماني الذي قلت في المبدأ إنني أقدره حق قدره رغم قراءاتي النقدية له، يوفر للعاملين في الغرب وللكفاءات العربية مواقع ومواقف موضوعية تحفظ الدين والعقل والعرض وتجسد معالم القوة الوجودية في الذات العربية. لمثل هذا فليعمل العاملون بعيدا عن الانفعال والعاطفة والفوضى؛ لأن العنف مهما كانت مبرراته شر محض.

 

(*) أكاديمي وكاتب تونسي.

 

(المصدر: موقع إسلام أون لاين بتاريخ 20 نوفمبر 2006)

الرابط: http://www.islamonline.net/Arabic/contemporary/culture/2006/11/03.shtml

 


 

الحرية.. الديمقراطية.. وبعد ؟

رياض البرهومي

 

يرى البعض أن هوية الحزب الديمقراطي التقدمي مسألة قد حسمت وأن إعادة طرحها هو مجرد عبث فكري قد يلهينا عن قضايانا الأساسية. إني أرى عكس ذلك تماما وأعتقد أن المسألة في غاية من الأهمية ، كما اعتبر الحوار عن الهوية الذي دار على صفحات جريدتنا الموقرة "الموقف" ظاهرة صحية حتى وإن تعلق الأمر بمسألة داخلية حزبية.

إن تكوين ونشأة الحزب الديمقراطي التقدمي كحزب غير عقائدي في مناخ سياسي ما زال يتسم بالتأثيرات الايديولوجية، جعلت منه تجربة فريدة وغير مسبوقة في الحياة السياسية في تونس، وهذا ما جعل مسألة الهوية مطروحة منذ تأسيس الحزب في 2001 إلى يومنا هذا. أما على المستوى الدولى فقد تزامن تأسيس الحزب مع تغيرات وتقلبات في ميزان القوى أدت إلى هيمنة القطب الواحد النيوليبرالي على السياسة والاقتصاد والثقافة. ففي ظل هذه التحولات المحلية والعالمية ، هل أصبحت هوية الحزب الديمقراطي التقدمي مسألة محسومة؟ " .

أقول أن الحزب الديمقراطي التقدمي ما زال ينحت هويته الخاصة ، وهي عملية بدأها الحزب منذ الثمانينات بتجربة التجمع الاشتراكي التقدمي و عمقها الحزب الديمقراطي التقدمي في مؤتمره الثالث سنة 2001 وما زالت عملية جدلية يساهم فيها كل مناضل من موقعه . إن التقاء مناضلي الحزب الديمقراطي التقدمي على برنامج سياسي محوره أولوية قضية الديمقراطية وليس التقاء حول ايديولوجيا هو الذي جعل هويته تبدو غير واضحة لدى المراقبين للحزب من الخارج ، كما أنها تبدو غير مكتملة عندما تطرح في الداخل الحزبي من حين لآخر قضايا كبرى تتعلق بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع التونسي . ولما كانت الديمقراطية السياسية منظومة ليبرالية بالأساس لم يبدع الفكر السياسي إلى حد الآن منظومة أفضل منها في إدارة الحكم فقد تبناها الحزب الديمقراطي التقدمي واعتبرها هدفا محوريا لنضاله السياسي في الفترة الراهنة.

ومن ثنايا هذه المنظومة الديمقراطية المحكمة تسربت الليبرالية لبرامج الحزب الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والمصاغة في لوائحه التي تقدم بها لعموم التونسيين، مما أثار وما زال يثير جدلا حول هذه الاختيارات ، ويعيد مسألة الهوية مرة أخرى إلى المربع الأول.

تعتمد الليبرالية كفلسفة ومنهج في الحياة على قانون أساسي في التغيير الاجتماعي وهو "القانون الطبيعي" ويمكن تلخيصه فلسفيا "أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة." ويترتب على هذا القانون أن تكف الدولة عن التدخل في المحاولات الفردية لتغيير المجتمع وأن تبقى وظيفتها الطبيعية محصورة في توفير الأمن الداخلي والأمن الخارجي للناس في المجتمع.

إن هذه الأفكار البسيطة والمحكمة جعلت مفكري الليبرالية من أمثال فولتير وروسو وهيوم وآدم سميث ومالتوس وغيرهم ... يبدعون ويصوغون منظومة فكرية جديدة كانت محركا ايديولوجيا لكل الثورات الكبرى في أوروبا من أجل الحرية و كانت أيضا الأساس الفكري لكثير من النظريات في الدولة وفي القانون وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وأيضا في الأدب والفن والأخلاق...

ففي الميدان السياسي أبدع هؤلاء المفكرين نظما دستورية تقنن علاقة المحكومين بالحاكم وسموها "سيادة الشعب" في مواجهة الحكومة وسلطتها ، وجعلوا من يتحدث باسم الشعب وينوب عنهم في البرلمان ، وعندما يختلفون لا يكون هناك حل إلا الأخذ برأي الأغلبية احتراما للمساواة بينهم على أن يكون للأقلية دائما الحق في التعبير عن رأيها أي حق المعارضة.

وعن طريق الأغلبية يضع ممثلو الشعب القوانين التي تعبر عن إرادة الشعب (السلطة التشريعية) ويختارون الهيئة التي تقوم على تنفيذ هذه القوانين (السلطة التنفيذية) ، وإن اختلفتا فيحتكمان إلى سلطة ثالثة مستقلة (السلطة القضائية) لتحكم بينهما فيما اختلفتا فيه، ويمكن لها أن تبطل أي تصرف مخالف للقانون (الرقابة الإدارية) أو مخالفة للدستور (الرقابة الدستورية).

ولضمان أن يظل ممثلو الشعب معبرين عن إرادته يجب أن يعاد اختيارهم من حين إلى آخر (الانتخابات التشريعية)، وكل هذا يتم علنا تحت رقابة الشعب نفسه (رقابة الرأي العام) وذلك بتأمين حرية التنظم في أحزاب وجمعيات وتأمين حرية الرأي في نشر الصحف ووسائل الإعلام. ولا يجوز التعرض لرقابة الرأي العام عن طريق القيود أوالعسف أو الإكراه أو سلب للحرية من سجن أو منفى إلا بثبوت ارتكاب جريمة ... وكل تصرف تقوم به السلطة لا يتفق مع هذا النظام القانوني يعتبر إخلالا بسيادة القانون وغير مشروع واعتداء على سيادة الشعب أي اعتداء على الديمقراطية.

هذه هي خلاصة الليبرالية في مسألة الديمقراطية ، وهي رؤية متماسكة يمكن أن تمثل النظام الأنسب في إدارة الحكم ، ويتعذر على رافضي هذه الرؤية من غير الليبراليين نقدها من الداخل على أساس "الأداء" لأن الليبراليين أنفسهم يقرون بضرورة تقويم التجارب ومراعاة الظروف الخاصة لكل فترة زمنية ولكل مجتمع.

إن الليبرالية ومنذ أكثر من خمسمائة سنة شجعت رواد الحضارة الاوروبية من عباقرة ومغامرين من اكتشاف العالم وقهر الطبيعة بالعلم والتقنيات وأن يرسوا قواعد حضارة الرخاء المادي وقواعد التنمية بالاعتماد على اقتصاد السوق ، لكن هذه التنمية وهذا الرخاء ظل "ملكية خاصة" لأصحابه وتمتع به قلة قليلة من دون أن يستفيد منه غيرهم حتى داخل المجتمعات الغربية. أما مجتمعاتنا نحن العربية ومن بينها المجتمع التونسي فقد كانت الليبرالية بالنسبة لنا فقر وبطالة وهجرة سرية ومشاكل اجتماعية تزداد يوما بعد يوم.

وقد بينت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 80% من ثروات العالم يسيطر عليها 20% فقط من السكان ، وأن التنمية في المجتمع الغربي تكلف بقية العالم جوعا وفقرا ما قدره تقريبا عدد ضحايا هيروشيما كل يوم. مما جعل الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر عام 1995 وتقر مشروع الألفية الإنمائي الذي يستهدف بالأساس الحد من الفقر المدقع والجوع في العالم بحلول عام 2015.

وبالتالي فإن الوعود الغربية لمجتمعاتنا في التنمية الاقتصادية بالاعتماد على اقتصاد السوق أثبتت وللأسف محدوديتها وأن التنمية الاقتصادية للمجتمعات المتخلفة وفي طريق النمو قد تكون لها طرق أخرى غير اقتصاد السوق.

إن قصور الليبرالية كفلسفة ومنهج في الحياة هو تركيزها على الانسان كفرد وتمجيدها لحريته الفردية في مقابل خلوها من حديث حول حرية المجتمع ككل. إن الليبرالية تعلمنا أن "التحرر" لازم لإمكان تغيير واقع المجتمع ، وأن رفع القيود المفروضة عليه من قبل السلطة هي الشرط الحاكم لتطور المجتمع ، لكن الليبرالية لا تعلمنا" ماذا نفعل بالحرية ؟" بل تدعونا الى الايمان بتلقائية حركة المجتمع وتعلمنا ألا نشغل أنفسنا بمصلحة المجتمع ككل وأن نركزجهودنا على النشاط الفردي والنجاح الفردي ، وأن مصلحة المجتمع تتحقق بتحقيق كل فرد مصلحته الخاصة.

إن الديمقراطية الليبرالية تعد الشعب بتحرره من استبداد الحاكمين لتمكن بعد ذلك الرأسماليين من الاستبداد فيه. عندها تتحول الديمقراطية إلى سلعة يبيعها من يملك لمن لا يملك ، وتتحول الحرية إلى حرية اقتصاد سوق تمكن الأقوى أن يفرض استبداده الجديد على الضعفاء ، وتتحول التنمية إلى منعرج خطير يؤدى إلى تدمير الانسان والطبيعة.

إن الموقف من الليبرالية كمنهج في الحياة لا يجب حسب رأيي أن ينحصر في الحرية التي تعدنا بها الديمقراطية السياسية ولكن في مضمون تلك الحرية ولصالح من ؟ فإن كانت لمصلحة المجتمع ككل -أشك في ذلك- فأنا مستعد أن أكون ليبراليا ، وإن كانت لمصلحة فئة قليلة فلا أعتقد أنها حرية تستأهل النضال من أجلها...

 

(المصدر: موقع pdpinfo.org نقلا عمن صحيفة "الموقف" الأسبوعية، العدد 381 الصادرة يوم 17 نوفمبر 2006

 

 

أب واحد... بلد واحد... قائد واحد

مـحـمـد الـصالـح فـلـيـس

 

تقول اخر التقارير إن ما يفوق 20 ألف طبيب و ممرضة يغادرون كل سنة بلدان القارة الافريقية (ومنها تونس) لعرض خدماتهم على مؤسسات خارج القارة الافريقية . و قالت احصاءات قبلها بأن 60 ألف طبيب و أستاذ جامعي و مهندس من افريقيا هاجروا خلال الفترة من 1985 إلى 1990 رغم أن البلدان الافريقية خصصت خلال ذات الفترة 1.2 مليار دولار لتامين تكوين هؤلاء الستين ألفا.

 

و تقول احصاءات أخرى إن الاوروبيين الذين يحلون في مختلف البلدان الافريقية محل هؤلاء المهاجرين يتقاضون خمسة الى عشرة أضعاف الاجرة التي يتقاضاها زملاؤهم الافارقة الحاملون لنفس الشهائد و الدرجات العلمية. و مع كل هذه الاحصاءات فان القارة الافريقية تحتل اخر المراتب في مجال الرعاية الصحية وهي التي تمثل فيها نسب التمدرس أضعف النسب قياسا لباقي القارات وهي التي أصابت الامية فيها قطاعات واسعة من السكان والتي تعيش أعداد كبيرة من سكانها تحت خطوط الفقر المدقع، و هي التي يموت فيها بين 300 و 400 في الالف من الاطفال حتى سن 12 سنة في حين أن نسب البلدان المتقدمة لنفس الشريحة العمرية تتراوح بين 14 و 17 في الالف، و هي التي يوجد على أبشع تتويج للاصابات بمرض السيدا حيث بلغ في أواخر التسعينات 14 مليون مصاب في بلدان جنوب الصحراء الافريقية وحدها من أصل 23 ألف مليون في العالم كله ، و هي التي ينتشر فيها انتاج المخدرات الذي يباع الكيلوغرام الواحد منها بمبلغ يتراوح بين 20 و40 ألف فرنك في حين يباع الكيلوغرام الواحد من الكاكاو ب250 ألف فرنك، و هي التي يعادل فيها عُشر هكتار من المخدرات ثلاثين هكتارا من الكاكاو، و هي التي تتوخى فيها عصابات المخدرات لغسل أموالها كل انواع الحيل بحيث لم يسلم قطاع لم تـــضـخ فيه هذه الاموال.

 

و كلما وافتنا الهيئات العالمية بأرقام عن افريقيا الا و و جدنا أنفسنا أمـــام معاني على غاية من الالم و القساوة. و ازاء كل هذه الاوضاع الكارثية لا مناص للمرء من الوقوف عند هول الدمار الذي انصب على سكان هذه القارة التي لا تخلو من ثروات طبيعية و من موارد غنية و لا ينقص طاقاتها البشرية الهائلة لا الذكاء و لا القدرة على المهارة اليدوية و الانتاج المبتكر ... و لكن بلية القارة سلطاتها الحاكمة التي تربعت على عروش بغير وجه شرعي في الغالب، فجثمت على عقول المواطنين و صدورهم مُعملة فيها سيوف القمع و الارهاب، خانقة الحرية و ملجمة كل فضاءات المشاركة الشعبية في الشأن العام و دائسة القانون و مهمشة المؤسسات . و يبقى شأنها العام خاضعا الى حد كبير لـــمــزاجية الحاكم المتفرد بكل الصلاحيات.

 

و طالما أن مكونات المناخ الفكري الحضاري و السياسي العام السائد في بلدان القارة الافريقية ما زالت خاضعة لقيم البداوة و القبلية و الجهوية و البطانة فلا مناص من أن ينحسر الفعل السياسي بـــمـــا أدى الى تكبيل ارادة الشعوب و نخبها و أفرغ القارة من الزخم الفكري و الثقافي الهائل الذي تحتويه . و بفعل هذا الانحسار خلا الجو للعسكريين و للاتباع مـمـن لا ثقافة سياسية لهم و لا ماضيا نضاليا و لا شرعية في الغالب فعاثوا فسادا في القارة و عطلوا انطلاقة شعوبها و كبلوا ارادتها التائقة الى التحرر و الابداع و جعلوا منها اخر القارات بكل مقاييس النماء البشري. و بديهي أن ينتج عن كل هذه الماسي انسداد لافاق العيش الكريم أمام الطاقات لأن كل عناصر المناخات في بلدانها تدعوها الى مهاجرتها نحو بلدان توفر لساكنيها ظروف عيش و مناخات ابداع تحترم الذات البشرية وتقدس الكفاءة و تجازي البذل و تدعم مجالات البحث و الارتقاء العلمي و المعرفي. لقد كان شعار الماريشال موبوتو حاكم الزايير الاسبق: أب واحد، بلد واحد، قائد واحد! و بمجمل السياسات التي لخصها هذا الشعار فقد أصل الزايير في أوحال الفوضى و مصائب الفقر و الام التخلف. وكـذا نسج على منواله زمـلاؤه. لكن هذا لا ينفي حقيقة أنه كـــــــلـــــمـــا عـــم الــــيـــأس فان ساعة عـــدم اليأس تدق...

 

(المصدر: موقع pdpinfo.org نقلا عمن صحيفة "الموقف" الأسبوعية، العدد 381 الصادرة يوم 17 نوفمبر 2006)

 

 

مـقـال مـسـتـقـلّ

أحمد فرحات حمودي - تطاوين

 

تعيش البلاد التونسية حالة من الاستبداد السياسي أفضت إلى هيمنة الحزب الواحد طيلة نصف القرن. وبقدر ما تلونت السياسة الاقتصادية للبلاد التونسية، فإنها ظلت دوما سياسة عرجاء فبعد سياسة التعاضد في الستينات وحالة من الانفتاح الاقتصادي خلال عشرية السبعينات، قامت الحكومات التي تتالت منذ منتصف الثمانينات و بإيعاز من المؤسسات المالية العالمية( صندوق النقد الدولي ) بخطوات في اتجاه تحرير الاقتصاد ولكن الليبرالية الاقتصادية التونسية ظلت مشوهة وتبين السنوات إفلاسها لسبب بسيط وهو عدم تجانس أو تلاؤم التوجهات الاقتصادية مع التوجهات السياسية للبلاد التونسية. فهل تلائم سيطرة الحزب الواحد الليبرالية الاقتصادية. إن نجاح الليبرالية الاقتصادية يشترط وبإلحاح ليبرالية سياسية. إن المشروع السياسي لهيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات: الانتقال الديمقراطي؛ يقتضي نموذجا اقتصاديا انتقاليا، نموذجا تلعب فيه المنظمات الأهلية دورا متميزا.

اتحاد الفلاحين: تُعتبر هذه المنظمة من أعرق المنظمات الأهلية في تونس؛ تأسست مع نشأة دولة الاستقلال لتكون الهيكل الشرعي لكل الفلاحين، صغارا كانوا أو أصحاب الملكيات الكبيرة وليكون هذا الهيكل شريكا فعليا في رسم خيارات البلاد على مستوى القطاع الفلاحي، هذا القطاع الذي يمثل الحلقة الأساسية والأكثر حساسية لكل اقتصاديات العالم، سيما اقتصاديات الدول النامية فهذا القطاع مازال يساهم بالنسبة الأهم في الناتج الداخلي الخام ومازال يشغل العدد الأكبر من قوة العمل ويساهم بالقسط الأكبر في الصادرات.

أُوجد إذن هذا الهيكل ليكون شريكا فعليا بل ومسئولا على اختيارات البلاد الفلاحة ولكن التفاف الحزب الحاكم على هذا الهيكل أفقده كل دور وصار هيكلا صوريا يوافق ويبارك وتم تغييبه بشكل مفزع. إننا اليوم و أمام التحديات الاقتصادية المطروحة والمتغيرات العالمية المتسارعة، نجد أنفسنا أمام حتمية إعادة إحياء هذه المنظمة، لتكون شريكا فعليا و لتساهم بحق في بلورة السياسة الفلاحية للبلاد التونسية. إن هذه المنظمة مدعوة لأن تعبر عن نبض الفلاحين، مصغية لمشاكلهم، مُقترحة حلولها. إن إحياء اتحاد الفلاحين، ديمقراطيا، مستقلا يمثل مطلبا ملحا ليكون مشاركا مسؤولا على خيارات البلاد الفلاحية.

الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة: بدورها تعتبر هذه المنظمة من أعرق منظمات المجتمع الأهلي، منظمة ينضوي تحت لواءها كل الأعراف في قطاعي الصناعة والتجارة فتكون بذلك مسؤولة على أكثر من ثلثي الاقتصاد التونسي. و يتعاضم دور هذه المنظمة في ظل التحولات والمتغيرات الطارئة على بنية الإنتاج؛ فنسبة مساهمة هذان القطاعان في الناتج الداخلي الخام ما فتئت ترتفع، كما يمكن ملاحظة هجرة اليد العاملة من القطاع الفلاحي إلى القطاع الصناعي في مرحلة أولى ثم من قطاعي الصناعة والفلاحة إلى قطاع الخدمات في مرحلة ثانية كما يساهم هذان القطاعان بنسبة هامة في الصادرات. إن تحقيق نمو اقتصادي مستمر يشترط بإلحاح نهوضا حقيقيا و فعليا بهذين القطاعين.

 

في الوقت الذي أصبحت فيه خصخصة الإنتاج سياسة فعلية في البلاد التونسية وتخلت الدولة على أغلب قطاعات الإنتاج بات من الضروري التفكر مليا في الدور المفترض للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة. إن هذه المنظمة مدعوة متى أُعطيت الحرية و الاستقلال في التفكير والتصرف إلى لعب دورها بكل روح المسؤولية والوطنية، بصفتها ترتبط مباشرة بالإنتاج والمنتجين.والإصغاء إلى المنتجين واشراكهم و إدماجهم هو السبيل الوحيد للنهوض بالإنتاج. لذلك نجد أنفسنا أمام حتمية توزيع جديد للأدوار وللمسؤوليات فهذه المنظمة الوطنية مدعوة إلى التفكر مليا في مشاكل الإنتاج والاستثمار و القدرة التنافسية و التصدير واستنباط الحلول لها. و هذه المنظمة مدعوة إلى المساهمة في إنشاء الأقطاب التكنولوجية ( جامعات، مراكز أبحاث، مؤسسات اقتصادية ). كما أن هذه المنظمة مدعوة إلى المساهمة في بلورة التوجهات الكبرى للسياسة التعليمية لأنها الأكثر معرفة بحاجيات سوق الشغل و التغيرات التي تطرأ عليه. إن الصبغة الانتقالية للظرفية السياسية ( الانتقال الديمقراطي ) يقضي برنامجا اقتصاديا انتقاليا تلعب فيه منظمة التحاد التونسي للصناعة والتجارة دورا مركزيا؛ مسؤولة وشريكا فاعلا.

الاتحاد العام التونسي للشغل: تعتبر هذه المنظمة الأكبر على الإطلاق من جملة المنظمات الأهلية، تأسست قبل الاستقلال فخاضت معركته وساهمت فعليا في تحرير الأرض و دحر الاستعمار. ينضوي تحت لواءها أغلب العمال من مختلف القطاعات، لعبت دورا مهما في كل الأوقات و حافظت في مراحل عديدة على استقلالية القرار. شكلت دوما سلاح السلطة في وجه مشاريع الليبرالية الجديدة التي أرادت فرضها المؤسسات المالية العالمية، كما كانت أيضا ماص الصدمات حين يعلو الغضب الشعبي من السلطة.

إن دور هذه المنظمة الصرح يزداد أهمية وخطورة في ظل ما يشهده العالم من تحولات فهي علاوة على وقوفها الدائم نصيرة للشغيلة، عليها أيضا إرساء عقلية جيدة لدى العامل التونسي في علاقته بمنتوجه. فعاملنا التونسي يجب أن يعي تمام الوعي أهمية الدور الموكول إليه فهو المسؤول الأول على جودة المنتوج وهو بذلك المسؤول الأول على نجاح هذا المنتوج في غزو الأسواق العالمية وعلى تمكن منتجاتنا من قدرة تنافسية عالية المستوى.

إن حرب المنافسة المشتدة تقتضي شروطا جديدة للعمل و ظروفا جديدة للعامل. قصد التموقع في عالم السوق على العامل أن يعي أنه بصدد إنتاج أفضل منتوج في العالم مع ما يقتضيه ذلك من وعي جديد ومهارة عالية. من هنا يكون دور الاتحاد العام التونسي للشغل مركزيا في تحديد نجاحنا من عدمه في الاندماج في عالم السوق. إن العلاقة بين العمل ورأس المال لها من الأهمية بمكان في تحديد نوعية المنتوج لذلك بات من الحتمي أن تحكم هذه العلاقة سياسة تعاقدية بين الأجير و المؤجر من أجل هدف واحد وهو جودة المنتوج ليكون قادرا على منافسة كل المنتجات العالمية. إن تحسيس العامل وتوعيته بجسامة مسؤولياته يكون الدور المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل، هذا الهيكل الذي يسعى دوما إلى حماية حقوق العامل عليه اليوم أن يعقد سياسة تعاقدية مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة.

إن الدفاع بأمانة ومسؤولية على حقوق العامل المادية والمعنوية تعطي هذا الهيكل إمكانية التواصل مع العامل الذي بدوره تكون ثقته بمنظمته المهنية بقدر استبسالها في الدفاع على حقوقه وكرامته و إن بناء علاقة من الثقة بين الأجير والمؤجر تكون منافعها عديدة؛ أولها، زيادة في إنتاجية العامل مما يؤدي إلى ضغط على التكلفة فتتحسن بذلك قدرة المنتوج التنافسية، وثانيها، حرص العامل حرصا شديدا على جودة منتجه فتتحسن أيضا قدرة المنتوج التنافسية. إن تغيير عقلية الأجير من أوكد مهام الاتحاد العام التونسي للشغل كما تغيير عقلية المؤجر من أوكد مهام الاتحادين، التونسي للصناعة والتجارة و الفلاحين. ليبقى دور الدولة رقابيا، حياديا، ضامنا لاستقلالية هذه المنظمات هذا علاوة على تهيئة وتعصير البنية الأساسية و ضمان استقلالية القضاء و حرية الصحافة.

إن نجاح أي نموذج اقتصادي يكون بمدى ملاءمة البنية السياسية للبنية الاقتصادية فمن غير المجدي والمعقول أن تحاول تحرير الاقتصاد في ظل هيمنة الحزب الواحد، كما هو من غير المجدي تطبيق نضام اقتصادي تكون فيه الدولة اللاعب الأساسي في ظل نضام سياسي ديمقراطي تعددي.

 

(المصدر: موقع pdpinfo.org نقلا عمن صحيفة "الموقف" الأسبوعية، العدد 381 الصادرة يوم 17 نوفمبر 2006)

 

العولمة تُذيب السّكر التونسي

 

 

فتحي الشامخي

 

السّكر مثل الملح : لا يكاد يغيب عن طعام، يتناولة التونسي بمعدّل يفوق 2.5 كلغ في الشهر الواحد ! لذلك يجوز أن نعتبره "الوقود الغذائي الشعبي". فالسّكر إذا مادّة غذائيّة أساسيّة بالنسبة للتونسي، ممّا يجعل التحكم في إنتاجه وفي تجارته من مشمولات السّيادة الغذائيّة للمجوعة الوطنيّة، على غرار الزّيت والحبوب والحليب وكذلك اللحوم. وبالتالي ليس من الغريب أن يحضا السّكر باهتمام الدّولة، راعية تلك السّيادة، وبدعمها المالي.

لكن كيف اجتاز السّكر إمتحان العولمة الرأسماليّة العسير ؟ هل لا تزال الدّولة تدعم سعره حفاظا منها على القدرة الشرائيّة للعائلة التونسيّة ؟ وهل حافظت على الخيار الاستراتيجي المتمثل في تطوير الانتاج الوطني لهذه المادّة الأساسيّة دعما منها للسّيادة الغذائيّة التونسيّة ؟

إنطلق تصنيع السّكر في تونس بمبادرة من الدّولة سنة 1961، من خلال بعث ما يُعرف اليوم باسم "الشركة التونسيّة للسكر" بباجة. كما تمّ في ذات الوقت إدخال زراعة اللفت السّكري إلى إقليم الشمال الغربي قصد توفير المادّة الأوليّة الضروريّة لهذه الصناعة الناشئة.

ثم تدعّم هذا التوجّه سنة 1982 بفضل إنشاء "المركّب السّكري التونسي" بجندوبة، بطاقة تحويل تفوق 4000 طن من اللفت السّكري المحلي في اليوم الواحد مقابل 1500 بالنسبة لمعمل باجة. إضافة إلى ذلك تخصّص معمل جندوبة في استخراج الخمير من اللفت السكري بكميّة تزيد عن 3300 طنّ سنويّا، فيما طوّر معمل باجة طاقة تكرير السّكر الخامّ المستورد.

مكن خيار السّكر التونسي، إلى جانب تطوير القدرات الصناعيّة الغذائيّة المحليّة، من تعصير المنظومة الفلاحيّة في أقاليم باجة وجندوبة وبوسالم وغار الدماء، من نظام فلاحي مُمتدّ أي يعتمد على الزراعات البعليّة الكبرى (قمح صلب وشعير أساسا) والبور السّنوي (اعتماد راحة سنويّة للأرض لتمكينها من تجديد طاقتها البيولوجيّة والمعدنيّة) إلى نظام فلاحي مكثف يضمّ التداول الزراعي والريّ وتربية الأبقار.

ونتيجة لذلك ارتفع إنتاج اللفت السّكري التونسي ليتجاوز خلال التسعينات 30 ألف طنّ، على مساحة زراعيّة تقارب 6000 هكتار. وكان يتعاطى هذا النشاط عدّة آلاف من الفلاحين الذين كانوا يستعينون بيد عاملة فلاحيّة متكونة من أكثر من 5000 عاملة وعامل. في المقابل مكنت صناعة السكر التونسي من انتاج ما يقارب 30 ألف طنّ من السّكر الأبيض سنة 1987 (أعلى مستوى لها) أي ما يساوي 15% من إجمالي الاستهلاك المحلي من هذه المادّة.

في الأثناء، ظل الدّيوان التونسي للتجارة، منذ تأسيسه سنة 1962، المورّد الوحيد للسّكر حتى سنة 1992. حيث وقع الترخيص للشركة التونسيّة للسّكر بتوريد ما يلزمها من السّكر الخامّ الذي تتولى تكريره. كما وقع السّماح لبعض الخواصّ بتوريد كمّيات من السّكر. يتولى اليوم ديوان التجارة توريد ما يقارب 60% من احتياجات البلاد، فيما يقوم معمل باجة بتوريد حوالي 40 % من السّكر الخامّ الذي يحوّله إلى سكر أبيض مكرّر.

ساهمت صناعة السّكر المحلي، المستخرج من اللفت السكري التونسي، في تخفيف حدّة الكلفة الماليّة المترتبة عن ارتفاع استيراد السّكر، الناتج بدوره عن الازدياد المتواصل لحجم الاستهلاك الداخلي الذي ارتفع من حوالي 150 ألف طنّ في بداية الثمانينات إلى ما يزيد عن 300 ألف طنّ اليوم. علما بأنّ معدّل سعر الطنّ الواحد في السّوق العالميّة يساوي تقريبا 358 دينار. ممّا جعل السّكر من الموادّ الغذائيّة الكبرى التي تستوردها تونس إلى جانب القمح الليّن والزيوت النباتيّة. وأصبح الثمن الجملي للسّكر المستورد يتجاوز بكثير مجموع ما تجنيه الفلاحة التونسيّة من تصدير القوارص والتمور معا. كما ساهم ارتفاع كلفة واردات السّكر في تفاقم عجز الميزان الغدائي التونسي معمقا بذلك التبعيّة الغذائيّة للسّوق العالميّة، بالإضافة إلى ما يمثله ذلك من ضغط متزايد على مستوى الاقتراض الخارجي.

في هكذا ظروف قرّر المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 15 سبتمبر 1997 إيقاف تجربة 35 سنة من تصنيع السّكر التونسي، والتعويل على السّوق العالميّة لتوفير احتياجات البلاد من السّكر. وكنتيجة لذلك توقفت كليّا زراعة اللفت السّكري، وعرض معمل جندوبة على المزاد العلني حيث وقع التفويت فيه للخواصّ بعد أن أصبح نشاطه مقتصرا على إنتاج الخمير من الدّبس المستورد. أمّا معمل باجة فإنّ نشاطه يقتصر اليوم على تكرير السّكر الخام المستورد.

لماذا قرّرت الحكومة التخلي عن السّكر التونسي ؟ إنّ الحجّة المُعلنة هو الدّعم المالي السّنوي الذي تقدّمه الدّولة لشركتي السّكر، لتغطية الفارق بين سعر تكلفة السّكر المحلي (610 مليم تكلفة الكلغ بمعمل جندوبة، و510 مليم بمعمل باجة) وسعر الجملة الذي يبيع به ديوان التجارة (526 مليم منذ جويلية 1995)، للحفاظ على توازناتها الماليّة ("منحة التوازن"). يبدو القرار صائبا، حيث أن مبرّره هو، كما كان يصرّح به، إحكام التصرّف في الموارد العموميّة، وتحقيق توظيف أفضل لها، وفق ما تقتضيه مصلحة جميع التونسيّين.

لكن ما لم تصرّح به الدوائر المسؤولة هو أنّ الدولة قبضت خلال نفس السّنة 25.2 مليون دينار (م. د.) ، أي الفارق بين سعر السوق العالميّة (معدّل سعر الكلغ 393.9 مليم) وسعر البيع لتجارة الجملة. فيما كان المستهلك التونسي يشتري السّكر آنذاك من تجّار التفصيل بسعر 570 مليم (السّعر الحالي 630 مليم). بعبارة أخرى دفعت الدّولة سنة 1997 حوالي 15.8 م. د بعنوان دعم السّكر التونسي، وقبضت 25.2 م. د بحكم موقعها الاحتكاري على مستوى التوريد وتحديد سعر الجملة. هكذا تصبح الحصيلة واضحة : ربح صافي بالنسبة للدولة يساوي 9.3 ألف دينار بفضل السّكر.

فما ضرّ إذا لو أبقت الحكومة على صناعة السّكر التونسي رعاية منها للأمن الغذائي الوطني وحفاظا على وسائل الإنتاج وعلى الخبرات الفلاحيّة والصناعيّة التي راكمتها الشغيلة التونسيّة في هذا المجال... ثمّ إنّ كلّ هذه الأموال، كانت ولا تزال، تخرج من جيوب التوانسة، لذلك كان من العدالة أن يُطلب رأيهم في الموضوع قبل اتخاذ قرار بهذه الأهميّة.

ثم من لا يعلم اليوم أنّ سعر السّوق العالميّة هو دون سعر التكلفة حتّى بالنسبة لأكثر الفلاحات تقدّما، على غرار الفلاحة الأوروبيّة مثلا. فالمركب الصّناعي الفلاحي السّكري الأوروبي ليس بإمكانه اليوم الحفاظ على وجوده في السّوق العالميّة، أو حتّى عن بقائه كنشاط، لولا الدّعم المالي الهامّ الذي يتلقاه من الإتحاد الأوروبي في إطار السّياسة الفلاحيّة الموحّدة. لماذا تمّت التضحية بالمركب الصّناعي الفلاحي السّكري التونسي بعد أن كان مفخرة من مفاخر البلاد ؟

في انتظار أن يأتي جواب، أقترح عليكم جوابا. إن معاينة بسيطة لتطور أرباح الدّولة المتأتية من تجارة السّكر لسوف نجد فيها المعنى الذي نبحث عنه. قبل قرار إيقاف نشاط المركب الفلاحي السّكري لم تتجاوز قيمة هذه الأرباح، في أفضل الحالات (أي سعر متدني في السّوق العالميّة) 14 م. د. (1994). ثم خلال سنة 1998 أي مباشرة بعد قرار الغلق قفز الرّبح من 9.3 م. د. إلى 23.7 م. د. ثم 30 م. د. (1999) و 35.7 م. د. (2001)، وهكذا دواليك... أمّا اليوم وبعد الترفيع مرّتين في سعر التفصيل في الوقت الذي يتراجع فيه سعر السّوق العالميّة، فبالإمكان تخيّل النتيجة...

هكذا إذا يتضح أنّ منطق الرّبح السّريع وبأيّ ثمن، الذي تسوّقه العولمة الرأسماليّة، قد تغلب بالضّربة القاضية على السّكر التونسي. ويبقى السؤال مطروحا : ماذا جنى التوانسة من هذا الرّبح ؟

(المصدر: الطريق الجديد  - العدد54 – نوفمبر 2006)

 


 

 

قاتلهم يا قاتل شعبك
( صدام حسين في المحكمة )

اطلعت على النص الذي أصدره الصديق صلاح الداودي تحت عنوان هنيئا للرئيس صدام حسين والمنشور بتاريخ السابع من نوفمبر 2006
لفت انتباهي إلى عديد من الأفكار التي أردت مناقشتها في هذا الرد ولو بشيء من الاقتضاب.

يذكر الداودي أن المحاكمة التي جرت للرئيس صدام حسين كانت بحضور رئيس المحكمة الذي ربما لم يكن احد يريد أن يستمع إليه – ربما لم يدر في خاطر صلاح الداودي كذلك أن هناك الآلاف من الذين لانلتقى معهم في كل شيء إلا أنهم كانوا يستمعون بكل انتباه إلى رئيس المحكمة الأمريكية من هؤلاء الذين ركبت دماءهم الثأرية من رجل يقف الآن صلبا صلابا وهو الذي أباح جلدهم قبل هذه اللحظة, وعندما كانت المقاييس بيده على الاقل في مصائرهم ومن حقهم أن يحقدوا وان يركبوا الدبابة المرعبة الوحشية ضدهم ولكن هل ترك لهم الرئيس ذرة لرفضهم الدم ولونه ومن الذي علمهم الحقد والشماتة في النفوس الصامدة والشجاعة حتى انهار لديهم معني الشجاعة إلا في معناها المقاتلى والدموي والاذلالي واستدعاء اللئام على طاولاتهم الشيعية.
نعم هناك في هذا العالم من فتح التلفاز الديمقراطي جدا والذي ينثر الموجات والترددات الهرتزية من الثكنات وهناك من نزل إلى الشوارع في صورة الثائرين المنتصرين وتحميهم القوات القاتلة الأمريكية والبريطانية ولكن كذلك تحميهم من مقاتلي من لا يريدون التلفاز أن يكشف وجه الرجل وهو يؤمر وينهى على عكس ما كان عليه وان يظل الخبر دون اليقين ودون أن يعرف هؤلاء أن الرئيس قد خلع ولم يعد الحكم له أواليه.
 فأين الحقيقة في تقاتل الثارين والجيشين المنهزمين في الآن الواحد,الواحد بالانتخابات التي أسقطته وبالجنود اللذين يموتون كل لحظة باسم المرتزقة والآخرون الذين يهزمون وهم ينتصرون لأنهم هم الباقون في التربة العراقية لأنهم عراقيون بين مرتزقة للعراق وتارة للرئيس والأكثر لله الذي يحثهم تارة على القتال وتارة على إدخال الأمريكان الى بيوتهم.

أين أنت من اتهامك بأنك في نهاية الأمر  من السنة التي لم تكن سوي مع الرئيس وأنا اعرف انك لم تكن معه لأنه لم يكن حتى مع من كان معه ولا أنت مع الرفيقة السنة الحاكمة مع الرئيس و المحكومة بدون الرئيس.ولان الذين شاهدوا المحاكمة ولم يستمعوا للرئيس بل للقلضي هم من يقولون عنك كل هذا .وهو ما يؤكد انك لم تكن الا انحيازيا وسنيا بالمعني العراقي والتفصيل المذهبي العراقي وكذلك القومي والبعثي وعموم العرب من أهل عاش الحاكم مات الحاكم.

في حقيقة الوقائع أن زمن البث كان موزعا بين من يستمع إلى الرئيس ومن كان يستمع إلى القاضي – العسكري –الذي لا يعرف هل انه أمريكي أم انه عراقي لان العراقيون هم الذي وضعوه عراقيا وهم اللذين وضعوه أمريكيا والزمنية الفاصلة بين الحق والقوة غير معلومة.

فأما الملاحظة الثانية فإنها تخص من الناحية قولك في الدكتاتورية وممن ناحية قولك في الديمقراطية مع الالتزام بفهم النص كدرجة ثانية من الكتابة والتي اعني بها الكتابة المفهومية الطارحة للإشكاليات والترميزية التأسيسية.
أورد النص قولك:

كلنا يعلم ،موافقا أو ممتنعا،سرا أو جهرا أن الدكتاتورية هي صنيعة الاستعمار والإمبريالية وكذا شأن الديمقراطية التي هي أخطر وأتفه إيديولوجيا ما بعد كولونيالية متزامنة مع الدكتاتورية والاثنتان وليدتا الإستقلالات الوهمية أو الناقصة أو الموهوبة أو الإستقلالات المغدورة  سواءا أ مثلها الإسلاميون أو الوطنيون أو القوميون أو الاشتراكيون،وكل هؤلاء تأرجحوا أو يتأرجحون الى اليوم بين الإمبرياليات الأمريكية أو الأوروبية أو الآسيوية أو السوفيتية....حتى أن الأغلبية المطلقة من أنصار ومناصري هؤلاء من المثقفين تحولوا إلى ليبراليين يولدون أمواتا كما يولد نمط الإنتاج الرأسمالي ميتا كما يقول كارل ماركس
.
أولا من الناحية المعرفية فان هذا التعبير غير دقيق لا في تخصيصات وتفصيلات المفاهيم والمصطلحات ولا من ناحية الأفكار التي نحت منحى إطلاقي وفي صيغة أحكام لاهي مشدودة إلى زمنية ولا إلى احداث ميدانية وهو ما يعني الإيغال في التعميمية و المحيلة على الإحباط
فالذي تناولته هو في عموميته إذا سلمنا أن له عمومية تذكر يمثل تمظهرا من تمظهرات الواقع المادي والثوري في منشأه على الأقل وهو حقيقة مادية لفهم العالم حتى كان في طرحه الطوبوي أو الشمولي أو الدكتاتوري او الشوفينى أو في نازيته البشعة ولا غرابة عندي إذا ما قلت أن هذه التلونات المختلفة فيها من الجزئية الثورية في لحظة ما ولا يجب التغافل عنها في تفكيك  العالم الذي نحياه ونريده حيا في اطلاقيته ومن هذه الناحية يكون قولك ذاهبا إلى العدمية والاطلاقية في تقبل الواقع البشري الذي يحوم في فضاء التناقضات المصيرية ومن بين ما ذهبت إليه حسب ظني انك أعدمت الفكرة المركزية في التعاطي مع الحياة السياسية والاجتماعية وفي الاستراتيجيات العسكرية وهي التناقضات وما أهملته في مقالك ربما الجزء الآخر في المحاكمة المحكمة هي أنها تجري في التناقضات وإذا ما سلمت على هذا النحو من الرأي فان المشهدية في المحاكمة كانت في درجة متقدمة جدا من التناقضات.

وبما انك ذكرت العديد من التحديدات فإنني أعرج فقط على واحدة وهي الدكتاتورية.
-الدكتاتورية ليست بالضرورة نتيجة الاستعمار,إنها اعم من حيث التعريف والتاريخية وهي من جهة التداخلات تعبر كذلك عن كونها أسلوب إدارة في التحكم وفي إدارة الحروب وفي تنظيم المجتمع وتقسيم العمل وفي التربية والتعليم.
الدكتاتورية الألمانية لم تكن نتاج أو وليدة الاستعمار وإنما كانت قوة لاستعمار الأخر بما فيه الدكتاتوريات التي تحولت إلى الاندثار على اثر مهاجمتها من قبل الدكتاتورية الألمانية أما التاريخ السلطوي العربي و الإسلامي الذي انشأ الاستبداد وولد عليه العسف التاريخي إلى اليوم لم يكن نتيجة الاستعمار بالضرورة ومن ذلك أن حالة الدكتاتورية العربية اليوم لا توكل إلى الاستعمار كلية.
فهم الدكتاتورية لا يخضع إلى العين وإنما إلى المجهر الواقعي و التاريخي الذي هو ليس سوي إلية التجريح الخلدودي الدقيق فبتفكيك الخبر والخبر الأكيد الآن ربما ندعيه في خطابنا. هذه المحكمة الاستعمارية الحاكمة على الرمز الدكتاتوري الذي يظهر محاكما للبربرية الحديثة وربما لبربرية مارسها هو ذاته بأبشع أسلوب عندما كان لا يقيم المحاكمات الصورية للاستماع الصوري والوهم العلني وإنما كان يحاكم في الخلاء بالزناد الفردي .

اورد النص قولك:
نحن إذا بمواجهة تفكير مشوه،لا بل "اغتيال للعقل" أو "تحطيم للعقل"كما يقول "لوكاتش".وهي حالة عقل محافظ ومريض بتبعيته للغرب.افتقاده لمصيره"وعبوديته الطوعية".
ليست المعاني التي يتحملها هذا القول الذي أخالفه بل أسانده بما هو فكرة قائمة على مقاومة للانهيار, ولكن العلة والمصيدة هنا تكمن هذه المرة في التدميرية دون الحث على المعالجة وهو الجزء الثاني من معني المقاومة التي تتخذ في كثيرا من معانيها النقد الني تشوي مع إدراك أن العملية ليست من مذهب الميكانيكا وإنما من الديالكتيكية المادية في تفكيك واستيعاب الوجود الاجتماعي فالسياسي فالعسكري ومنه المحكمة التي ذكرت.والرجة الثانية تأتيني من تناول التبعية للغرب الذي جاء في معني سطحي ولكن محمول على حزمة من المفاهيم مما يجعل النص ينخرط في إفراغ الكلمات من مدلولاتها العميقة والتي تتجاوز على الأقل حزمة من المعاني النقدية والتأسيسية في نفس الوقت والحال انك من التاسسيين بإقرار منى في تواضعه.

اورد النص قولك:
لا غبار على أن آخر من حكم العراق أي البعث العربي الاشتراكي لم يأتي بالاستعمار وإنما دافعا ودفقا قاصد أم غير قاصد إلى حالة مقاومة شرسة لم نعرف بعد قيام ما يضاهيها.فهي بالفعل فياتنام ثانية أو ثالثة.
هذه المقاربة المتداخلة تنطوي على فكرة أن البعث منذ بدايته إلى اليوم هو بعث واحد في حين أن البعث هذا الموصوف بالعراقي كان ابعاث متعددة في التجربة العراقية على الأقل من البعث الثائر إلى البعث القاتل إلى البعث المقاتل وبينهم الخونة والمرتزقة وبينهم الكفاحية والنضالية العراقية البطلة وهو الآن لا تتصف بالعراق ألبعثي مثلما كان قبل قليل وإنما هو ألان البعث العراقي الذي يمثل الجزء العراقي وعلى خلاف البعث – الدولة الدكتاتورية فان المقاومة المتعددة الأطياف هي التي تمد للبعث المقاوم اليوم جزءا من الشرعية

الفكرة التي أريد أن أناقشها تكمن في اقتناعي الموضوعي أن العراق الآن حركة من المواجهة العارمة والتي من  اقرب الاحتمالات أن تؤدى إلى نشأة دكتاتورية جديدة تحت شرعية ما